أمريكا المستبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم "العولمة" - Michel Bugnon-Mordant -ترجمة:د.حامد فرزات

ترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول : نحو قيام الأمة المشمولة بالعناية الآلهية

من أين أتت أمريكا؟‏

شعر الإنكليز بدورهم بالحاجة إلى اجتياز المحيط بعد أن مضى حوالي قرن كان خلاله الأسبانيون والبرتغاليون ينهبون القارة الأمريكية. ولم تكن الشؤون الحياتية بعيدة عن هذه الحاجة التي وَلَّدت لدى الكثيرين الرغبة بالهروب إلى الملجأ المثالي. وصف توماس مور، مستثار الملك هنري الثامن في كتاب "الوهم Utopia"، كتائب النبلاء بالذباب الذي يقتات على جهد الآخرين. وكان الأشراف العاطلون عن العمل وغير السعداء مصدر إزعاج لأنهم لا يخدمون المجتمع بشيء عندما يُسَيِّجون الحقول ليجعلوا منها مراعي لقطعانهم الخاصة بهم حارمين بذلك الفلاحين أصحاب الدخل الضعيف من الزراعة التي كانت تمارس بكل حرية في السابق، وكان الأغنياء وهم الأقلية المحتكرة يديرون الحقول لخدمة مصالح المستولين عليها دافعين بذلك الناس الفقراء نحو الجوع والعوز. فكيف لنا إذن أن نستغرب لجوء هؤلاء الناس للسرقة من أجل العيش ؟! تذرّع ريتشارد هكلوت، في كتابه "الإبحار الأساسي، رحلات واكتشافات الأمة الإنكليزية " في نهاية القرن السادس عشر، بالوضع الصعب للاقتصاد الإنكليزي آنذاك ليشجع بقوة مواطنيه لاستغلال الأسواق الجديدة في ما وراء البحار من أجل إنتاج النسيج والاستفادة من مصادر المواد الأولية، مما يسمح بالاستغناء عن المواد الأولية التي تبيعها أسبانيا بأسعار عالية، وتمكين إنكلترا من الانتقام من منافسيها بتطبيق الحصار عليها وإغلاق المنافذ مما قد يدفعها إلى الدمار ويحطم قوتها. من جهة أخرى سيقدم إنشاء المستعمرات الجديدة حلولاً للمشاكل الاجتماعية وسيسمح بإرسال المشاغبين لاستصلاح الأراضي المستولى عليها حديثاً وبأرخص التكاليف والتخلص منهم، وفي الوقت نفسه تطوير تجارة مزدهرة بين أمريكا وإنكلترا. وعندما تنشر في هذه الأماكن غير المتحضرة الكلام الطيب وتدعو إلى الديانة الحقة والوحيدة المتوحشين الذين يعيشون فيها تكون قد أضافت للعملية الكمية المطلوبة من النفحة الإيمانية.‏

قام إذن استعمار أمريكا منذ البداية في إطار أيديولوجي ثنائي الهدف. كان البحث عن الثروة هو بالطبع الهدف الأساسي ، ولكن أيضاً كان هناك الهدف الآخر وهو العمل على تمجيد خلق الله. أضاف إذن المستوطنون إرادة روحانية لشعب يدعي بأنه شعب مختار، لإقامة مجتمع جديد مميز قادر على إعطاء الدروس لباقي العالم وجاءت هذه الإرادة لتضاف إلى "جوعهم للأراضي" وإلى هشاشة أوضاعهم. يقول المؤرخ الأمريكي دانيال بورستين حول هذا الموضوع في كتابه الموسوعي(1) :"لم يكن هناك شعب في التاريخ واثق من أنه على الصراط المستقيم مثل الشعب الأمريكي".‏

كان وراء اندفاع الحملة الكبرى جمعية أبرشية سكروبي Scrooby وأتباعها هم أنصار نظرية متزمتة صارمة وقاسية. ذهب أعضاؤها في عامي 1608و1609 إلى هولندا للبحث عن ملجأ. وحملوا معهم في حقائبهم أفكاراً متعصبة ورؤية متشائمة قائمة على القناعة بأن الخطيئة موجودة في كل زمان ومكان، ولكن كان لديهم في نفس الوقت القناعة بأن لا أحد جدير أن يلتحق بطائفتهم بحق إن لم يكن مكتوباً له ذلك باعتبارهم اتباع الداعية "كالفان Calvin". ولم يكن يسمح لأحد بالانتساب لهم على كل حال قبل أن يقدم البرهان على استقامته في عقيدته الدينية، كما لم يكن هناك مكان للمعترضين أو المتشككين أو لأصحاب الرأي الحر.‏

استقلوا في 16 أيلول المركب ميفلوار Mayflower ووصلوا في 11 تشرين الثاني إلى كاب كود). وفي 21 منه كتبوا ميثاق العهد ميفلوار وتركوا المركب على اليابسة في 11 كانون الأول. فاكتسبت الهجرة إلى أمريكا بالنسبة لهم المعنى الذي عرفته لدى المسلمين، أي كانت رحيلاً موحى به من الله من أجل بناء "صهيون" جديدة فوق أراضي بعيدة.‏

لقد كانوا مأخوذين بقناعة ألا وهي أنهم يجسدون قدراً سماوياً ولم يكن أحد في كل مدن إنكلترا الجديدة يشك بأنه عامل إلهي. أما مرجعهم المطلق فكان التوراة ومنه كانوا يستمدون رؤية الواقع بشكل مشوه. فكان كل عضو منهم يرى بأن الشعب الجديد هو شعب الله، وكل خصم كائن من كان) يختلف معهم حول هذا النموذج اعتبر عدواً لله، وتتم معاملته على هذا الأساس. وكل ما يحدث كان سببه الله أو الشيطان، وراح الكتاب ورجال الكنيسة والمثقفون والأساقفة وعلماء الأخلاق يتنافسون بالمديح.‏

على سبيل المثال كان وليم ستوغتون 1631-1701) وهو مواطن من ولاية ماساشوست، يرى أن أمريكا هي أمة اختير مواطنوها بعناية فائقة. فقد عمد الله في اختياره كما يعمل الذين ينخبون الحبوب بالغربال ويفصلون الحب الجيد عن الزوان، وهكذا باستطاعة الحب الجيد أن ينمو في وسط الصحراء.‏

أما بالنسبة لصاموئيل سوال 1652-1730) وهو رئيس المحكمة التي حاكمت ساحرات سالم، فقد رأى أن إنكلترا الجديدة هي المكان الذي ستشاد فيه القدس الجديدة.‏

وآخر هو مايكل ويفلسورث 1631-1705) كان واحداً من أولئك الذين أدلوا بدلائهم كشاهدين على بدايات المستعمرة الأمريكية تاركين العنان لأنفسهم لهذيان قومي وروحاني.‏

ووصف وليم بيرد 1674-1744) في مذكراته التي كتبها بين عام 1709 و1712 مستوطنته حيث كان يعيش فيها حياة بطريرك يسهر على قطيعه من المؤمنين، بأنها كبلاد كنعان حيث يعيش كل من فيها بسعادة.‏

وليس هناك حقاً ما يعادل من حيث النوعية والجانب الحماسي، التمجيد الذي أطلقه كوتون ماتر 1639-1723) الذي كان من عائلة مثقفة وكان كأبيه لامعاً وموهوباً وعاملاً مثابراً وقد دَرَّس في هارفرد ثم ترأسها بعد عدة سنوات، بعد ذلك عمل كراعٍ للكنيسة الثانية في بوسطون حتى وفاته. أطلق العنان لنفسه في الكتاب الذي تركه لكي يصف خارجاً عن المألوف القدر المراد لأمريكا فكان كتاباً واسعاً ومذهلاً.‏

وفي تركيزه على حياة جون وينتروب حاكم مستوطنة ماساشوست من عام 1629 حتى وفاته عام 1649 شبّهه بالنبي موسى الذي قاد شعبه المختار إلى الأرض الموعودة. ولم ينس وينتروب نفسه رغم أنه بشكل عام كان أقل مبالغة من "ماتر" أن يؤكد في مذكراته بأنه وأصحابه في خدمة المسيح وأنهم يرتبطون معه بعهد وأنه حَمَّلهم فريضة خلق طائفة على الأرض الأمريكية تكون في مأمن من مغريات هذا العالم خاصة بهم، فهم جميعاً أعضاء لجسم واحد متحد وهم شعب الله. لقد كتب يقول: "سنرى بأن إله إسرائيل سيكون بيننا، وسنقيم مدينة مشادة على رابية، وكل العيون ستتجه نحونا".‏

عظم "ماتر Mather" مهمة شعب إنكلترا الجديدة في كتابه‏

The wonders of the invisible world) الذي نشره عام 1693. وتقوم هذه المهمة على نشر ملك الله حتى تخوم كامل الكرة الأرضية. حيث كتب يقول إنه قبل مجيء الحجاج الأوائل كانت أمريكا أرضاً للشيطان الذي استخدم كل قوته وكل حيله ليمنع استيطان المستعمرين، فإذا فشل سيعمل جاهداً على زعزعة استقرارهم وقلعهم من جذورهم. وسيضطهد شعب الله كما فعل ذلك سابقاً في الجهة الثانية من المحيط وبعون جماعته الذين يساعدونه. وسيثير ضدهم مؤامرة قوامها من السحرة الذين تجمعوا في جيش من الملائكة الأشرار، وقد سبق لهؤلاء الملائكة أن عاثوا فساداً في مستوطنات مجاورة وقع أهلها معاهدة مع الشيطان، اقسموا فيها أن يساعدوه في مخططه الجهنمي وهو أن يسحر البلاد لكي يحسن تدميرها. وقد اعترف بعض السحرة بجريمتهم فأقروا أن الشيطان أقام مجموعة من اتباعه ثم التحق آخرون بهم وكان هدفهم دائماً هو إبادة الديانة المسيحية من إنكلترا الجديدة واستبدالها بالديانة الشيطانية التي لم يسبق للعالم أن عرف أسوأ منها.‏

ومن بين الدفعة الأولى للمستوطنين سوف تنبثق السمّات المؤسسة للأيديولوجية الأمريكية، هذه الدفعة من الاتقياء في إنكلترا الجديدة التي سوف تخلد من خلال تعاقبها. وهكذا تأتي القناعة الجديدة بالإضافة إلى الاعتقاد بأن كل عيون الأمم ستتجه بنظرها إلى المستوطنات، وهذه القناعة هي أن الأمة الأمريكية تمتلك مصيراً مميزاً وبأنها قد اختيرت لتعليم العالم شيئاًً ما. وتحت تأثير مذهب كالفان لم تكن هذه الصفوة تشك بأنها من عرق ذي رسالة سماوية.حول ذلك كتب جان بيرنيجه يقول بأنه "جاء زمن الكبرياء بعد سنوات كان الأساس فيها العمل على البقاء، لقد تبين للأمريكيين تكاثرهم ونموهم وازدهارهم وتوصلوا عن طيب خاطر إلى القناعة بأن ذلك هو الدليل على حماية الله لهم لأنه كان راضياً عن فضيلتهم".‏

لا شيء يمكن له أن يعادل الشهادة على أنه كان للأمريكيين الأوائل القناعة بامتلاك الحقيقة الوحيدة كالتأكيد التالي لفرنسيس هيكنسون في كتابه‏

New England's Plantation) حيث يقول:"راحتنا الكبرى وحمايتنا العظمى هو أن نُعلّم هنا وفي وسطنا الديانة الحقة والوصايا المقدسة لله القدير" وأضاف يقول:"وهكذا فنحن لا نشك بأن الله معنا، فمن القادر إذن أن يقف ضدنا إذا كان الله معنا ؟"‏

شعب الله:‏

لقد فرض هذا الشعور نفسه بأن الأمة الأمريكية تجسد حقيقة سياسية واجتماعية في كل مكان، وظلّ ذلك ظاهراً في تصرفاتها حتى يومنا هذا. وكانت الأمة لا تعتقد بأنها يمكن أن تكون على خطأ لأن الله يؤيدها. ولذلك كان كل موقف معادٍ لها تعتبره غير مفهوم ويوصف باللاشرعية. وكان الحكم على كل من لا يظهر استقامة ارثوذكسيه في عقيدته الدينية هو طرد المذنب من المجموعة في الأزمان الأولى للتأسيس، ووجب على كل من لا يريد بناء صهيون جديدة الرحيل، ولم يكن يسمح إذن لأية معارضة.‏

من هنا تأتي النظرة الأخلاقية لكل المسائل ولما كانت الموعظة في القرن السابع عشر التي لها خاصية تميز الكلام عن الكتابة علامة التعبير الصارم وجب إذن عند إعطاء أي موقف رسمي العمل على إصداره بشكل خطابي علني ومنشور وخاصة إن تعلق بقيم معروفة ومشتركة بدهياً بين الخطيب وجمهوره. واتفق معظم المؤرخين الأمريكيين من خلال أسلوب الحياة في إنكلترا الجديدة عادات خشنة، بساطة في اللغة تتجه نحو الفعل، أسس فكرية) على اعتباره تجسيداً للطريقة الأمريكية في العيش أثناء القرون السابقة. أما المضمون لم يلتفت إليه أحد بكل بساطة، وهكذا خلقت تلك الفكرة من الجمعية الرهبانية بأن الرابط الذي يجمع بين البشر المشتركين بعدد من المعتقدات ينشيء مفهوماً ديناميكياً للعلاقات الاجتماعية يمييز بين الذين يتقاسمون نفس المعتقدات عن أولئك الذين لا يتقاسمونها.‏

ومن هنا قام مفهوم "النادي" الذي نراه اليوم في منظمات حديثة مثل الحلف الأطلسي ومجموعة الدول السبع ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.‏

وأوجدت الشرعية الموجهة ميزة أخرى لمفهوم التزمت استخرجت من المعتقدات المشتركة من أسلوب الحياة قوانين يمكن تطبيقها فيما بعد على الواقع المعاشي، ولم يكن أمام المتزمتين في إنكلترا الجديدة أي صعوبة بإيجاد نسباً مريحة ذات نية مبيته من خلال التعاليم التوراتية التي كانت تحكم تصرفاتهم ومن خلال التشريع الإنكليزي الذي كان يؤلف الشكل التوافقي لحياتهم. وكان المفهوم الذي يطبق النص القانوني على وقائع عملية هو من الطبيعة نفسها للمفهوم الذي يسمح لقانون الولايات المتحدة وخاصةً منذ المذهب الفقهي لمونرو عام 1823 أن تفسر الوقائع الدولية على ضوء مصلحتها فقط. وظهرت عدة تأثيرات تركت جميعها بصمتها في عقلية البلد مع امتلاء الأراضي بالناس.‏

تدين حديث العهد ، وتعنت فكري:‏

كان نشوء جماعة أصدقاء المجتمع الأخوة البروتستانت) واعداً بسبب روح التسامح في معتقدهم وقد ساعد الميثاق الذي منح عام 1681 لوليم بن على نشوئهم فجاؤوا إلى بنسلفانيا، ولكنهم لم يلبثوا أن أضافوا للإيديولوجية الأمريكية بعض العناصر الأقل تقديراً. فإذا كانت نظرة المساواة المبالغ فيها والظاهرة في بساطة لباسهم وفي طريقة كلامهم قادرة على جذب تعاطف الآخرين، إضافة إلى تعاطفهم مع الهنود فإنها كانت تتعارض مع الطريقة الوحشية التي يتعامل بها معهم المتزمتون. وإذا كان لابد لحيويتهم التي أثبتوها من أن تشد الإعجاب وخاصة إذا ترافقت مع شجاعتهم ومثابرتهم إلا أن دعوتهم للشهادة وصلابة فكرهم كانت على عكس ذلك. فنـزوعهم لترك الأماكن حيث يمارسون فيها كهنوتيّتهم بسلام من أجل أن يذهبوا إلى أماكن أخرى كان تعنتهم لا يسبب لهم إلا الرفض والإذلال. وهو ظاهر في أيامنا هذه وبشكل خاص في السياسة الدولية الأمريكية تحت شكل معارضة لكل حل وسط.‏

وتعمد الحكومات الأمريكية على تمرير وجهة نظرها دون تنازل، وبكل تعنت ومن دون أي تأثر بوجهات نظر حلفائها مع تمسكها بسلوك يبدو لها أنه الوحيد القادر على إيصالها للهدف غير آبهة بالمعارضة وبالانتقادات الأكثر شرعية. وقد ساهمت القناعة المشتركة التي كانت موجودة لدى المتزمتين في إنكلترا الجديدة ولدى الأخوة البروتستانت في بنسلفانيا بأنهم يشكلون شعباً مميزاً، بدعم شعور الشعب الأمريكي المستقبلي بأنه شعب مختار من قبل الإرادة السماوية، ومن هنا شعر أنه مُخَوَّلٌ بأن يفرض وجهة نظره على العالم أجمع. فمن "شرطة الإنجيل" إلى الأخوة البروتستانت تدرجت بعد ذلك الولايات المتحدة بشكل طبيعي حتى وصلت إلى لعب دور "شرطة الكوكب".‏

غموض نفسي وغياب لكل اعتبار:‏

إذا كان مشروع تأسيس مستوطنة جورجيا عام 1730 قد اعتمد على رجال كان لديهم التصميم على رفض فساد وأنانية العالم القديم، فإنه لم يتوان أبداً هو أيضاً عن إبراز سلبية الروح الأمريكية. فالرغبة بالعمل الصالح التي تبناها رجال ذوو مشروع غامض ومبهم وجامد في آنٍ واحد قد انتهى إلى الوصول إلى لا واقعية غامضة وساهم بتعزيز الأيديولوجية الأمريكية بوجهها الأكثر عناداً وغير المتسامح والذي لا يحترم كل من لا يتعايش معه. وإذا انتهت مستوطنة جورجيا بالغرق ضحية نظرية الوصاية وعدم استعدادها لكنها لم تتأخر أن تطبع أمة المستقبل بطابع نفسي مبهم ورغبة جامحة بفضل التبرعات والمساعدات البرلمانية باتباع الصرامة عند وضع بعض المبادئ التي تخلت عنها عند مواجهة الواقع بعد أن كلفت الكثير وأدت إلى الخيبة.‏

حكم الأقلية و"الذرائعية":‏

المستوطنة الأخيرة التي ساهمت بشكل معبر بتكوين العقلية الأمريكية هي مستوطنة فرجينيا.‏

رغم أنها كانت قائمة منذ بداية القرن السابع عشر إلا أنها رسخت قواعد تميزها في أواسط القرن الثامن عشر، كانت فرجينيا مستوطنة أرستقراطية والأرض المفضلة للإنكليز الميسورين الذين كانوا يبحثون عن مكان ليتابعوا حياة النبلاء ملاك الأراضي، الذين تضرروا بتطور المجتمع الإنكليزي الذي جعل مستقبلهم غير واضح. وكانت فرجينيا قد أصبحت ملكاً لحوالي مئة عائلة تقاسمت الأرض والثروات وكانت هذه العائلات تتناقل الثروة عن طريق الزواج فيما بينها ضمن طبقة اجتماعية مغلقة. وبما أن أرستقراطية فرجينيا قائمة على المال أكثر من قيامها على التكاثر البشري فقد جسدت عناصر النفسية الأمريكية وشكلت الواقعية والتشبث بالعمل الشاق والنزعة لإقامة المشاريع والميل للدراسة ذات السّمة البراغماتية وروح المسؤولية وجوهها الإيجابية. إلا أنه تم تعديلها عن طريق التمثيل الرأسمالي والنزعة التجارية وما يحملانه من إفساد دنيء.‏

وأضحت الواقعية مضاربة والنزعة لإقامة المشاريع اتجهت كلياً نحو البحث الجامح عن الأرباح أينما وجدت ومهما كانت نتائجها ووضعت الدراسة والثقافة نفسها ضمن منظور التطبيق الصرف من أجل زيادة المداخيل والأرباح. فزالت بشكل خاص الحدود بين السياسة والاقتصاد، وأصبح المزارع رجل سياسة ولم تعد تُحكم الجماعة بغية تحقيق النفع العام. ولكن أصبحت تدار كما تدار المزارع مع التركيز على نفع المحكومين الذين هم في وقت واحد المقررون والمستفيدون من الإجراءات المتخذة لأن بأيديهم السلطة والأرض والمال.‏

انشغلت طبقة العائلات الحاكمة بشكل كلي بالنضال ضد المنافسة الدولية وبامتلاك الأراضي ذات الأبعاد غير المحدودة، كما أنها اعتادت على التصرف بالأموال العامة حسب مصلحتها المباشرة كما رأينا ذلك في حالة جون روبنسون رئيس الديوان وأمين الخزينة في فرجينيا الذي أقرض عند وفاته عام 1776 أكثر من 100 ألف جنيه من المال العام إلى أصدقائه. لهذا لم تفكر طبقة العائلات الحاكمة بتغيير أو زعزعة البنية الاجتماعية القائمة التي لم يصبها أي تعديل جدي بين 1680-1750. وإذا كان كبار أهالي ولاية فرجينيا أمثال واشنطن وجفرسون وماديسون ومنرو) قد ساهموا بنجاح هذه الأمة بفضل صفاتهم الجدية وحكمتهم وحذرهم وفصاحتهم ونبلهم، إلا أنه بقي الفعل محصوراً بتأمين نجاح الثورة في الهدف الأساسي من أجل الحفاظ على نمط من الحياة ألا وهو نمط الصفوة الفرجينيية فأعطوا البلد نموذجاً اجتماعياً سياسياً كان لابد من المحافظة عليه.‏

إذا كان واشنطن من بين الآخرين قد انكب على العمل لتوسيع أملاكه الشخصية وهو الذي وصفه دوغلس فريمين بـ "صياد الأراضي"، حذّر في هذه الأثناء جفرسون مواطنيه ممن أسماهم بـ"الأرستقراطيين المشوهين". فهو يقول بأنه يوجد نوعان من أشكال الأرستقراطية، ينبع الأول من سمو طبيعي ويضم أفراداً أصحاب أخلاق ومواهب الذين هم الثروة الأكثر أهمية التي يمكن أن تهبها الطبيعة للناس. والنوع الآخر هو مصطنع يقوم على الثروة وعلى الولادة دون أن يعزز بأية فضيلة وموهبة لذلك هذا النوع يجسد على عكس الأول خطأً خطيراً. ولقد ضاعت الأمة بسبب تدخلهم في الحكم. و يجب أن يحمي الشعب نفسه من هؤلاء "الأرستقراطيين المشوهين" كما يسميهم جفرسون من أجل ذلك يكفي أن نتركه ينتخب الحكام بحرية فإذا كان الشعب حراَ يعرف كيف يختار بروية.‏

هذا الغموض بل هذه الازدواجية بين الخطاب الأخلاقي وبين أفعال الطبقة الحاكمة المغلقة استمر طيلة التاريخ الأمريكي.‏

الأمة الأمريكية:‏

كرست الثورة التي أدت إلى إعلان الاستقلال عام 1776 وإقامة السلام مع إنكلترا 1782-1783) قيام أمة متماسكة بشكل كاف حيث نستطيع أن نؤكد أن شعبها قد كون كياناً متماسكاً ليس هذا فقط ولكنها كرست أيضاً عقلية مؤلفة من شبكة عناصر أيديولوجية لم تتبدل جوهرياً. وعلى رأس هذه العناصر القناعة المترسخة أكثر من أي وقت بأن الدولة الجديدة قد اختارتها الإرادة السماوية ومن هذا الخيار نتج فيما بعد الشعور بواجب القيام بهذه المهمة الكونية بجدارة.‏

الصفح التاريخي:‏

بعد أن اتخذ الأمريكيون بعدهم الشخصي عن الوطن الأم السابق إنكلترا، لم تتأخر الفكرة التي وضعها الأمريكيون لمتابعة المسيرة من أن تتخذ طريقاً لها. هذا التباعد لم يكن فقط سياسياً بل أصبح أيضاً ثقافياً، فمنذ عام 1770 حيث تمت القطيعة على الصعيد الفكري كان واضحاً للجميع بأن الهجرة إلى قارة شمال أمريكا ستؤدي لقطيعة نهائية تماماً كما حدث بالسابق مع الأنكلوسكسونين الذين تركوا شواطئ البلطيق واتجهوا إلى الشواطئ الإنكليزية، أو كما حدث مع العبرانيين الذين وصلوا إلى الأرض الموعودة. وبسرعة فائقة كانت القطيعة الزمانية والمكانية واقعةً. واعتبر الأطلسي هذا الحيز المكاني الشاسع الذي لا يعود لأحد كحدود طبيعية على الصعيد النفسي وكذلك شجع العزلة المكانية. أما بالنسبة للزمان فيندرج رحيل الطلائع الأولى للمهاجرين من أوروبا في الإطار المنطقي لتاريخ سماوي، تاريخ ميلاد أمة جعلها الله أمته من أجل أن تكون أداةً لإرادته.‏

من هنا برز غموض أساسي بل ازدواجية في المفهوم الذي جعلته الولايات المتحدة لقدرها. غموض وصف بدقة من قبل اليز مريانسترس Elise Marienstras. فقد أرادت لنفسها أن تكون خارج الزمن وخارج التاريخ ولكنها في الوقت نفسه أرادت أن تكون وريثة الحضارة الأوروبية التي حملت منها المشعل. لذا كرست الأمة الأمريكية نفسها لهذه الثنائية في خطابها وفي الصورة التي أعطتها عن ذاتها. إذ لم تنتج الثنائية عن مفهوم ثقافي ولا عن مفهوم تاريخي ولا عن مفهوم دولة الأمة حسب رؤية هيجل ولا عن مفهوم جان جاك روسو لها، فهي شيء من كل هذا، فكلها مفاهيم تضافرت للتواجد فيها.‏

بلا إنها روسويه طبقاً لمنشئها التعاقدي حيث أنه يفرض استمرار وجودها طالما لا تنفصم العلاقة القائمة بين المواطنين. بالطبع هي مصطنعة قامت من إرادة الأفراد الذين شكلوها لذا تندرج ضمن إطار كيان جديد قام على أرضية وضعت جانباً كل موروث فكري الصفح) ولكن وبعيداً عن هذا التوافق المفترض يضاف إلى هذه الثنائية في المفهوم مفهوم آخر له طبيعة تاريخية وعرقية في الوقت ذاته.‏

وبالرغم من إعلان مؤسسي الولايات المتحدة قطيعتهم مع إنكلترا وأوروبا وبأنهم أنقياء من أي خلفية تاريخية أو أي استمرارية زمنية إلا أنهم اعتبروا أنفسهم استمراراً للغة ولثقافة ولتقاليد قاموا باعتمادها وأرادوا عن طريقها أن ينصبوا أنفسهم مرجعاً مطلقاً لباقي العالم. وبما أنها ذات هوية عضوية مختلطة الأجناس لذلك كانت الأمة الأمريكية ملاذاً مفتوحاً للجميع، وقامت في الوقت ذاته باستبعاد كل من لا ينتمي إلى تعريف اثني ضمني: إنها الأمة البيضاء الأنكلوسكسونية البروتستانتية التي شكلت "عرقا"ً مميزاً، وينبغي أن ينصهر في قالبه كل راغب للانتساب للأمة حتى يصبح المنتسب جزءً منها. ومهما فعل السود والهنود فهم إذن بطبيعة الحال مستبعدون من الأمة، إلا إذا تخلوا عن هنديتهم وعن زنجيتهم. وفي نهاية المطاف وعلى كل المستويات فإن الأمة الأمريكية تقوم على الاستبعاد والعنصرية، رغم أنها تنفي ذلك بقوة. الاستبعاد أولاً هو اقتصادي لأن السلطة الحقيقية مصادرة من قبل طبقة المالكين رغم وجود نوع من الحركية الاجتماعية بسبب تعظيم فكرة تشجيع إقامة المشروع التي ظهرت بشكل كبير أثناء الانقضاض على حقول تبر الذهب وعلى أراضي الغرب. ولكن الاستبعاد ليس فقط اقتصادياً، فقد استقرت في العقول رؤية للواقع ثنائية القطب حيث نميز من جهة الجانب الحضاري المسيحية والأوروبية الغربية) ومن جهة ثانية الهمجية الهنود ثم السود). أمام الضرورة التي كان عليهم إثباتها من أجل تبرير قيام الأمة بحث الأمريكيون عن طريقة يتمكنون فيها أن يتميزوا عن الشعوب التي تعيش معهم على الأرض نفسها، ولكنهم يختلفون عن الصورة التي أعطاها الأمريكيون لأنفسهم كأوروبين ، فهم حسب ما كانوا يصرحون به على درجة أعلى منهم ومكلفون بمهمة مقدسة.‏

تتجسد هذه الثنائية القطب في صورة معقدة تتألف من وجه إيجابي ظاهر للعيان وآخر مظلم مخبأ ولكنه مع ذلك محسوس. وإضافة لكونها أمة تعاقدية فهي أيضاً عضوية لأنها متوارثة من هنا جاء تقديس المؤسسات واللغة الأم وتعظيم مكانة الأبطال المؤسسين. إنها الأرض التي طلبت الحرية والتسامح ولكنها أيضاً أرض الاستعباد الاقتصادي والاتني، ورغم كونها خارج التاريخ والزمن إلا أنها لم تكن أقل ارتباطاً بالتاريخ عن طريق أصل شعبها وعن طريق الرسالة التي كان هذا الشعب يعتقد أنه مكلف بها. ورغم أنها شيدت على قيم أممية إلا أنها انفردت بعدد لا يحصى من القيم المصطنعة، أما ادعاؤها بأنها تشكل مزيجاً متجانساً فقد قام على حساب قسم من الشعب نحي جانباً لأنه مختلف.يكفي الموقف من الهنود وحده لإظهار وجهها غير المتسامح والعنصري والمستبد. أصبحت الحادثة الأولى أسطورة تتكلم عن العلاقات ما بين الهنود والمستوطنين، إنها حادثة جون سميث الذي نزل في فرجينيا عام 1606 وأسره الهنود ثم أنقذته الأميرة بوكاهانتس. كتب سميث يقول:"إن الله القدير قد دب الرحمة في قلوب هؤلاء البرابرة القساة وجعل قلوبهم ترق". ووصفت ماري رولندسون التي وقعت أسيرة أيضاً بأيدي الهنود بين 10 شباط و 2 أيار 1676 اللحظات التي قضتها معهم ولاحظت منذ الليلة الأولى زئير وأناشيد ورقصات وصراخ هذه المخلوقات السوداء في الليل التي جعلت من المكان أشبه بجهنم، ولم تكن ترى فيهم إلا وثنيين قد رأى الله الرحيم أنه من المفيد الاحتفاظ بهم فكانوا تحت سيطرة الشيطان حتى أثناء تدخينهم التبغ الذي كان خدعة يستعملها إبليس لكي يذهب بعقولهم. وقد ذهب "كوتان ماسر" إلى أبعد من ذلك فقال:"إن الشيطان قد درب الهنود واتى بهم إلى هنا ليمنعوا أصحاب الإنجيل من تهديم سلطته المطلقة عليهم".‏

لقد كان الموقف من الهنود على درجة من العدائية فيما عدا الأخوة البروتستانت الكوارتز) ورجل ذو فكر متنور وهو روجيه وليامز الذي فر إلى رود إيزلند ليهرب من ملاحقة المتعصبين، مما أدى إلى وجود هوة واسعة بينهم وبين البيض. فإذا كان الهنود يشكلون حضارة تمتلك ثقافات متنوعة وتعرف الطب ولديها رؤية حقيقية سياسية ورؤية كونية وديانة وأدب شفهي يحتوي على أساطير وكان هذا غريباً بشكل كامل عن رجال تمسكوا بالوحدانية التي استقوها من الديانة التوحيدية غير المتسامحة وكانوا لا يرون أي تنظيم بشري غير تنظيمهم ولم يكن الأسبانيون والبرتغاليون أكثر انفتاحاً على شعوب أمريكا الموجودة قبل عصر كولومبس.‏

ورأى الأمريكيون أيضاً في الهنود قبل كل شيء فوضى عالم واقع تحت سيطرة الشيطان والتقوا بسبب طبيعتهم الفاسدة مع كل الوثنيين وكل الشعوب غير المسيحية، وضربوا عرض الحائط بالإرادة الإلهية وعاشوا حسب قانون الطبيعة لينشروا الفساد. إنهم إذن قناصون أي متمردون على الحضارة لأن الرجل المتحضر هو الذي يفلح الأرض ويستثمرها ولا يكتفي فقط بالجلوس فوقها.‏

ولخصت أليز مريانسترس في كتابها الأكثر شهرة حول الأساطير المؤسسة لأمريكا المواقف الأربعة الرئيسية للبيض تجاه الهنود. أولاً الفكرة القائلة بأن الهنود هم سيئون بطبيعتهم لأنهم أتباع الشيطان ويجب بكل بساطة القضاء عليهم. وكان هذا موقف المتعصبين وموقف رجل اسمه هنري بركنريدج 1748-1816) وهو إسكتلندي هاجر إلى أمريكا عام 1753 وشارك بتأليف قصيدة المدح The rising glory of America بعث النهضة الأمريكية).‏

الموقف الثاني هو أكثر اجتماعيةً وقد نتج من مفهوم مختلف بين الطائفتين لأمور اقتصادية. فبالنسبة للبيض هناك أفضلية إجبارية للفلاحين على الصيادين.‏

الموقف الثالث يندرج ضمن إطار الرؤية الزمنية. فحسب المفهوم المسيحي للتاريخ يبدو هذا الأخير ذو اتجاه مستقيم ويفرض نمواً ثابتاً باتجاه الحضارة. والهنود موجودون كما يبدو في مرحلة لا تزال بدائية إذن متخلفة عن هذا النمو.‏

الموقف الرابع هو أكثر ذرائعية: فالهنود يعيشون على أرض يحتاجها البيض ولا يمكن تصور الملكية المشتركة، إذن أمام الهنود خياران هما الهجرة أو الزوال.‏

سيأتي زمن يتمتع فيه الهندي بصورة إيجابية، وذلك فقط عندما تصبح صورته أداة جذابة بالنسبة لأوروبا، وستبصر النور حينها أسطورة "الهمجي الطيب" البريء الذي يعيش حياة مسالمة يحسد على مصيره أكثر من الفلاح الأوروبي. ولكنه يبقى جاهلاً وبدائياً تعيساً وبربرياً بالنسبة للمواطن الأمريكي. وهكذا أصبح الهندي حكيماً وشجاعاً ومحباً للحرية ونموذجاً لكل الفضائل البدائية بالنسبة للأوروبي المسحوق، وباختصار وكما ذكرت مريانسترس "لقد استخدم الهندي في الكتب إلا أنه رفض في الواقع".‏

ومع مرور السنين وازدياد الحاجة الماسة للأراضي أخذت العدوانية نحو الهنود تتبدل إلى كراهية. إن المستوطنين الذين لم يُتَحْ لهم بالغالب البدء بمتابعة الحياة لولا مساعدة الهنود كانوا يفكرون بأنهم ليسوا مدينين نحوهم، وليس عليهم أي واجب تجاههم، ولم يعاملوهم على صعيد المعتقد إلا بالاحتقار، وعلى صعيد التصرفات كانوا يعاملونهم بعدم الاحترام بعيداً عن التسامح. وقد حكم عليهم بأنهم على نقيض هذا الزمن وليس لديهم أي تنظيم سياسي أو اجتماعي. أما المسيحية التي رفضها الهنود لأنها غريبة عنهم فقد برّرت المذابح والخيانات والجحود والسلب. لقد كان المستوطنون يعتقدون أن الله يحميهم بإبادة الهنود بكل أنواع الأمراض الوافدة من أوروبا، فالشعب المختار يفتخر بالقيام بالحرب ضدهم التي انتهت بإبادة البيكو وشَكَرَ المستوطنون الله الذي ساندهم بشكل رائع بعد حملة 1637. وقد وَقَّعوا مع الهمجيين بعض الاتفاقات ولكن تعطشهم للأراضي كان قوياً، لذلك كانوا يتخلون عن التزامهم.‏

كان المصير الذي وصلوا إليه أخيراً معبراً. لقد كتب أيف هنري نويلهات يقول:" أما بالنسبة للهنود وبعد أن أخذت منهم أراضيهم أخذ شعبهم يتناقص. لقد انتهت الحروب الهندية مع بداية القرن العشرين، وفي عام 1910 كان عدد الهنود لا يزيد عن 220 ألف وقد كانوا 600 ألف نسمة عام 1776 معظمهم كان يعيش في مقاطعات على أراضي فقيرة جداً لجذب الوافدين الجدد البيض. لقد جُردوا تقريباً من كل شيء" وبقي لهم 90 مليون أكر الأكر يساوي 4آلاف متر) من أصل 137 مليون أكر كانت لهم عام 1887وحصلوا في عام 1924 على المواطنية الأمريكية إلا أنه كان عليهم التخلي عن كل ما يمت بصلة إلى هنديتهم). واليوم لا يحسدون على وضعهم فثلثهم يعيش تحت عتبة الفقر وحذرهم من البيض بقي على حاله. يؤكد رافن سلفا وهو معد أحد البرامج الإذاعية للكلام عن شعبه واسمه " دائرة الأمم الحمراء" بأن الأمريكيين لم يحاسبوا ضمائرهم ولن يفعلوا هذا أبداً. لقد قال: "أمريكا هي آخر مكان في العالم يعترف بأخطائه. هذا البلد مصاب بفقدان ذاكرة جغرافية وتاريخية، فأمريكا تخترع تاريخاً لها خلال حقبٍ منتظمة وهوليود تستخدم كسحر نفسي أمريكي ودولي". لقد منح الكونغرس الأمريكي الهنود حرية ممارسة معتقدهم الديني عام 1976 وهم الآن عام 1997 لديهم شكوك حقيقية حول إمكانية متابعة العيش.‏

لم يكن السود أوفر حظاً من الهنود إذ إنهم لم يتمكنوا من أن يصبحوا جزءاً من الأمة الأمريكية. ورغم أنه كان هناك في كل زمان رجال يرثون لحال السود العبودية إلا أنه لم يحدث الاعتراض على هذه العبودية بشكل جدي إلا مع منتصف القرن التاسع عشر. قبل ذلك حسب ما كتبت مريانسترس كان الأسود يعتبر"كأحد عناصر الاقتصاد الغربي بمجمله". إنه وسيلة وآلة لم يفكر أحد بشكل جدي بالتخلي عنه. " السود هم كتلة غامضة وبضاعة وقطعة أثاث جيدة"، وأخيراً طرحت فكرة اعتاق العبيد نتيجة التمازج بين التيار الإنساني المسيحي والأيديولوجية التحررية وأدت في النهاية إلى منع أمة تشملها العناية الآلهية ألا وهي أمريكا من قبول قيام مؤسسة موجودة على أراضيها بحرمان بعض بني البشر من حريّتهم. ولكن كل هذا لم يصل إلى إدخال السود كأحرار إلى مجموعة المواطنين. كان البديل إعادة السود إلى أفريقيا أي من حيث أتوا أو إعطاءَهم أرضاً في الغرب الأمريكي الذي لا يزال غير مأهول. المهم الأبعاد النهائي لفكرة الاندماج الحقيقي. فالأسود وهو بطبيعته كائن أدنى من الأبيض وسيبقى دائماً كذلك. ذكرت مريانسترس كاتب أمريكي مثل سان جون توكر الذي تَقبّل فكرة عتق العبيد أي إلغاء الرقّ كونها ضرورة ولكنه عارض كل فكرة تدعو إلى مساهمة السود في الحياة السياسية للبلاد. "وكذلك لم يؤمن جفرسون أنه من الممكن إدماج كائنات إنسانية لم تتلق شيئاً من الإرث الأنكلوسكسوني في الديمقراطية الأمريكية. وكان جون توكر مقتنعاً بأن متعة الحرية كما هي موجودة في الولايات المتحدة لا يمكن أن يستوعبها السود المحررون". والواقع الفعلي الذي أتى بعد ذلك مع التحرر سنة 1863) يتكلم عن نفسه. ففي كل ولايات الجنوب أعطي السود بشكل عام سنة واحدة لترك أراضي الولايات الجنوبية، ولكن بما أن الولايات المجاورة أقفلت حدودها بوجه السود انتهى الأمر بهم أن يعودوا إلى وضعهم السابق كعبيد. لذا وضمن هذا الواقع كان التمييز العنصري هو النتيجة المنطقية منذ سنة 1883).‏

استحالة دمجهم في الأمة تجد منبعها في الأيديولوجية التي كانت العامل الرئيسي في تأسيس الأمة. تُوَضِّحُ مريانسترس وتقول: " أن تفتح الباب للسود وقبلهم الهنود بالدخول إلى المواطنية هذا يعني إدخال مفهوم التعددية إلى حد قد يبدل بشكل عميق صلب النظام" ويكون ذلك غريباً بشكل كامل عن المفهوم الذي لدى الأمريكيين عن طبيعتهم كشعب مختار لديه رسالة. "كذلك لم يكن المستوطنون يستطيعون قبول المجتمع المتعدد الأعراق حيث يمكن للخلاسيين أخذ مكان وسيط كما أن مواطني الجمهورية الجديدة لا يستطيعون قبول وجود عناصر مختلفة في المجتمع المدني.‏

يجب على الأمة الأمريكية أن تكون موحدة العرق. "تُعرف الأمة بانتمائها للعرق الأبيض وبلحمتها حول المصلحة المشتركة ويجب تحاشي التسلسل والثنائية أيضاً لأنه علينا الاحتفاظ بالسود خارج المجموعة عن طريق العبودية وتركهم في الوقت ذاته ليلعبوا دورهم كأدوات اقتصادية فمن الجانب النظري لم يحصل الأسود الأمريكي الذي تم الاعتراف به ككائن بشري على أيٍّ من الامتيازات التي اعترفت بها الأيديولوجية السارية المفعول كحق للبشرية في كل مكان من هذا الكون".‏

علينا أن ننظر إلى هذا الموقف على ضوء واقعتين تاريخيتين على الأقل. أولاً يجب الاعتراف أن طرد شعب بواسطة شعب آخر يملك الأكثرية في بلد ما لم يكن حينها شيئاً جديداً ولا الظاهرة الأكثر تطرفاً للواقع القائم. وثانياً علينا الإشارة هنا إلى درجة كراهية استعباد السود لدى قسم من الشعب الأمريكي وهذا الأمر لا ريب فيه. وما كان دانيال بورستين قد اسماه "بالجزيرة" أي الجنوب العبودي أخذ مع مرور السنوات يلاقي عدم تفهم من قبل عدد متزايد من المجموعات البشرية في الاتحاد غالباً خارج الجنوب ولكن أيضاً في داخله كما أن دور الوسيط اللندني المزارع قد اضمحل أمام دور الوسيط الفرجيني الذي أخذ على عاتقه كل الهموم الإدارية، وهكذا تلاشى التطور الذي كان يميز الملاكين في الجنوب مما أدى إلى أفول في الرأسمالية الجنوبية التي كانت قد حجرته.وأمام الهوة الإجتماعية المنحدرة من أصل قديم التي كانت تفصل العائلات عن مئات الألوف من المهاجرين السود الذين أتوا من أفريقيا دون إرادتهم وقف الرجل النبيل غير مبال مستسلماً لسبات مريح. ولم يأخذ بعين الاعتبار السود حتى كمهاجرين لأنه حكم عليهم بأنهم غير قابلين للانـدماج فمن كتاب بنجامين لندي Genius of universal Emancipator الذي نشره عام 1821 إلى إبراهام لنكولن مروراً بالحركة الأمريكية ضد العبودية 1833) والمقالات الحماسية لليبرالي وليم لويد غارسون عام 1831 لم تتوقف الموجة المعادية للعبودية عن التضخم والازدياد.‏

الأمة الثنائية الوجه:‏

أمريكا اليوم هي أقرب ما تكون لأمريكا الأمس، أي أنها ذات وجهين، فمن جهة هناك الوجه الذي تحاول أمريكا بكل قواها إبرازه للعالم. وبما أنها أرادت لنفسها أن تكون ابتكاراً شاملاً وتجديداً كاملاً وإعادة بناء انطلاقاً من خطة إلهية لذلك وجدت في نفسها مكان اللقاء مع الفردوس حيث بدء التكوين، الفردوس الضائع الذي طالما تكلم عنه الأدب الأوروبي. هو المكان الذي يمارس الناس فيه نقاوتهم حيث يعيدون أمجاد العصر الذهبي، أما الناس الذين سيقيمون فيه سوف يجدون البراءة الأولى محاطين بهالة من السلام والوئام الملازم للطبيعة المعطاء قبل العقد الاجتماعي. أمريكا هذه هي إذن القدس الجديدة، الكون الموجود خارج التاريخ نتيجة تضافر إرادتين: الإرادة السماوية وإرادة الشعب الذي اختارته السماء لتنفيذ هذه الإرادة. وسوف يوضح جورج واشنطن هذه الفكرة عن التدخل الإلهي بواسطة تصور مشهور استعاره بدون شك من آدم سميث فقد قال في مقالته Inaugural Adverse " لا يوجد شعب في العالم أكثر من شعب الولايات المتحدة مطالب أن يشكر الله ويعبد اليد الخفية التي سيرت قضايا الناس. فكل خطوة سمحت له بالسير على طريق الاستقلال القومي كانت تحمل علامة التدخل السماوي". أما بالنسبة للرئيس جون أدمز‏

1735-1826) فإن الولايات المتحدة هي المكان الذي قدر له أن يكون الحيز الذي سوف تتحقق فيه سعادة العرق البشري. أما بالنسبة لكل الأمريكيين كانت أمريكا المكان المخصص مسبقاً والملجأ الذي تنتقل إليه الحضارة من مرحلة انتقال نحو الأممية وتحرر الكرة الأرضية بمجملها. هنا سوف تتحقق حقوق الإنسان وهذا الإنجاز سيؤدي لولادة مجموعة دولية يقودها الشعب الوحيد الذي يستحق هذا الشرف. أمريكا هي الرحلة المثلى لتحقيق مبدأ الأمة الذي سيتوطد بواسطة نصوص مقدسة إعلان الاستقلال و الدستور) وبواسطة المشاعر الوطنية في كل مكان. وحكومته هي الوحيدة التي لم يسبق لله أن أيد مثلها.‏

ومن جهة أخرى هناك الوجه المستتر لأمريكا الذي حاولت إخفاءه وإنكاره، الذي يقابل بالرفض في كل مراحل تاريخها. إنها أمريكا الاستبعاد، أمريكا العنصرية التي تحلم بعالمية في المستقبل معنوية وغير مجسّدة عنها وهي قانونية صرفة. إنها تلك التي تريد أن تزوّد العالم بمؤسسات ذات وجه واحد قادرة في كل مكان على فرض حضارة قائمة على نموذج واحد ترى أنه النموذج الشرعي، وهذا النموذج هو نموذجها. فهو شرعي لأنه أعلى من كل النماذج الأخرى، فأمريكا هي أمة مصطنعة وقياسية وعقلية إذن هي الأمة المثلى. قادتها مثل جوزيه ومثل النبي موسى هم وسطاء بين المواطنين والإرادة الإلهية. ومن هنا قام مفهوم اعتبار الأبطال المؤسسين كأولياء. فواشنطن وجفرسون وفرانكلين والآخرين اعتبروا أفراداً فوق البشر وغير قابلين للفناء. وقد تغذت هذه الفكرة الأساس من التوراة ومن معتقدات المتشددين وربما أيضاً من الفلاسفة لأن الأيديولوجية لها أيضاً وجهان مثل قطعة النقود المعدنية وجه وخلف).‏

الوجه هو التصوف والتدين والتعلق الهذياني بفكرة الأمور السماوية والعالم الآخر. والخلف هو الليبرالية الاقتصادية وقاعدتها الفلسفية. ونحن نذكر أن مختلف المستوطنات كان لها أيضاً مؤسسون وقد برر هؤلاء استيلاءهم على الأراضي بالميثاق الذي كانوا قد حصلوا عليه من الملك كميثاق شركة إنكلترا الجديدة أو ميثاق شركة فرجينيا. آخرون كانوا "لوردات" ملاك أراضي من الطبقة الارستقراطية في ميرلاند وفي نيويورك وبنسلفانيا بعد نكسة شركة الهند الغربية الهولندية ونيوجرسي والكرولينتين وجورجيا. هؤلاء الناس لم ينسوا بالطبع أنهم جاءوا لإقامة مملكة الرب ولكنهم لم ينسوا أبداً بأن عليهم أن يقيموا مشاريع ويكسبوا الأموال. وفي عالم الأعمال لا يصعب علينا المزاوجة بين الواجب الإلهي وكسب الثروات المادية. هذا التزاوج كان من طبيعة الأشياء. فكل متمسك بالدين يعلم باعتباره كان قد قرأ ما كتبه "دانيال دفوه" أنّ من يقيم منشأة منتجة تدر له الأموال، وبالتالي فإن النجاح المالي هو دليل على أن الله يوافق على ذلك، وأن نعمته هذه هي مكافأة على الجهود وقد أنعم بها على من جنى الأموال. في رواية روبنسون كروزوه يبرهن دفوه بأنه لا توجد علاقة سعيدة بين الناس إلا إذا تعاملوا كشركاء جيدين... الله نفسه قدم كشريك لكل عمل تجاري. كل الأباء المؤسسين من فرانكلين إلى جفرسون إلى واشنطن كانوا قد قرؤوا دفوه ولكنهم قرؤوا أيضاً آدم سميث وديفيد هوم وأرموند بورك وجون لوك ومرجعهم التاريخي كان الثورة الإنكليزية عام 1688. وكان دفوه قد أدعى قيام عصر جديد عصر التجارة والحس السليم. وكان على نخبة هذا العصر ممن كانوا يعرفون بالعباقرة والموجهين من قبل العناية الإلهية لإقامة عالم منظم ومريح.‏

المهمة الكونية:‏

كانت أمريكا بالطبع أمة الانفصال ولكنها كانت أيضاً أمة الإعادة والتجديد. إن الأمة الأمريكية التي كانت مشعل البشرية والتي وضعها الله على الأرض من أجل إقامة الجمهورية الوحيدة المشمولة بالعناية الآلهية والتي أعلنت استقلالها عام 1776 مدعومة بأيديولوجية لا تتزعزع، هذه الأمة كانت مستعدة لتنظر إلى أبعد من أفقها المباشر. بنجامين فرانكلين رأى أن الولايات المتحدة سوف تلد مجتمعاً شاملاً يعمّ الكون. فالمؤسسات والعادات والمبادئ الأمريكية مكرسة لكي يتم تطبيقها في كل مكان. ولكي تلغي كل خلاف مهما كان نوعه بين الناس، وباعتباره بلداً نموذجياً كانت أمريكا بالنسبة لمواطنيها تسمو على كل الأمم الأخرى، ومن أجل ذلك كانت مدعوة لكي تحل في نهاية الأمر محلّ تلك الأمم بشكل نهائي.‏

إضافة لهذه المهمة المثلى المطموسة الأثر كان هناك ضرورة التوسع بالأراضي. ولكي نفهم جدياً تصرف الولايات المتحدة حتى في أيامنا هذه علينا أن نعرف مفهومها للأرض وللحدود. هذا المفهوم ليس نفس مفهوم القانون الدولي. بالنسبة إليهم الحدود القومية هي مبهمة متحركة ودائمة القابلية للامتداد. فالكرة الأرضية المقسمة إلى دوائر متحدة المركز انطلاقاً من الأرض الأمريكية متسعة نحو الخارج كانت موضع رهان كبير على رقعة شطرنج. ورغم أنها ليست عسكرية فهذه القابلية للامتداد قد تمت بطريقة مرتبطة بالثنائية الأيديولوجية فهي المثال لكيفية الفتح الإلهي من جهة ومحو كل بنية سياسية واجتماعية لكل كيان غير أمريكي بواسطة جعل الوسائل التجارية ليبرالية من جهة أخرى. في خطبة الوداع عام 1796 كان جورج واشنطن واضحاً إزاء ذلك وفي الوقت نفسه كان مؤسساً فقد أكد "بأن قاعدة سلوكنا الكبرى تجاه الأمم الأجنبية يجب أن تعتمد على بسط وتوسيع علاقاتنا التجارية، ولكن يجب أن يكون لدينا علاقة سياسية أقل ما يمكن معها { ..... }ويجب ألا تعتمد سياستنا الحقيقية على علاقات دائمة مع أي جهة في العالم". فما كان أعتبر بشكل خاطئ رغبة في الحياد ما هو عملياً إلا تعبير لإرادتين. الأولى هي الحفاظ على الانعزالية التي تسمح لليد أن تبقى طليقة وتحافظ على تأثيرات خارجية بطبيعتها غير المرغوب فيها لأنها تساهم بعملية "الأمركة" السماوية ثم الحفاظ على انفتاح في كل الاتجاهات وعلى السريان في عروق الكرة الأرضية الشيء الذي سيسمح للولايات المتحدة من التوسع بمصالحها الاقتصادية.‏

من التوسع الجغرافي إلى السيطرة الاقتصادية:‏

ما بين الثورة الأمريكية وحرب الانفصال كان على الولايات المتحدة أن تعمل لإنشاء وتثبيت أقليم أرضها القومية.‏

السيطرة على الدائرة الأولى:‏

تميز بعض التواريخ مراحل هذه السيطرة. في عام 1785 أعطى صك بيع أراضي الغرب البداية الرسمية لتملك الأرض حتى المحيط الهادي مما جعل جاك بورتس يقول:"إن التوسع الأمريكي في النصف الأول من القرن التاسع عشر كان قبل كل شيء شكلاً من أشكال الاستعمار". في عام 1803 امتدت الأمة إلى لويزيانا التي تم شراؤها من نابليون، وتوطدت عام 1810 آليات الموقف المستقبلي الإمبريالي عندما أصبحت فلوريدا الغربية "ملكية" أي ملكاً أمريكياًً "عن طريق الاستيطان والثورة المفتعلة" حسب رأي جان برنجه وفي عام 1819 بواسطة "التدخل والضغط في منطقة فلوريدا".‏

في عام 1823 حدد الرئيس مونرو من جانب واحد كما سنرى النظرية التي ستحمل من ذلك الحين فصاعداً اسمه، كتب جان بيرنجيه يقول بأن رسالته إلى الكونجرس "حددت القارة الجديدة كأرض ذات وحدة متكاملة والولايات المتحدة هي الحامي المميز لها". ومع مرور الزمن أصبحت نظريته هي عصب الدبلوماسية الأمريكية ومن حينها لم يعد مستغرباً أن ترى رجال الأعمال الأمريكيين أول من اهتم بهذه النظرية لمونرو، فالتجارة مع أمريكا اللاتينية نشيطة وبدأت رؤوس الأموال استثماراتها فيها. لقد كانت الرغبة في توسيع الأرض والنفوذ في وقت واحد باتجاه الجنوب جامحة مما يفسر كيف أن الأمريكيين لم يقاوموا هذا الانجذاب الذي مارسته المكسيك.‏

المكسيك المغتصب:‏

المراحل المختلفة للنضال من أجل استقلال المكسيك وهي بلاد على صلة مباشرة مع الولايات المتحدة معروفة بشكل كافٍ. فعندما وصلت المفاوضات بين أوتربيد زعيم الخلاسيين والفيريرو زعيم الثوار إلى إعلان الجمهورية في عام 1823 تصارعت فصيلتان على البلد: المعتدلون أو المودرادوس وسط) الذين استهواهم النظام الجمهوري على الطريقة الفرنسية ضد البيروس الفيدراليون) الذين تطلعوا باتجاه الولايات المتحدة. دام الصراع حوالي ثلاثين عاماً ونتج عنه بروز قادة عسكريين طامحين وأبرزهم سانتا أنا عام 1833 الذي أصبح ديكتاتور المكسيك وجابه استفزازات الأمريكيين باحتلاله قلعة ألامو Alamo عام 1836.‏

سوف تشكل تكساس الأداة الرئيسية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المكسيك وبما أنها كانت ضمن الأراضي المكسيكية بعد أن حصل المكسيك على استقلاله فقد تم الاعتراف بها كجزء لا يتجزأ من هذا البلد في معاهدة أدامس-أونس عام 1819 ولكن منذ عام 1821 جاء مستعمرون أمريكيون بقيادة ستيفن أوستين وأقاموا في تكساس وبشكل سريع أصبحوا يشكلون الأغلبية وأقاموا دولة تستخدم الرق وأساليب العبودية وتعتمد على زراعة القطن. وفرضوا شكلاً من الحكم الذاتي على الحكومة المكسيكية، ورفضوا الانصياع للحكومة عندما رفضت أن تعطيهم ذلك وأدت ثورتهم إلى مذبحة آذار عام 1836 وولدت رغم ذلك وفي الثاني من آذار من السنة نفسها جمهورية تكساس فسارع مباشرة الرئيس جاكسون للاعتراف بها. وبعد تسع سنوات من الاستقلال الفعلي ورغبة من الرئيس تيلر بدعم مطالب الجنوبيين الذين كانوا يرون في تجارة القطن بين تكساس والدول الأوروبية خاصة فرنسا وإنكلترا) عقبة لتوسعهم قام تيلر وبكل بساطة بضم تكساس نزولاً عند رغبة الأغلبية التكساسية التي قدمت من الولايات المتحدة وأصبح ذلك أمراً واقعاً تحت الولاية الرئاسية لجيمس بولك في الأول من آذار 1845.‏

في ذلك الحين كان الديمقراطيون لا يزالون واقعين تحت تأثير مقال الصحفي جون أوسليفان الذي نقل إلى قرائه في صحيفة يوناتيد ستيت ومجلة الديمقراطيين ما كان جون هافر يسميه "إمبرياليته العدوانية". لقد طالب فيما اشتهر بعد ذلك بمبدأ "المصير الجلي" مبرراً بواسطته المطامع التوسعية لجزء كبير من الرأي العام الأمريكي.‏

ولم تقف حكومة المكسيك مكتوفة الأيدي أمام ضم تكساس مما دفع بأوسليفان أن يرى في ذلك فرصة متابعة "توسع الولايات المتحدة حتى المحيط الهادي" هذه الإرادة قامت ليس على "الحاجة للأراضي بل على فكرة الاستعلاء الثقافي للأنكلوسكسونين وعلى احتقار واضح للحضارات الأخرى". ضمن هذه المقولة زحف الجنرال زكاري تايلور 1784-1850) على ريو الكبرى على رأس أربعة آلاف متطوع وأشاد قلعة برون مقابل مدينة متاموروس عام 1846. ثم استولى على المدينة بعد أن هزم الجيوش المكسيكية في معارك بالوالتو ورساكابلما في 8 و 9 أيار. في أيلول قام بأسر مونتري ومن ثم احتل فكتوريا رغم العقبات التي وضعها في طريقه الرئيس بولك الذي كان يتحرز من هذا المنافس القوي. وانتهت الحرب عام 1848 بالاستيلاء على مكسيكو. فأجبرت المكسيك على التخلي عن كاليفورنيا ونيو مكسيكو والأريزونا ونيفادا والوتا، أي ما يوازي نصف أراضيها. ارتفعت في الولايات المتحدة الأصوات ضد "حرب الغزو" هذه حتى أن بعض الكتاب المشهورين والوطنيين، مثل أرفنغ وملفيل وتورو، أدانوها كما هاجموا مذابح الهنود واستمرار العبودية. كتب تورو يقول:"يجب على الشعب الأمريكي أن يتوقف عن امتلاك العبيد وعن الحرب ضد المكسيك" وقد دعمه في ذلك أحد الأنصار المتحمسين لإلغاء العبودية وهو ج.ر.لويل أما ملفيل فقد رأى في "أمريكا الحرة" بلداً "عنيداً دون مبادئ وسفيهاً ولصاً ذا مطامع غير محدودة لها وجه حضاري في الظاهر ولكنها متوحشة في أعماق قلبها".‏

في هذه الأثناء كان الاستيطان الأمريكي في المكسيك يسير على خير ما يرام. كان في البداية اقتصادياًً بشكل أساسي بفضل الليبراليين الذين طردوا عام 1855 سانتا أنا وقضوا على المودرادوس. في عام 1856 أحدث قانون ليردو نظام السوق فضاقت المسافة بشكل ملحوظ لقدرة الدولة على إمكانية التدخل في المجال السياسي مما سمح لرؤوس الأموال الأمريكية أن تغرق البلد. وهكذا لم تبق فرضيات نظريات مونرو حبراً على الورق فاندلعت الحرب الأهلية ودخل بنيتوخواريس بدعم من الليبراليين إلى مكسيكو عام 1961 وخلال بضع سنوات جابه الحملة الفرنسية بقيادة مكسميليان الذي أصبح عام 1863 ملكاً ولكنه تلقى إنذاراً بعد ثلاث سنوات من حكومة الولايات المتحدة التي دعته إلى ترك عرشه والى سحب قواته. في عام 1867 أعدم مكسميليان رمياً بالرصاص بتحريض من واشنطن، فدخلت السيطرة الأمريكية في المكسيك بعداً آخر.‏

في نهاية القرن التاسع عشر كانت النتيجة معبرة كثيراً. تقدمت الصناعة في البلاد تقدماً كبيراً، ولكن بأي ثمن ! فأكثر من 65% من رؤوس الأموال كانت من أمريكا الشمالية والجزء الأكبر من المبادلات التجارية المكسيكية كانت مع الولايات المتحدة. أما القطاع الزراعي الذي خنقه الرأسماليون الساحليون بذكاء عن طريق ترك مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية دون أن تستثمر لم يعد يكفي لتغطية حاجات السكان. لذا بدا من الضروري استيراد القمح: قمح الجار الذي عمل بكل جهده لإنتاجه. من جهة أخرى قامت مجتمعات مالية كان عليها الزحف على الأراضي العامة حسب طريقة النسيج التي وفرت في إنكلترا بالسابق الثروة لكبار الملاك الأراضي معجلين بذلك قدوم البؤس إلى طبقات الشعب. بالمقابل حصلت هذه المجتمعات التي كان معظمها من أمريكا الشمالية على ثلث المساحات وسيطر المضاربون على ما تبقى. ولم يعد بإمكاننا إلا أن نستشهد هنا بما قاله بورفيرو دياز رئيس المكسيك من عام 1876-1880) ثم من عام 1884-1911) فقد قال:"مسكينة أيتها المكسيك فأنت بعيدة عن الرب وقريبة جداً من الولايات المتحدة".‏

(1) ذكرت أسماء الكتب والمؤلفين في نهاية الكتاب انظر المراجع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244