|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مرحلة خارجية عارضة: بعد أن خاطرت الإمبريالية الأمريكية بنفسها وذلك بالتدخل للمرة الأولى خارج منطقة نفوذها الثانية أقحمت نفسها بالسير وراء الإنكليز عندما فتح هؤلاء الباب أمامها بإجبارهم الصينيين على توقيع معاهدة نانكين في 29 آب 1842. فقد شاركت الولايات المتحدة عام 1844 في إخضاع الإمبراطورية الوسطى واستفادت مادياً من أرباح تجارة الأفيون. في عام 1854 وصلوا إلى اليابان وتحت تهديد المدافع أجبر الكومندان ماتو غالبوث بري - 1794-1858)الذي اشترك في الحرب ضد المكسيك- اليابانيين على ترك أسطوله أن يحط مرساته أمام مدينة أدو، خيار أدو لم يكن وليد صدفة. بالنسبة للباكوفو وهي حكومة ومؤسسة إدارية واسعة مؤلفة من وزراء من الصف الأول والثاني ومن المفوضين، كانت أدو مركزاً حيوياً اقترح الأمريكيون قصفه أو إغلاقه بالحصار. وبما أنهم أجبروا على الإذعان فقد تنازل اليابانيون ووقعوا الاتفاقيات التجارية الأولى مع الولايات المتحدة، ولم يسبق لليابان أن قدمت مثل هذه التنازلات إلى أجنبي. أما الولايات المتحدة التي تشجعت بسبب الانتصار الإنكليزي والفرنسي سنة 1858 فقد عمدت إلى السير قدماً فيما حصلت عليه، فمعاهدات التبادل التي تم التفاوض عليها بالابتزاز والتهديد بالحرب من قبل القنصل توسن هاريس بدت أنها مجحفة بحق اليابان. وفي عام 1864 خفضت رسوم الجمارك إلى 5% من القيمة مما أدى إلى سلب سيادتها، أما الغربيون الذين لحقوا بالأمريكيين المستفيدين الرئيسيين بذلك فقد حققوا أرباحاً كثيرة عن طريق المضاربات في التعامل بمبدأ الذهب والفضة الذي لم يكن ذاته في اليابان. واستفاد بشكل أساسي من ذلك الولايات المتحدة فأصبحت المورد للأسلحة وللسفن التي كانت تغذي الصراعات الداخلية. وساهمت زيادة الأسعار الناتجة عن استبدال النسيج المحلي بالنسيج الأجنبي والمحاصيل المخيبة للآمال نتيجة التكاليف الباهظة بارتفاع البطالة وبالضياع الاجتماعي في أرخبيل اليابان. وأمام هذا الغبن لن يتأخر اليابانيون بالتعبير عن ردة فعلهم. الغرب يتمم الإنسان الأمريكي: لم يجلب الزحف نحو الغرب أكثر من بضعة كيلومترات مربعة إضافية للأمة الأمريكية، ولكنها عمّقت ودعمت التيار الأيديولوجي الذي كان يميز العقلية القومية والذي وصفه بعض المؤلفين بالإنسان الأمريكي الذي أخذ شكله النهائي خلال أحداث القرن التاسع عشر. وأكثر من أي وقت مضى كان هذا الإنسان يمتاز بالحركة. لقد ترك المهاجر الطليعي بمفرده أو ضمن المجموعة عند رحيله الماضي خلفه واستعد لمواجهة المغامرة ومهما تكن صفته كمحدد للموقع أو كطليعي، أوكواعظ أو كتاجر، أو كباحث عن الذهب أو كمستصلح للأراضي، فهو يخضع قبل كل شيء للقانون الضمني لأول مستوطن ويكون مستعداً ليقتل من أجل الحفاظ على ما يملك أو من أجل الاستيلاء على ما يملك غيره. وباعتباره عَجول بأحكامه وشرس في عملية الكسب ومنظم واستغلالي كان المهاجر الأمريكي يستغل الفرص ويبني المدن ويستثمر أي وسيلة نجاح أو أي أرض ثم يذهب ولا يعود ثانية، ويعاود الكرة في مكان آخر، وكانت العربات والقوارب والقطارات وسائل هذا النشاط وكانوا هم أنفسهم موضع صراع مستميت من أجل التفوق المادي، والسلطة التي يتيحها ذلك الصراع. هذا الرجل العجول دون أي ارتباطات والمعتدل بتردده كان يتحول بالغالب بدوره إلى رجل أعمال ومضارب مالي ولسارق اختراعات ولحديث النعمة ولمناور. مفهوم رجل الأعمال نفسه قد انحط، فرجل الأعمال الإنكليزي الذي يكرس نفسه للأمور العامة يتبدّل ويصبح مخترع أعمال، حيث يتحول كل شيء إلى منفعة نقدية. إن ذلك هو تأكيد دون أي مواربة لمفهوم "التسويق" فكل شيء يشرى ويباع وهو هدف للمضاربة. إنه التأكيد الصارخ للمبادئ الموروثة عن الليبرالية الاقتصادية التي نشأت بواكيرها في أوروبا وظهرت بقوة في نفس الوقت في الجزر البريطانية. الضمانة الليبرالية: كان لوك بخاصة المحرض الأكبر على هذا الموقف الليبرالي. الخطوط العريضة لفلسفته كانت معروفة وهذا تلخيص موجز لها: قبل نشوء المجتمع وجدت مرحلة الطبيعة التي كان يعيش الإنسان فيها بسعادة انسجاماً مع قوانين الطبيعة. جاءت بعد ذلك فكرة تكوين بنية اجتماعية ليس لأنها بدت ضرورية ولكن لأن الإنسان رأى فيها ضماناً إضافياً لحماية وجوده وللحفاظ على الملكية الخاصة. وولد المجتمع عن طريق عقد بين الأفراد وبين أولئك الذين يحكمونهم، ولم يقم الحكام إلا بتقديم الخدمة العامة ثم بعرض ما يفعلونه بشكل إجمالي على المتعاقدين معهم. فإذا فشل الحكام في مهمتهم كان للمجتمع الحق بإقالتهم. يشير جورج بوردو بأن الناس في المجتمع المدني "لا يتنازلون عن حقوقهم لصالح السلطة إلا بجزء من استقلالهم الأساسي غير المنسجم مع وجود النظام الاجتماعي أما ما يحتفظون به من حريتهم الطبيعية يشكل ما يسمى بالحقوق الفردية. هذه الحقوق الناتجة عن الحرية التي تولد مع الإنسان لا تدين بشيء إلى الدولة لا في منشئها ولا في ثباتها، وباعتبار أن هذه الحقوق وجدت قبل الدولة فهي تتعارض معها.في البدء كان دور الدولة احترام هذه الحقوق ومن ثم عليها أن تضمنها". إنطلاقاً من هذا المفهوم نشأت بنية عقلية لوّنت فيما بعد الولايات المتحدة. لقد اختلط الازدهار الاجتماعي العام) بالازدهار الفردي الخاص)، فالمدن ووسائل النقل والأراضي ووسائل الإعلام والكتب والنتاج الفني وأماكن السكن والمؤسسات التعليمية والديانة أصبحت كلها بضائع تطرح في سوق واسع. وأسست معظم الجامعات من قبل الطوائف حيث تتم ممارسة التسامح ليس بدافع المرونة الأيديولوجية ولكن بهدف جذب الطلاب أي الزبائن) ونظراً لهذه الضرورة لم يكن للحجج الأيديولوجية إلا ثقل بسيط. أصبحت القارة بأكملها أشخاصاً وحيوانات وأرضاً وأفكاراً دون تمييز عبارة عن سلعٍ تعرض للبيع بالمفرق. فَقُطِّعَتْ أراضي الغرب بقرارات تصدر عن العاصمة وقُسِّمَتْ حسب مخطط عام تقسمه خطوط مستوية. هذه التقنية لم تكلف المنتفعين غالياً ولكنها درت عليهم أرباحاً طائلة. واستفاد إنشاء السكك الحديدية وكل مشروع رأسمالي مهيأ أن يدر الربح الكثير على صاحبه من مساعدة المال العام الفيدرالي أو المحلي لأنه وحسب القاعدة الليبرالية ما يمكن أن يعود بالفائدة على ثروة الفرد يمكنه أن يدر بالفائدة للجميع. هذا الارتباط التبعي بمساعدات المال العام لم يمنع تطور نوع من روح المنافسة الذي هو الأداة الرئيسية للأيديولوجية الليبرالية، أي نوع من الداروانية الاجتماعية الاقتصادية قبل اكتمال تطورها. نحن نعرف عن كبار مفكرّي الجمهورية الأمريكية أنّ لديهم مرجعيات تاريخية وأيديولوجية محددة. فلم يكن واشنطن أو فرانكلين أو جفرسون وكثيرون غيرهم يجهلون في أي نسق زمني يسيرون. وأمام الخيار بين نظام اقتصادي منفتح أو منفلش وبين نظام أكثر مركزية همه النفع العام فقد اختاروا ومنذ البداية الخيار الأول. هذا التعارض ليس إذن بجديد بل هو يعود إلى عصر اليونان القديم. أمام التبادل الحر وحرية الاقتصاد الذي نادى بها السفسطائيون كما يقول جان بونكر وهنري تومان حذر أفلاطون من ذلك في جمهوريته وقوانينه ودعم بالمقابل النظام الذي يقوم على خلود النفس. "يجب على الحياة على هذه الأرض أن تنتظم بشكل أكثر عدالة من أجل تأمين خلاص النفوس. فعمل الفيلسوف يعتمد إذن على البحث عن القوانين التي تضمن سيادة العدالة في المدينة". بالنسبة للسفسطائيين تتوافق العدالة مع قانون الأقوى. ففي مجتمع المنافسة الأفضل هم الذين ينتصرون. وفي وجه هذه العقلية دافع أفلاطون عن مفهوم العدالة الذي يقوم على"إعطاء المهمة الاجتماعية لكل فرد يستحقها حسب مواصفاته الأخلاقية أو الذهنية أو الجسمية" فهو يقترح إذن رفضاً لمنطق المساومة ويؤيد المنطق الاجتماعي والعودة إلى اقتصاد الطبيعة". اقترح أرسطو رؤية أخرى توفيقية إلى حد ما معترفاً بأنه يجب أن تنشأ في المدينة ثروات وأعطاها دوراً حاسماً في تحسين الحياة الاجتماعية. إذن كان مع اقتصاد السوق بالطبع ولكن على هذا الاقتصاد أن يراقب وإن يكون غير قادر على الضرر. وإن كان قد دافع عن مثل هذا النظام لأن الملكية الخاصة والتبادل السلعي عن طريق النقود بدا له أنهما ذوي فعالية مهمة من أجل الإثراء الجماعي، وإن كان قد اعترف بأن اكتساب الأملاك بهدف الاستهلاك المنزلي هو قضية شرعية إلا أنه أدان كل اكتساب لا يهدف إلا إلى تكديس الأموال غير المحدود. استمر التعارض بين وجهتي النظر المتعلقتين من جهة بالاقتصاد المفتوح وغير المقيد بالقواعد ومن جهة ثانية بالاقتصاد المراقب والمحدود في حرية التبادل، وقد استمر ذلك حتى مطلع القرن التاسع عشر مع بعض الإبهام المحسوس بشكل أو بآخر. وإذا كانت المدرسة المركنتيلية 1550-1850) المعروفة بالروح التجارية الجشعة قد كرست الأسبقية للمفهوم المنفتح فإنه كان يجب انتظار مطلع القرن الثامن عشر حتى يتخذ هذا المفهوم الاتجاه الطليق بشكل صريح. عظم أنطوان مونتكرستيان عام 1619 دور التاجر في كتابه حول الاقتصاد السياسي موضحاً أنه يوجد بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية التقاء مصالح، وأن تحقيق مصالح السوق لابد من أن تعود بالخير على الدولة. وقد أكد بأن القدرة السياسية ترتكز على خزينة مهمة من الذهب والفضة. ثم جاء جون لوك ليؤكد في الإطار نفسه في كتابه "وجهات نظر حول نتائج انخفاض الفائدة وارتفاع قيمة العملة" 1691) بأن هذه الخزينة لا يمكن تغذيتها إلا بالتداول النقدي الواسع، أي أن فائض الدخل في تدفق المعادن الثمينة يتجاوز فائض الصرف، لذا فإن الاحتياط النقدي المتداول على الصعيد القومي يتجمع ويتزايد هذا الشيء يكون لمصلحة نشاط السوق. ودافع جون لوك، ولكن كذلك من سبقه، أمثال بواسغبير 1646-1714) و"كنيتّون" 1680-1734) و"كيسني" 1649-1794)، عن فكرتهم مفضلين على الروح التجرية المركنتيلية) التي كانت بنظرهم كثيرة التدخل إنشاء نظام طبيعي أو ليبرالي "لأن الاقتصاد يدار بواسطة آليات طبيعية وبسبب ذلك يجب أَلا يكون هناك عوائق أمام هذه الآليات". وقد نصب جون لوك نفسه في إنكلترا كمدافع عن هذه النظرية الجديدة وكان همه أن يجد الناس في كل مرة إن كان هذا ممكناً) الموقع الذي كانوا يتمتعون به أثناء "مرحلة الطبيعة (1) " وإلى جانب الحرية الدينية فقط طالب بحق الملكية وبالتبادل الحر. فيما بعد شكلت طروحات لوك نقطة ارتكاز لقيام النظام الليبرالي الكلاسيكي. وقد وضع له آدم سميث 1723-1790) حجر الأساس. في عام 1776 نشر كتاب الأبحاث حول طبيعة ثروة الأمم وأسبابها حيث وضع المبدأ الأول لنظرية التبادل الدولي. المبدأ بسيط وهو "من العبث أن نصنع في بلدنا ما يمكن أن نحصل عليه بسعر أرخص من بلد آخر فمن الأفضل إذن أن نشتري بسعر أرخص البضاعة من الخارج وندفع ثمنها، حتى تستطيع صناعتنا إنتاجه بسعر أقل وأفضل". نستطيع أن نستنتج منطقياً بأن بلداً يصنع مجموعة من المنتجات ذات نوعية جيدة وأرخص من الخارج ليس له إلا مصلحة ضئيلة بالتبادل الدولي وهذا ما صلحه ديفيد ريكاردو 1772-1823) في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي والضريبة 1817). فإن كان آدم سميث قد اعتمد في نظريته على التكاليف المطلقة، فإن ريكاردو اعتمد على نظرية التكاليف النسبية. فقانونه للمنافع المقارنة يقول:أنه حتى لو كان البلد قادراً على إنتاج عدد كبير من السلع بسعر أفضل وبنوعية متفوقة فمن مصلحته أن يلجأ للتبادل، وإنجاز ذلك من مصلحة البلد ، فذلك يساعد البلد على أن يختص بنوع معين من المنتجات يقوم بتصديرها ويستورد المنتجات الأخرى إن أراد حتى لو كان ينتجها بنفسه. لقد حملت هذه المبادئ نقاط ضعف سواء التي دافع عنها سميث أو تلك التي قدمها ريكاردو، ومنذ إعلانها أشير لهذه النقاط بالبنان. وكان الحال كذلك لمبدأ لوك الذي سبق أن أشير إليه، والذي يقول بأن الاقتصاد يتطور بشكل طبيعي حسب عدد من خطوط القوة ويكفي أن ندع هذا التطور يتابع مساره لكي يكون كل شيء على ما يرام. فلتتم إذن لعبة التنافس في السوق وبذلك يتحقق الازدهار العام. وحتى لو كان كل فرد لا يهتم إلا بمصلحته فاليد "غير المنظورة" للسوق تدعم آلية التصويب والتي يستفيد منها الجميع. هذا المفهوم اللاعقلاني المأخوذ من التوراة والذي يقول بأن اليد غير المنظورة للقدرة الإلهية التي تدير الشؤون البشرية كان يكفي لتبرير الخضوع الكلي للقوانين المغلوطة للسوق. أما بالنسبة لقانون المنافع المقارنة عند ريكاردو فإن حدوده قد وضعت تحت الضوء بواسطة جون ستار ميل 1806-1873). فقد أكد هذا الأخير بأن الدول لا تحصل كلها على المنفعة نفسها بالتبادل الدولي. فمن يصدر أكثر ويستورد أقل يربح أكثر بكثير من الآخرين حتماً. السيطرة على قارة أمريكا الشمالية: منذ البداية عرفت الولايات المتحدة كيف تستغل نقاط القوة ونقاط الضعف للنظام الاقتصادي الليبرالي وخاصةً أنها لم تكن بعد تتصور تنظيماً سياسياً آخر غير تنظيمها القائم على رؤية مسيحية للعالم تحت هيمنة العرق الأنكلوسكسوني الأبيض يستبعد منه بالطبع السود والهنود. فهل تستطيع الولايات المتحدة إذن تصور نظام اقتصادي مختلف، نظام يقوم على فكرة الانفتاح الكلي للأسواق حيث من يستطيع تشكيل القوة التصديرية الأكبر يكون الأقدر على كسب الغلبة؟! هذا النظام لا يستطيع إلا أن يخدم الأهداف الكونية للولايات المتحدة ضامنة حسب هذا المنظور امتلاك الدائرة الأولى المؤلفة من القارة الأمريكية من الشمال إلى الجنوب. وبما أن الحدود الشمالية قد حددت فالخارطة التي أعدها جفرسون أملاً أن تنجح حرب 1812 لضم كندا لم تتحقق) فقد بقيت عملية التوسع عن طريق الابتلاع المباشر أو غير المباشر لأكبر جزء ممكن للقسم الجنوبي. وقد أعلن جفرسون أيضاً عام 1809 بأن على كوبا أن تنضم للاتحاد. وفي عام 1819 صرح جون كوينسي أدمز - الذي كان في حينها وزير خارجية مونرو وعلى أغلب الظن كان الملهم لنظريته - بأنه مقتنع بأن الأراضي الواقعة تحت السيطرة البريطانية في الشمال وكذلك الأراضي التي بيد الإسبان في الجنوب سوف تكون يوماً جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية. والحق يقال أنّ قليلاً من الأمريكيين من كان يشك بأن أمريكا الشمالية والولايات المتحدة ستشكلان قريباً كياناً واحداً. طبقاً لهذا المسار للرؤية السياسية فإنه من السهل إدراك أحداث القرن التاسع عشر، لقد شكلت رسالة الرئيس مونرو إلى الكونغرس في 2 كانون الأول 1823 نقطة تاريخية رئيسية. في البداية كانت ذات طابع دفاعي موجهة ضد كل تدخل لقوة أجنبية في شؤون القارة الأمريكية وبعد عام 1850 سمحت هذه النظرية لتفسير جديد بَدَّل قليلاً من روحها. وحول هذا الموضوع كتب أيف هنري نويهات يقول"ادعت الولايات المتحدة مهمة الدفاع عن القارة ضد تدخلات القوى الأوروبية، إنكلترا وفرنسا في أمريكا الوسطى والمكسيك والكاريبي، وفي الوقت ذاته استخدمت هذه النظرية كعامل للتوسع الجغرافي". بعد ذلك وخاصة تحت تأثير البروز الإمبريالي للمنظرين العسكريين مثل "ماهان" الذي كان يشيد بتفوق العرق الأبيض وبخاصة الأنكلو-سكسون) أو للسياسيين أمثال تيودور روزفلت فقد فرضت النظرية بأنه وبدءاً من هذا اليوم الولايات المتحدة وحدها لها حق النظر في شؤون الأمريكيين، وحق النظر في أمريكا اللاتينية تعني بعبارات واضحة خضوع أمريكا اللاتينية لمصالح ولقرارات الولايات المتحدة، وهذا يجسد التوسع خارج المركز وقد أشرنا إليه سابقاً. والإبعاد عن طريق الإبادة الخالصة أو عن طريق الاستبعاد السياسي والاجتماعي للعناصر غير المناسبة الهنود والسود) الذين يشكلون عائقاً للسيطرة الشاملة على أكبر قسم ممكن من أراضي أمريكا الشمالية أي حتى حدود كندا والمكسيك هذا الإبعاد ضمن الدائرة الأولى إذن والتي أمكن الانطلاق منها لغزو أكبر قسم ممكن. أما الدائرة الثانية أي أمريكا اللاتينية فقد خضعت عبر مراحل. وقد شكلت التأكيدات المستمرة لنظرية مونرو المرحلة الأولى. فقد تم عن طريق المزج الذكي للدعاية ذات الدلالة الإنسانية وللتصريحات حول النوايا الحسنة وللضغوط من كل الأنواع وللاستخدام الحاذق للدولار تحويل الحيز المكاني الواقع بين الأراضي القومية الفعلية والأطراف الجنوبية للقارة شيئاً فشيئاً إلى كيان المحمية. الاستيلاء على الدائرة الثانية: بدأ "غزو" الولايات المتحدة لأمريكا اللاتينية عند منعطف القرن الثامن عشر. وقد كان لاستقلال المستعمرات الأمريكية صداه بين نخبة المهجنين ودفعهم للصحوة، وشكل هذا عاملاً فعالاً نظراً لأنه ساعد على عودة الوعي في الإمبراطورية الإسبانية. وقد اتخذ ميرندا صانع أول محاولة للثورة في فنزويلا عام 1806 القرار في مشروعه لتحرير أمريكا اللاتينية خلال إقامته في الولايات المتحدة عام 1783. ومنذ ذلك الوقت وبفضل المبادلات التجارية بين المرافئ الأمريكية ومدن أمريكا الجنوبية حدث تأثير ثقافي واضح وأصبح فيما بعد أقوى بواسطة انتشار النموذج المستوحى من الثورة الفرنسية. في عام 1795 اضطرت إسبانيا للتوقيع على معاهدة بال بعد هزيمتها أمام فرنسا التي أعلنت عليها الحرب عام 1793. واتجهت نحو إنكلترا فقطعت على عدوها الجديد طريق مستعمراتها في ما وراء الأطلسي. في 18 تشرين الثاني 1798 أجبرت على فتح مرافئ أمريكا الجنوبية أمام سفن الدول المحايدة ومنها الولايات المتحدة. وخلال بضع سنوات شهدت العلاقات الاقتصادية كالعلاقات الثقافية بين البلدين تطوراً ملحوظاً. وأقامت الولايات المتحدة في كل مكان وكالات وقنصليات، وانتشرت معها نصوص انقلابية مثل common sense الإحساس المشترك) لتوماس بن في حين كانت هناك محاولات لتقليد الدستور الذي كتبه جفرسون والذي سنجد أفكاره الرئيسية بعد بضع سنوات منتشرة في دساتير دول أمريكا الجنوبية. بين أعوام 1808 و1823 لم تعد الوحدة الوهمية لقارة أمريكا اللاتينية تستطيع مقاومة النمو العام للعقليات فكان هناك انتفاضات مسلحة أدت إلى انهيار الصرح الاستعماري الإسباني وفي كل مكان قامت المواجهة بين الجماعات المتنافسة والمؤسسة الاستعمارية(2) للفوز بالسلطة. أما المولدون الذين أبعدوا عن السلطة بواسطة الإدارة الإسبانية وكانوا يشكلون نخبة اقتصادية وسياسية فقد عانوا حينها من القيود التي فرضت عليهم. وفيما بعد وتحت تأثير الحافز الأمريكي والفرنسي بعد الانتفاضة الأخيرة ضد نابليون قاموا بالثورة. وفي الخامس من تموز 1811 أعلنت فنزويلا استقلالها وتبعها الإكوادور في كانون الأول من السنة نفسها، وكان ذلك بعد عام من رفض الأرجنتين القبول بنائب الملك الجديد. وفي عام 1811 أيضاً تحررت بدورها تشيلي بشكل مؤقت. وهكذا اتخذت الأفكار القادمة من الشمال طريقها في كل مكان. في عام 1823 عندما تم عملياً استقلال دول أمريكا اللاتينية قدمت الولايات المتحدة لهم دعماً غير مجرّد من القصد والغاية. فأرسلت لهم السلاح والوسائل المالية التي طلبها سيمون بوليفار وفي عام 1822 كان الرئيس مونرو قد اعترف بكولومبيا الكبرى وبالمكسيك. ومهما تكن الدولة المعنية فطريقة وضعها تحت الوصاية كانت تقريباً متشابهة وكانت رؤوس الأموال الأمريكية تصب الزيت للدولاب الاقتصادي في البرازيل وفي تشيلي وفي كولومبيا وفي فنزويلا ولكافة الأمم الأخرى. فحاكت الثروات المعدنية وحقول البترول والممتلكات العقارية والمالية والاستثمارات بالدولار شبكة معقدة تربط الحكومات والمصالح الأمريكية وغالباً بموافقة الحكومات أو بموافقة الطبقة الطفيلية المالكة. ومع مرور السنوات استبعدت تدريجياً بريطانيا العظمى التي كانت تحتل في الجزء الأسفل للقارة موقعاً مصيرياً. ففقدت بشكل نهائي مكانها بعد حرب 1914-1918. ولم يعد السوق الداخلي الأمريكي قادراً على امتصاص الإنتاج الصناعي القومي فأصبح من الضروري إذن فتح أسواق أخرى، وعن طريق لعبة عقد المؤتمرات بين الدول الأمريكية تعاظمت هيمنة وسيطرة الولايات المتحدة، السياسية وانطوت القارة كلها تحت سيطرتها وأصبحت ما لم يتوان أولئك الذين لا يملكون أي خجل من تسميتها علناً بدارهم الخلفية. وليس هنالك شيء يوضح الطريقةالتي جرت بموجبها استعمار تلك الدار الخلفية أكثر من الحالة التي جرت في هاواي والكاريبي وأمريكا الوسطى. احتلال هاواي: هذه الجزيرة تثير الشهية لأكثر من سبب كونها محطة عالمية في الطريق إلى الصين إضافة إلى أنها تتمتع بمياه غنية بالأسماك. وقد تعودت السفن الأمريكية أن ترسو في موانئها منذ عام 1820 وفي العام ذاته عين الرئيس مونرو ممثلاً دائماً لأمريكا في هونولولو. ولم تتأخر الإرساليات البروتستانتية بإقامة مراكز دعوة لها في كل مكان من الجزيرة، وعملت هذه الإرساليات بنشاط لدعوة السكان إلى الدين المسيحي مرفقة بحملة دعائية لصالح أمريكا على المدى الطويل. في الفترة ما بين 1820-1840 أكثر من 400 مركب صيد كانت تتردد سنوياً على مرافئ هاواي. وقامت تجارة ثلاثية الأطراف بين المرافئ الأمريكية على المحيط الهادي وهونولولو والصين وكان خشب الصندل لجزيرة هاواي مطلوب جداً، وكذلك منتجات الشرق الأقصى التي تصدرها الإمبراطورية الوسطى. ومنذ عدة سنوات كان المستوطنون الينكي قد اختاروا هذا الركن من العالم وسط الأمواج العالية حيث استولوا على مزارع قصب السكر وكان السوق الوحيد المفتوح أمامهم بالطبع هو سوق الوطن الأم. ومع مرور الزمن حيكت الأواصر الضرورية من أجل ضم الجزيرة مستقبلاً. فالإرساليات أبهرت العقول والمستوطنون أمنوا الإنتاج وتم توقيع معاهدة للتبادل التجاري بين الملك كالاكاوا والرئيس غرانت عام 1875. حسب نصوص هذه المعاهدة تسمح للمنتجات في هاواي أن تدخل بحرية إلى الولايات المتحدة كذلك تم تأمين استعمال مرفأ بيرل هاربر أمام سفن العم سام. مع بداية عام 1890 لم تعد أبداً تواجه رياح الإمبريالية أي نوع من الضوابط لدى الرأي العام الأمريكي، لذلك رأى المستوطنون في هاواي أن الوقت أصبح مناسباً لتحقيق الضم. في عام 1893 اصطنعوا ثورة وخلعوا الملكة ليليوكلاني وطالبوا بالارتباط بالولايات المتحدة. رفض الرئيس كلفلند Cleveland وهذا لم يمنع أبداً المستوطنين من إعلان جمهورية هاواي وتشكيل حكومة لها نالت فوراً اعتراف واشنطن. وفي 7 تموز 1898 وتحت تأثير موجة انتصارهم على إسبانيا قام الأمريكيون بموافقة الحكومة المحلية بإنجاز عملية الإلحاق التي كانت مخططة منذ زمن طويل. كوبا الثمرة الناضجة: مع فجر حركة التحرر الشاملة للمستعمرات الإسبانية وُجدت في كوبا طبقتان: المزارعون الذين حققوا ثروات طائلة على حساب صغار الملاك، ثم طبقة البؤساء. ومع مطلع القرن التاسع عشر تضمنت طموحات الولايات المتحدة في القارة كوبا، وهذا ما أكده جفرسون. واتبع جون كوينسي أدمز الذي كان وزيراً للخارجية ثم أصبح رئيساً للولايات المتحدة سياسة ما أسماه استراتيجية "الانتظار الصابر". في عام 1823 قال:"توجد قوانين جاذبية في السياسة كقوانين الجاذبية في الطبيعة، فكما أن التفاحة التي انفصلت عن الشجرة تحت تأثير قوة الريح فهي لا تستطيع أن لا تقع على الأرض حتى لو أرادت ذلك وكوبا التي قطعت الصلة التي تربطها بإسبانيا عليها بالضرورة أن تنجذب نحو اتحاد أمريكا الشمالية". والمخطط الذي طبق غالباً كان بسيطاً فهو يبدأ بإثارة السخط الاجتماعي ثم الانتفاضة وتتبعها بعد ذلك الثورة، وعندما تقوم الثورة تأتي فرصة التدخل تحت حجة ما للاستيلاء على الجزيرة. ترافقت استراتيجية "الانتظار الصابر" خلال السنوات العشر التي سبقت الغزو حالة صامتة للهيمنة على الاقتصاد الكوبي، فقد كانت الاستثمارات الأمريكية في معامل السكر تهدف إلى الحصول المكثف على السكر غير المكرر. وعندما تم هذا كان يكفي أن تنتظر الولايات المتحدة نتائج سياسة فرض الرسوم الجمركية المرتفعة على المنتجات الكوبية مع تلازمها تأثيرات المنافسة الأوروبية المريعة، ولم تتأخر أسعار السكر الكوبي عن الانهيار وكان باستطاعة الشركات الأمريكية الحصول مقابل حفنة من الخبز على المزارع بشكل غير محدود واستطاعت أيضاً أن تحتكر الشبكة المنتجة. فيما بعد واجه السيجار ثم القهوة المصير ذاته مما أدى تحت تأثير الانتكاسات الاجتماعية إلى إثارة الأزمة المنتظرة. بعد انتفاضة أولى بين أعوام 1868 و 1878 انتقلت البلاد إلى حرب التحرر. ومن 24 شباط 1895 إلى شهر تشرين الأول 1898 أودت المعارك بين الثوار الكوبيين وبين الجيش الإسباني بحياة الآلاف. فرأت الولايات المتحدة بذلك الفرصة التي تنتظرها. وعينت إسبانيا على رأس جيشها قائداً دون رحمة ولا رأفة وصعب المراس يدعى الجنرال وَيْلرِ Weler فقامت صحافة الولايات المتحدة بحملة ضده وراحت تدين وحشية أساليبه بعبارات حماسية. وبحجة واجبهم بحماية مصالح الصناعيين الأمريكيين والمستثمرين وكذلك حماية حياة مواطنيهم أرسل الأمريكيون في 25 كانون الثاني 1898 السفينة الحربية مان Maine) إلى مرفأ هافانا. في 15 شباط انفجرت الباخرة فوجدت الحجة بل الذريعة للتدخل وتحت تأثير اللوبي الإمبريالي المتعاظم والذي كان من أعضائه الرئيس المقبل تيودور روزفلت والدعاية التي قامت بها الصحافة أرسل الرئيس مكنلي جيشاً "للتحرير" إلى الجزيرة، واستولى في طريقه على الفليبين(3) وبورتوريكو وجزيرة غوام. وحدثت سلسلة من ضربات القوة الأمريكية وأدت دون معارضة ذات قيمة من الأمم الأوروبية إلى توقيع معاهدة باريس عام 1898(4) . ما كادت فرق الجيش الأمريكي أن تحط في الجزيرة من أجل "حماية المصالح الأمريكية" حتى تم مصادرة مكاسب الثورة الكوبية. في 20 نيسان 1898 صدر قرار أمريكي فرمان) يقضي بأنه للكوبيين الحق بتقرير المصير، إلا أن الحكومة الأمريكية ستُبقي سيطرتها على الجزيرة طالما لم تنته بعد "عملية السلام(5) " في الجزيرة. أما مدة هذه العملية وطبيعتها فهما خاضعتان للتقدير التعسّفي لجيش الاحتلال، ولذا وضعت كوبا تحت قيادة الجنرال وود Wood كما انه لم يتم الاعتراف بالحكومة التي نتجت عن الثورة، وتم رفع العلم الذي يحمل النجوم على الساريات الرسمية. وعندما أعلنت أخيراً الجمهورية في عام 1901 كانت قد اتخذت جميع الاحتياطات، فقد تبنى الكونجرس في الثاني من آذار عام 1901 قراراً بتعديل أعده السيناتور هيتشكوك بلات يقضي بإعطاء حق التدخل للحكومة الأمريكية في أي وقت تتعرض فيه مصالح وحياة المواطنين الأمريكيين وكذلك استقلال كوبا للخطر. عند دراسة طبيعة العلاقات التي فرضتها الولايات المتحدة على كوبا منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى قيام ثورة فيدل كاسترو نستطيع أن نفهم بشكل أفضل كيف سارت ديناميكية الهيمنة الأمريكية التي تقوم على دفع الحدود القومية المرنة بشكل دائم إلى الأمام بهدف التوسع. لقد كانت التدخلات العسكرية أحد الوسائل المستخدمة لهذا الغرض ولكن كان هناك وسائل أخرى ذات فعالية أيضاً وأقل ظهوراً. الهيمنة على الاقتصاد هو المثال على ذلك: استطاعت الولايات المتحدة بواسطة المجموعات الاقتصادية والمالية القوية وعن طريق المعاهدات التي أعطت الحصة الكبرى للرأس المال الأمريكي الشمالي الحصول على السيطرة الكاملة على الدائرة الاقتصادية القومية والإقليمية. في هذا الإطار يؤكد جان لامور بأن معاهدة التعامل بالمثل في 17 كانون الأول 1903 تنص على"أن عدداً من الأصناف الكوبية المسجلة على قائمة خاصة) تستفيد من التخفيض عن السعر العادي بنسبة 20%، في حين تستطيع المنتجات الأمريكية المسجلة على القائمة) أن تدخل كوبا بتعرفة مفضلة تقل بنسبة 25-40% من التعرفة العادية". فأشادت الولايات المتحدة على هذه الأسس التي هي لصالحها نظاماً من السيطرة والاحتكار كان محركه نمو الاستثمارات التي انتشرت في كل القطاعات الاقتصادية الكوبية. فمنذ عام 1899 قامت شركة السكر الكوبية - الأمريكية التي أصبحت بعد أحد عشر عاماً شركة عظمى حقيقية وأصدرت اثني عشر مليون سهم وفي عام 1902. اشترت شركة التبغ الأمريكية عدة أصناف ومصانع للتبغ، أما في قطاع المناجم فقد اشترت شركة بيت لحم للأعمال في بنسلفانيا عدة مناجم عام 1889. وعملت الميزة التوسعية لزراعة قصب السكر على إقامة علاقة وطيدة بين استثمارات السكر المباشرة وتوظيف الأموال بهدف تطوير السكك الحديدية من أجل خدمة صناعة السكر. فتم تأسيس الشركة الكوبية المركزية للسكك الحديدية المحدودة عام 1899 والشركة الكوبية الشرقية للسكك الحديدية عام 1908. أما البنوك فقد حققت تدخلاً ومشاركة أكثر حذراً. لذا انتظرت المجموعة الأمريكية الشمالية حتى عام 1920 كي تنشط تحت اسم مصرف كوبا الوطني Banco national، أما مصرف الشركة الجديدة Nova Scotia فقد نشط في عام 1906 ولكن التوسع الحاسم لم يتم فعلاً قبل عام 1915 واستمر حتى سنوات الجمود الاقتصادي بين الأعوام 1920-1930. استغلال ظاهرة مسبقة: في هذه السنة 1898 تمت السيطرة على كوبا عن طريق المجموعات الكبرى الشركات الكبرى والتكتلات) أمام لامبالاة المجتمع الدولي وتبع ذلك ضم هاواي التي شكلت للأمريكيين نجاحاً أساسياً خارج دائرتهم الأولى وهذا ما شجع على المعاودة. ولم تتأخر الولايات المتحدة عن ذلك فدفعت بورتوريكو الثمن في نفس العام ثم الفليبين في عام 1899. وقد شهدت السنوات التالية اتساع الإمبراطورية الأمريكية بالقضم المنظم. بورتوريكو: في غمرة السيطرة على كوبا التي فوجئت بها هذه الجزيرة الأخرى من جزر الكاريبي التي حصلت مؤخراً 1897) من إسبانيا على حق إنشاء مجلسين للشعب تحت إشراف حاكم عام فقامت الولايات المتحدة بغزوها. حصل هذا الغزو أيضاً بموافقة معاهدة باريس. نصبت الولايات المتحدة في الجزيرة حكومة عسكرية ثم عزلتها مرسوم فوراكر) ووضعت مكانها في أيار 1900 حكومة مدنية تحت سيطرة الرئيس الأمريكي. في 15 تموز 1909 أوجد مرسوم أولمستد) إدارة تنفيذية مكلفة بتسيير شؤون الجزيرة. بعد ثماني سنوات نص مرسوم جونيس) على أن بورتوريكو هي من الآن فصاعداً أرض "منظمة وليست مضمومة"، إلا أن سكانها هم من مواطني الولايات المتحدة مرتبطون بالحاكم وبالسلطات التنفيذية التي كانت تحت تصرف الرئيس في البيت الأبيض. ورغم التنازلات الشكلية التي حصلت فيما بعد فقد عين هنري ترومان عام 1946 مواطناً من بورتوريكو حاكماً، وفي عام 1947 تم تعديل مرسوم جونيس) من أجل السماح للشعب بانتخاب الحاكم، أما خضوع الجزيرة للولايات المتحدة وحتى بعد التصويت على الدستور 1952) كان أمراً لا يمكن الرجوع عنه. وكانت السيطرة وخاصة الاقتصادية أمراً جلياً للعيان. فقد استولت الشركات الأمريكية الكبرى على المرافق الاقتصادية الأساسية في الجزيرة. والتنوع الذي كان يميز بورتوريكو قبل بداية القرن وخاصة في الصناعة الغذائية المزدهرة تتخلى عن مكانها للقهوة وخاصة للسكر تحت تأثير الاستثمارات الكثيفة والسوق الأمريكية المفتوحة لهذه التجارة التي تعود بالأرباح العملاقة للشركات المتعددة الجنسية. بالمقابل وجد سكان الجزيرة أنفسهم مجبرين على استيراد الغذاء من الولايات المتحدة بنسبة 50% وكذلك استيراد عدد كبير من المنتجات المصنعة يدوياً وكان حكمهم الذاتي النسبي مرتبط بأسعار السكر التي كانت تصعد أو تهبط بقدر انصياعهم لقرارات واشنطن ولمزاجها. أما الميزان التجاري فكان يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة ونتج عن عدم التوازن هذا اضطرابات اجتماعية. وبدءاً من أعوام التسعينات نمت وتزايدت تجارة المخدرات وأعمال العنف والخطف بشكل لم يكن له أي مثيل في السابق. الوعد المنقوض: في سياق حركة الاستيلاء الناجمة عن الحرب الإسبانية - الأمريكية زحفت الولايات المتحدة حتى وصلت إلى تخوم بحر الصين. في الأول من أيار عام 1898 ترك الأميرال دواي هونغ كونغ واتجه إلى خليج مانيلا حيث دمر الأسطول الإسباني. وتعهد للثائر "اغينالدو" أن يساعده على استقلال الفليبين مقابل مساعدته ضد المستعمر الإسباني. وبهدف المكافأة منع الوفد الذي كان برئاسة اغينالدو من الاشتراك في مؤتمر باريس. ونتيجة ذلك كانت المفاجأة المزعجة للأمر الواقع: تخلت إسبانيا المهزومة عن الفليبين للولايات المتحدة وفي 10 كانون الأول ومقابل تعويض قدره 20 مليون دولار اعترفت إسبانيا بملكية المنتصر للأرخبيل. في كانون الثاني 1899 أعلن اغينالدو رغم ذلك استقلال بلاده كردة فعل مباشرة على ذلك وبعد حملة استمرت حوالي ثلاث سنوات كان عليه أن يستسلم ويخضع للعبودية. تميزت سنوات 1920-1930 بصعود النضال الوطني وبشكل موازي وبسبب الخوف من منافسة المنتجات الفليبينية وتدفق اليد العاملة المتطلبة قليلاً على صعيد الأجور وظروف العمل طالب الفلاحون والنقابات الأمريكية بالتخلي عن الأرخبيل. في عام 1934 منح الرئيس روزفلت مهلة عشر سنوات انتقالية قبل الاستقلال قانون تيدنيكز- ماك دوفي) ونتيجة لذلك خضعت البضائع الفليبينية المستوردة إلى الولايات المتحدة للرسوم المعتادة، في غداة الحرب العالمية الثانية بعد الاستيلاء من جديد على الأرخبيل على حساب اليابانيين تحقق الاستقلال. إلا أن الطابع الأمريكي لم يكن بالإمكان إزالته، واختيار تاريخ الرابع من تموز كيوم لإعلان استقلال جمهورية الفيليبين في عام 1946 لم يكن وليد الصدفة. الدستور هو أيضاً يحمل بصمة المحتل القديم فالرئيس ينتخب لمدة أربعة سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة حديثاً تم تعديل المدة إلى ست سنوات غير قابلة للتجديد) والكونجرس ثنائي التمثيل مجلسان تشريعيان) إضافة إلى وجود المحكمة العليا. كما أن اللغة الإسبانية استبدلت باللغة الإنكليزية و النظام التعليمي نسخ عن النظام المعمول به في الولايات المتحدة مما دعم قيام جمهورية ذات طابع أمريكي عميق. كذلك الفشل الاجتماعي والسياسي كان فاضحاً. فلم تتصور الطبقة البرجوازية التي نشأت في القرن التاسع عشر والتي تمتلك الثروة الأساسية أي نوع من الإصلاح وظهرت أنها حليف مميز لواشنطن واستمرت بإدارة البلاد. وأول رئيس منتخب كان مرشح الولايات المتحدة التي استطاعت فيما بعد أيضاً تأمين انتخاب رئيس من المقربين المخلصين لها. وقد اعترف مرسوم بيل ترد) بأن للمواطنين الأمريكيين في الأراضي الفليبينية نفس الحقوق التي يتمتع بها أبناء البلد. من جهة أخرى استقر العسكر الأمريكيون في ثلاث وعشرين قاعدة. وبقي ذلك سارياً حتى عام 1992 عندما تم إزالة أخر قاعدة عسكرية أمريكية تحت ضغوط الأوساط الوطنية والمظاهرات الشعبية المعادية. إن الإرث الأمريكي لا يزال ظاهراً حتى يومنا هذا. فقد جعلت البرجوازية وخاصة العقارية التي اعتمدت الولايات المتحدة عليها ترك ماركوس آثاراً عميقة) كل مشروع إصلاحي صعباً. والأرقام في هذا الصدد معبرة: 70% من الشعب يعيشون تحت عتبة الفقر في حين أن 15% من الملاك يتوزعون ملكية 65% من أفضل الأراضي. ولم تتقلص أبداً التبعية تجاه المحتل السابق رغم محاولات تخفيفها. فالشركات المتعددة الجنسية لها جذور متينة في ميدان الأراضي وتقف عائقاً أمام أي إصلاح زراعي. ويسيطر دل مونت ودول عن طريق الشركة الفليبينية ستانفلكو) وبونتو برانتز على سوق الموز والأناناس وأسواق أخرى ويتصرفون على هواهم بالقوانين الأخيرة حول توزيع الأراضي عن طريق إبرام العقود مع أصحاب الملكية الخاصة. وقد أعطت الأفضلية في التصدير إلى المواد الغذائية بالاتفاق مع الفريق الليبرالي المتطرف مما يبقي السكان تحت رحمة تبدلات الأسعار الدولية. وتحول الأرخبيل الذي كان يحقق الاكتفاء الذاتي من مادة الرز، إلى بلدٍ يعاني اليوم من نقص حاد في هذه المادة، الشيء الذي يحمله على استيرادها من تايلندا. أما الدين فهو يعزز أكثر تبعية البلد لصندوق النقد الدولي وللبنك الدولي أي للولايات المتحدة. شحذ الهمم للاستيلاء على أمريكا الوسطى: أتاحت حملة كوبا للأمريكيين إنجاز خطتهم التي استخدمت في باقي القارة الأمريكية اللاتينية، وخاصة كما قال آلان دستكسهي في أمريكا الوسطى فيما عدا كوستاريكا. ومنذ القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة موجودة في كل مكان وكانت تتدخل غالباً عن طريق الشركات المالية أو الصناعية مثل شركة الفواكه المتحدة United fruits co. المعروفة حالياً بـ United Brands) التي وضعت تحت يدها قطاع الموز بكامله فشركات الموز وخاصة UF Co. شركة الفواكه المتحدة) أصبحت "دولاً داخل الدولة" وأطراف فاعلة بشكل كامل في اللعبة السياسية عن طريق مساندتها للأحزاب التقليدية. ثم عن الدخول الكثيف لرؤوس الأموال مع وصول الأجانب الذين أشرفوا على جزء مهم من التجارة الخارجية ساهم كل ذلك باستمرار عملية تحديث البلاد مقابل الهيمنة الخارجية النامية. الهندوراس: إن حالة الهندوراس شكلت في هذا الصدد نموذجاً على ذلك. هندوراس التي حصلت على استقلالها منذ عام 1838 رأت أن هذا الاستقلال مهدد من قبل البريطانيين. في نهاية القرن التاسع عشر وتحت تأثير المنافسة بين طبقات الأقلية المحلية الحاكمة وقعت البلاد في قبضة الشركة المتحدة للفاكهة، التي استولت على مزارع الموز الكبيرة مما ساهم بوصول شخصية مخلصة للمصالح الأمريكية إلى السلطة هذا الرجل هو تبروسيوكاريس اندينو. كتب ديستكسهي يقول "لم تساهم سيطرة شركات الموز الكبرى فقط باختفاء المنتجين الوطنيين للموز ولكن الشركات الأمريكية أشرفت على كامل السكك الحديدية ومجمل الموانئ وعلى الأسطول التجاري وعلى أهم مصرف وعلى الهواتف وعلى الكهرباء" كان الخيار بشكل عام سهلاً فإما أن تنحاز الحكومة مع واشنطن مما يتيح لها الاستمرارية المريحة في الغالب أو أن تثور وتحاول جاهدة إصلاح الأخطاء الصارخة وتكون النتيجة هي حدوث انقلاب عليها بشكل أو بآخر. وينجم عن ذلك قيام حركة قمع الثوار مما يؤدي من جهة أخرى إلى نشوء الراديكالية. وتصبح الانتخابات عبارة عن سخرية مهمتها الوحيدة "إعطاء الوهم الديمقراطي وإضفاء الشرعية على الحكومة على المستوى الوطني والدولي وإتاحة الفرصة المثالية للاتصال بين السلطة والمحكومين الذين يصبح لديهم بهذا الشكل فرصة لتلبية مطالبهم ولكنها قبل كل شيء تؤمن مجال تنافسي محدود بين الجماعات التي تدور في فلك السلطة وتبعد الطبقات السياسية الخطيرة". ومصلحة الولايات المتحدة هي أبعد من أن تكون لها اقتصادية فقط لأنها أيضاً استراتيجية. فكونها تستطيع أن تحكم دون شريك مجمل أمريكا الوسطى فإن ذلك بدا لها منذ البداية قضية حيوية لسببين: أولاً بسبب قناة بنما حيث يمر الجزء الأكبر من صادراتها إلى اليابان والبرازيل كذلك يعبر منها أسطول الحرب الأمريكي عندما ينتقل من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي وبالعكس. وثانياً بسبب منطقة الكاريبي - أمريكا الوسطى حيث يعبر منها 50% من الواردات البترولية و40% من التجارة الخارجية الأمريكية.وبالمقابل شكل هذا الشيء وضعاً كارثياًً لأمريكا الوسطى و"للبحر المتوسط الأمريكي" حول ذلك يعلق دستكسهي فيقول:"فقر وبؤس وتهميش اجتماعي وظلم وتبعية خارجية وقمع واستدانة... وقائمة السوء التي يعاني منها المضيق تطول". غواتيمالا: برزت أيضاً الهيمنة على أمريكا الوسطى بواسطة الشركات المتعددة الجنسيات في أغلب الدول الأخرى. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عام 1920 أخذت الشركة المتحدة للفاكهة UF Co. تحيك شباكها في غواتيمالا. ولكن كان علينا الانتظار حوالي نصف قرن لترى الولايات المتحدة مضطرة نفسها في هذا البلد حيث أن حكامه لم يفكروا بالإضرار بمصالحها. إلا أنه في عام 1951 وصل إلى السلطة العقيد أربنز Arbenz وهو من أصل سويسري فأطلق إصلاحاً زراعياً ضرورياً ولكنه أصاب مصالح المتحدة للفواكه ونزع منها أراضي بمساحة 160 ألف هكتار من أصل ممتلكاتها التي بلغت 220 ألف هكتار فقام في 17 حزيران 1954 انقلاب على أربنز بتدبير من الولايات المتحدة وغزت غواتيمالا فرقة عسكرية أتت من السلفادور بعد أن تسلحت وتدربت على أيدي السي.أي.آيه ووضعت حكومة على رأس البلاد فألغت هذه الحكومة كل فكرة للإصلاح وخضعت لرغبات واشنطن. وأمام الاستيلاء والبؤس اعتمدت سياسة القمع منذ عام 1979 ضد أحزاب الوسط واليسار وتعاظم القمع في عام 1982 ونتج عنه أكثر من 50 ألف ضحية. أما الإجراءات الخجولة والمتذبذبة للعدالة الاجتماعية التي اتخذها الرئيس فنيسو سرزو فقد أثارت كراهية منظمات أرباب العمل. فقامت عليه حركة انقلابية فاشلة عام 1988 بعد أن كادت أن تنجح. في الوقت الحالي دخلت غواتيمالا التي يرأسها الفارو أرزو Alvaro Arzu والذي انتخب عام 1996 في مرحلة من المفاوضات مع الثوار، مفاوضات أفشلتها التصرفات الرعناء الفالتة من القصاص لرجال الجيش، والشرطة المسؤولة وحدها عن ربع انتهاكات حقوق الإنسان في هذا البلد. بنما: لا يمكن أن يوجد نموذج صارخ لإطلاق يد الولايات المتحدة في السيادة على أمم أمريكا الوسطى أكثر من سيطرتها على بنما في 18 تشرين الثاني 1821 حيث تم إعلان أرض قناة المستقبل أرضاً حرة مستقلة، ثم ألحقت عمداً بجمهورية كولومبيا. تلا ذلك اكتشاف الذهب في كاليفورنيا مما أعطى هذه الأرض موقعها كممر. ومع مرور السنوات وتنامي أنانية بوغاتا التي بات الآخرون يشعرون بها، أصبحت الوصاية الكولومبية أمراً غير محتمل. أما فكرة حفر قناة في هذا المكان فهي فكرة قديمة. بين أعوام 1868 و1876 أخذ الأمريكيون يفكرون جدياً بذلك، ولم يتردد الرئيس غرانت Grant وتحت اسم المصير الحتمي أن يؤكد بأن هذا الإنجاز المستقبلي يجب أن يكون أمريكياً. وأدت المحاولات الفاشلة الفرنسية بالحفر بين 1875 إلى 1901 إلى اتفاقية هاي -بونسفوتHay - Pauncefote) التي أزالت الحظر الموجود في معاهدة كليتون-بولورClayton-Bulwer) عام 1850 بامتلاك أي جزء كان من القناة. في 22 كانون الثاني 1903 وطبقاً لمعاهدة هاي-هران Hay-Herran) حُملت كولومبيا على التخلّي عن كل الحقوق المتعلقة بالحفر إلى الأمريكيين لمدة مئة عام إلا أن الكونجرس الكولومبي رفض الموافقة على هذا الاتفاق. في 3 تشرين الثاني وفي لحظة وجود بارجات أمريكية في موانئ كولون وبنما طالبت طغمة عسكرية بالانفصال فحاولت السلطات الكولومبية إستعادة ملكيتها إلا أن الجيوش الأمريكية التي كانت على ما يظهر مستعدة لهذا الاحتمال طردت الخصم. وفي 6 تشرين الثاني اعترف البيت الأبيض بدولة بنما. في 18 من نفس الشهر جاءت معاهدة هاي-بينو-فاريللا) لتعمق عبودية الدولة الجديدة حيال الولايات المتحدة. فقد صاغ الموفد البنمي بينو-فاريللا الاتفاق الذي أملاه عليه وزير الخارجية الأمريكي هاي هذه المعاهدة التي وصفتها بنما بحق بالـ"الخزي القضائي" أعطت لواشنطن تنازلاً مؤبداً عن المنطقة المجاورة للقناة تتراوح بين 10 كيلومترات إلى 10 أميال. فكان للأمريكيين الحق أن يمارسوا السلطة الصحية والسلطة البوليسية، يضاف إلى ذلك حق التدخل في أي وقت وقد سمي هذا الحق بحذر "بضمانة الاستقلال"، وتحت تأثير إجراءات التخويف الأمريكي صادقت بنما على نص المعاهدة. استمرت أعمال الحفر من عام 1904 إلى عام 1914 في هذه الأثناء تمسك الأمريكيون بقوة بمنطقة مساحتها 1435 كم2 التي تقسم بحذق جمهورية بنما إلى قسمين، وأصبح حاكم منطقة القناة الذي يسميه البيت الأبيض رئيساً لشركة القناة التي ليس فيها إلا مساهم وحيد ألا وهو وزير الدفاع الأمريكي. في عام 1946 أنشأت الولايات المتحدة في بنما المدرسة الأمريكية المشؤومة ثم نقلت في عام 1984 إلى فورت بنينغ في جورجيا حيث كان يتم التدريب على الحرب وعلى العمليات البوليسية وقد تعلم فيها أكثر من 60 ألف عسكري وشرطي من أمريكا اللاتينية خلال سنوات عديدة فنون القهر والتعذيب والاغتيال وعمليات الكومندوس ومنهم كومندوس الموت ضد أطفال الشوارع. لم يتأخر البناميون في اكتشافهم أنً قسمة أرباح القناة غير العادلة في القناة، فإذا ربحت بنما سنوياً ما يقارب 2 مليون دولار بالمقابل أكثر من 55 مليون دولار تذهب إلى كيس النقود الأمريكي. الرأس المال المستثمر قد استرجع عدة مرات في الوقت الذي أصبحت فيه الأرض "فندقاً فخماً في محيط الفقر". في عام 1936 حمل الرئيس روزفلت على إعطاء أول تنازل بإجراء أول تعديل لمعاهدة التخلي. في عام 1955 أعطت معاهدة أيزنهاور-رمون تنازل آخر اغتيل الأخير بشكل غامض بالكاد قبل بضعة أيام من المصادقة على المعاهدة) واستمرت الاضطرابات والاعتراضات وقطع العلاقات الدبلوماسية وإعادتها طالما غابت المراجعة الحقيقية للاتفاقيات. في عام 1946 وعدت الولايات المتحدة بدراسة الموضوع، ولكن بدلاً من أن تنجز الوعد فضلت أن تضع في السلطة رجلاً تابعاً لها ألا وهو نورييفا الذي عملت صلاته مع السي.أي.آيه التي كان يديرها جورج بوش - كما يشير إلى ذلك فريدريك كمب - إلى دفعه إلى راس الدولة البنمية. وباعتباره رجل دون رادع وقد جمع ثروته عن طريق تجارة المخدرات فقد رهن أنه مساعد ممتاز لواشنطن، ولكنه يوم أراد إبراز عدم الانصياع أصبح شخصاً مزعجاً لأنه يعلم أموراً كثيرة وأخذ يهدد بإفشائها، كان لابد من أن يكون هدفاً لهجوم منظم للزمرة الأمريكية عام 1989. وبحجة الدفاع عن "قضية عادلة" أرسل الرئيس بوش 25 ألف جندي مما أدى - بسبب أخطاء تكتيكية لرئيس أركانها - إلى موت 3 آلاف بنمي معظمهم من المدنيين. فقد تم قصف حيين الأكثر فقراً في العاصمة، فاشتعلت النيران وحفرت القبور الجماعية وارتكبت المخالفات عشرات من المارينز قتلوا سهواً برصاص رفاقهم) ولم يتوقف كل ذلك إلا بوضع الرئيس إندارا Endara الذي عاد مع الجنود الأمريكيين على رأس بنما. في 31 كانون الأول 1999 وحسب بنود معاهدة كارتر - توريوس الموقعة في 7 أيلول 1977 والتي ألغت معاهدة 1903، سوف تعاد القناة إلى دولة بنما. وأمام ارتياحها لعودة هذه المنطقة إلى سيادتها بدأت بنما تشعر بهموم مادية، فرحيل العسكريين الأمريكيين سيفقدها حوالي 180 مليون دولار سنوياً، وبهدف تعويضهم أخذت الحكومة تبحث عن طريقة لجذب الاستثمارات الأجنبية وخاصة الآسيوية. وسبق لتايوان أن ردت إيجاباً على ذلك ومن المتوقع إقامة مجمعات صناعية تؤمن 7 آلاف فرصة عمل. وربما لم ينس الشعب الماضي القريب ويفضل الأمن المادي على الاستقلال، ألم يحصل في عام 1995 وخلال عملية الاستفتاء أن 70% من الشعب أعطى أصواته لصالح تمديد التواجد الأمريكي في البلاد ؟!! (1) هذا المفهوم أقرب للأسطورة، لأن مرحلة الطبيعة هي شريعة الغاب. (2) تجاوزت الأحداث الهنود فكانوا غير فاعلين. (3) ذهب الرئيس مكنلي لتبرير ضم الفليبين إلى حد اختراع حجة الوحي الإلهي الذي خلال أحد صلواته شجعه على القيام بعمله. (4) نذكر هنا مع ذلك بأن بعض الصحف ومنها ليلّوستراسيون L'Illustretion لم تخف انزعاجها أمام الموقف الانتصاري والصلف للولايات المتحدة وأدانت دون مواربة سياسة الأمر الواقع وقانون الأقوى، وكذلك تخاذل وغياب تضامن الأوروبيين فيما بينهم. (5) التشابه بين اللغة الصماء الأمريكية مع اللغة ذاتها للاتحاد السوفيتي السابق هو كبير مما يتيح لنا أن ننسب هذا الاستخدام لنفس هذا المجال اللغوي الدلالي كوسائل متشابهة مثل "التطبيع" وسياسة "الوضع تحت الوصاية". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |