|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الظهور الإمبريالي: جاءت تلك الأحداث المعاصرة من غزو كوبا إلى بداية عمليات السيطرة على مجمل قارة أمريكا اللاتينية في خضم الظهور الإمبريالي. فبرزت أهداف الولايات المتحدة كضوء الشمس. في نهاية القرن التاسع عشر كان هناك وثيقتان ضمنتا للولايات المتحدة القاعدة الأيديولوجية والستراتيجية في نظرها تبرير توسعها الذي لم تعد تخفيه. وتذكرت الولايات المتحدة النقاط الأساسية لنظرية مونرو 1823) المتعلقة بحرية التجارة البحرية في الأطلسي وحرية الدخول إلى الأسواق الأوروبية لبضاعتهم وحرية التجارة والاستيلاء على كامل القارة الأمريكية، مما دفع المتحمسين للسيطرة الكونية الأمريكية إلى الدعوة لحملة صليبية شاملة. في هذه السنة لعام 1898 أكد السناتور البير ج. بفريدج بأن "على التجارة الدولية أن تكون وتصبح لنا وسيكون لنا ذلك. سوف نغطّي البحار بأسطولنا التجاري وسنبني أسطولاً يكون على مستوى عظمتنا، وستقوم مستعمرات كبيرة تابعة لنا وتحكم نفسها بنفسها وستجول سفنها التي سترفع علمنا والتي ستعمل لحسابنا كل طرقاتنا التجارية، وستسير مؤسساتنا خلف بيرقنا على خطى تجارتنا وسوف يصل الحق الأمريكي والنظام الأمريكي والحضارة الأمريكية والعلم الأمريكي إلى شواطئ لا تزال حتى الآن دامية ومؤسفة ولكنها ستصبح قريباً بعون الله مزدهرة". من جهة أخرى ضمنت معاهدة كليتون -بولفر 1850) لبريطانيا العظمى وللولايات المتحدة السيطرة على قناة المستقبل التي ستشق من جهة إلى أخرى برزخ أمريكا الوسطى. في السنوات العشر الأخيرة للقرن التاسع عشر كانت العقلية الإمبريالية وخاصة في الولايات المتحدة في أوجها، أشار بيار ميلزا لذلك فقال:" زالت الحدود وزال معها صمام الأمان الذي كانت تشكله الفضاءات الشاسعة الفارغة لوسط الأمم المتحدة وراحت تبحث الروح الطلائعية للشعب الأمريكي خارج حدود الدولة المتحدة عن أراضٍ أخرى للعمل، فبعد أن تم إعداد البلاد بشكل جيد بدأ رجال الأعمال التفكير بمسألة المنافذ الخارجية. لم يكن الأمر يتعلق بإلحاق الأراضي على الطريقة الأوروبية بل كان يهدف أكثر إلى البحث عن تأمين مناطق تحجز بواسطة دبلوماسية الدولار". وتوالت المواقف من حرب المكسيك إلى غزو هاواي وكوبا مروراً بالوصاية على كامل أمريكا اللاتينية فكانت برهاناً من أجل شرعية الإمبريالية الأمريكية. وجاء الصدى من المثقفين والشعراء والكتاب فطغى الشعور حتى عند الكتاب المعروفين بقلة حماسهم الكلامي بأن الولايات المتحدة هي الأفضل وتشكل المرجع الإجباري للجميع، فقد أقامت نظاماً مثالياً كما أكد ذلك توماس بيّن فقال:" إن في النصف الثاني للقرن الثامن عشر لم تشرق الشمس ناصعة على قضية ذات موقع سام كما كان الحال في الولايات المتحدة". الشاعر أمرسون Emerson والذي كان غالباً ما ينتقد وطنه لم يتوان عن التصريح بأن الولايات المتحدة هي الأمل المعقول للبشرية التي لم تكن وفيةً لعهودها حتى الآن، وأن روح الشعب الأمريكي هي الأكثر حكمة في العالم كله. أما لونجفللو Longfellow فقد اعتبر أن الولايات المتحدة هي اتحاد قوي وكبير والبشرية مع كل مخاوفها وأمالها في السنوات القادمة باتت مرتبطة بانبهار بمصير الولايات المتحدة. أما الصوت الوجداني الهادر والحماسي لكوتون مَذر Cottom Mather جاء من خلال صوت ولت وايتمان Wolt Whitman في قصائده الطويلة. يتابع وايتمان ما بدأه مؤلف أمريكا المسيحية العظمى Magnolia Christi Americana) لقد كتب يقول أن أمريكا "هي بالأساس أكبر القصائد وهي ليست فقط أمة بل إنها أمة الأمم" ، وعرقها هو "أعرق الأعراق"، "ومن بين كل الأمم تسير إلى الأمام وعروقها مليئة بعصارة الشعر، إنها بحاجة للشعراء ولكن من المؤكد أنه سيكون لديها يوماً ما أعظمهم وستعرف كيف تستخدمهم بعظمة"، وستعلم "للكون درس الوفاء الأمريكي"، وسيشرق نظام جديد قائم على رجال سيكونون أئمة البشرية وسيولدون في أمريكا وستستجيب الأرض قاطبة لهم. أما في اللغة الأمريكية فقد رأى وايتمان " لغة الحس السليم وستتكلمها أعراق فخورة وحزينة وستكون خطاب كل أولئك الذين يطمحون للحاق بهم ليعبّروا عما يصعب وصفه"، لأنه "ما من أحد يستطيع تحاشي الغريزة الغيورة والمحبة للأعراف الأمريكية"، وبسبب "أن طبيعة أمريكا هي قدر محتوم يسير إلى الأمام لا يقاوم ولا ينخرق في وسط التهديدات وصياحات المناوئين". وفي الشعر كما في غيره سيتجاوز الشباب الأمريكي منافسيهم، ثم يستنتج وايتمان فيقول أن الولايات المتحدة "هي بلد الأعمال الكبيرة" ميلفل نفسه رأى أنه جاء الوقت الذي سينافس الأمريكيون فيه شكسبير. في أواسط القرن التاسع عشر بلغ الشعور الوطني الأمريكي ذروته، كان الشعور العام كان التفاخر بأن يكون المرء من الولايات لا يوصف لأن البلد يشكل أمة مميزة، وأنّ المهمة التي رأى الله أنها جديرة بحملها جعلتها أمة فريدة في التاريخ. وفي وسط أسوأ الصعوبات الاجتماعية حدث الإجماع، فالنقابات وأرباب العمل أعلنوا موافقتهم على اعتبار الديمقراطية الأمريكية أنها هي الأفضل رغم الفساد الظاهر بين الأحزاب بسبب المال والمشاريع. وبما أنها الأفضل يجب إذاً تصديرها، وقد عبر عن هذه الفكرة جون أدمز الرئيس الأمريكي الذي خلف واشنطن فقال في 27 تشرين الثاني 1775 "إن بناء إمبراطورية كبيرة بات ممكناً حالياً، وحتى بالنسبة لغير المؤمنين" وفي الفيدراليست Federalist وفي نفس الفترة حلل الكسندر هملتون قدر الولايات المتحدة واعتبره "قدر إحدى الإمبراطوريات في العالم مع الفوارق الأكثر أهمية". في عام 1848 خلال الحرب المكسيكية وفي الوقت الذي استنكر فيه معظم الكتاب العدوان الأمريكي تبنى وايتمان موقفاً واضح الأنانية ومبالغ بالوطنية. فمثل جميع أعضاء الحزب الديمقراطي برر الحرب وجعل من الرئيس زكاري تايلور بطلاً لأن مهمة الولايات المتحدة هي "أن تنشر في العالم الجديد شعباً من العرق النبيل(1) " خلال هذه السنوات العشر لم يتردد بعض المصلحين بتحديد الأهداف الكونية لبلدهم. والكلام الذي استخدموه أيقظ لدينا في نهاية القرن العشرين هذا صدى ليس غريباً. لقد قالوا أن " على الولايات المتحدة إقامة السلام في العالم" وسيتوصل إلى تحقيق ذلك بواسطة محكمة دولية تطبق "قانون دولي جديد" من أجل تحقيق المجتمع المثالي. أصبحت الإمبريالية الأمريكية واعية لنفسها في وسط القرن التاسع عشر ولم تخبئ ذلك، فإن كانت تحمل في نفسها منذ البداية بذرة الاستبداد فإن هذا ليس فقط بسبب أنها بدافع دولي تدعي الهيمنة لأسباب دينية واقتصادية. إن مشروعها بالطبع هو قيادة مجموعة أمم الكرة الأرضية إلى مجتمع مثالي الذي أتخذ شكله طبقاً لمواصفات أمريكية وأخيراً عن الطريق المفضل ألا وهو التجارة. لنذكر هنا بالمعنى الذي تتخذه كلمة حدود في قاموس الأيديولوجية الأمريكية، فالحدود هي خط متحرك بشكل دائم ويتغير دون توقف وهي رمز للتملك المتطور واللامحدود في آنٍ واحد. فالأرض الوطنية ليست أولاً جغرافية بل إنها قبل كل شيء ذهنية. الشيء الذي تبرزه دراسة موثقة معاصرة لغزو كوبا يبرر الضرورة للولايات المتحدة بامتداد سيطرتها. في كتاب يحمل عنوان "المصلحة الأمريكية في قوتها البحرية" يصف القبطان أ.ت.ماهان ما يجب أن تكون عليه البحرية الأمريكية وما هي مهمتها. إن طرح ماهان بسيط، في البداية يؤكد فكرة بفريدج ويطورها فيقول على الولايات المتحدة مد تأثيرها التجاري على كامل الكرة الأرضية لأن السوق الداخلية لم تعد تكفي، فالطاقة الواسعة للإنتاج للولايات المتحدة التي هي إحدى المكونات الثلاثة لكل توسع مع وجود الأسواق ووسائل النقل الجديرة) هي بحاجة ماسة للمنافذ، ولكن للولايات المتحدة أيضاً مهمة من بين مهمات أخرى وهي أن تقطع الطريق على أهداف الإمبريالية الأوروبية. الدول المعنية بذلك هي جزر ساموا وهايتي وبرزخ أمريكا الوسطى وهاواي وجزر المحيط الهادي بشكل عام حيث أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تتحمل أي تدخل، فبدون قوة بحرية بمستوى الرهانات لا تستطيع الولايات المتحدة الإشراف على الكاريبي وأمريكا الوسطى. من جهة أخرى لا يمكن للقناة المستقبلية التي ستصل المحيط الهادي والمحيط الأطلسي أن لا تكون تحت السيطرة الأمريكية لأي سبب من الأسباب. فنظرية مونرو ترى أن على الولايات المتحدة أن لا تقبل في هذه المنطقة في العالم أي نفوذ غير نفوذها. فهل بسبب تضيق الخناق كان عليها أن تتجه إلى الخارج مما تطلب ليس فقط تقوية سواحلها بل بناء بحرية حربية قوية لدعم الإدارة السياسية المعلنة ألا وهي عدم قبول أي تدخل خارجي بعيد 3 آلاف ميل من سان فرانسيسكو داخل حلقة تضم هاواي والكلاباغوس وساحل أمريكا الوسطى. تستطيع الولايات المتحدة أن تستلهم العبر من النموذج الذي أثبت جدارته ألا وهو النموذج البريطاني. في هذا الصدد يؤكد ماهان بكل جدية بأن الأمتين يحركهما الحس نفسه بالعدالة وبالحق. حلل ماهان نظرية مونرو موضحاً أن لها جذور سبقت حرب الاستقلال وتعود إلى زمن حاول فيه المستوطنون منع الفرنسيين من غزو كندا. وهكذا فرض الهدف نفسه استراتيجياً على مجمل السياسة الخارجية في أمريكا الوسطى وفي الكاريبي مدفوعاً بالمصلحة الوطنية وحدها، لذلك لم يكن يعرف أي حدود له. كان على الولايات المتحدة إذاً أن تدخل في مصاف الدول العظمى في منطقة الباسفيك بما في ذلك العمل على بناء قناة المستقبل. وتقوم المصلحة القومية المعلنة بجوهرها على ربط السيطرة الأمريكية بمناطق تمتد إلى ما وراء البحار. وقد رسم ماهان بمهارة هذه المصلحة القومية وإرادة الهيمنة التي أطغى عليها الصفة الأخلاقية. ثم يؤكد بأن على الولايات المتحدة أن تضمن لدول القارة الأمريكية وللدول الأخرى إذا اقتضى الأمر إمكانية التطور وتقرير مصيرها السياسي والاجتماعي خارج كل تدخل. ولكي تؤدي بشكل جيد مهمتها هذه على الولايات المتحدة أن تكون جاهزة للحرب التي رغم كونها عنيفة واستثنائية هي فعل سياسي كأي فعل آخر. وكون الولايات المتحدة "ممثلة للمسيح" و"مملكة الحق" فهي لا تستطيع استخدامها في كل مكان يتطلب تدخلها. النقطة الأولى التي شرحها بالتفصيل ماهان وهي السيطرة الاقتصادية عن طريق الهيمنة على التجارة الخارجية أوجدت ظاهرة عائلية. فالماضي قد برهن كيف أن الدخول للأسواق الخارجية قد كان في الغالب لصالح المصالح الأمريكية كون أن الحدود كانت تسمح بالتسرب للصادرات المنافسة. بين أعوام 1816-1828 أوجدت الإدارات المختلفة بتشجيع من أوساط رجال الأعمال نظام حماية فعال سمح لصناعة القطن والصوف أن تحقق أرباحاً مرموقة. ومع مرور السنوات أقامت الولايات المتحدة سوقاً مشتركة واسعة خاصة سمحت بدءاً من العام 1861 ليس فقط بتخفيف حدة المنافسة بل أيضاً أصبحت الولايات المتحدة الممول المفضل للعالم كله بالبضاعة وبالمنتجات. في القرن العشرين لم يتناقص هذا الاتجاه بل وبعيداً عن ذلك تم تدعيمه وأصبحت الحركة التجارية من الولايات المتحدة إلى أوروبا أكثر كثافة(2) . إلى جانب الإرادة بضمان السيادة الاقتصادية أضيف كالعادة البعد الأخلاقي والديني، فقد حان وقت التبشير ذو الطابع الانتقامي بالشكل الذي دافع عنه جوزيا سترونغ قائلاً أن: "الإيمان الديني الحي يستوجب مجتمعاً إمبريالياً وعدوانياً لأن الحياة بحد ذاتها بناء". وكصدى بدون شك لمطالب غوردن بنت Gordon Bennett كتب في عام 1845 يقول "إن طلائع الحضارة والمؤسسات الأنكلوسكسونية الحرة تطالب الآن بأرض بعيدة تمتد حتى شواطئ المحيط الهادي. وأنه من الواضح لكل إنسان يتمتع بحس سليم بأن على جيوشنا أن تستولي قريباً على نصف الحركة الأرضية من الأراضي الموحشة المتجمدة إلى المناطق الخصبة والسعيدة في الجنوب". وبعد الأزمة الدينية لأعوام 1840 جاءت الصحوة الثانية التي كانت جواباً على الأولى التي كان محركها جورج وايت فيلد قبل قرن) وتوالت الحشود الجماهيرية في المخيمات في جميع أنحاء البلاد ووعدت الحركة نفسها أن تفعل كل شيء لاستعجال حكم الله، ليبدأ العصر الذهبي الذي يترك في الأنفس تأثيراً عميقاً. فتكاثرت الفرق الدينية التي كانت جميعاً تهيئ مجيء المسيح، مهمة أمريكا كانت إذاً أن تدل باقي العالم على طريق التوبة والطهارة الكبرى والإصلاح الاجتماعي والمعركة ضد الخطيئة. قبل ذلك في عام 1828 تم وصف أندريه جاكسون الذي أصبح رئيساً بأنه الأداة الجيدة للعناية الإلهية والمهمة الكونية للولايات المتحدة، وعندما اغتيل لنكولن عام 1865 بكت الولايات المتحدة فيه "المسيح الجديد" الذي ضحى من أجل بلاده وكان شهيد الشعب المختار. توسع وإثراء وضمير صالح: اختلطت الديانة والاقتصاد والسياسة والأعمال العسكرية بشكل مبهم ومعقد بحيث لا يمكن الفصل بينها في أيديولوجية واحدة غير محددة الأطر، ولكن أهدافها كانت راسخة. إن مفهوم "القدر الظاهر" الذي يعلن حتمية التفوق الأنكلوسكسوني ويدعو الولايات المتحدة لحكم العالم سيطر بشكل أو بأخر على كل العقول. هذا المفهوم دمج في آنٍ واحد النوايا الحسنة والعقلية النفعية والتوسع الكوني، ولقد اختلط الاقتصاد والمسيحية في كيان واحد لائق لا يمكن انتقاده. من بين العوامل الاجتماعية الثقافية التي ضمنت نجاح الثورة الصناعية الأمريكية تبرز ظاهرة لا يمكن الدفاع عنها من وجهة النظر الأخلاقية وهو عمل الأطفال. من أحد الأمثلة: قرية بوتكت Pawtucket ثلاثة آلاف نسمة) الواقعة بين رود أيسلندا وماساشوست، هذه القرية كانت تؤمن ازدهارها من الحديد ثم من القطن. أندريه كسبي يؤكد بأن "اليد العاملة عام 1820 تشكلت في ثلثيها من الأطفال وكان بعضهم يستخدم في منازلهم" إلا أنه كنا نراعي بعكس إنكلترا وفرنسا نشر ذلك على الملأ عن طريق لجان التحقيق والتقارير المقلقة بدافع إنساني. ولكي يتم تحرير هذا الاستغلال بشكل غير مرئي قمنا باختراع وخاصة على الشاطئ الشرقي المفهوم المريح وهو "أخلاقية العمل" الذي يجمع ما بين مفهوم الحشمة حسب العقيدة الدينية والرغبة بتحسين العمل مع ضمانة النفع المادي. ففي شركة بوسطن للصناعات اليدوية قام مؤسسها عام 1813 فرنسيس كبوت لوفل بتشغيل فتيات من المنطقة التي أنشأت فيها المصانع. كانت الفتيات يعملن من الفجر حتى الغروب ويعشن وينمن في مراقد حيث يرتحن قليلاً وينتجن الكثير من المال ولكن دون أن يهملن أبداً الذهاب في الصف إلى المعبد يوم الأحد. وهكذا كانت الأخلاق والأرباح مؤمنة. على هذا النحو يستطيع النموذج الرأسمالي والصناعي الأمريكي أن يعطي للعالم صورة واضحة ونقية والذي استقبل من المالكين في القارات الأخرى برحابة صدر لأنه يخدم مصالحهم المتشابهة. وبما أنه بالنسبة للولايات المتحدة لا يمكن أن توجد حضارة خارج هذا النموذج المسيحي الغربي فقد عملت التجارة والضمير الحي معاً على تأمين استيلائها على العالم. لا يهم وجود هذا الفارق ما بين الخطاب الكلامي والواقع بين المثل لحق الأصول الذي لم تتوقف المناداة به)وبين الواقع الاجتماعي الاقتصادي العملي القائم على الاستعباد وعلى مبدأ النفع فإن "أمة الينكي الكونية" تسير نحو بلوغ هدفها بشكل كامل. لن يستنكر أحد حتى في الولايات المتحدة نفسها المساوئ التي يتضمنها هذا الخليط السياسي - الاقتصادي - الديني دون تحاشي عثرات التناقضات. عالم الطبيعة والباحث التجريبي هنري ديفيد تورو 1817-1862) مثلاً بارك القدر الذي منذ انحطاط أوروبا التي سقطت عليها اللعنة وهب أمريكا الفكر القوي والرائع للكاتب الإسكتلندي تلندي توماس كارليل Carlyle احدى ظواهر الوعي الاجتماعي البريطاني عند منعطف القرن التاسع عشر الذي كان وبخ في كتاباته البرجوازية المالكة التي أسست طبقتها النبيلة ليس على الواجبات المفروضة عليها تجاه الشعب ولكن على الامتيازات التي حصلت عليها نتيجة الثروة. ورأي تورو أن فكر كارليل يجد العذر "لخطايا التجارة". بالفعل هناك خطيئة لأن "الغني يبيع نفسه على الدوام للمؤسسة التي جعلت منه غنياً، فكلما زاد المال تقل الفضيلة لأن المال يقف بين الإنسان وأهدافه يُسهِل له الحصول عليها". نفس تورو هذا الذي طالب بنظام حيث تكون أحسن حكومة هي تلك التي لا تحكم أبداً، لأن كل حكومة حسب قوله ليست أكثر من ذريعة تستعمل غالباً كأداة من قبل بعض الأفراد، وعلاوة على ذلك فهي تشكل في كثير من الأحيان عقبة لنشاط الشعب والتجارة والتبادلات. يختفي التناقض عن طريق تأثير متبادل بين الدائرة الاقتصادية والدائرة السياسية ليتجسد بذلك كابوس أفلاطون القديم وهاجسه. ومنذ بداية القرن التاسع عشر أصبح من الصعب أكثر فأكثر التمييز بين الاثنين. وخضعت الحكومة الفيدرالية أكثر فأكثر لضغوط عالم الأعمال. فهكذا كانت الحال عند نهاية حرب الانفصال عندما انتهى فجأة عصر إعادة البناء حوالي نيسان 1877 وغادرت الجيوش الفيدرالية الجنوب تاركة مسألة اندماج السود دون حل دائم. وقد يكون حالة الشعب المنهك بعد عدة سنوات من الكفاح وراء ذلك ولكن كان لأوساط رجال الأعمال السبب الأول فيه. في مرحلة إعادة البناء كان المنتصر الأكبر بكل تأكيد هو الرأسمالية الصناعية. وهذا انتصار لقانون الغاب وقانون الأقوى. كان النموذج هو رجل الصناعة الذاتية وهو المقاول المغامر وبدون رادع الذي ظهرت صفاته النموذجية أولاً لدى مؤسس بناء الرأسمالية الإنكليزية. بالتأكيد لم يكن لدى نظيره الأمريكي في عدة مجالات ما يحسده عليه وإلا كما أشار دانيال بورستين بأن بعض الصفات تأكدت وعمقت بواسطة فظاظة الطقس والظروف والنضالات النموذجية الأمريكية. ويأتي جون د. روكفلر مثال على مدار الزمن للرأسمالية الأمريكية. إنه صائد للأعمال وليس لديه أي رادع فعرف كيف يقتنص بشكل رائع من كل فرصة سانحة في تجارة الحبوب وتجارة اللحوم وتجارة البترول. وجاءت الأزمة الاقتصادية التي تلت الحرب المدنية 1867-1868) ليستفيد بشكل رائع منها من كان له مثل مواهبه. فصعد المنافسة مع خصومه وحملهم على المجابهة بعضهم على بعض فركز واستغل ولم يتراجع لا أمام التهديدات ولا أمام القسوة ولا أمام التجسس اشتبه به البعض بأنه يلجأ إلى قتل أعداءه) والمثال على ذلك كان سيسل رودس ذو الميل الإنكليزي والذي استعمل الحماسة الدينية والشراسة في عالم الأعمال. وبشكل مبهم وفي الوقت الذي لم يوفر فيه أحد طرح نفسه كمدافع عن الفقراء وعند موته بنى هذا المتقشف الذي لا قلب له عن طريق الدمع والدم شركة الزيوت وبنى أيضاً معهد روكفلر للبحث الطبي 1901) ومؤسسة روكفلر 1913). لم تكن مساهمة روكفلر ورفاقه قليلة في إيجاد البنية التي أصبحت تمثل التصرف الاقتصادي الأمريكي في القرن العشرين. ولأنه قوي ومتسلح بالإيمان الذي يدفعه إلى العمل، فقد خدم "الرأسمالي" الأمريكي قضيّتين: قضيته الخاصة في الإثراء والنمو العضوي الأقصى، ولكن أيضاً قضية بلاده التي كانت مهمتها الإلهية تقضي بنشر بنى الولايات المتحدة السياسية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية في كل أنحاء الكرة الأرضية. (1) هل نفهم من ذلك أن شعوب دول أمريكا الأخرى في الشمال كما في الجنوب ليست من "العروق النبيلة"؟ (2) أعطى بول ييروش الحق لحجج المنظرين الحدثيين لليبرالية الجديدة موضحاً كم كانت الفترات العظمى للثراء وللنجاح الاقتصادي القومي مرتبطة بفترات أنظمة الحماية الاقتصادية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |