|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني : خضـــوع الدائـــرة الثالثـــة وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع جيد من أجل الوصول إلى السيطرة على العالم عند مطلع القرن العشرين. أول دائرتين أصبحتا تحت هيمنتها. حدود أراضيها الشرعية الدائرة الأولى) لم تكن موضع نقاش، وسيطرتها على أمريكا اللاتينية الدائرة الثانية) باتت أقوى من السابق، وفيما عدا الشريحة المعدمة من عامة الشعب لم يكن هناك أحد على المستوى الدولي يعترض على هذا الواقع اعتراضاً جدياً. فالاستغلال الوقح لهذا الجزء من العالم من قبل الإسبانيين والبرتغاليين والاحتقار الذي عومل فيه السكان الأوائل ولا مسؤولية الأرستقراطيين المحليين أثناء وبعد الثورات عند بداية القرن التاسع عشر ساهمت جميعها في تسليم القارة إلى جار الشمال. وقد عملت الفوضى الاقتصادية والسياسية والصراعات بين الأخوة إضافة للغفلة على جعل أمريكا اللاتينية التي تخلصت من مستعمريها القدامى، فريسة سهلة. أما نموذج جفرسون الذي طبع معظم الدساتير الوطنية وثنائية التمثيل في المجالس والسلطة التنفيذية القوية كل هذا المأخوذ حرفياً عن الولايات المتحدة سهل دخول اليانكي. وخاصة أن معظم البلدان حافظت على الأرستقراطية العقارية ملاك الأراضي) التي لم تجد الولايات المتحدة صعوبة بإقناعها بأن مصالحها تلتقي بالضرورة مع المصالح المالية لأمريكا الشمالية. وهكذا تقاسمت الأنظمة التي تديرها الأقلية الحاكمة مع أقطاب الصناعة في أمريكا الشمالية السلطة والمنافع ولم يعد أمامهم عند فجر القرن العشرين سوى المحافظة على الأمور على ما هي عليه. تمت السيطرة على كوبا وبورتوريكو من قبل الولايات المتحدة، وبنما أوجدت هيكلية جعلت منها ملكاً لأمريكا وفي عام 1916 وقعت هاييتي في أحضان خزينة الولايات المتحدة التي استولت عليها فيما بعد عام 1934 عسكرياً ولم تتركها حتى عام 1957 بعد أن ضمنت ولاء الديكتاتور دوفليه) الذي وضعته في السلطة. ثم جاء دور سان دومينغ) عام 1924 حيث وضعت على رأس الدولة عام 1930 أحد أعتى طغاة المنطقة وهو تروجيلو Trujillo) الذي دام نظامه الديكتاتوري حتى عام 1961. ثم عاد إلى البلاد في عام 1965 وكانت الولايات المتحدة تفرض سيطرتها في كل مكان حين ترى أن ذلك ضرورياً منتهكةً سيادة الدول وهذا ما حصل في الأرض البريطانية في جامايكا عام 1962 حيث كانت شركة الفاكهة متجذرة بالطبع، ثم في غرونادا عام 1983، وقد حدثت هذه التدخلات تحت شعار "إقامة الديمقراطية وحماية المواطنين وحماية المصالح الأمريكية". في كوبا حدث التدخل الأول يوم أنجز التعديل الدستوري من جانب بلات Platt وبطلب من الرئيس توماس استرادا بالما الذي انتخب في 20 أيار 1902 بدعم من الأمريكيين). في عام 1906 أعيد انتخابه في انتخابات مزورة مما أدى إلى قيام الانتفاضة. ثم تجدد التدخل العسكري الأجنبي في أيلول من العام نفسه، ودائماً تحت غطاء التعديل. وكأي محمية أمريكية حقيقية، حكم كوبا وليم هوارد تفت W.H.Taft الرئيس المقبل للولايات المتحدة والذي كان حينذاك وزيراً للدفاع فأعلن نفسه "حاكماً عاماً لجمهورية كوبا". بعد ذلك تم إحكام قدر الجزيرة، فتتالى الرؤساء الضعاف الذين كانوا يدعمون دائماً المؤسسات ورؤوس الأموال الأمريكية الشمالية، أما تدخلات واشنطن فلا تعد ولا تحصى، حتى جاء رامون غروسان مرتان R.G. Sam Martin إلى رئاسة الجمهورية عام 1933 فأتخذ بعض المبادرات لصالح كوبا ومنها إلغاء تعديل بلات، فدعمت الولايات المتحدة أحد العسكريين الكوبيين وهو فليفنسيو باتستا وأوصلته إلى السلطة في 10 آذار 1952. فأدى فساد النظام والفوارق الاجتماعية(1) وأساليب التعذيب التي تستخدمها أجهزة الأمن العسكري ومكتب قمع النشاط الشيوعي الذي أنشأ بتعليمات أمريكية كل ذلك أدى إلى انتفاضة 1959 ثم إلى الثورة. بشكل عام تفضل الولايات المتحدة الهيمنة الاقتصادية على الاحتلال العسكري، وعلى سبيل المثال كانت سياسة مؤتمرات دول عموم أمريكا شكلاً من الأشكال الإمبريالية المقنعة وقد ضمنت بواسطتها ولاء الحكومات. إلا أن الاستعمار التجاري والمالي قد عمد بشكل أساسي على جعل أمريكا اللاتينية استمراراً لاقتصاد الولايات المتحدة، ومن حكامها اتباعاً طيعين لها. وعشية النـزاع العالمي الأول وفي حين كانت المصالح الأوروبية لا تزال في وضع متماسك في أمريكا الجنوبية فتح الشطط السياسي للقارة القديمة الطريق أمام انهيارها وعبد الطريق أمام الولايات المتحدة لغزو العالم. أوروبا التائهة: في شهر آب عام 1914، أدت حالات التوتر التي بلغت أوجها إلى تمزيق الأمم الأوروبية التي انقضت على بعضها في جو من المغالاة والحقد والغيظ الجماعي. إن روح الانتقام وغرور وتعنت قادة أركان الجيوش المستعجلين للمجابهة وعدم الكفاءة المسؤولة لدى القادة السياسيين وجشع رجال صناعة الأسلحة أوصلوا هذه الأمم إلى الانتحار. لم يغب عن بال الأمريكيين إيعاز جورج واشنطن لذا لم يتصوروا على الأقل في البداية أي تدخل في الصراع، وكشركاء عاديين لدول التفاهم بعد عام 1917 رغب الأمريكيون الاحتفاظ بحرية التصرف ورفضوا اعتبار أنفسهم كحلفاء وبالعكس فقد أرادوا استخدام وضعهم الحيادي 1914-1916) لجني المنافع ولم يتأخروا مقابل المال النقدي من إرسال الأطعمة والسلاح والسلع إلى المتحاربين وبين أعوام 1914 و1916 ارتفعت وبشكل ملحوظ نسبة التجارة مع إنكلترا وأيضاً مع الدول الإسكندنافيه وهولندا وإسبانيا وسويسرا. إلا أنه وبسبب بعض حوادث الاستفزاز وجدت الولايات المتحدة نفسها مجبرة على المشاركة في الحرب، ومن أجل إقناع الشعب بالدخول في الصراع والذي ضاق ذرعاً من حرب الغواصات الألمانية التي كانت تضرب السفن الأمريكية ، استخدمت الطبقة الحاكمة الخطاب نفسه الذي استخدمته لعدة مرات في كل تدخلاتها السابقة في أمريكا اللاتينية ألا وهو حجة الحفاظ على التوازن الكوني والدفاع عن حرية التجارة وخاصة البحرية وحماية الديمقراطية. لقد أكد الكاتب أيف هنري نويلهات بأن هذا الوضع يسمح للرئيس ويلسون الذي استقبل هذه الفرصة بارتياح بأن يحقق ما أراده من خلال محاولاته الفاشلة للتوسط وهو المساهمة في إرساء العلاقات الدولية على قواعد جديدة، ففكرة أداء هذه المهمة لخصت عملياً كل سياسة وندرو ويلسون. علينا هنا أن نفهم ما لم يتم التصريح به فاهتمام الولايات المتحدة الأساسي لم يتغير ألا وهو بناء عالم الغد على الطريقة الأمريكية وتحريك مصالح رجال الأعمال الأمريكيين والاطمئنان إلى أن الهياكل الاقتصادية ستكون في كل مكان وبشكل أساسي في أوروبا حيث تكون الأولوية للولايات المتحدة. ومن أجل خنق المماطلات الأخيرة للرأي العام وللكونجرس مجدت إدارة ويلسون كالمعتاد روح الحرب الصليبية وعملت على تبسيط الأمور: فمن جهة هناك "الطيبون"خلف أمريكا ومن جهة أخرى هناك "البربر"، وبات الأمر واضحاً أكثر من أي وقت مضى بأن الرئيس الأمريكي مع هذه الظروف المواتية قد أصبح مصمماً على دعم الدمار الذاتي الانتحاري في أوروبا التي قضت على تأثيرها في المستعمرات التي تملكها. فوافق البريطانيون ليولد جورج وارتور بلفور واللورد ميلز على دعم مشروع جيم وايزمن بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ورأت الحكومة الأمريكية بذلك فرصة لتعميق الانقسامات في العالم العربي ولتقسيم الإمبراطورية العثمانية، وفي الوقت نفسه أرادت تهديم الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية لأنها كانت تمثل الفرصة الممكنة لبناء أوروبا عند نهاية الصراع. أما المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة بدخولها الحرب فقد ظهرت دون أي تلكؤ. فأولاً كما رأى أندريه كاسبي تم إيجاد حل لمشكلة البطالة "كان هناك عمل للجميع، وحتى لسود الجنوب الذين اكتشفوا طريق معامل الشمال الشرقي". فنتج عن ذلك السلم الاجتماعي لأن "المداخيل الحقيقية للعمال قد زادت بنسبة 25% أما بالنسبة للمزارعين فقد كان عصرهم الذهبي رغم الرسوم التي فرضت على القمح" . وقد بلغت الأرباح المحققة أوجها بفضل التجارة، فالقمح والفولاذ والحديد والنحاس...إلخ قائمة البضائع الأمريكية التي كانت ترسل إلى فرنسا وبريطانيا تطول لأن هذه البضاعة كانت مدفوعة الثمن فبدت الاحتياطات المالية للأمريكيين بأنها لا يمكن أن تنضب. وانتهت الحرب وإذا كانت نتيجتها مشجعة للولايات المتحدة فأية قوة يمكن أن تقف أمامها في ذلك الحين؟ الحرب بالنسبة لأوروبا كانت كارثة، حوالي 13 مليون أوروبي سقطوا في ساحات المعارك المختلفة ويمثل عدد الخسائر 15% تقريباً من الذكور في ألمانيا وكذلك هي النسبة لفرنسا. لقد مات أيضاً مليون شخص في الأسر وأعطبت الحرب الكثيرين، وضاعف وباء الرشح الإسباني في عدد الضحايا: بشكل إجمالي ليس أقل من عشرين مليون في بضع سنوات. فأين ما اتجه النظر وقع على الدمار والأطلال. خلال هذه المذبحة الجماعية لم يخرج أي بلد أوروبي منتصراً. في مسرحية رولان دور كلس "صلبان الغابة" يتساءل أحد الشخوص قائلاً: السلام أو لا سلام أتى ذلك متأخراً كثيراً، إنها الهزيمة ولا نستطيع فعل أي شيء فقد تمت اللعبة، بالنسبة لنا إنها هزيمة". أمام هذه المذبحة لا يسعنا إلا أن نورد هنا الرأي الجلي والخالي من المواربة الذي صدر عن جورج ستنر George Steiner واستنتاجه يستدعي كل تصوراتنا الممكنة حول المستقبل فهو يقول:" إننا لا نستطيع أن نرى بوضوح في أزمات الثقافة الغربية أننا لن نستطيع أن نفهم أصول وأشكال الحركات الاستبدادية لأوروبا الوسطى وعودة الحرب العالمية إن لم نكن نحفظ في أذهاننا بشكل دائم التجاوزات التي خضعت لها بعد عام 1918 المراكز الحيوية في أوروبا. فالاحتياطات الفكرية التي لا يمكن تعويضها وقوى التحمل النشطة والمهارة السياسية كل هذا تحول إلى العدم. لقد تم قتل الأطفال وكأنهم لم يولدوا، هذه السمة الهجائية لبريخت ولجورج غروث لها أصداء وراثية بشكل خاص. فالإنسان الأوروبي ومؤسساته ومن أجل الحفاظ على تقدمه، هو بحاجة لخليط من القوة الذهنية والجسدية ولموزاييك خلاسي ولنماذج جديدة حيث تتعدى الثروة حدود الخيال، وبالمعنى البيولوجي نحن أمام ثقافة تناقصت أو بالأحرى مرحلة "ما بعد الثقافة". هذا الاستنتاج القاسي يجد صداه في كلمات الكونت ديونز في مسرحية الليدي برد) للكاتب د.ه. لورانس عندما يردد قائلاً:"هل تفكرون بأن ألمانيا والنمسا قد خسرتا الحرب؟ لقد كان هذا لا مفر منه. لقد خسرنا جميعاً الحرب، كل أوروبا ......) إنها حرب انتحارية. ولم يكن أحد قادراً أن يكسبها. لقد كانت انتحاراً لنا جميعاً. فهم أمريكا واليابان) لا يؤخذون بعين الاعتبار. إنهم لم يقوموا بأي شيء سوى أنهم أعانونا على الانتحار، إنهم لم يزجوا بأنفسهم فيها بشكل حيوي". ولهذه الكلمات صدى آخر في الملاحظات الخالية من كل وهم والمعبرة لأبطال هنري باربوس Henri Barbusse في كتابه النار):"عندما يلتقي جيشان هناك إذن جيش عظيم ينتحر وقد تكون هذه هي الحرب الأعظم". كيف لنا أن لا نصادق على كل هذه العبارات لمجرد رؤية هذه الأرقام؟ فإضافة للدم الذي أريق هناك القوى الحيوية التي لن تخدم أوروبا بعد ذلك إطلاقاً والشباب الذي تمت تضحيته وفقدان التأثير السياسي الدولي. لقد كلفت الحرب الكثير الكثير للمملكة المتحدة فالثمن يرتفع إلى 44 مليار دولار. وفي ألمانيا تم هدر 22% من الثروة القومية و26% في إيطاليا و30% في فرنسا. وأمام أوروبا هذه المحترقة والنازفة والمدمرة كان هناك المنتصر الحقيقي في الحرب أي الولايات المتحدة. وبشكل بسيط وبريء ولكن أيضاً بفضل مهارتهم الخالدة استطاع الأمريكيون أن يعطوا عن أنفسهم الصورة الإيجابية، فاعتقدت أوروبا بأن الأمريكيين اجتازوا المحيط من أجلها، في هذا الإطار يقول المؤرخ جان باتست دروسل: "إن قصة دخول الأمريكيين الحرب تدل دلالة جيدة بأن الولايات المتحدة بوصفها الامتداد الجبار لأوروبا بفضل الهجرة لم تدخل الحرب من أجل أوروبا بل قد نستطيع أن نقول: "على عكس ذلك" بالطبع لولا الموارد المالية الأمريكية لم تتمكن دول التفاهم من البقاء على قيد الحياة ولكن ويلسون كان هناك لإطلاق بلاده نحو غزو الدائرة الثالثة وكان ينوي أن يفرض على الأوروبيين - الخاسرين وكل المنافسين دون تميز في معركة الانتحار الجماعية- خطته ورؤيته للديمقراطية الجديدة New Democracy إنها الديمقراطية الدولية تحت قيادة أمريكا". عصبة الأمم: قيادة العالم إنطلاقاً من واشنطن أشار ويلسون بشكل خاص في برنامجه الذي أعلنه أمام الكونجرس في الثامن من كانون الثاني 1918 بأنه من الآن فصاعداً سيكون على الدبلوماسية الأمريكية أن تكون "منفتحة" وعلى حرية التجارة البحرية أن تكون إجمالية ويجب إزالة الحواجز الجمركية(2) وتخفيض التسلح ويجب حل المسائل الاستعمارية بذهنية منفتحة وبشكل غير متحيز أخذين بعين الاعتبار أماني الشعوب، النقطة الأخيرة وهي الأهم حملت الرقم 14 وتعلقت بعصبة الأمم. كانت البنية الضمنية لإنشاء المنظمة الدولية المستقبيلة في ذهن الولايات المتحدة وفية للمشروع الذي غرست بذوره في الحلم الأمريكي قبل أكثر من قرنين. فعلى عصبة الأمم أن تكون مطابقة لنظام عالمي مثالي قائم على المبادئ الليبرالية والحرب باتت ممنوعة وأصبحت من الآن فصاعداً جريمة وسيكون الحق لكل المدافعين عن النظام العالمي بأن يشهروا السلاح بوجه كل دولة معتدية. كانت إدانة الحرب من أجل اجتثاث الإمبريالية تهدف في الواقع كل إمبريالية منافسة لإمبريالية صاحب الرسالة أي الولايات المتحدة نفسها ووحدها فقط. وفي الوقت ذاته وإن كان خفض الاسلحة قد حصل في كل مكان ما عدا بالطبع في أمريكا نفسها) فقد تم ذلك حسب النسب التي أرادها الرئيس ويلسون. وحدها الولايات المتحدة ستكون قادرة على التدخل ضد المشاغبين المحتملين، كما أنه كان هناك أمر أكثر خطورة فلم يكن أي بلد في العالم قادر أن يدافع عن نفسه ضد الأمريكيين أنفسهم. أما المادة من الميثاق التي ارتأت حرية التجارة البحرية والتي عن طريقها كان ينوي الرئيس ويلسون مقاومة المجابهات الاقتصادية لأن البحرية التجارية الأمريكية تمثل بعد الحرب نصف الأسطول التجاري الضخم لبريطانيا العظمى فقد كانت هذه المادة بمثابة فرض الأمر الواقع على العالم الذي يتيح للأمريكيين امتلاك الجزء الأكبر من الأسواق كما سيكون الحال قريباً في آسيا وفي أمريكا اللاتينية فبدون الاحتراسات التجارية والجمركية لا أحد سيكون قادراً على مقاومة الصعود الهائل لما وراء الأطلسي: كان احتياطي الذهب للولايات المتحدة يعادل نصف ما تملكه مجموعة الأمم وقد بلغ 60% في عام 1929) كما أصبحت المنتج الأول في العالم للفحم، أما إنتاجها من الفولاذ وصادراتها خاصة للقمح فقد بلغت الضعف. وأتاحت لهم ديون الحرب أن يبقوا السكين فوق حنجرة الدول الأوروبية كلها وأخيراً ترافق تقسيم المستعمرات الألمانية بمظاهر مشبوهة ولم تكن معروفة في السابق. فما كان ويلسون يفرضه على الآخرين لم يكن يطبق أبداً منه شيئاً على نفسه.لقد نادى عالياً بمكافحة الاستعمار في الوقت الذي استعمرت الولايات المتحدة سابقاً بشكل مباشر أو بواسطة نظام الحماية قارة أمريكا اللاتينية إضافة إلى أراضي آسيوية كتب بيار ميكل يقول:"كان يحلو للأوروبيين تذكير ويلسون بأنه رفض أن يسمح لليابانيين من ذكر المساواة العرقية في مقدمة دستور المنظمة المستقبلية لعصبة الأمم. كما أنه لم يقم بأي جهد لمصلحة الأمم المحتلة والتي يقودها الأمريكيون كالفليبين مثلاً. وأخيراً لم يعارض ويلسون تقسيم المستعمرات الألمانية كما أنه لم يعرض وضعها تحت الوصاية". إن سبب فشل عصبة الأمم يعود بدون شك إلى أن أهم دولتين في العالم غير الولايات المتحدة بقيتا خارج العصبة، ولكن أهم من ذلك كله هو أن مجلس الشيوخ قرر عدم دخول أمريكا في العصبة لأنها لم تكن بمستوى ما كانت تنتظره. فبدت عصبة الأمم بأنها لا تتناسب مع الصورة التي صنعتها الولايات المتحدة عن "الآلة" الدولية حسب رغبتها. إلا أن سيطرتها على القدر المستقبلي للأمم باتت منذ ذلك الوقت مؤكدة. منعطف فرساي: امتد عقد مؤتمر السلام في فرساي من 18 كانون الثاني إلى 28 حزيران 1919. وبدأً من أوروبا فقد أدت المتطلبات الأمريكية في فرساي إضافة إلى عناد ريمون بونكاره Raymond Poincaré الذي كان أولاً نصيراً للحرب بهدف الانتقام كما دفع الروس إلى تأييده من أجل تدمير وإهانة ألمانية المهزومة أدى كل هذا إلى تفتيت القارة العجوز. إن إدانة المهزومين وفكرة الديون التي كان عليهم دفعها والتي فرضت عليهم بمثابة العقوبة والشعور الذي نما عندهم بأنهم عوملوا بشكل ظالم كل هذا غرس ولوقت طويل الحقد في القلوب ورسم طريق الانتقام. لقد قُسّمت أوروبا الوسطى إلى مجموعة من الدول وكل دولة ضمت في أحضانها كخراج ملتهب، أقليات تكره بعضها البعض. أما الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية التي استطاعت في السابق أن تحتوي على أقليات تعايشت بشكل منسجم نسبياً ومتجانس فقد تم تقسيمها. الإمبراطورية العثمانية هي الأخرى اختفت وقامت الخلافات وأدى استمرارها إلى تشكيل العناصر الأساسية التي قادت إلى صراع دولي ثاني والى الوضع الحالي في البلقان وفي أوروبا الشرقية كمشكلة اليوغسلاف في ألبانيا وكوسفو ومشكلة السلوفاك وشعوب تشيكا ومشكلة رومانيا وهنغاريا ومشكلة روسيا وأوكرانيا. وبما أنها منعت أوروبا من إعادة بناء نفسها على أسس أوروبية تاريخية شرعية فقد أضعفت الولايات المتحدة في كل مكان مواقف الأمم الأوروبية الأساسية في العالم وقد خدمها في ذلك بعض قادة الدول الأوروبية غير القادرين على المقاومة. أما المبادئ التي أعلنها ويلسون فقد عملت على زعزعة الاستقرار في قارتي آسيا وأفريقيا. وبدأت ورشة طويلة الأمد بهدف التفتيت. تأثر العرب بشعارات تدين الإمبريالية الأوروبية وبدعوات واشنطن إلى تقرير المصير مما فجر شعورهم القومي. أما الهند وتحت تأثير غاندي فقد قاومت الهيمنة البريطانية ونالت الاستقلال في عام 1947. وفي كل مكان، في مصر وتونس والجزائر والمغرب والهند الصينية والفليبين، قامت معارضة السلطة الاستعمارية الأوروبية. حظ سعيد؟ بدون شك لأنه وفي كل مكان عملت الولايات المتحدة جاهدة لكي تملئ الفراغات. وباعتبار أن الأمريكيين كانوا أسياد اللعبة بواسطة الأسلحة وغالباً بالدبلوماسية، وكانوا أسياد الموقف أيضاً بفضل قوتهم المالية فقد استطاعوا متابعة عمليتهم الاستثنائية للبحث عن الثروة ولإقامة البنى الاقتصادية التي تخدم استراتيجية هيمنتهم. الآلية الاقتصادية الكونية: بين أعوام 1921-1929 وضعت الطفرة الاقتصادية الولايات المتحدة على طريق ازدهارٍ لم تعهده في حياتها، كان هذا عصر الاستهلاك العالي الكثيف الذي منحها الوهم بأنها أوجدت أخيراً"الجنة على الأرض والوفرة للجميع"، لقد أعلن الرئيس هوفر Hoover بعبارات طنانة بأن الولايات المتحدة "هي الآن أقرب إلى أن تنتصر نهائياً على الفقر بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ في أي بلد كان". فقد فرضت بالتأكيد إرادتها على الأسواق المالية العالمية ولكن النظام الذي أحدثته ما لبث أن ظهر وبشكل سريع بأنه زائغ ويحمل في طياته الخطر. كان الازدهار أولاً نتيجة الفورة الاقتصادية وإن كانت قد صنعت الثروة للكثيرين إلا أنها تركت الأكثر على حافة الطريق. كتب أيف هنري نويلهات Noulhat يقول:" إن نظريات داروين الاجتماعية التي تصر على ضرورة الصراع من أجل البقاء وبأن التقدم البشري مرتبط بنصر الأقوى وبإبعاد الضعفاء تماماً كالقيم البروتستانتية التي ترى بأن النجاح المادي هو مكافأة للجهد، كل ذلك خلق الجو المناسب". وعاد النمو السكاني إلى الازدياد واستمر النشاط الذي يهدف لتوسيع الحدود باتجاه الغرب وعرفت البنوك والصناعة تطوراً استثنائياً. بالمقابل حتى لو ظهر مستوى الحياة قد تحسن بشكل عام إلا أن هوة عدم المساواة تعمقت. ازدادت ثروة الشركات الصناعية بنسبة 62% بينما لم ترتفع الأجور إلا بنسبة 26% خلال ست سنوات. أما البطالة التي ما أن انتهى المجهود الحربي حتى عادت للظهور، كما زاد عدد أصحاب الملايين 4500 في عام 1914 إلى 11000 عام 1926) واستمرت حماية السوق القومي بواسطة الحواجز الجمركية التي من الصعب اجتيازها في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تنادي بإلغاء كل أنظمة الحماية لدى الآخرين، وارتفعت كلفة الحياة الاجتماعية نظراً للنشاط الاقتصادي والصناعي والمالي المزدهرين لدى أصحاب الأملاك الأرستقراطيين المزيفين الذين أدانهم جفرسون. فأفتتح فريدريك تايلور المنظمة العلمية للعمل وتم إعداد دراسة تحليلية لأفعال العمال حيث باتت تحسب بالدقائق. ووضع فورد أول سلسلة للتركيب الذي حول العمال إلى آلة. وخلق منها التمركز المالي للمشاريع نظام احتكاري بالكامل يديره بالغالب الوصوليون الذين لا رادع لهم. فالمنافسات بين المجموعات الاقتصادية والخوف في أمكنة العمل وفي الورشات وعدم المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء والسود وعمل الأطفال صادقت المحكمة العليا مرتين في عام 1918 و1919 على قانون عمل الأطفال الذي حاول تخفيف وطأته) والظروف الصعبة وفي بعض الأحيان غير إنسانية كل هذا كان يشكل المشهد الاقتصادي والاجتماعي في أمريكا. حاولت النقابات التي قامت في القرن التاسع عشر أن تحقق مطالبها الشرعية وكان نصيب النقابات التي لم تحاول بأي ثمن أن تتحد مع مجموعة أرباب العمل أو الخضوع لها الفشل. أما الرؤساء الذين تتالوا على الحكم خلال السنوات التي تلت نهاية الصراعات لم يفكروا أبداً بالجانب الاجتماعي أو الأخلاقي. لقد مات وارن كاماليل هاردنغ 1865-1923) كما يبدو على أثر الفضائح التي طالت بعض أعضاء حكومته وعلى أثر جو الفساد الذي ساد آنذاك. ولم يستطع كالفن كولدج 1872-1933) منع سير الأمور مهما تكن نتائجها. وبقي أخيراً هربر كلارك هوفر 1874-1964) في الذاكرة لأنه رفض توزيع مكافآت الإعانة الاجتماعية إلى العاطلين عن العمل بعد الانهيار المالي في عام 1929. لقد تحقق إذن النموذج المثالي الذي ابتدعه ثورو Thoreau القائل بأن الحكومة الجيدة هي الحكومة التي تترك رجال الأعمال ينشطون فلا تحكم أبداً أو تمارس دورها بأقل شكل ممكن. خلال فترة ما بين الحربين لم تهتم الولايات المتحدة سوى بأمرين: ضمان بحبوحة الطبقة المترفة عن طريق إعطاء الحرية الكاملة للمشاريع العظمى والعمل الدولي المرتبط بالمصلحة القومية الأمريكية فقط. فأمريكا اللاتينية كما رأينا خضعت لوصاية الولايات المتحدة وكانت الاستثمارات والإشراف المالي والصناعي والتدخلات المباشرة أوغير المباشرة عسكرية، سياسية، دبلوماسية) كافية لإبقاء أمم الدائرة الثانية تحت جزمتها. وسمحت لها القوة البحرية والتجارية الأمريكية والوسائل التي استخدمتها أن تمتد باستعمارها لآسيا ومن ثم لأوروبا. في ذلك العصر استمرت الولايات المتحدة باستخدام ذكي للخطاب ذي الوجهين. ففي المعاهدات كلها كانت بالطرق الدبلوماسية وبالدعاية تخرب للآخرين وخاصة للأوروبيين ما كانت تعمل على بنائه عندها. ولهذا الغرض كانت تستخدم السلاح الاقتصادي كمتمم للسلاح الدبلوماسي والأيديولوجي. كان من الأنسب لإضعاف مواقف الأوروبيين في مستعمراتهم بشكل أكبر قطع سبل العيش أمامهم، فبدت الولايات المتحدة متصلبة فيما يخص مسائل الديون. وكانت تستخدم بين أيديها ثلاثة أمور، أولاً: التعويضات الألمانية حيث منحت أمريكا لألمانيا قروضاً واسعة من الأموال الفائضة التي لابد من توظيفها خارج الحدود الرسمية. ثم كان هناك الديون التي تمت فيما بين دول التفاهم أنفسها، وأخيراً الديون للأمريكيين الذين كانوا يعتبرونها ديوناً تجارية لا يمكن تأجيلها. الشيء الذي أجبر إذن الأوروبيين بأن يتفقون فيما بينهم لدفع الديون. وبما أن الولايات المتحدة تقوم بمد ألمانيا بالأموال بصفة الدين وهي العدو السابق ألم يكن بإمكانها إذن أن تفعل الشيء نفسه مع شركائها القدامى؟!! بالواقع لم تكن تمنح قروضاً إلا للدول التي كانت تدفع ديونها. فلم يكن باستطاعة، اليابان والاتحاد السوفيتي وفرنسا، القوى الاستعمارية الأهم بعد الحليف البريطاني الحصول على أي شيء. وهكذا وجدت دائرة عبثية: الولايات المتحدة تقرض ألمانيا التي تدفع التعويضات إلى الحلفاء والذين بدورهم يدفعون للأمريكيين ما يتوجب عليهم من ديون. آلية محفوفة بالمخاطر وبدت زيادة الإنتاج تهدد بالخطر أكثر فأكثر وسمحت القروض الشخصية للأفراد بالشراء مما ساهم بتبديد المواد المكدسة وقاد هذا التضخم الناتج عن تخفيض مفاجئ للقروض إلى الكارثة. نحو الانهيار الأوروبي: دل انهيار عام 1929 إلى أي درجة كان يشكل النظام الاقتصادي العالمي سلاحاً مرعباً وقد استخدمته الولايات المتحدة كأداة لغزو الكرة الأرضية. في غداة الصراع الأول كانت الديون الأمريكية على أوروبا ضخمة. وقد ظهر تفوق الولايات المتحدة عن طريق مضاعفة التبادلات المالية بين 1919 و1930. أما أزمة النظام النقدي الدولي عام 1930 ثم انفجاره عام 1933 فقد عملا على خلق حرب نقدية بواسطة المضاربات في سوق الصرف. وقد حققتالأعوام بين 1914-1918 للولايات المتحدة ازدهاراً لم يسبق له مثيل. كتب أندريه كاسبي يقول:"منذ عام 1915 عندما فهم المتحاربون أن الصراع لن يكون قصيراً كما كانوا يأملون شكلت الولايات المتحدة مخزناً للمواد الأولية وللمواد الغذائية وللمؤن. لقد سعد الصناعيون والفلاحون والتجار الأمريكيون ببيع الأطعمة أي القمح واللحوم والسكر والمواد الصناعية كالحديد والفولاذ والمحركات دون أن ننسى القطن والأدوية بفضل حيادهم الذي لم يمنعهم من التجارة مع المتقاتلين" ولن ننسى الأوساط المالية لأنه"منذ كانون الثاني عام 1915 أخذت المصارف الخاصة وعلى رأسها مجموعة مورغن بتقديم القروض المالية إلى الفرنسيين والى البريطانيين ...) من هنا نستنتج بأن أوساط الأعمال أثرت على الرئيس ويلسون... ولكنها لم تكن بحاجة لاشتراك الولايات المتحدة في الحرب لكي تجني الأراباح الخرافية". وقد بدا واقعياً واثقاً مما يقول عندما أعلن ويلسون بأنه عند نهاية الحرب ستكون قوى الحلفاء رهينة بيد الولايات المتحدة. ما كان يبدو أنذاك واقعاً بشكل جزئي أصبح واقعاً حقيقياً تماماً منذ بداية الحرب العالمية الثانية التي ما كادت تعلن حتى ساعدت التوسع الاقتصادي للولايات المتحدة وفتحت الأبواب أمام أسواقها وبدلت الأعمال الفاشلة لسياسة روزفلت إلى نجاحات. يقول كاسبي بأن "جدول المؤشرات الاقتصادية دل على أن الحصيلة الاقتصادية للجدول الجديد New Deal كانت هزيلة. صحيح أن عدد العاطلين عن العمل كان أقل ولكن الضّرر كان مستوطناً لذا كان من المفروض أن يكون هناك إنتاج مكثف وهذا ما تطلبته الحرب إضافة للاستنفار العام للرجال الذين هم في سن حمل السلاح لكي تختفي شريحة من لا عمل لهم". فإذا كانت الولايات المتحدة قد أصبحت "ترسانة الديمقراطية" فهي لم تفعل ذلك بشكل هبة أو بصورة مجانية. في الرابع من تشرين الثاني 1939 "بدل الكونجرس الحظر التام ببنود الدفع الفوري والشحن: لم يكن الأمريكيون يستطيعون بيع الأسلحة إلى المتحاربين إلا بشرط أن يدفعوا نقداً ويتكفلوا بالشحن" فعانت بريطانيا العظمى مالياً لأنها كما قال ديغول في مذكراته حول الحرب "كان على الإنكليز خلال هذا الشتاء المظلم أن يدفعوا ثمن مشترياتهم بالذهب وبالعملات الصعبة". أما الرهانات السياسية فلم تكن منسية فقد تنازلت الولايات المتحدة ليس بدون خلفيات) لبريطانيا العظمى عن خمسين سفينة مقابل استخدام القواعد الإنكليزية لأجل غير مسمى في الأرض الجديدة وفي الباهاما وفي برمودا. شعر روزفلت منذ عام 1937 بأن الحرب في أوروبا لا يمكن تحاشيها ومباشرة لاحظ المكسب الذي يمكن للاقتصاد الأمريكي ربحه من خلال هذه الحرب بفضل الإنتاج المكثف والاستنفار العام لصالح المجهود الحربي وبذلك يمكن تأمين الأسواق وحل مشكلة البطالة. وشيئاً فشيئاً جهد الرئيس لإقناع المواطنين بأنه لا يكفي أن تكون الولايات المتحدة "ترسانة الديمقراطية" بل يجب عليها المشاركة بفاعلية في "الحرب الصليبية ضد إمبراطورية السوء اليابان وألمانيا)" وفي هذا الإطار قال كلود فوهلن:"كان يجب إذن إقناع الرأي العام بأن الدول الاستبدادية تهدد القيم التي اعتقدت بها الديمقراطية الأمريكية". في الوقت ذاته ترك ستالين يتصرف بحرية في أوروبا الشرقية لأنه كما قال أندريه كاسبي فهم بأنه "هكذا يعمل على كسب السلام كما هو في طور كسب الحرب". وَفَّرَ الهجومُ الياباني على بيرل هاربر العنصر الحاسم الذي جعل الولايات المتحدة تقرر دخول الحرب. هل كان ذلك مفاجأة؟ ودون اللجوء إلى الإدعاء كما فعل بعض المؤرخين بأن اقتراب الأساطيل اليابانية الذي حدث قصداً من أجل أن يصبح اشتراك الولايات المتحدة في الحرب أمراً لا يمكن تحاشيه(3) . إلا أننا بالمقابل نستطيع أن نؤكد بأن المجابهة مع اليابانيين كانت مخططة سلفاً، وإلا كيف لنا أن نفسر الإجراءات الاقتصادية بحق اليابان في أيلول 1940 إلى تموز 1941 التي هدفت إلى حرمان هذا البلد من المنتجات الإستراتيجية خاصة البترول؟ كما أن الولايات المتحدة هيأت نفسها للعمل ضد ألمانيا. فأقامت في الأطلسي منطقة محايدة لتجبر الألمان بحصر عملياتهم في الجزء الشرقي. تبع ذلك وقوع بعض الأحداث التي لم يمكن تحاشيها وخاصة بعد أن تقرر اشتراك سفن الحرب الأمريكية بمرافقة مواكب البواخر في شمال الأطلسي في أيلول 1941. وفي 17 تشرين الأول أصيبت المدمرة كرني بالأضرار أما المدمرة روبن جيمس فقط تم إغراقها في مياه المحيط في 31 تشرين الأول. في 11 كانون الأول 1941 عندما أعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب ضد الولايات المتحدة كان الأمر قد حدث، لقد نبت هذا الصراع بسبب الشطط الأوروبي منذ بداية القرن وبسبب نتائج ذلك وخاصة اتفاقية فرساي المشؤومة التي فرض الأمريكيون القسم المخيف منها والتي سلمت إليهم الدائرة الثالثة. روزفلت وغزو العالم: أتاحت المجابهة مع اليابان للولايات المتحدة أن تهيء وتنجز السيطرة السياسية ومن ثم الاقتصادية على آسيا تماماً كما فعلت واشنطن في أمريكا اللاتينية. أولاً كانت الفرصة مؤاتية لوضع حد للنفوذ الأوروبي في هذا الجزء من العالم. بعد عام 1945 بات موقف الهولنديين الهند الهولندية) والبريطانيين والفرنسيين غير محتمل، وعندما هزمت الولايات المتحدة اليابان تخلصت من المنافس الوحيد القادر على أن يقف في وجهها في المحيط الهادئ. أما بالنسبة لنوايا الأمريكيين في أوروبا فقد تأكدت شيئاً فشيئاً مع مسيرة العمليات. وأضافت الولايات المتحدة إلى إرادة تنظيم الحرب على الأرض الأوروبية بهدف إعادة ترتيبها بعد الحرب نيتها إلى إبعاد المزعجين وخاصة فرنسا غير الفيشية. بذل الأمريكيون جهدهم لتقوية علاقاتهم مع حكومة فيشي منذ عام 1940، وفي كانون الأول أرسل روزفلت الأميرال ليهي والقنصل روبرت مورفي الذي كان شديد العداء لفرنسا الحرة إلى ويغان Weygand في شمال أفريقيا قبل ذلك كانت هناك محاولة من أجل تقليل شأن الحركة الديغولية من خلال اتهام الأميرال موسيليه Muselier بالتورط في مؤامرة بالاتفاق مع حكومة فيشي. إلا أن هذه المحاولة المدعومة من ضباط بريطانيين بتشجيع من الأمريكيين تم فضحها من قبل ديغول الذي تلقى فيما بعد اعتذارات من تشرشل ومن أيدن. في 24 كانون الأول 1941 حصل موسيليه نفسه على انضمام سان بيار وميكلون إلى حكومة فرنسا الحرة، مما أثار غضب الولايات المتحدة التي كانت منهمكة بالتفاوض مع حكومة فيشي من أجل حياد جزر الأنتيل. في شباط عام 1942 أصبح السير أرتور ترافرس هاريس 1892-1984) مدير إدارة المدفعية وعاد إلى الولايات المتحدة حيث كان على رأس وفد القوى الجوية الملكية. ألم يكن إذن من المفاجئ أن يعتمد على تكتيك سمي "بقصف المنطقة" التي تحمس لها الأمريكيون بشكل كبير والتي كانت تهدف إلى إحداث دمار واسع في الأراضي الألمانية. فقد تم قصف ستين مدينة من أكبر المدن مما أحدث الرعب الذي استمر حتى نهاية الحرب ولم يتم فقط استهداف ألمانيا بل أيضاً فرنسا وبلجيكا حيث قصفت حتى الدمار مراكز اقتصادية عصبية وتصاعدت العمليات بالتعاون بين القوى الجوية الملكية والقوى الجوية للولايات المتحدة حتى شهر آذار عام 1943. في عام 1942 انطلقت عملية ما سمي بـتورش Torch) التي هدف الأمريكيون والبريطانيون منها الإنزال في شمال أفريقيا في وسط الإمبراطورية الفرنسية والتحالف مع فيشي بغية استعادة موقع لهم في أوروبا ولجم نفوذ فرنسا الحرة في المنطقة. لتحقيق ذلك جرت اتصالات مع الأوساط المعادية لديغول أي الجنرال جيرو في الرابع من أيلول من قبل روبرت مورفي. في 8 تشرين الثاني انطلقت العملية، في 13 من الشهر نفسه أصبح الأميرال دارلن المتحدث الرسمي للحلفاء مما أثار غضب الجنرال ديغول. وعندما اغتيل دارلن خلفه في منصبه جيرو. إذن لم يكن مستغرباً أثناء مؤتمر "الدار البيضاء - أنفا" من 13-24 كانون الثاني 1943 أن يرفض ديغول فكرة روزفلت وتشرشل ومستشاريهم العسكريين بإقامة قيادة ثلاثية يكون فيها ديغول نفسه تابعاً لجيرو وللجنرال جورج. ديغول ومقاومة روزفلت: لا يوجد أي شيء يمكنه إلقاء الضوء على النوايا الأمريكية المتعلقة بمستقبل العالم افضل من العلاقة الخاصة جداً التي قامت بين روزفلت ومستشاريه من جهة والجنرال ديغول من جهة أخرى. منذ بداية اللعبة كان روزفلت يبغض ديغول. لقد رأى فيه دون شك الشخصية الأوروبية الوحيدة القوية التي تملك ما يكفي من النباهة لاختراق النوايا الأمريكية ومن التصميم الكافي لمنع حدوثها. هناك أمران أساسيان ميزا مخططات روزفلت أولاً: المحاولة المدعومة لإخراج ديغول وحكومة فرنسا الحرة من أجل ترتيب عالم ما بعد الحرب على هواه. أشار الجنرال إلى ذلك في مذكرات الحرب Les Mémoires de la guerre فقال:"في العمق إن ما كان الأمريكيون يعتبرونه تحصيل حاصل هو إلغاء فرنسا وبهذا كانوا في وضع منسجم مع حكومة فيشي" وأضاف: "أمام ضخامة الموارد الأمريكية وطموح روزفلت الذي كان يريد أن يفرض قانونه ويوزع الحقوق في العالم كنت أشعر أن الاستقلال هو المشكلة". ثانياً تأكيد استمرار محاباة بريطانيا العظمى تجاه الأهداف الإمبريالية لمستعمرتهم القديمة. حول ذلك يقول ديغول:"إن دخول روسيا وأمريكا الحرب الذي حمل معه ثقل التحالف مع دول عظمى كان من المفروض أن يدفعها إلى التقارب من سياستنا وتعمل وبشكل متضامن وصريح في أوروبا وفي المشرق وفي أفريقيا وفي المحيط الهادي" ولكن لم يحدث شيء من هذا. وكان الموقف البريطاني تجاه الجنرال ديغول يتغير حسب اشتداد الضغط من روزفلت. في بداية تموز 1941 بدء جو العداء بالظهور. وأتخذ إذن القرار من قبل الرئيس الأمريكي بأن لا يعطي لحكومة فرنسا الحرة الدور الرئيسي لمقاومة النازية بل لفيشي وتصنعت وزارة الخارجية الأمريكية تجاهل ديغول وأنصاره. في كتابه القيم حول شارل ديغول وصف جان لاكوتور Jean Lacouture التقلبات التي رافقت مراحل "التعاون" بين ديغول والحكومة الأمريكية طيلة فترة الحرب مشيراً إلى عداء وكراهية روزفلت ومستشاريه الأساسين للجنرال ديغول له جذوره في الموقف المعارض الصريح الذي أعلنه ديغول ضد الأهداف الإمبريالية الأمريكية. تنبأ ديغول ودون تباطؤ بأنه لا يمكن أن يترك الساحة حرة للأنكلوسكسونيين، فعمل على إقامة علاقات مباشرة مع الاتحاد السوفيتي لأنه وكما يقول الصحفي جيرار جوف Gèrard Jouve كان لديه القناعة القوية بأن فرنسا والاتحاد السوفيتي "هما قوتان قاريتان ولذلك لديهما قضايا وأهداف نوعية مختلفة عن أهداف القوى الأنكلوسكسونية".وبرهن بعد ذلك عن الواقعية أمام المصلحة العليا لقضية التحالف فحاول إقامة تقارب مع واشنطن في نهاية كانون الثاني 1942 إلا أن روزفلت والقوى الناطقة بالإنكليزية ردوا بميثاق الأطلسي الذي أعد ووقع على متن باخرة الحرب برنس أوف ويلز أمير ويلز) في شهر آب 1941 وهذا الميثاق يطرح من جديد النقاط الأربع عشرة لمخطط ويدرو ويلسون. يطالب الميثاق بأن تتخلى الديمقراطيات المتحالفة عن بعض المكاسب في الأراضي وتشجع تقرير المصير للأمم المستعمرة بواسطة قوى أخرى أي الولايات المتحدة بالطبع. يعود تاريخ كراهية روزفلت لديغول إلى ما اتفق على تسميته "قضية دكار" التي كما كتب لاكوتور "حولت المشاعر غير الودية لروزفلت ولمعاونيه إلى حذر شرس تجاه ديغول". في 27 آب سمحت النيويورك تايمز لنفسها أن تضع موقع الشك شرعية الحركة التي أعلنها الجنرال بعد نداء 18 حزيران. الإشارة الأولى للفظاظة الأمريكية تعود إلى كانون الأول 1941 عندما قام وزير الخارجية الأمريكية كوردل هال بتسمية الفرنسيين الأحرار بأولئك الذين "يطلقون على أنفسهم" اسم حركة. فبذلك نما كما يذكر لاكوتور بين ديغول وبين روزفلت عنصر حساسية وعند الرئيس الأمريكي بشكل خاص "قناعة مخالفة للعقل وعنيدة أدت إلى عدم الرؤية والى مشاعر التنافر بعيداً عن كل تعقل" كان من الواضح أنه إذا كانت الولايات المتحدة تدعي أنها تحارب "من أجل انتصار الأنظمة الديمقراطية" فإنه نجم عن ذلك مخططات أعدها روزفلت لإعادة ترتيب الكرة الأرضية إلا أن الدافع الضمني لم يتم الإفصاح عنه. انسجاماً مع المفهوم الفيدرالي والمعادي للاستعمار الخاص بهم جابه الأمريكيون كل رؤية وسطية وإمبريالية عرضها الآخرون. إن غزو فرنسا كان يفترض تأمين منصة لتخليص أوروبا من المحتل الألماني من أجل إبداله بقوة أخرى يستطيعون الإشراف عليها. في هذا الإطار بدا الجنرال ديغول إذن عنصراً مزعجاً. المكانة التي أعطيت لفرنسا كانت ثانوية، كتب لاكوتور يقول:"إن كان الفرنسيون قد هيئوا المساحات الأرضية لتمكين الطائرات من الهبوط وأرسلوا بعض المعلومات وهاجموا بعض القطارات وقدموا خبراءهم إن كان لديهم بالطبع)..." مقابل ذلك أعطوا أرضاً ليست اقل بكثير من أرضهم قبل عام 1940 ما عدا بعض الاستثناءات جهة بلجيكا التي كان يجب توسيعها) تحت رعاية لجنة عليا أمريكية مكلفة بإعادة تأهيلهم وشرطة دولية مهمتها في فرنسا "المنـزوعة السلاح" أن تحافظ على النظام داخلياً وخارجياً... هذا ليس عرض كاريكاتيري إنه بحق الحصة المعطاة لفرنسا من قبل الأمريكيين حسب مجموعة الأفكار التي قدمها الرئيس التنفيذي الأمريكي من عام 1940 إلى عام 1944 وحتى يوم الإنزال في النورماندي. لم تنظر الإدارات الأمريكية إلى ديغول "إلا كبقايا صغيرة وفظة من قصة انقضى زمنها، ومن تاريخ لا يتناسب مع الوقت الراهن" هذا ما عبر عنه دبلوماسيون مثل مينار بارنز وفرمان ماتوز المسؤولان عن توجهات روزفلت ووزارة الخارجية الأمريكية طيلة تلك السنوات. أضاف لاكوتور يقول:"في كتابات بارنز بدت فرنسا بعد انكسارها وهزيمتها كأنها لم تعد موجودة كأمة أما بالنسبة لـ "فريمان ماتيو" فإن الديغوليين هم عبارة عن قطاع طرق" وقد اعتمد وزير الداخلية الفيدرالي هارولد أيفز نفس العبارة. كان روزفلت محاطاً بأخصائيين معاديين لفرنسا ولرئيس مقاومتهامثل كوردل هول الذي لم يكن يعرف عن فرنسا أي شيء وسمنر ويلز الذي كان يخشى كثيراً الأوروبيين وأدولف برل ووليم ليهي والأميرال روبرت مورفي - الدبلوماسي- كل هؤلاء كانوا ضعاف البصيرة فزرعوا الحذر ضد فرنسا وضد ديغول. نقل أدريان تكسيه محادثات حضرها وتمت بين أندريه فيليب الناطق الرسمي لديغول وروزفلت وسمنر ويلز في لندن في 20 تشرين الثاني 1942 وخلال هذه المحادثات قال روزفلت: "بالنسبة لي فرنسا لم تعد قائمة من وجهة النظر السياسية حتى يأتي وقت تنظم فيه انتخابات لاختيار ممثلين لها"، أراد روزفلت إذن أن يبدو برغماتياً عندما قال:"أنا لست مثالياً مثل ويلسون، أنا أهتم قبل كل شيء بالفعالية، عندي قضايا يجب حلها. فأهلاً وسهلاً بمن يساعدني على حلها. دارلن يعطيني اليوم الجزائر وأنا أصرخ عاش دارلن، وإذا أعطاني كسيلنغ أوسلو أصرخ عاش كسيلنغ!... فليعطني لافال Laval غداً مدينة باريس وسأصرخ عاش لافال!". وتتالت ازعاجات وعلامات الاحتقار تجاه قائد فرنسا الحرة في تموز عام 1942 عندما تم اتخاذ القرار بإطلاق عملية إنزال الحلفاء في شمال أفريقيا التي استبعد منها الفرنسيون لعدة أسباب. يطرح جان لاكوتور سؤالاً فيقول:"هل لنا أن نفترض وجود دوافع أخرى لدى روزفلت؟ ألن يسمح له هذا التدخل في أفريقيا الشمالية عملياً بتحقيق هدفين شخصيين هما تطهير أفريقيا الشمالية من الاستعمار الفرنسي ومنح الجنرال ديغول ما أسماه ميلتون فيورسه "بفيزا النسيان"؟ على سؤال لاكوتور هذا لا نستطيع إلا أن نجيب بالموافقة. المفاوض الذي اختاره روبرت مورفي وهو الجنرال ويغان Weygand "كان مدعواً في شمال أفريقيا بشكل قوي من المعادين للألمان والمعادين لديغول والمنحازين للأمريكيين" مما يؤمن أيضاً خدمات محبي أمريكا من رجال الأعمال ومن بينهم جاك لومفر دبري صاحب زيوت لسيور وهنري داستيه ولافيجري. كتب الجنرال جيرو نفسه إلى مورفي في 28 آب 1942 بأنه علينا أن نطع "الفرنسيين المنشقين" أي ديغول وفرنسا الحرة خارج إطار الإنزال ولا يجب أن يعلموا عنه أي شيء. "بهذا الشكل أعطى جيرو للأمريكيين الإجازة بالتدخل بالشؤون الفرنسية وباضطهاد من يحلو له عن طريق العودة إلى هذا الحكم الجديد للمصالح الفرنسية". لم يكن روزفلت ينتظر موافقة جيرو.، فقد كتب يقول:"أنا أرى أنه من الضروري أن يبقى ديغول جانباً ويجب ألا نعطيه أي معلومة"، وأنجزت عملية تورش دون صعوبة والمسؤوليات التي كان يجب منحها بشكل طبيعي إلى جيرو أعطيت لدارلن من قبل مورفي والجنرال كلارك بالاتفاق مع واشنطن ووزارة الخارجية في لندن وتسارعت الإجراءات المعادية لديغول فتم تعيين مراقب برامج أمريكي في الإذاعة فمنع أي هجوم ضد دارلن وبتان Pétain. وإلى جانب الإيعاز الذي وجهه ديغول إلى تشرشل بعدم السماح للولايات المتحدة بقيادة الصراع صدر بيان من اللجنة الوطنية الفرنسية صرح فيه ديغول بأنه يرفض تحمل أي مسؤولية في المفاوضات التي يقودها الحلفاء تحت الإدارة الأمريكية في شمال أفريقيا. فرد الأمريكيون "بتصعيد المحظورات وبالفرمانات الاستبدادية وبالضغوط على الناطق الرسمي لفرنسا المقاتلة". كان هذا هو زمن الخضوع الإنكليزي وخاصة خضوع تشرشل أكثر فأكثر لأوامر واشنطن. يقول ديغول:"إن رئيس الوزراء كان قد قرر ألا يقوم بشيء هام إلا بالاتفاق مع روزفلت. فإذا كان أكثر من أي إنكليزي يؤيد الوسائل الأمريكية غير المناسبة وإذا كان يتحمل بصعوبة حالة التبعية التي وضعت فيها الولايات المتحدة الإمبراطورية البريطانية بسبب المساعدات وإذا كان يشعر بمرارة لهجة التفوق التي كان يعتمدها روزفلت تجاهه فلأن تشرشل كان قد قرر بشكل نهائي أن يخضع أمام ضرورة الحلف الأمريكي. لذلك لم يكن ينوي أن يتخذ تجاه فرنسا الحرة أي موقف حاسم إزاء موقف البيت الأبيض. لقد كان روزفلت حذراً من الجنرال ديغول أما تشرشل فكان متحفظاً". بالنسبة لروزفلت فلقد استمر بالتعاطي مع تحفظات الجانب الفرنسي المناضل بهزء معلناً احتقاره لكل ما يمكن له أن يكون بمثابة "الضمير الوطني الفرنسي". الأكثر تعبيراً عن ذلك هي قراءة المخططات التي أعدها روزفلت لأوروبا آذار 1943) عندما ستنتهي الحرب. فمجموعة الجيوش الأوروبية سوف تكون تحت سيطرة ثلاث دول هي بريطانيا العظمى والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وسيكون إذن تحت تصرف هذا الثلاثي الإشراف الكامل على معظم دول القارة العجوز. فسيتم تقسيم بلجيكا وإنشاء دولة جديدة: والونيا Wallonia تضم بلجيكا الحالية الوالونيه واللوكسبورغ والإلزاس واللورين وجزءاً من شمال فرنسا. يقول لاكوتور:" قرر روزفلت من الآن فصاعداً أن يعامل فرنسا ليس كبلد محرر بل كبلد محتل خاضع لإدارة عسكرية إنكليزية - أمريكية". إلا أن رؤى روزفلت قد تعطلت عندما أصدر الجنرال ديغول تعميماً أعلن فيه أن "كل قطعة من الأراضي المحررة ستدار بواسطة مندوب تعينه اللجنة الفرنسية للتحرر الوطني CFLN في الوقت نفسه أعلن المجلس القومي للمقاومة بأن اللجنة الفرنسية للتحرر الوطني هي الحكومة الشرعية لفرنسا . وفي 3 حزيران 1943 أصبحت اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية". تثبيت الخط السياسي: مما لم تغفره الولايات المتحدة للجنرال ديغول هو أنه جسد مبدأ السيادة القومية المرتكزة على أولوية المبدأ السياسي الذي كان عند الاقتضاء يمكن أن يعرقل أهدافها في الهيمنة. هذا الدور الذي خص الجنرال ديغول نفسه به أكده جان مولان Jean Moulin في رسالته إلى الجنرال:"بماذا يتعلق إذن الأمر خارج قضية تحرير الأرض؟ بالنسبة لك الأمر يتعلق باستلامك للسلطة ضد الألمان وضد فيشي وضد جيرو ومن المحتمل أيضاً ضد الحلفاء"بناء على ذلك رأى لاكوتور بأن تعيين اللجنة القومية للجمهورية هو تجسيد "لعنصر التحدي ضد روزفلت: لا، فرنسا لن تكون "المحمية" التي حذر منها أنطوني أيدين مفاوضيه في واشنطن". لأن الولايات المتحدة وإن استخدمت البريطانيين كأدوات فهي لم تكن لينة معهم. فالسياسيون أمثال فالز وويلكي والصحف مثل لايف ماغزين في "رسالتهم المفتوحة إلى الشعب الإنكليزي" لم يترددوا بانتقاد أساليب الإمبريالية الإنكليزية. هنري غريمال يذكرنا بذلك فيقول"من يالطا خضع تشرشل لهجوم الحليفين الكبيرين اللذين هما مبدئياً ضد الاستعمار. أحدهم ستالين) باسم نظرية بلاده الرسمية والآخر روزفلت) لأسباب تاريخية واقتصادية". "الأسباب التاريخية" باتت معروفة لدينا وهي كيف يمكن السيطرة على العالم إذن كان لا يزال هناك أماكن تخضع لإشراف أمم أخرى منافسة؟ أما الأسباب الاقتصادية فهي ليست بحاجة لتفسير. إن الضغط الأمريكي المستخدم بحذاقة لم يكن غريباً عن استقلال الهند وبرمانيا وسيلان. وإن كان استقلال الدول التي خضعت بالسابق للهيمنة الاستعمارية هو قضية شرعية واضحة فالموقف الأمريكي أقل شرعية. فتجاه الكلام الأخلاقي الموجه لفرنسا ولبريطانيا العظمى ولبلجيكا ولإسبانيا وللبرتغال عن حق الشعوب بتقرير مصيرها كان هناك سياسة الاستيلاء القائمة على احتلال مواقع السلطة التي تركتها هذه الأمم. أخذت المحاولات اليائسة للتخلص من المزعج ديغول بُعْدَهَا الحقيقي يوم الإعداد لعملية أوفر لورد Overlord، لقد قررت الولايات المتحدة من جانب واحد بأن القوى الفرنسية ستكون تحت تصرف هيئة أركان الحلفاء ويكون لها حق التعامل معها كيفما تريد. ثم اقنع روزفلت ملك إنكلترا بأن لا يخبر ديغول وحكومة فرنسا الحرة بالجدول الزمني لتحرير الأراضي الفرنسية. هذا الموقف أدين من قبل الصحف الإنكليزية والأمريكية كلها. أما تشرشل فقد برهن مرة أخرى عن طاعته وانصياعه وعندما كان يوجه له الانتقاد كان يصرخ "كيف تريدون منا نحن البريطانيين أن نتخذ موقفاً منفصلاً عن موقف الولايات المتحدة؟ إننا سوف نحرر أوروبا وهذا لأن الأمريكيين معنا لتنفيذ ذلك، فعليكم إذن أن تعلموا بأنه وفي كل مرة يكون علينا أن نختار بين أوروبا وبين عرض البحر سوف نختار دائماً عرض البحر. وفي كل مرة علينا أن نختار بينكم وبين روزفلت سأختار دائماً روزفلت". في الفترة الواقعة بين عام 1939 بداية الحرب العالمية الثانية) وكانون الأول عام 1941 دخول الولايات المتحدة الصراع) أنجزت أوروبا عملية الانتحار الجماعي التي بدأتها في عام 1914. إن "حرب الثلاثين عاماً" التي لم تعرف عملياً فترة توقف من عام 1914 إلى عام 1945 خدمت مخططات الإمبرياليتين العظمتين في العالم الأمريكية والسوفيتية. بما يخص الولايات المتحدة بدت خطة الاستنـزاف التي باشرها الرئيس ويلسون الخصم القوي للتوازن الأوروبي الذي يمكنه أن يشكل قوة مزعجة لإمبريالية بلده بدت إذن أنها قد وصلت إلى المرحلة التي توجتها بالنجاح. أما الاتحاد السوفيتي المعادي للاتحاد الأوروبي القادر على إيجاد جبهة متماسكة تقف أمام المد الشيوعي، وجد في الولايات المتحدة الحليف الموضوعي له. لقد أقر أوجين ويبر Eugen Weber في كتابه "بأن الرئيس روزفلت ومستشاره الأساسي هنري هوبكنـز بدا بأنهما أصبحا مقتنعين بأنه لدى الولايات المتحدة وروسيا بشكل أو بأخر أموراً مشتركة أكثر مما للولايات المتحدة مع الدول القديمة التي كانت تحتفظ في داخلها بطبقات اجتماعية عفا عليها الزمن وفي الخارج لديها المستعمرات. لقد رأى روزفلت أنّ رجالاً كتشرشل مازالوا يتمسكون بدون جدوى بالماضي ويحاولون إعادة الاعتبار لقيم الزمن الغابر وإقامة أنظمة ملكية أو محافظة وهياكل إمبراطورية. لذا تستطيع روسيا والولايات المتحدة التعاون ضد هذه المبادرات وخاصة إذا كان ذلك يلبي الحاجات الشرعية في الأمن والازدهار لروسيا". إن إعادة الهيكلية الإمبراطورية من قبل الأوروبيين يتطلب عودة وضع ما قبل الحرب الاستيلاء على الأراضي والأقاليم التي تملكها فرنسا وإنكلترا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وهذا ما كان الأمريكيون يحلمون بالاستيلاء عليه، فالعودة إلى وضع ما قبل الحرب يسمح بإيجاد نقاط ارتكاز قادرة على جمح تقدم الإمبريالية الأمريكية. لذلك كان لابد من وقف ذلك وبأي ثمن فبدا إذن التعاون بين ستالين وروزفلت ثم ترومان) من الضروري إقامته ضد المصالح الأوروبية. إن هزائم هتلر بعد أشهر قليلة من هجومه على الاتحاد السوفيتي 22 حزيران 1941) جعلت الأمريكيين يدركون بأن ساعة إخضاع أوروبا قد دقت والإخضاع كان قد بدأ مع ويلسون ومعاهدة فرساي. وحتى قبل نهاية الحرب ضمنت الولايات المتحدة هيمنتها النهائية على النظام الاقتصادي العالمي. لقد اتبعت خطة على مرحلتين. في المرحلة الأولى عملت على إقامة بنية ضاغطة وملزمة استطاعت أن تحافظ على تبعية اقتصاديات الدول الديمقراطية لها. هذه البنية نتجت عن لقاءات بريتون ودز في عام 1944، وقامت المرحلة الثانية على إنهاك بطيء للدول الاشتراكية قادها إلى الانهيار بعد سنوات من التيه الذي قضى عليها من الداخل. (1) وجدت ثروات ضخمة بفضل البغاء والتجارة مع الولايات المتحدة، وبالمقابل كان هناك بؤس مخيف وخاصة بين صفوف الفلاحين. (2) نجد في الاتفاقات الحالية لمنظمة التجارة العالمية وبطلب من الأمريكيين الرغبة نفسها بإزالة حواجز الحماية الجمركية عند الآخرين في الوقت الذي لا يطبقون هم أبداً إلا القواعد التي لا تزعجهم. (3) يجب أن نعترف بأن أسطولاً بهذه الأهمية وقادراً على التوجه إلى جزر هاواي دون أن يتمكن النظام الدفاعي الأمريكي من اكتشافه يشكل أمراً مشبوهاً وخاصة إذا علمنا أن إدارات مسؤولين كبيرين في القيادة الأمريكية قد تم إخطارها بالتهديد الياباني وهذان المسؤولان هما الجنرال مارشال رئيس أركان الجيش والأميرال كنغ قائد أسطول الأطلسي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |