أمريكا المستبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم "العولمة" - Michel Bugnon-Mordant -ترجمة:د.حامد فرزات

ترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث الشــــبكة الكونيــة الأمريكـية

لم تُمثّل سيطرة الولايات المتحدة على النظام الاقتصادي إلا مرحلة من التقدم الأمريكي نحو التفوق العالمي. لقد فُرغّت أوروبا بعد عام 1945 عملياً من مقوماتها فرأت الولايات المتحدة أن الوقت قد حان أخيراً من أجل إقامة هيمنتها السياسية والعسكرية والثقافية في آنٍ واحد.‏

عملياً لم يميز الدمار بسبب الحرب إلا القارة الأوروبية، كتب فيليب ماسون يقول:"كان اقتصاد كل المناطق مضطرباً بشكل كامل، كانت الفوضى الاقتصادية في اليابان وفي الصين والاتحاد السوفيتي وأوروبا بما فيها بريطانيا العظمى التي كانت على حافة إفلاس مالي لا سابق له بعد توقف القروض. الصورة كانت نفسها في كل مكان، لقد خلف انهيار الإنتاج الزراعي والصناعي والتضخم والعجز الكارثي في ميزان الحسابات البطالة وانخفاض مستوى الحياة والتراجع الأخلاقي مع انتشار البغاء والسوق السوداء" مقابل وضع كهذا ظهرت الولايات المتحدة كما كان الحال غداة الحرب العالمية الأولى في وضع مزدهر "فلقد وضعت الحرب حداً للأزمة الاقتصادية وامتصت البطالة وكشفت عن طاقات إنتاجية لا يشك فيها، فالإنتاج الأمريكي وحده كان يمثل ثلثي إنتاج العالم بأجمعه". ومنذ عام 1944 وبشكل خاص خلال المؤتمرات الكبرى بين الحلفاء التي استبعد منها أي منافسة بين الإمبرياليتين عمدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى تقسيم جيوسياسي للعالم "فارتسم نظام عالمي جديد". رغم خسائره "تمتع الاتحاد السوفيتي بمكانة مرموقة وبدا انتصاره كانتصار الاشتراكية التي كانت تمارس جاذبية خاصة على الجماهير الفقيرة في الدول الأوروبية". بالمقابل "كانت الولايات المتحدة في أوج قوتها وكانت لا تزال تتمتع وحدها بامتلاك السلاح النووي" لقد عمدت القوتين إلى تقسيم أوروبا إلى معسكرين الأول غربي تحت السيطرة الأمريكية والآخر إلى الشرق تحت التبعية السوفيتية.‏

لقد كانت منظمة الأمم المتحدة بمثابة وضع الحجر الأساسي للمنظمة الدولية المستقبلية الضرورية لتحقيق التفوق السياسي الأمريكي والذي كان بشكل مؤقت تفوقاً أمريكياً سوفيتياً. وأصل المنظمة وعلينا ألا ننسى ذلك أبداً إنه روزفلتياً، الرئيس الأمريكي هو الذي أطلق في عام 1941 المشروع، وفي عام 1943 في مؤتمر وزراء الخارجية المنعقد في موسكو تم اتخاذ قرار بإقامة "منظمة عالمية لحفظ السلام" هذه الصيغة استخدمت اللغة الصارمة الحقوقية والسياسية للدلالة على المؤسسة الأممية التي ستشرف من خلالها واشنطن على دول المستقبل الأعضاء. في عام 1944 جمع مؤتمر دومبرتون أواكز Dumbarton Oaks الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية والصين فأتمت مؤتمر يالطا وحددت هيكليات المنظمة. في 26 حزيران 1945 أسس ميثاق 111 بشكل منظمة الأمم المتحدة في 24 تشرين الأول 1945 بدأ العمل فعلياً بهذه المنظمة. فإن ما لم يستطيع الرئيس ويلسون من الحصول عليه في عصبة الأمم استطاع روزفلت فعله أخيراً. لقد كان تحت تصرف الولايات المتحدة أول شبكتين من نسيجها الشامل: الأولى الاقتصادية وهي تتمثل بالنظام النقدي الدولي والثانية سياسية ودبلوماسية تتمثل في منظمة الأمم المتحدة.‏

لقد عقدت كل المؤتمرات بين الحلفاء دون مشاركة الجنرال ديغول. بين 28 تشرين الثاني والأول من كانون الأول عام 1943 عقد مؤتمر طهران بحضور روزفلت وستالين وتشرشل حيث تم الاتفاق على الحدود السياسية الجديدة في الشرق وهو خط كوزون Cuezon. في مؤتمر دومبرتون أواكز أوقف العمل بخطة مورغنتو وتم تفكيك الصناعة الألمانية. في محادثات موسكو 9-18 تشرين الأول عام 1944) حدد تشرشل مدعوماً بروزفلت وستالين وأيدين دوائر النفوذ في البلقان. أعطي للسوفيت كل من رومانيا وبلغاريا وهنغاريا ويوغسلافيا مناصفة مع بريطانيا العظمى. وأعطى لإنكلترا اليونان التي خضعت فيما بعد للإشراف الأمريكي . وأخيراً في يالطا قرر تشرشل وستالين وروزفلت بأن يكون خط كوزون الحدود النهائية من الآن وصاعداً بين الشرق والغرب. من جهة أخرى تم الاتفاق على توزيع مقاعد مجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة.‏

مرة أخرى جاءت البادرة الأولى للمقاومة من فرنسا، لقد رفض الجنرال ديغول دمج منطقة الاحتلال الفرنسي في ألمانيا مع منطقتي الاحتلال الإنكليزية والأمريكية كما اقترح وزير الخارجية الأمريكية ذلك في السادس من أيلول 1946 في ستوتغارت. ومن حينها برزت المجابهة بين مفهومين مختلفين لبناء أوروبا رغم وجود توافق إجماعي حول توحيد الدول التي مزقت تمزيقاً كبيراً فكان هناك نموذجان: أحدهم تصور إقامة أوروبا الفيدرالية على طريقة الولايات المتحدة وتخضع لواشنطن وكانت بلجيكا وهولندا تدعم هذا الاتجاه. النموذج الآخر كان يرى إقامة أوروبا الكونفدرالية وتدعمها بريطانيا العظمى وفرنسا و ودوترى Dautry وسيكفريد Siegfried ورماديه Ramadier وأخريين.‏

في مؤتمر لاهاي 7-10 أيار 1948) تصارعت كل الاتجاهات وتم تشكيل لجنة ارتباط أصبحت في 25 آب 1948 حركة أوروبية يرأسها أربع رؤساء شرف وهم تشرشل والإيطالي كسبري والبلجيكي سباك والفرنسي بلوم الذي جاء مكانه فيما بعد شومان. في لاهاي أيضاً عقد في 20 تموز مؤتمراً تم خلاله اقتراح بواسطة جورج بيدو Bidaulr وفرنسا وبريطانيا العظمى وهولندا واللوكسبورغ وبلجيكا خلق اتحاد جمركي واقتصادي من جهة ومجلس أوروبي من جهة أخرى. فكان مفهوم المتخطي للحدود القومية موجوداً لدى الجميع بشكل ضمني.‏

أما الولايات المتحدة المؤيدة لوحدة أوروبية تحت جناحها فقد دعمت هذا المشروع لكي يكون بمقدورها أن ترجح كفة الميزان إلى الجهة التي تسعدها أكثر وكانت قد دشنت الحرب الباردة قبل سنة من ذلك.‏

الحرب السهلة:‏

حتى لو كان المؤرخون الذين يحملون الولايات المتحدة المسؤولية الكبرى في الحرب الباردة ليسوا محقين كثيراً إلا أن التحليل المتأني للواقع الحلف الموضوعي مع الاتحاد السوفيتي على تقسيم العالم) والدراسة الموضوعية لتسلسل الأحداث تثبت بشكل كافٍ المصدر الذي تعمد قيام الحرب الباردة فقد استخدمت الإمبرياليتان الواحدة الأخرى كمطارق من أجل تدعيم أفضل لأنظمتها المهيمنة.‏

الطريقة التي انتهت بها حملة المحيط الهادئ بالمصير الاستشهادي الذي أنزل باليابان عن طريق الجريمة البشعة بضرب القنبلتين الذريتين على هذا البلد نادت الضمير الإنساني حول أهداف الإستراتيجية الأمريكية. ويشير أندريه كاسبي كم أن عدداً من الأمور بالنسبة لموقف الولايات المتحدة تجاه اليابان تضيء الغموض حول ما قامت به فكتب يقول:" لماذا لم يحاول الأمريكيون استخدام القصف بالسلاح التقليدي قبل أن يقرّروا التدمير الذري لهيروشيما وناكازاكي؟ ولماذا لم يصغ المسؤولون السياسيون للخبراء الذين أكدوا بأن اليابان سوف يوقع على استسلامه قبل نهاية عام 1945 حتى لو لم تستعمل القنبلة وحتى لو لم يدخل الاتحاد السوفيتي الحرب وحتى لو لم يتم الإنزال في الأرخبيل الياباني؟ ولماذا ضربت ناكازاكي بعد هيروشيما إن كان يكفي فقط إقناع اليابانيين بعواقب القنبلة؟ ولِمَ اتخذت الولايات المتحدة موقفاً متعنتاً تجاه طوكيو {........} منذ نجاح التجربة الذرية الأولى في الأموغوردو؟ ولماذا عند نهاية تموز لم تعد تقبل أي مساعدة سوفيتية؟!!".‏

إن امتلاك القنبلة الذرية شكّل الورقة الرابحة الحاسمة لصالح الولايات المتحدة، فبواسطة هذه القوة التدميرية التي عرضت للجميع استطاعت تأكيد تفوقها العسكري، كما وفرت لها أيضاً تفوقاً علمياً قادراً على أن يتحول إلى تقدم تكنولوجي حاسم مما يؤمن ايجاد سلاحاً اقتصادياً رئيسياً، لقد أدت عملية ضرب اليابان بالقنابل الذرية مهمة مضاعفة فقد فرضت على كل منافس محتمل شبح التدمير الشامل وخلقت لدى الأوروبيين فكرة التهديد والمظلة الأمريكية هي القادرة فقط على حمايتهم ففي هذا الإطار المحدد إذن فرضت الحرب الباردة نفسها.‏

الرئيس ترومان هو الذي أطلقها، لقد كان شخصاً جذاباً في بعض النواحي ولكنه كان أيضاً نتاجاً صافياً للإيديولوجية الأمريكية. كان ترومان كثير الإيمان ينتمي لعائلة كالفـانية بروتسـتانية متزمتة وقد أصبحت بعد ذلك معمدانية) تدرج أولاً في أعمال المصارف إذن دائماً المال مع الدين هما ثدي السلطة في الولايات المتحدة)واجتاز بنجاح الاختبار السياسي وأصبح في 12 نيسان 1945 الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة. وما اتفق على تسميته بنظرية ترومان ما هو إلا استئناف وتحديث نظرية مونرو وخاصة عندما يؤكد ترومان بأن "على سياستنا أن تؤيد الشعوب الحرة التي تقاوم الخنوع الذي فرضته الأقليات المسلحة أو بواسطة الضغوط الخارجية".‏

لقد قبل ترومان في مذكراته بكثير من اللباقة أو من الصراحة أن يعترف بأن الولايات المتحدة هي بحاجة للإشراف على عدد كبير من مناطق العالم فقد قال:"لكي نحافظ على التوازن في اقتصادنا ونسمح له أن يتطور أيضاً علينا أن نشجع تطور البقية أي الآخرين)". كان إيجاد المنافذ يختفي دائماً خلف مبدأ فورد الذي يدعو للسماح لأكبر عدد الدخول إلى عالم الاستهلاك من أجل دورة الآلة الاقتصادية، إلا أنه يجب علينا أن نفهم ماذا يعني تعبير "أن نشجع الباقي" لدى الرئيس الأمريكي إن هذا يعني بأن الدول الأخرى توسع السوق الأمريكي بأن يكون امتداداً لها. فإذا تبنت الدول الأخرى بنى مشابهة لبنى نظام الولايات المتحدة الليبرالي - التبادلي ستشعر بالضرورة بالحاجة إلى استيراد المنتجات الأمريكية.‏

ولكن لدى الدول الأخرى أيضاً مواد أولية، بهذا الصدد يتابع ترومان فيقول:"سيأتي وقت علينا أن نحصل فيه من خارج الولايات المتحدة على عدد من الأشياء التي نحن بحاجة إليها. علينا أن نذهب إلى لابردور وإلى ليبريا لكي نبحث على المعادن الضرورية لمنتجاتنا الفولاذية ومن الخارج يلزمنا أن نجلب النحاس الذي لدينا منه في الأريزونا وفي أوتاوا ولكننا لا يمكن أن نستغني عن نحاس تشيلي. هناك أيضاً القصدير في بوليفيا وماليزيا والمطاط في إندونيسيا وأستطيع طبعاً أن أكمل فالقائمة طويلة كما نحن بحاجة لتأمينه من باقي دول العالم". الدول المشار إليها هي بالطبع تحكمها الأقليات أو حكومات تابعة مباشرة لواشنطن حيث تتواجد الشركات الأمريكية بشكل قوي وحيث أن الرأسمال الأمريكي يشرف بطريقة ضمنية على الاقتصاد الوطني. ففي الدائرة الثانية مثلاً لم تحاول الولايات المتحدة اتخاذ أي مخاطرة لأنه ليس من الوارد أن يفقد السلطة أولئك المدعومين من الولايات المتحدة طالما أنهم يخدمون المصالح الأمريكية. ففي تشيلي خدم الرأسمال الأمريكي الشمالي الذي أثمر في مناجم النحاس والنترات منذ فجر الحرب العالمية الأولى المصالح الأمريكية وأزاح كل العقبات أمامها. في عام 1925 عمل الجيش على إقامة النظام الجمهوري المناصر للولايات المتحدة ووضع الجيش حداً لمحاولات إعادة امتلاك الثروات القومية التي قامت بها حكومات الجبهة الشعبية وبعد ذلك حكومات اليسار الوسط ما بين أعوام 1938-1952 وقام أيضاً بقتل سيلفادور الليندي في عام 1973. وفي كل مرة كانت المساعدات العسكرية الأمريكية موجودة بشكل خفي ولكن فعال. يؤكد ترومان "بأننا مضطرون عملياً أن نهتم بالشعوب الأخرى وأن نكافئهم بشكل مناسب وذلك من أجل السلع التي هي ضرورية بالنسبة لنا، للمحافظة على متابعة برنامجنا الإنتاجي" إنها الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك وليس هناك طريقة غيرها فنحن لا نستطيع أن نتطور إلا إذا تطور العالم.‏

أيَّاً كان تقييمنا لتحليل ترومان فأنه يشكل اعترافاً مهماً، فمن أجل ضمان "تعاون" الدول التي تنوي الولايات المتحدة استغلال موادها الأولية فلمصلحة هذه الأخيرة أن "تكافأ بشكل مناسب" النخبة المحلية التي هي كما في أمريكا اللاتينية لا تتشكل إلا من ممثلي البرجوازية في السلطة منذ بداية نيل هذه الدول استقلالها النسبي. إلا أن الاعتراف قد تم التعبير عنه بشكل صريح في خطاب ذو طابع رسولي الذي تبرر عن طريقه أمريكا مسبقاً ما تفعله وتحتمي به.يؤكد ترومان أن "أمتنا قد قامت بفضل رجال أمنوا بالله" وكما كان يدعي جورج واشنطن "لم يوجد أي شعب سوى شعب الولايات المتحدة اعترف وعبد اليد غير المرئية والتي تدير قضايا البشرية". من هنا تأتي فكرة أن أمريكا هي الوريثة والغاية لما حققته البشرية إلى اليوم. "يبدو لي أن جمهوريتنا تشكل مجموعة تجارب الجمهورية الرومانية والمفهوم اليوناني لحرية التعبير والمساهمة البريطانية التي قامت تحت شكل الإعلان عن الحقوق". وبما أن الولايات المتحدة هي اليوم إناء هذا الميراث عليها إذن أن تقدم للعالم مساهمتها. "وسنقدمها بالمساعدة في الكفاح من أجل السلام وبتطوير كل موارد العالم بشكل مناسب من أجل أن يملك الناس في كل مكان شيئاً أهم من التقاتل فيما بينهم".‏

هنا تظهر إذن الإيديولوجية الأمريكية دون قناع، فهي تؤكد بأننا غاية تيه القرون ونجاحاتها أيضاً، لقد سمح الله تعالى لنا أن نبني دولتنا من أجل أن نعطي للعالم وبالقوة الأعمال وكل وسيلة أخرى ونحمل له الرسالة. هذه الرسالة هي أن على العالم أن يتطور حسب معاييرنا لأنها معاير مباركة من القدرة الإلهية سنساعد عملياً في القتال من أجل السلام ولكنه سيكون السلام الأمريكي Pax Americana سنطور موارد العالم ولكن سيكون ذلك لمصلحتنا ولمصلحة النخبة التي تفكر مثلنا والتي تدعمنا. ويتابع ترومان فيقول:"يفكر الروس اليوم بحماقة بأننا إمبرياليون"، ونحن نجيب بأن "هذا هو عكس الحقيقة. إنهم هم الإمبرياليون وليس نحن، إننا لا نرغب بأي أراضي جديدة، نحن لا نريد أن نستعبد أي شعب، إننا ننوي أن نساعد كل الشعوب الأخرى لأننا عندما نساعدهم نساعد بذلك أنفسنا".‏

إن عملية أن نلصق بالآخر الأخطاء التي نتهمهم بها تبدو إذن حرباً موفقةً، فإن كان صحيحاً بأن هيمنة الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة لاحتلال أراضي هذا يعود لما أكدناه سابقاً أي بسبب البعد المرن لمفهوم الحدود التي هي أولاً ذهنية وغامضة أكثر من كونها محسوسة. فما أنجزته الولايات المتحدة في أول دائرتين يجعلها قادرة على أن تعيده في كل أنحاء المعمورة، أما فيما يتعلق بمساعدة الآخرين وكأننا نساعد أنفسنا عن طريق السماح للدول الأخرى أو على الأقل للبرجوازية المسيطرة أن تصبح غنية فهذه الدول ستدفع الثمن عاجلاً أم أجلاً. وعندما يؤكد ترومان "بأننا سنطور قوتنا ليس من أجل مهاجمتهم السوفيتيون) بل لتثبيط همتهم بالهجوم علينا وعلى العالم الحر". فهو يستخدم مفردات مناسبة - "العالم الحر"- لوصف النظام الذي أقامته الولايات المتحدة والتي تنوي أن تجني المصلحة منه وأن تسيره حسب إرادتها. وبما أن أمم "العالم الحر" اقتنعت بالدعاية - "الطمع الشيوعي الدولي" وبالخطر الذي تمثله الإمبريالية الأخرى فما كان على هذه الأمم إلا أن تمنحها نفسها، واستخدمت الحرب الباردة لترجمة هذا التهديد.‏

لنذكر بإيجاز المراحل التي أدت إلى نشوب الحرب الباردة، في 12 آذار 1947 صرح ترومان في خطاب أمام الكونجرس بأن الحكومة اليونانية التي تواجه خطر نشوب حرب أهلية تقدمت بطلب إلى الحكومة الأمريكية من أجل أن تمنحها مساعدة اقتصادية ومالية. قبل كل شيء كانت الحرب الأهلية بقيادة الشيوعيين اليونان تخدم كما قال) المشاريع السوفيتية حيث سنحت لها الفرصة كي تحاول أن تدفع ببيادقها نحو مناطق السواحل والشرق الأوسط، وتركيا بالمناسبة كانت كاليونان مهددة، هذا الواقع استدعى المسؤولية الكونية للولايات المتحدة والحكومة الأمريكية لا تستطيع أن تسمح لنفسها أَلاَّ تقوم بالدور الذي آل إليها.‏

ماذا كان عليه الوضع في اليونان وتركيا في الحقيقة بداية 1947؟ هل كان الاتحاد السوفيتي يهدد مباشرة أو بواسطة حكومة شيوعية اليونان؟ وبعبارة أخرى هل كان ترومان جاداً عندما طالب باتخاذ إجراءات سريعة من أجل مساعدة الحكومات اليونانية والتركية المحافظة لدفع الخطر الشيوعي؟‏

في اليونان كانت معظم الأوساط المثقفة ماركسية ولكن ليس أكثر مما في فرنسا أوفي إيطاليا في تلك الحقبة. إن انقسام السياسة العالمية إلى قطبين متنافرين كان وراءه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وكلا الإمبرياليتين كانتا بحاجة لكي تثبت نفسها في المكان الذي تسمح بناه أن تبرر نسبياً الخطر الكامن المتمثل بالآخر، إلا أن السوفييت بعد أن حققوا بعض الأهداف حسب رغبتهم في يوغسلافيا وألبانيا وبلغاريا ورومانيا وهنغاريا وبولونيا ووضعت ألمانيا خارج حالة الإزعاج، شعروا بأنهم في وضع تائه بشكل أو آخر أثر المنحى الذي اتخذته بعض الأحداث فقد كانوا ينتظرون إلى أن تتعاون كل حكومات المعسكر الشيوعي معهم، وفوجئوا بمشاعر القوميين والاستقلاليين لدى البعض يوغسلافيا - تشيكوسلوفاكيا) فلم يصروا على اتخاذ أي أجراء في محاولتهم لإقامة أنظمة مرتبطة بهم خارج منطقة نفوذهم. بالنسبة لليونان ولتركيا لم يظهر السوفيت أبداً أي نية بضمهم أو بالتدخل بشكل أو بأخر لقلب الوضع فيهما لصالح المتمردين الشيوعيين. وكما وصف ذلك نيقولاس ريازانوفسكي بأنه لا يجب الاعتقاد "بأن كل المبادرات التي اتخذها الاتحاد السوفيتي كانت مناورات محبوكة بحنكة وجزء من خطة ميكيافلية قررت مسبقاً".‏

كانت تركيا وخاصة اليونان تحتلان بنظر الأمريكيين موقعاً حاسماً بين الشرق والغرب. كان الخطر إذاً كبيراً إذا تم استخدامهما كحلقة وصل بين جزئي أوروبا مما يولد تقارباً قد يسهل على المدى الطويل قيام كيان أوروبي من الأطلسي إلى الأورال كما كان يتصوره الجنرال ديغول. كان الوضع يتعلق من جهة أخرى بالنسبة للولايات المتحدة بأن تحتاط من أي عبور للاتحاد السوفيتي عبر اليونان وتركيا إلى الشرق الأوسط. هنا يبرز سؤال آخر: لماذا كانت الولايات المتحدة تتمسك بقوة بالدفاع عن تفوقها في هذه المنطقة ؟‏

عندما أدان الأمريكيون الإمبريالية السوفيتية في العالم وخاصة في الشرق الأوسط بمساعدة أصدقائهم - نذكر هنا بخطاب فولتون عندما حذر بصخب تشرشل في آذار 1946 من الخطر الذي يمثله التوسع الشيوعي على الأنظمة الديموقراطية - برر الأمريكيون مسبقاً كل مناوراتهم وتدخلاتهم والتدخلات المستقبلية ذلك لأن الشرق الأوسط بالنسبة لهم يغطي الرهان الأساسي المتعلق بالبترول. فقد ضاعفت العربية السعودية والكويت والإمارات المتحدة إنتاجها من البترول فتجاوز المئة ضعف. وهذا البترول رخيص فأصبحت الولايات المتحدة منذ عام 1948 دولة مستوردة أكثر من كونها مصدرة لهذا السائل النفيس. وانغرست شركاتها النفطية في كل أنحاء الشرق الأوسط وشكلت رؤوس أموالها موارد للمداخيل المرتفعة. أوروبا هي بحاجة لهذا البترول لأن 25% من حاجاتها يتم تغطيته من الشرق الأوسط. وعن طريق سيطرتها على منابع التموين النفطية أمسكت ستندر أويل Standard Oil وسكوني Socony بمقبض السكين بقوة. حول هذا يقول أندريه كاسبي:"بدون شك استفادت الشركات الكبرى من دعم وزارة الخارجية الأمريكية ويمكننا أن نورد عدة تصريحات تؤكد على دعم الدبلوماسية الأمريكية للتوسع المالي". إن التفكير بأن الاتحاد السوفيتي قد يجني القليل من سلة النفط ومن الميزات الاستراتيجية المرتبطة به كان يكفي لاستنفار كل الطاقة الحيوية لدى وزارة الخارجية الأمريكية. كتب مساعد وزير الخارجية يقول:"على الولايات المتحدة أن تضمن قيادة العالم وبسرعة" لأنه من الضروري المحافظة على السيطرة الأمريكية على اليونان وتركيا ومن خلالهما على منطقة الشرق الأوسط وبتروله.‏

كما نعلم استمرت الحرب الباردة حتى بداية التسعينات، فأتاحت للسوفيتي وللأمريكيين كثيراً من التجاوزات والصدمات المؤسفة والخيانات. وعن طريق استخدام التهديد السوفيتي والشيوعي كحجة مرعبة وافقت الدول الأوروبية ما عدا فرنسا الديغولية) على كل مخططات الحكومة الأمريكية وعلى توقيع كل الاتفاقات التي عرضت عليهم والتي حاكت بيت العنكبوت السياسي والاقتصادي والنقدي والاستراتيجي والدبلوماسي شيئاً فشيئاً فأوقعت واشنطن وبشكل هادئ "العالم الحر الأوروبي" بشركها.‏

الانتشار العنكبوتي:‏

عند نهاية الأربعينات قام عدد من المؤسسات المتعددة الجنسية بموافقة النخب الوطنية في أوروبا والعالم وشكلت شبكة من النسيج العنكبوتي المهيمن والتي أمسكت الولايات المتحدة بخيوطه، هذه المؤسسات هي: النظام النقدي الدولي بمنظماته الاثنتين: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي 1944)، والأمم المتحدة، والغات GATT، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE‏

1948)، والحلف الأطلسي NATOناتو) عام 1949 والجميع تحت سيطرة واشنطن.‏

ولكي نفهم كيف تعمل الآلية الاستبدادية الأمريكية من الأنسب أن نتفحص خطوة خطوة وباختصار كل من هذه المؤسسات والطريقة المستخدمة لأسر الدول الأعضاء أو بعض الدول المجبرة على اللجوء إليها. سنرى كيف كانت تترك للولايات المتحدة الملعب حراً لكي تطلق كل عملية عسكرية تراها من مصلحتها أن تقوم. هذا ما حصل في كوريا وفيتنام وأخيراً - القائمة تطول - في حرب الخليج والصومال ويوغسلافيا.‏

نظام النقد الدولي:‏

منذ الولاية الرئاسية لجورج واشنطن كان الأمريكيون قد فهموا بأن بديهيات الليبرالية الكلاسيكية سميث، ريكاردو) التي تنادي بالتبادل الحر دون أي حدود كانت بطبيعتها تسهّل تحقيق أهدافهم التوسعية. عندما نصح واشنطن في خطابه لحلفائه بأن يمتنعوا عن التحالف السياسي مع أي كان وأن يعطوا الأفضلية لتطوير علاقاتهم الاقتصادية مع باقي العالم كان آنذاك يعلن عن أحد المبادئ الأساسية لديه وربما شكلت في حينها نواة الإمبريالية الأمريكية.‏

منذ ذلك الوقت ما أنفكت الولايات المتحدة عن عقد الاتفاقات لصالحها في كل مكان فارضة على شركائها أن يحترموا بنودها ولكنها أعفت نفسها من ذلك في كل مرة كانت مصالحها تملي ذلك. لقد أجبرت الأوروبيين على تبني مفهوم منفتح من أجل التبادلات الاقتصادية ودفعوهم لرفع الحواجز الجمركية أما هي وضعت فقط بالمقابل تشريعات للحماية الاقتصادية مبالغ بها بهدف واحد وهو استيعاب الواردات وتطوير صادراتها واستثماراتها. وباعتبار أنها تعلمت بشكل جيد من درس "ميلون" الذي كان يرى أن المستفيد الوحيد الحقيقي من نظام التبادل الحر هو البلد الذي يصدر أكثر ويستورد أقل لذلك لم تتوقف يوماً عن توسيع مدى نشاطها التجاري وعن الاستئثار التكنولوجي الخارجي وعن جني ثمار الاكتشافات التكنولوجية وعن نشر استغلالها وعن عمليات إشباع الأسواق فقادت شيئاً فشيئاً الاقتصاد العالمي إلى سباق جهنمي الذي كان يجذب الربح بشكل دائم نحوها بحركته الحلزونية(1) . في أقل من شهر جعلت الولايات المتحدة من النظام النقدي العالمي بفضل الدولار والمؤسسات التي أوجدتها الحرب العالمية الثانية سلاحاً يمتلك فعالية لم تكن معروفة من قبل.‏

كانت التجارة الدولية تجري بواسطة تبادل السندات بين المشاريع والباعة عن طريق المصارف خلال القرن العشرين، فتطورت المبادلات النقدية المستقلة التي كانت تسمح للمصارف بالمضاربة بفوارق سوق الصرف. وشيئاً فشيئاً تخلى النظام ثنائي المعادن الثمينة - الذهب والفضة- الذي قام عام 1792 عن مكانه إلى نظام المعدن الثمين الواحد الذهب) وكان الذهب يؤمن عام 1913ما نسبته 71% من سوق التبادل النقدي وبتحريض من الولايات المتحدة أصبح الذهب معياراً عام 1900 وأرتبط بالدولار. وكما رأينا دفعت الحرب العالمية الأولى 1914-1918) هذا البلد إلى الواجهة الاقتصادية العالمية وأتاحت لها الإمكانية لفرض الشروط الموجودة في المعاهدات غداة انتهاء الصراع، هذه الشروط كانت مسؤولة بشكل كبير عن التوتر الذي قاد إلى الحرب العالمية الثانية. حول هذا يؤكد أوتو ده هبسبورغ بأن "الخطة المتعددة النقاط للرئيس ويلسون التي وعدت بالحكم الذاتي للقوميات كانت نموذجاً للتناقضات، لأنه في الحقيقة من دون أخذ رأي الشعوب عملنا على خلق دولتين مصطنعتين من جهة تشكوسلوفاكيا ومن جهة أخرى في يوغسلافيا أو ما كان يدعى آنذاك بمملكة الصرب والكروات والسلوفان". طلقة الرحمة وجهتها أوروبا إلى نفسها بالحرب العالمية الثانية متيحة للولايات المتحدة أن تفرض في مؤتمر بريتون وودز نظام نقدي عالمي جعل منها سيدة اللعبة الاقتصادية والمالية والدولية.ولاستخراج الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة من قبل الولايات المتحدة جهزت هذه الأخيرة النظام الجديد بمؤسستين ذات رهبة خاصة.‏

صندوق النقد الدولي:‏

إضافة إلى كونه مدعو إلى تأمين التضامن الدولي في مجال النقد والانصياع أيضاً للنظام المشترك فمهمة صندوق النقد الدولي الأساسية هي ضمان "آلية تحويل النقد واستقرار أسعار الصرف وتوزيع المساعدات بالعملة النقدية" إلى مختلف الدول الأعضاء.‏

هيكلية الصندوق بحد ذاتها هي مفسدة لأنها تقيم الهيمنة الأمريكية بشكل لا عودة عنها. تضم المنظمة حالياً 140 عضواً وكل دولة تدفع حسب حصص معينة مبلغاً يتناسب مع حصتها في التجارة الدولية. الولايات المتحدة التي تمتلك 23% من الأصوات تتمتع بحق الفيتو وبالأكثرية، مما يؤمن لها عدم التصويت إلا على ما تريد قبوله، هذا يعني أنه لا يستطيع أي مشروع أن يصل إلى مبتغاه إن لم يخدم بشكل أو آخر أهدافها السياسية والاقتصادية. ومع ارتفاع الحاجة إلى السيولة النقدية ارتفعت الحصص المتوجب تسديدها للصندوق بشكل منتظم إلا أن المساعدات النقدية لم توزع إلا إذا استجابت الدول الطالبة إلى برنامج إصلاحات ليبرالية صارمة مهما تكن نتائجها الاجتماعية. ولإيجاد حل وسط بين المفهومين : الفرنسي الذي كان يطلب أداة جديدة للدين، والأمريكي الذي كان إلى جانب عملة حقيقية، أي عملة الولايات المتحدة، تم إنشاء عام 1969 ما يسمى بحقوق السحب الخاص D.T.S. والذي يمتاز بتعريف مبهم حيث ظهرت فيه مرة أخرى مغالاة الأمريكيين. فهو يغطي حق اكتساب وسيلة الدفع أي إمكانية تبادل حقوق السحب الخاصة مقابل العملات الصعبة التي يمكنها بعد ذلك أن تكون وسيلة للدفع. بالأساس الدولة الطالبة عليها أن تحتفظ بالشكل الأساسي بأقل من ثلث الحقوق التي حصلت عليها.‏

وباعتبار أن الولايات المتحدة كان همها الحفاظ على الإشراف على ما هو أساسي في حقوق السحب الخاصة فقد عملت في البداية على تثبيت قيمة الحقوق بالنسبة للذهب حيث تملك الاحتياطي الأول في العالم) وبعد ذلك عام 1971 بالنسبة للدولار. في عام 1974 حددت قيمة الحقوق إنطلاقاً من سلة النقود حيث يحافظ الدولار فيها على مكانة مرموقة: 42.3% مقابل 28.4% للمارك الألماني و13.3% للين الياباني على التوالي و13.3 للجنيه البريطاني و12.7% للفرنك الفرنسي. وتعاظم الدولار الآلي إلى حقوق السحب الخاصة عام 1978 حيث أنها أصبحت قابلة للاستعمال بشكل مباشر من قبل البنوك المركزية كوسيلة دفع. وبقي الدولار رغم كل شيء الأداة الأكثر استعمالاً أكثر بست مرات). فيما بعد تم تقديم اقتراح بخلق حساب استعاضي يسمح بزيادة أهمية حقوق السحب الخاصة D.T.S. على حساب الدولار إلا أن الولايات المتحدة رفضته بعنف.‏

البنك الدولي:‏

في الأصل كان يعرف باسم البنك العالمي لإعادة الاعمار والنمو B.I.R.D) وقد أنشئ هو الآخر بواسطة اتفاقات بريتون وودز، السبب الأول في إنشاء البنك الدولي هو المساعدة على إعادة بناء الدول الأعضاء وتشجيع نموها الاقتصادي. يندرج نشاطه إذاً في أفق أبعد مدى من نشاط صندوق النقد الدولي. إلا أن دوره في الواقع هو ذات الدور أي العمل بصبر ولكن بتصميم على ضمان الانتقال من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد العالمي لسوق التبادل الحر الواقع تحت هيمنة واشنطن. وكما الحال بالنسبة لصندوق النقد الدولي فالرأسمال الذي تسدده الدول الأعضاء يتناسب مع الوزن الاقتصادي وعدد الأصوات الذي تتمتع به، إذاً الولايات المتحدة تمسك منطقياً بالأغلبية، أما القروض فكانت تعطى حسب المردودية المالية للمشاريع تحت سلطة التمويل وكذلك ضمن نظامها الاقتصادي الصارم. ومن أجل جعل عمل البنك الدولي أكثر مرونة ثم إنشاء الجمعية الدولية للتنمية والشركة المالية الدولية عام 1960. هذه التسميات كانت تخفي وراءها ضبابية كثيفة الغموض من المقرضين الذين كانوا يصنعون القوانين في الدول التي تقدم لها الأموال في منأى من كل إشراف ديموقراطي.‏

وعمل كل من صندوق النقد الدولي F.M.I والبنك الدولي B.M على الصعيد الاقتصادي على وضع الأساس الأيديولوجي الثنائي القطب الذي يخفي وراءه الفلسفة السياسية الأمريكية. فمهمة الولايات المتحدة هي بسط الديمقراطية الليبرالية في أرجاء المعمورة، وأن تتربع على رأسها، لذا كان يتوجب على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إخضاع الأمم للنموذج الاقتصادي والسياسي الأمريكي. فالمقومتان الأساسيتان اللتان شكلتا الأيديولوجية الأمريكية أي الدين والاقتصاد وجدتا في أرثوذكسية هاتين المؤسستين. إن المدينة الفاضلة تحت لواء الولايات المتحدة سوف تكون التطبيق المادي للوصول إلى السيطرة على كل الكون لبرجوازية التجارة العالمية ذات الميل الليبرالي والتي وضعت مصيرها في يد الجمهورية الأمريكية وفي الوقت ذاته هذه المدينة ستكون الدليل المادي على اكتمال الإرادة الإلهية التي أوكلت لهذه الجمهورية وعن طريق إزالة الآخرين مهمة إقامة الدولة الوحيدة الناتجة عن ترتيب إرادة الله.‏

العقيدة الذرائعية "الدوغماتية" والأرثوذكسية:‏

يظهر المفهوم الأيديولوجي لعمل صندوق النقد الدولي F.M.I والبنك الدولي B.M ونظام النقد العالمي برمته عبر ذرائعية الأنظمة العقائدية الليبرالية التي يستوحى منها عمله، والذي يترجم بشكل خارج كل الشروط بتحويل المبررات الكاملة إلى سلسلة من التأكيدات الأحادية المعنى دون برهان وبشكل مطلق وقابلة للتطبيق الدولي أما غايته فتكمن في شكل من التبادل الحر بوصفه نظام لا يمكن الالتفاف عليه. فإن الشروط الضرورية لإنجاز الآثار المرتقبة من قبل نظرية التبادل الدولي لا يمكن أن نجدها في الواقع ولكنها تعود أكثر إلى الواقع التجريبي في المختبر أكثر من كونها موجودة في تطبيقات محسوسة. هذه الظاهرة إذاً هي مجهولة. أبداً لم يتم إنجاز الواقع حيث كان من المفروض أن يسير كل شيء في التجارة الدولية دون عقبات، بل إن هذا الواقع لم يدخل حيز الممكن لأنه وإن كان صحيحاً أن الدول الأوروبية تحاول أن تخضع لمتطلبات المعاهدات التجارية إلا أن دولاً كاليابان وكوريا أو الولايات المتحدة مثلاً تستمر بممارسة سياسة وقائية خفيَّة بشكل أو آخر وتطالب الآخرين بالشفافية. إن ذرائعية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تظهران جلياً في نموذجين من التصرف يكشف عنهما بشكل فاضح الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد موريس ألّيه Maurice Allais.‏

أولاً يبدو هذا في عدم واقعية النماذج المقترحة كقواعد لكل أنظمة الاقتصاد الوطنية إذ تشكل المصورات والمعادلات الرياضية المفترض أن تضمن المتانة العلمية للطرح في الحقيقة متانة وهمية التي لا يمكننا عند مناقشتها إلا أن نستنتج عدم جدارتها. وتظهر الذرائعية ثانياً في تناقضات المنهج وعرضه وتلغي الاستنتاجات والنتائج التي أعدت بواسطة التحليلات المختلفة غالباً نفسها أو تتناقض. إن إرادة تعميم النموذج الليبرالي على العالم كله يقود إلى شكل من أشكال الاختصار والتبسيط والى قبول إرشادات قائمة على استنتاجات نظرية صرفه أو مصطنعة. وكما يشير برنار ماريس فإن اللغة التي تستخدمها هاتان المؤسستان الكبيرتان تنتمي إلى لغة مبهمة والى لغة ذات رنين علمي هدفه الحصول على الاعتراف بمراسيمهم وإعطائها السلطة التي تعطى تقليدياً إلى اللغة التكنولوجية العلمية. فالوسيلة الأيديولوجية التي عالجت هذه المسائل لم تكن مختلفة في العمق عن الأسلوب الذي يميز الماركسية بالنتيجة. فالمطلق الذي هو الخطة والذي يجب أن تكون كل المتوقعات متطابقة معها له أثره في السوق الذي هو المنقذ الإلهي لكل نظام ليبرالي والذي يجب أن يخضع لمتطلباته الجميع. هذا الخضوع لقوانين السوق قادر على جعل جهاز المؤسستين والمتعاونين معها بطرح الفرضيات المرعبة. لهذا كان البنك الدولي في تقريره عام 1991 قدمه لورانس سومرز الاقتصادي الأمريكي الذي اصبح فيما بعد عضواً في إدارة الرئيس كلينتون وهو خريج هارفرد قد تمنى تغير أمكنة المصانع التي تسبب التلوث من الشمال باتجاه بلاد الجنوب ذات التلوث الأقل بسبب مساحة أراضيها وقلة كثافة سكانها. من بين مبررات سومرز أن السرطانات التي يسببها التلوث نتيجة المخلفات السامة الصناعية لن يكون لها إلا تأثيرٌ خفيفٌ لأن الأمل في الحياة لسكان العالم الثالث هو أقصر من المعدل الموجود في بلدنا.‏

لن يكون باستطاعتنا فهم ليبرالية التبادل الحر دون التعامل معه كظاهرة إيمانية صافية غير قابلة للنقاش من قبل أنصاره النتيجة التي يعطيها لأنه مثلاً حسب بيتر مرتان رئيس تحرير الطبعة الدولية للفاينانشال تايمز ينتج رابحين أكثر من الخاسرين. لذا يعمل على نمو اللامساواة في كل مكان وحسب تقرير صدر مؤخراً عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية فإن عدد الدول الفقيرة في تزايد. وفيما يخص الأجراء الذين لا تتوقف أجورهم عن الانخفاض رغم أنهم يعملون أكثر فأكثر فقد اخترع علماء الاجتماع لهم تسمية "العاملين الفقراء". في مقال آخر تحت عنوان الليبرالية تشجع الديمقراطية تبرهن التجربة العكس وبأن المسافة بين المراكز الحقيقة للقرار على المستوى الدولي الاجتماعات التحضيرية للدول السبع الكبرى ولمنظمة التجارة الدولية ولقاءات دايفوس والبنوك المركزية والمجموعات المالية والصناعية الكبرى الوطنية والمتعددة الجنسيات والممولين من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ...إلخ)وأولئك الذين تطالهم هذه القرارات الخفية لم تكن أبداً بهذا الاتساع إلى درجة لم يعد أمام المنتخبين والحكومات إلا مهمة الموافقة على القرارات المتخذة في مكان آخر بعيداً عن المجالس السياسية. أما الأداة الذرائعية الثالثة فهي انعدام القواعد والحواجز والمخاوف السياسية والاجتماعية لصالح التبادل. وحدها هي الدول التي تخلصت من تلك العقبات تستطيع أن تزدهر بشكل حقيقي. في الواقع لم تستطع كوريا الجنوبية وتايوان والصين وسنغافورة بناء قوتها الاقتصادية إلا بفضل نظام حماية لم تتأخر الولايات المتحدة واليابان، أيضاً من الاعتماد عليه.‏

وبالاعتماد على قانون كهذا يهدف التأثير المعمق لصندوق النقد الدولي وللبنك الدولي إلى بسط وفرض نموذجه الاقتصادي الوحيد الذي تستخدمه الولايات المتحدة على كل العالم بذكاء. وكما يذكر "آلان كوته" فإن تفكك الاتحاد السوفيتي ودخول الصين بإرادتها في السوق الدولية سمحتا لهذا النموذج أن يصبح نموذجاً لا يمكن التراجع عنه فعلياً. وعلى المدى البعيد الهدف هو إذاً توحيد العالم وتخليصه من كل أثار للثقافة الأصلية المستندة على التاريخ وكذلك العمل على توحيد الأذواق والتقاليد واللباس والمواقف الفكرية وإبدالها بالتصرفات ذات الشكل الأمريكي.‏

لقد بدأ فعلاً العمل على تفتيت الكيانات القومية وكان دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أساسياً في تكيف العالم الثالث من خلال هدفه بسوقها نحو اقتصاد السوق وبحشرها في قالب التقسيم الدولي للعمل. ولم يثن هاتين المؤسستين عن قناعتهما الفشل المتكرر لسياستها والفساد والعجز الذي ميز نشاطهما الشيء نفسه لدى تنوُّع التنمية التي تتبع لهما والتي تجاوزتها بحجم أعمالها، وإذا كانت المساعدة المالية للقطاع العام محسوبة وخاضعة للتطبيق من قبل المستفيدين بأسلوب صارم فإن المساعدة للقطاع الخاص أخذت تحظى بالأفضلية خلال السنوات المتتابعة. فالربح الذي يشكل المقياس القطعي لكل اقتصاد ليبرالي زال أثره بشكل جلي تاركاً في الظل الهدف الرسمي وهو مساعدة الدول الطالبة لتحسين ظروف حياة أبناء شعبها. لقد بلغت الأرباح المحسومة من قبل الممولين حوالي 150مليار دولار بين 1983-1990 جمعت من دول الجنوب باتجاه الشمال وأضمحل في الوقت ذاته استقلال الجنوب.‏

آلية السلب، المجرّبة:‏

تتطابق الأساليب المستخدمة بواسطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بخطوطها العريضة مع الصورة التالية: عندما تعمل دولة في طور النمو لسبب أو آخر على مساعدة من المؤسسات الدولية وتجد نفسها مضطرة لمساعدة مالية يتم إرسال خبراء لها يمثلون المصالح الضبابية للممولين الذين ينحصر همهم الأساسي بجعل التعاون المستقبلي مطابقاً للصرامة الأيديولوجية. ورغم أن المشاريع المعدة تختلف بتفاصيلها حسب بعض العوائق الخاصة إلا أنها تقدم هيكلية عامة مطابقة لشرط القبول. عندها تقوم "مخططات القهر" بفرض عدد من المراحل الضرورية قبل منح القرض:‏

1-تحرير الأسعار.‏

2- تخفيض العملة الوطنية.‏

3- تجميد بل تخفيض الرواتب.‏

4- قطع في المصروفات العامة من أجل تخفيض العجز الخارجي.‏

5- خصخصة الشركات العامة الكبرى مصارف - شركات النقل - المؤسسات الصناعية).‏

6- فتح الحدود أمام المنافسة الدولية. ‏

7- التخصص في عدد محدود في الإنتاج المعد للتصدير.‏

لهذه المتطلبات نتائج مشابهة في كل مكان، فتحرير الأسعار يؤدي لصعودها جاعلة السلع الأكثر ضرورة صعبة المنال أمام جزء كبير من عامة الشعب وتسمح بإثراء أقلية منه. أما تخفيض العملة بهدف ضرب الصادرات تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة التي غالباً ما تكون ضرورية لحياة البلاد بتأثير بسيط على الصادرات لأن معدلها بالنسبة للمجموع العام يبقى متواضعاً. تجميد أو تخفيض الرواتب يزيد في الإفلاس الناتج عن تحرير الأسعار ويؤدي إلى ارتفاع البؤس وتهميش الطبقات الاجتماعية الدنيا المنهكة أساساً والضعيفة بسبب عدم كفاءتها أو بسبب فساد عدد من الحكومات المحلية.‏

أما النتائج الأكثر كارثية - نحو تنظيم اجتماعي ثنائي القطب- فهي تأتي من تخفيض الموازنة العامة. إذ تقوم الطبقات الميسورة بتعويض العجز المتنامي للنظام تعليم،صحة،سكن) عن طريق توجهها إلى القطاع الخاص: مدارس ومستشفيات مجهزة بشكل جيد، قصور فاخرة، مخازن ضخمة. معظم فئات الشعب ترى نفسها مجبورة على التأقلم مع ما يقدم لها من مؤسسات عاجزة: أبنية مدرسية تالفة وغير صحية وخدمة طبية سيئة في المستشفيات التي ينقصها كل شيء. كما تصبح مراكز المدن خاوية في حين تكثر الملاجئ البالية بجانب الأماكن العمرانية على هامش التجمعات السكنية.‏

أما خصخصة شركات القطاع العام الكبرى فإنها تجرد الدول من وسائل السياسة الاقتصادية الحقيقية، يحرم تخصيص البنوك الحكومات من السيطرة على سياستها النقدية. إذاً يحرمها من جزء مهم من سلطة القرار السياسي(2) . ويؤمن امتصاص الساحة الصناعية من قبل القطاع الخاص انصياع أرباب العمل وخضوع الحكومات لمصالح الرأسمالية العالمية. أما بالنسبة لخصخصة الشركات الكبرى لإنتاج المواد الأولية معادن، بترول، منتجات زراعية) فهي تعمل على سقوط المجموعة الكاملة للثروة القومية في جعبة المجموعات الأجنبية حيث المجموعات الأمريكية هي المسيطرة(3) . وتسهل إزالة الحدود أمام دخول البضائع تدفق المنتجات اليدوية الكاسدة في الأسواق الأمريكية(4) الداخلية واليابانية والأوروبية إلى الأسواق المحلية حيث لا يمكن لعدد كبير من الناس الحصول عليها. في هذه الأثناء شجعت الإجراءات المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بروز فئة من حديثي النعمة تسهل تصريفاً مقبولاً للمنتجات المستوردة.‏

تؤدي الخصخصة في الاقتصاد المحلي في إطار التقسيم العالمي للعمل إلى وجود تأثيرات فاسدة منها سلب الفلاحين المحليين لصالح المجموعات المُستَغلَّة التي هي بين أيدي الشركات المتعددة الجنسيات الأجنبية ودخول هذه المنتجات المتخصصة في نظام دولي تحت إشراف تمويل دول الشمال التي تجعل منه تابعاً بشكل كامل للقرارات الخارجية دون أي سلطة عليها من الحكومات الوطنية، ومن بين هذه التأثيرات أيضاً ترك الزراعات الغذائية(5) .‏

هذا يحملنا على الاستنتاج بأننا أمام سلب أراضي الدول التي وقعت تحت رحمة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبأن ذلك في الوقت نفسه هو انقضاض على القواعد الأيديولوجية ضد كيان الدولة. وزاد عدد هذه المجموعات خلال أقل من عشرين عاماً من 11 ألف مجموعة تشرف على 82 ألف شركة في الخارج عام 1975 إلى 37500 مجموعة تشرف على 207 آلاف شركة في عام 1992. هذه المجموعات تمثل حوالي نصف الأملاك المنتجة في العالم. أما توزعها على المعمورة فقد كان بناء: 80% مركزها الرئيسي كان في دول "الثالوث" الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي اليابان والمنطقة الآسيوية) 50% في الولايات المتحدة وبنسبة أقل في اليابان أو في إنكلترا أو في فرنسا. واحد بالمئة من هذه المجموعات تمتلك 50% من الممتلكات و50% منها تمثل في الخارج النفط والسيارات والكيمياء والمنتجات الصيدلانية.‏

المكسب الأيديولوجي للولايات المتحدة معبر، ففي حين رأى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في عام 1976 الدول النامية تدين التبادل الحر وتطالب بنظام الحماية، قام الاجتماع التاسع الذي عقد في جوهنسبرغ في حزيران 1996 بتقديم منبر لها حيث عمدت إلى قدح العولمة وانفتاح الأسواق وتحويل الرساميل الخاصة والمتعددة الجنسية. وينظر لهذه الأخيرة اليوم على أنها منبع متميز للأرباح لصالح العالم الثالث، وبين الليبراليتين العالميتين تخلت الليبرالية الأوروبية "الاقتصاد الاجتماعي للسوق" لصالح الليبرالية الأمريكية ومن قبل الأوروبيين أنفسهم وأعطت الليبرالية الأمريكية الأفضلية للاختلال الاقتصادي ولحرية التبادل الكاملة وللخصخصة ولإلغاء القطاع العام ولمرونة سوق العمل. ويبحث المجلس الأوروبي للإسراع بالأمركة رافعاً شعار الأفضلية لانفتاح السوق الأوروبية أولاً أمام الاتصالات والكهرباء.‏

يتفق الخبراء على الاعتقاد بأنه إذا بذلت المنظمة العالمية للتجارة جهداً لإعادة الانسجام إلى الاقتصاد العالمي فإن الدور الرائد الذي تلعبه الولايات المتحدة يحتوي على مخاطر متوقعة فقط لأنه يعود لها القدرة على شل أو إطلاق الآلية الكاملة لهذه المنظمة. إن محاولة الولايات المتحدة بتصدير تشريعاتها قوانين هلمز بروتون وأماتو) لها طبيعة تدفع للقلق. فالتأثيرات الأساسية لخطط القهر لصندوق النقد الدولي التي تندرج في التوسع في أرجاء المعمورة هي للأيديولوجية الليبرالية على الطريقة الأمريكية. إن الحرب الليبرالية ضد الدولة تقود إلى نزع أسس الدولة وجعلها غير قادرة على فرض إرادتها السياسية الخاصة والمتعلقة بالمصلحة العامة. وهكذا تجعل دورها مشابهاً للشرطي المسؤول عن حفظ النظام في كل الدول إلا في حالة أمريكا اللاتينية هي الأكثر ذهولاً.‏

1 التجسس الصناعي والحصول على الإجازات الأجنبية كانا وسيلتي تفوق أمريكا.‏

(2) في أوروبا إن استقلال البنوك المركزية المقرر في معاهدة ماسترخت ومن ثم المرحلة الحاسمة في عام‏

2002 - العملة الموحدة- سوف تضع حداً نهائياً لوجود دول القوميات بتذويب الهويات الوطنية في البوتقة الأمريكية الشكل.‏

(3) أصبحت الولايات المتحدة سيدة الموقف في معظم قطاعات الإنتاج في مجالات مختلفة بهذه الطريقة كالموز والزيوت والذرة والقطن ...إلخ ونذكر هنا أن الاتفاق الأخير للغات GATT ذهب حد إعطائها ملكية البذور والحبوب التي كانت إلى هذا الحين ملكاً للفلاحين المحليين الذين ينتجونها وينجحون بتوفير قسم منها من عام إلى آخر.‏

(4) حيث تتمتع المنتجات بمجموعة من المساعدات الخفية من أجل التصدير.‏

(5) مما يجبر الحكومات على الاستيراد بأسعار منخفضة المواد التموينية التي يحتاجها الشعب والذي توقف عن إنتاجها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244