أمريكا المستبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم "العولمة" - Michel Bugnon-Mordant -ترجمة:د.حامد فرزات

ترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مخططات التسوية والاخضاع وأمريكا اللاتينية:

تعد أمريكا الوسطى من بين مناطق العالم التي كانت الأكثر معاناة من قرارات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فلقد عاشت غواتيمالا في حرب أهلية مُقَّنعة رغم المفاوضات الجارية بين الحكومة والاتحاد الثوري الوطني الغواتيمالي، تعطلت هذه المفاوضات بسبب موقف الملاكين الكبار للأراضي Les terratenientes الذين كان من مصلحتهم المحافظة على حالة الفوضى. أعطى انتخاب الفارو أرزو في 9 كانون الثاني 1996 إلى سدة الرئاسة بصيصاً من الأمل للطبقات الشعبية التي أغرقتها الإجراءات الليبرالية المتطرفة في أعماق البؤس والخوف، عاد أقل من 40% من أولئك الذين كانوا في المنفى المكسيكي خلال الثمانينات إلى بلاد نازفة محطمة دون هيكلية. وأبقت الحكومة التي سيطر عليها أرباب العمل على الفوضى المقصودة بواسطة حكم الأقلية التي لا تدفع عملياً أي ضريبة في حين أن 80% من السكان يكسبون راتباً لا يكفي لشراء الضروريات الأولية.‏

في نيكاراغوا وبالرغم من السلام الداخلي الهش كان النمو الاقتصادي سلبياً. الخصخصة الإجبارية للمصارف إضافة لتراجع الدولية شجعت البطالة والعنف الذي كان يثار من قبل المنبوذين. وقد زادت مساوئ مخططات القهر لصندوق النقد الدولي في عام 1994 عند الحصول على قرض جديد الذي أكد خضوع البلد للقواعد الليبرالية وللمولين الأجانب. فتم بذلك تدعيم الفساد لأن جزءاً كبيراً من الأموال كان يختفي في جيوب البرجوازية. تراجعت استثمارات نيكاراغوا البلد الصناعي الهامشي من 22% عام 1984 إلى أقل من 14% عام 1992. وبصفته بلد زراعي بشكل أساسي يرتكز خاصة على زراعة التبغ التي تمثل 50% من الصادرات في حين أن السوق الدولية التي يقع تحت سيطرة الأمريكيين الشماليين لم يكن متحمساً كثيراً للتبغ فانخفضت أسعاره، فكان ثمن القنطار 100كغ) 143 دولار في أول الثمانينيات فأصبح ثمنه 60 دولار تقريباً عام 1993. وقد وافقت البنوك على تقديم قروض بفوائد باهظة مما أدى إلى خنق المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي سبق لها أن عوملت بشكل سيئ من الليبرالية المتوحشة.‏

في الجزء الجنوبي من أمريكا اللاتينية تبدو حالة كولومبيا الأكثر تمثيلاً للنظام الذي أقامته الولايات المتحدة والمؤسسات المالية فيما بعد. يقول البروفيسور الأمريكي نعوم شومسكي إن إدارة الرئيس الأمريكي أعطت عام 1962 لجيوش بلاد الجزء الأسفل من القارة دوراً جديداً. فلم يعد الأمر يتعلق بالنسبة لها بتأمين دفاعها الوطني ضد العدو الخارجي بل أصبح الموضوع يتعلق بالأمن الداخلي. وقد اعترف شارل كيشلنغ المسؤول الأسبق عن برنامج الحرب ضد العصابات أيام رئاسة كيندي وجونسون بأنه لم يعد يكفي منذ ذلك الحين تحمُّل "جشع ووحشية العسكريين في أمريكا اللاتينية" ولكن انتقلنا معهم إلى "شراكه مباشرة". إن الأساليب التي استخدمها العسكريون المدربون من قبل الأمريكيين لم تقل شراسة عن "أساليب فرق التصفية لهنريش هتلر". هذه المقارنة ليست بسبيل المصادفة لأن الولايات المتحدة استقبلت حينها القادة السابقين للنازية الذين ساعدوا في إعداد كراسات التدريب. وقد دأب معاونون في البيت الأبيض أمثال روبرت مكنمارا على تطبيق الأساليب المقترحة من أجل أبعاد "كل من يمكنه أن يهدد الأمن الداخلي" لدول أمريكا اللاتينية. في عام 1981 أعد الاقتصادي إدوارد هرمن من معهد وارطن جامعة بنسلفانيا) دراسة تحدثت عن علاقة سببية بين الطَّغمة العسكرية وإيجاد "مناخ مناسب للأعمال" يتجلى أوتوماتيكياً بتصاعد القمع والتعذيب والاغتيالات وإرهاب الدولة وانتهاك حقوق الإنسان بأسوأ أشكاله الفاضحة. كولومبيا الحالية هي النتيجة المباشرة لهذا النظام، وباعتبارها موطناً لمنظمات مافيا المخدرات بالتواطؤ النشط مع الصناعة الكيميائية الأمريكية ومع البرجوازية المحلية المصارف والمصانع التي تجنى منها أرباح ضخمة) ومع العنف والعصابات فهي اليوم من بين الدول حيث حقوق الإنسان الأكثر انعداماً.‏

إلا أنه جرت العادة بشكل عام أن يُذكر هذان البلدان كنموذجين لتطبيق العقيدة الليبرالية المتطرفة، فمن الجدير إذن أن تستحوذا الانتباه بشكل خاص.‏

في بلد مثل البيرو Pérou العوز الاجتماعي كبير جداً. الرئيس فوجيموري Fujimori الذي انتخب في 28 تموز 1990 تحت شعارات "العمل، التكنولوجيا، الشرف" جذب التعاطف الشعبي وخاصة تعاطف الهنود نتيجة صدى المبادئ التي أعلن عنها "لا تسرق، لا تتقاعس عن العمل، ولا تكذب". طبق فوجيموري بإيعاز من صندوق النقد الدولي خطة ليبرالية متطرفة كانت الأقسى على وجه الأرض وعرفت باسم "صدمة فوجي" Fuji chock، لقد عرف عنه بأنه متسلط وكتوم وعنيد ومبالغ في الذرائعية، مستشاره هو فلاديميرو مونتسينتوس عميل بارز لـ C.I.A وكالة المخابرات المركزية)وضمانة واشنطن ويبدو أيضاً أنه متورط مع مافيا الكوكائين. إن الدعم الجماهيري الذي تمتع به فوجيموري أثناء انتخابه الأول استمر معه لبعض الوقت، رغم انقلابه الشخصي وضربته للمؤسسات عام 1992. وأدت إجراءاته التي أتخذها من حل البرلمان وتعليق للضمانات الدستورية وانتخابات المجلس التأسيسي الذي ضمن انتصار حزبه إلى إيجاد دستور جديد عام 1993 يسمح بإعادة انتخاب الرئيس والذي أصبح فعلياً عام 1995 بفضل الضغوطات التي مارسها الجيش. وتفسر الحصيلة الاقتصادية الثقة التي مازال يتمتع بها لدى أكثرية ضئيلة من الشعب. التضخم المالي الذي بلغ مداه أيام رئاسة آلان غارسيا 1773530%) هبط إلى 3.2% والنمو الذي دعمه تدفق الرساميل الأجنبية ودخول البلاد في النظام المالي الدولي والتدفق السياحي والنصر النسبي المدعوم من قبل الولايات المتحدة ضد حركات العصيان لم تتمكن من منع قيام الهوة التي باعدت بين النخبة الاقتصادية وباقي فئات الشعب. عام 1992 كان لا يزال في البلاد 15 مليون فقير من أصل عدد السكان البالغ 22 مليون نسمة، وكان هناك تسعة أشخاص من أصل عشرة عاطلين عن العمل، كما كان يوجد 3 ملايين طفل يعملون من أجل كسب الرزق بينهم 200 يموتون كل يوم بسبب سوء التغذية.‏

تحسن الوضع اليوم رغم أن الأفضلية المطلقة للرئيس هي الأمن فأجل إلى وقت لاحق النضال من أجل القضاء على البؤس، وترتكز السياسة الاقتصادية بشكل أساسي على وفاء الديون الأموال الضرورية تأتي من مصادر شتى منها تجارة الكوكائين حيث أن البيرو تشكل 60% من الإنتاج العالمي) هذه السياسة هي المسؤولة عن نسبة البطالة المرتفعة 19%) وعن العوز الاجتماعي الكبير. فإذا كانت هذه السياسة التي تطبق المعايير الأساسية للتطرف الليبرالي قد سمحت لـ 15% من الشعب مدراء المشاريع والأجراء والبرجوازية الكبيرة) جني الثروات إلا أنها جعلت 85% من الشعب في حالة اليأس من بينهم 45% فقراء أو في فقر شديد و20% ليس لديهم الحد الأدنى لأسباب العيش. وقد أثار فوجيموري غضب الجماهير عندما باع مصفاة باميلا فكانت الخطوة الأولى لخصخصة شركة البترول الوطنية بيتروبيرو Petro Peru. ورغم جمع 100 ألف توقيع لإجراء استفتاء حسب بنود الدستور حول هذا البيع فإنه لم يتم تنظيم مثل هذا الاستفتاء لأن الرئيس قد أصدر قانوناً أخضع فيه قرار هذه الموافقة للبرلمان. في أيار 1996 وبسبب نقص في العملة الصعبة الذي يعاني منه القطاع الصناعي قامت الحكومة من جهة أخرى بالتنازل والتوقيع على اتفاق مع شركة شل- موبيل للسماح لها باستغلال بئر الغاز الطبيعي في كامسا.‏

في التشيلي البلد الذي ترى فيه المؤسستان الماليتان الدّوليتان نموذجاً يحتذى به كونه مخبراً لليبرالية في أمريكا الجنوبية بإشراف الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين ساهمت النجاحات بتعميق الهوة بين الأقلية المسيطرة وبين الآخرين. فمنذ قيام الانقلاب العسكري التشيلي المدعوم من الأقلية المحلية ووكالة المخابرات المركزية C.I.A في 11 أيلول 1973 ضد الرئيس الليندي تم تدمير مجالس النقابات. واستبدل تدريجياً القطاع الصناعي-الذي لم يكن موجه نحو التصدير أي لم يكن جزءاً من نظام الحصص الدولي للعمل- بصناعات معتمدة من قبل صندوق النقد الدولي حسب متطلبات واشنطن. أدت الدول إذاً مهمتها فضمنت عن طريق التواجد البوليسي حرية العمل وامتيازات الأغنياء(1) في حين أن القرارات السياسة المُفرغة من بعدها الاجتماعي كانت تتخذ خارج البلاد. كتب فيليب غرينييه الباحث في المركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا CNRS يقول: "الإنجاز البارز للتشيلي ذات الليبرالية الجديدة كان دون أي نقاش إقامة مجتمع ذو اتجاهين في بيئة مريضة". كان على البلاد أن تواجه عملياً مشكلة انسجام اجتماعي هش. وبالنظر لمعدل وجود المشاريع المتدني بعد بوليفيا 15%) فإن أكثر من 30% من الشعب يعيش تحت عتبة الفقر حتى لو كان عدد الفقراء في خمس سنوات تراجع من 5 ملايين إلى 4 ملايين.ولم يترافق نجاح النخبة الاقتصادية أبداً مع توزيع عادل للأرباح. وقد تمت التضحية بقطاعات الخدمات العامة التي تشكل الهدف المفضل لصندوق النقد الدولي لصالح زيادة العائدات. لهذا السبب لم يعد القطاع الصحي يكلف أكثر من 1.2% من الناتج المحلي الصافي في الوقت الذي كان يتمتع بـ 3.2% منه أيام الليندي وكانت تحسم النسبة 1.2% من المشتركين في الضمان. رغم تبديل نظام الضمان الاجتماعي الذي أسس عام 1952 بنظام آخر عام 1981 وأصبح يعتمد على الاشتراكات الفردية الخاصة، لذا كان هناك نظام طبي له اتجاهان. ففي حين أن 23.7% من الشعب كانوا يتمتعون بالخدمات الطبية الخاصة كانوا يعتبرون إذاً زبائن لا مرضى) ويتصرفون بـ 230 دولار سنوياً من العلاج للفرد كان هناك 63.4% يكتفون بالقطاع الصحي العام الذي لا ينفق أكثر من 130 دولار فكانت له خدمات طبية بالحدود الدنيا ومتواضعة. في عام 1996حدثت مجابهات في داخل اليمين بسبب قضايا مؤسساتية وضعت الرئيس إدوارد فري Eduardo Frei في موقع صعب. فإن كانت النتائج الاقتصادية تدعو للتفاؤل 5% من البطالة رسمياً - 8.5% نسبة النمو - 8.2% نسبة التضخم - 26.5% من الناتج المحلي الصافي للاستثمارات - 27,9% نسبة الوفر - 7% ارتفاع الإنتاج الوسطي) إلا أن عدم المساواة لم تنخفض نسبته مع سوء للتوزيع لم يسبق له مثيل. ولم تشكل البرامج التي وضعتها الحكومة لمكافحة الفقر المدقع إلا علاجاً آنياً.‏

حقّاً أن دول أمريكا اللاتينية تعمل جاهدةً على حماية نفسها لذلك عقدت خلال السنوات التي مضت سلسلة من المؤتمرات من أجل التوصل إلى اتفاقات اقتصادية. في الأول من كانون الثاني 1995 بدأ العمل بنظام "حركة التكامل الاقتصادي الإقليمي" وهي سوق كبيرة مشتركة لدول أمريكا الجنوبية يضم البرازيل والأرجنتين والأرغواي والبراغوي والأمانة العامة تمركزت في مونتافيدو. أبرمت بوليفيا اتفاق شراكه مع مركسور في كانون الأول 1995 في حين أن تشيلي وقعت اتفاق تبادل تجاري حر معه في حزيران 1995. في كانون الأول 1995 أيضاً أبرم مركسور مع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً كان محوره إيجاد منطقة واسعة من التبادل الحر من الآن حتى عام 2005. أما الألسا ALCSA اتفاق التبادل الحر لأمريكا الجنوبية) هو مشروع اتفاق برازيلي بهدف إيجاد منطقة للتبادل الحر لأمريكا الجنوبية وهي مدعوة لإقامة مفاوضات في وضعية قوية نسبية مع الألنا ALENA اتفاق التبادل الحر في أمريكا الشمالية). الآفاق لم تكن بهذه النسبة من الانشراح فالاتفاق المزمع مع الألنا لن ينقص انصياع اقتصاديات أمريكا اللاتينية للولايات المتحدة، ونستطيع أن نشك أن الولايات المتحدة قادرة على جني المكاسب من اتحاد لن تتخلى فيه عن أي شيء يخدم مصالحها. في الواقع أزعج الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي واشنطن وحمل الولايات المتحدة على اللعب بحذق باستخدام سلطتها للتأثير على أمم جنوب القارة. أما بالنسبة للمؤشرات الاقتصادية الشاملة فإن كانت إيجابية في بعض الأحيان إلا أنها لم تتوصل إلى إخفاء الاختلافات التي تغطيه ولا إلى قلب ميزان المؤشرات الاجتماعية التي تدل على ارتفاع في البطالة والعمل الموسمي وتوسع في القطاع غير المتعارف عليه 84% من فرص العمل غير الزراعية تم إيجادها عام 1995).‏

الاتفاقات الدولية:‏

تندرج الاتفاقات الدولية الموقعة بين الولايات المتحدة والبلدان الأخرى وخاصة مع أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ضمن منطق أمريكي لا يمكن المساس به."لا للعلاقات السياسية القسرية والملزمة ولكن قبل كل شيء نعم للعلاقات الاقتصادية" هذه كانت إذن نصيحة جورج واشنطن والتي تم التعبير عنها من جديد عند نهاية القرن التاسع عشر بواسطة ماهان وآخرين وهذه النصيحة تعني أنه "علينا خلق علاقات اقتصادية وبهذا الأسلوب نستطيع أن نسيطر على العالم".‏

لقد بدأت محاولة وضع أوروبا تحت الوصاية عن طريق المبادلات التجارية بعد عام 1945 بواسطة خطة مارشال. وحقق بالشكل الذي استخدم فيه أحلام جان مونيه(2) بإقامة أوروبا الأمريكية كما طمأن الشعوب الأوروبية التي قيل لها بأنها أمام خطر التوسع السوفيتي لن تستطيع أوروبا البقاء على قيد الحياة بدون أمريكا. ويؤكد أوتو ده هبسبورغ المشتبه قليلاً بعدائه للأمركة بأن ستالين حسب المعلومات التي عرفت من الجنرال سيكورسكي حول المخططات المتعلقة بأروربا "لم يكن يريد إلا السيطرة على الجزء الشرقي من بولونيا وهذا ما حصل عليه سابقاً في اتفاقية رينتروب - مولوتوف بما فيها كاربوتو أوكرانيا مما يؤمن له إقامة الجسر في حوض الدانوب إضافة إلى جزء من رومانيا للإشراف على الدانوب. ولم يكن يريد أن يذهب إلى ابعد من ذلك ولم يهتم بروسيا الشرقية وبسليزا وبألمانيا الشرقية" كذلك وبعكس ما كان ترومان يشيع فإن احتلال اليونان وتركيا لم يكن يعنيه أيضاً.‏

يضاف إلى هذه الأسباب الجيوسياسية بشكل خاص ما كانت أمريكا تراه من ضرورة إطلاق الاقتصاد الأوروبي بهدف مساعدة أوروبا للخروج من بؤسها بل من أجل فتح الأسواق التي بدونها يبقى الازدهار الأمريكي ضرباً من الوهم. لذلك عندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي مارشال في عام 1947 بأنه ينوي أن يحمل لأوروبا سياسة جديدة "ليست موجهة ضد بلد أو عقيدة معينة ولكن ضد الجوع والفقر واليأس والفوضى تهدف بعث الحياة الاقتصادية" كان علينا إذاً أن نفهم ماذا يريد أن يقول.‏

بعث الحياة الاقتصادية لا يمكن تصوره إلا كامتداد للاقتصاد الأمريكي، فمن غير الممكن إقامة علاقات اقتصادية مع شريك جائع وغير منظم وفقير وبالتالي لا يمكن تحقيق الثروة كما يؤكد أوجين فيبرر وهذا صحيح بأن "خطة مارشال استعملت قبل كل شيء لتحريك تعاون الأوروبيين بإقامة برنامج مشترك لإعادة البناء 1948) الذي ومنذ عام 1951 أعاد الإنتاج الصناعي لمستواه قبل الحرب" لذا كان للمخطط الأمريكي هدفان: أولاً كان يجب إعطاء الحياة للاقتصاد الأوروبي واستخدامه كمنافذ ثم نسج علاقات اقتصادية قوية جداً بشكل أنه بات من الصعب على أوروبا أن تستمر بمفردها وقد دعم ذلك الصورة التي كونتها أمريكا عن نفسها أمام الرأي العام كبلد كريم ومتفان.‏

لم تطلق الولايات المتحدة خطة قبل أن تحدد قطاعات مصالحها الأساسية في كل أنحاء العالم بشكل مسبق. وهكذا دخلت مناطق أوروبا الغربية والبحر المتوسط وحوضه والشرق الأوسط ومضيق جبل طارق ومحيطه والساحل الأفريقي وأمريكا اللاتينية واليابان في دائرة الأفضلية. ومن أجل تشجيع شركائها وخاصة الأوروبيين لتضمن انصياعهم قامت الولايات المتحدة أحياناً بإشعال أو بالمساعدة على إشعال عدد من البؤر وأحياناً وقفت متفرجة أمام ما يجري في بؤر أخرى.ومن هذه البؤر جاء الشعور بأن الخطر الشيوعي في أوجه فانفجرت بعض القضايا كما في تشيكوسلوفاكيا وبرلين 1948) ثم في كوريا 1950) مما عجل عملية استقلال ألمانيا الفيدرالية التي شكلت عودتها كقوة اقتصادية أمراً ضرورياً من أجل الغزو الأمريكي لأوروبا.‏

ولكي تكتمل مهمة إقناع الشعوب الأمريكية بالتوحد تحت عصا الولايات المتحدة لم يتوقف الرؤساء ترومان ثم أيزنهاور عن التلويح بالخطر الشيوعي. في هذا الإطار كانت كلمات أيزنهاور المحبوب من الأوروبيين هي الأكثر تعبيراً عن الطموحات الأمريكية.‏

لقد رجع منطقياً إلى وودرو ويلسون الذي توجهت مناوراته المعادية للاستعمار ومحاولته تفتيت الأراضي الأوروبية فاستعادها روزفلت بعد بضع من عشرات السنين فكانت إحدى أسباب الحرب العالمية الثانية. لقد استعار من ويلسون تأكيده بأن "الشكل الأكثر كمالاً للفعالية يكمن في التعاون العفوي بين الشعوب الحرة" مستنتجاً بأن ذوبان الأعراق والديانات المختلفة قد خلق القوة الخارقة التي لم تعرف الأرض مثلها إلا في الولايات المتحدة. فما كان منه إلا أن يتساءل ماذا يمنع الأمم الأخرى من اتباع المثال نفسه ؟ ولم يكن في أية لحظة يمكن أن نتصور تجارب خاصة فالذوبان المطلوب لا يمكن أن يتولد بواسطة النموذج الأمريكي فقال مؤكداً بأن "نظامنا هو الأكثر إنتاجية على الأرض" لا شيء يمكن أن ينافسه إذاً لأنه رمز يقتاد به. ويذكر مساعدة أوساط رجال الأعمال الأمريكية "لتحريك الأخلاق الكامنة من طرق الحياة الأمريكية"مؤكداً أنه عندما يقوم رجل أعمال ببيع سيارة أو براد فهو يبيع عملياً إنتاجاً هو بدون شك الأفضل في العالم وهو يبيع أيضاً "إنتاجاً أمريكياً وأكثر من ذلك فإنه يبيع جزءاً من أمريكا".‏

إلا أن الولايات المتحدة كما أشار روزفلت التي تمتلك الموارد المادية والطبيعية والبشرية الأكثر أهمية في العالم مما يجعل منها أمةً فريدةً تستثير حسد وحقد الآخرين. فهي تتعرض إذاً لمؤامرات دولية تهدف أبعادها: فالإمبريالية السوفيتية التي حاولت الاستيلاء على تركيا واليونان مازالت قائمة. في هذا الإطار يبدو من الضروري أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها بقيادة العالم الحر "لأننا نحن شعب ينظر إلى العالم بتفهم وبعطف لجميع المشاكل التي تهم الإنسانية" لذلك على أمريكا أن تدعم منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت في زمن روزفلت ولكنها نمت فعلياً زمن ترومان" فهي منظمة مثال سيمكنها وقف مطامع الاتحاد السوفيتي فكان مخطط مارشال هو الامتداد الطبيعي لهذه السياسة.‏

ولكي يتجنب الإفصاح عن الطموحات الفجة أعلن أيزنهاور والإدارة الأمريكية بأن أوروبا الغربية رغم أنها تمتلك قدرة اقتصادية أساسية لكنها مهددة بالمطامع الشيوعية. وانطلاقاً من هذا وفي سياق النجاحات الأمريكية منذ الحرب بات من السهل اعتبار كل مبادرة ومنها مخطط مارشال كمحاولة نزيهة لإعاقة التقدم السوفيتي في أوروبا. إن ما يسميه الرئيس "بالفوضى الدولية" - الخطر الكبير على أمن الولايات المتحدة - ما هو بالحقيقة إلا رفض من قبل بعض الأمم أو المناطق الدخول في شبكات تابعة لواشنطن. ولم يُفوت الرئيس الأمريكي أية مناسبة ليردد "لقد اختارنا القدر بمهمة قيادة الآخرين بين الأمم المحبة للعدالة والحرية، ونحن لدينا الإرادة ولدينا الوسائل وعندما أدرك ذلك أحد أعداء الحرية جعلنا هدفاً رئيسياً له بغية القيام بحرب مستقبلية، هذا يعني أن أمننا مرتبط بوجود وبتطور العالم الحر".‏

علينا أن نذكر هنا أن هذا التعبير الأخير ما هو إلا تسمية مناسبة للدلالة على منطقة النفوذ الأمريكي حيث تشكل أوروبا الغربية جزءاً منها علماً أن أوروبا الشرقية قد تم التنازل عنها إلى الاتحاد السوفيتي كثمن لعدم تدخله في المشاريع الأمريكية. من هنا أتى تقسيم العالم إلى معسكرين متعارضين: فتحققت بذلك ما ضمرته الأيديولوجية الأمريكية على المستوى العالمي. فكان من جهة النظام المهين الممثل بشكل أساسي بالمعسكر الشيوعي، ومن جهة ثانية الديمقراطيات حيث كانت الولايات المتحدة بالطبع هي النموذج والقائد، فهي تمثل نوعاً خاصاُ من الأيديولوجية "المرتكزة على الكرامة الإنسانية وعلى الحق"والمعسكر المنافس يتلخص بكلمة واحدة "سلطة الدولة" فباسم مكافحة نظام سلطة الدولة تم إقامة نظام دولي يرتكز على الحرية الاقتصادية وحرية انتقال الأموال والبضائع والمنظمات المتعددة الجنسيات فجاء زمن عقد الاتفاقات الدولية بتشجيع من الولايات المتحدة.‏

ينجم عن هذا الاستنتاج أن نظام سلطة الدولة هو مصدر إزعاج للديمقراطية. يقول أيزنهاور بأنه "في اتفاق الأمم الأوروبية الغربية حيث نبذل الجهود لإقامة اقتصاد قادر على الاستمرار بنفسه علينا ألا يغفل عن نظرنا لحظة بأن لهذه الأمم مشكلة أمنية". فعلى الولايات المتحدة أن تشعر بأنها مسؤولة عن هذه المشكلة الأمنية كما عليها أن تشرف على حسن سير هذا الاقتصاد."وإذا كان علينا أن نجعل من أوروبا وحدة اقتصادية فعلينا بالتأكيد أن نجعل منها وحدة سياسية أو بكل الأحوال نجعل منها مجموعة حيث كل عضو يعتمد على الآخر دون أدنى شك فيما يتعلق بالأمن، لأنه إذا أصبحت أوروبا وحدة اقتصادية فمن المنطق أن نفترض بأن الجلد والثياب سوف يتم إنتاجها في بلد ما وبأن الأدوات المعدنية والسلاح سيتم تصنيعها في بلد آخر وربما أنتجت الطائرات في بلد ثالث، فكل فريق سوف يرتبط إذاً بالآخرين". يبدو هذا الخطاب واضحاً كل الوضوح وخاصة إذا وضع في سياقه الأيديولوجي.‏

هو أولاً يدعو الدول الأوروبية كي تتكتل في كيان عضوي يجعلها غير قابلة للتفكك عن بعضها البعض، ومن ثم يدعو بوضوح كل أمة للدخول في النظام العالمي لتقسيم العمل الذي تمسك الولايات المتحدة بمفاتيحه. ولكن لكي يقبل الأوروبيون ببذل جهودهم في المجال الاقتصادي الذي يجعل منهم دولاً مرتهنه بعضها البعض كان يجب أن نجنبها الخوف الذي أثارته مشاكل الأمن. لهذا جاءت الدولة الصديقة إلى رئيس الولايات المتحدة لتقول له:"نعم نحن نرغب أن نعيش مثل الولايات المتحدة ولكن هناك عدة أسباب تمنعنا من أن نعلن ذلك بصوت عال وقوي". يتابع أيزنهاور قائلاً بأن أحد الأسباب هي أننا نتحسر على أمننا ورغم عنا سوف ننجر إلى سباق مع الدول الديكتاتورية. وبشهامة الفارس أجاب الرئيس الأمريكي على هذه المخاوف قائلاً:" لا تجزعوا سوف نسهر على راحتكم، طبعاً أنا على قناعة تامة بأنه علينا أن ندخل في برنامجنا أن نهتم بأمن أوروبا في نفس الوقت الذي نقوم باستثماراتنا فيها بشكل حكيم من أجل مساعدتها لكي تحقق الاعتماد على الذات في المجال الاقتصادي بشكل يصبح لديها القدرة لسد احتياجاتها داخل نظام قائم على حرية العمل". خلف هذه اللغة الملتبسة يظهر بوضوح مشروع أيزنهاور للسيطرة العسكرية وللأوروبيين القلق عندما يصبحون على طريق الازدهار لكي يحافظوا على اقتصادهم وهم أسياده ظاهرياً بمفردهم ولكن في الحقيقة سيندرج هذا الاقتصاد في لعبة العولمة المتنامية. وعندما سيقتنع الأوروبيون بتهديد الخطر الشيوعي الذي تولت الولايات المتحدة مهمة الوقوف بوجهه سوف تتحقق بذلك المهمة الأساسية هي إقناع الأوروبيين بتسليم أمرهم لوصاية الحماية الأمريكية.‏

لقد لخص أندريه كاسبي بشكل رائع روح مخطط مارشال للمساعدة الاقتصادية لأوروبا فقال:"قليل من المصالح المفهومة فالمساعدة الغذائية التي تقدمها الولايات المتحدة ستصرّف الإنتاج الزائد من لدى المزارعين الذين لم يتوصلوا للتخلص منه مما يؤمن عمل الاقتصاد النامي وسيسمح بشكل أو آخر وعلى المدى البعيد بإقامة تبادل مثمر بين أمريكا وأوروبا وقليل أيضاً من المبادئ. فالولايات المتحدة تدافع عن نظام قائم في الوقت نفسه على التبادل الحر وحرية انتقال الآراء والبضائع ورؤوس الأموال وليس على أراضي لا يهددها أحد". القروض - وليس الهبات - منحها مخطط مارشال أولاً لبريطانيا العظمى ولفرنسا وليس لألمانيا التي دمرتها الحرب. لقد تم تسليم البريطانيين ما مجموعه 3.389 مليار دولار وبين عام 1947 وعام 1949 وتم تقديم 2.713 مليار دولار لفرنسا بينما حلت إيطاليا في المركز الثالث فقد حصلت على 1.508 مليار دولار بينما حلت ألمانيا في المركز الرابع بمبلغ 1.390 مليار فقط.‏

يمكن أن نفسر بشكل بسيط هذه الكياسة تجاه بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا مقابل صرامة ظاهرية تجاه ألمانيا، فهذه الأخيرة التي دمرت بنسبة 90% لم تكن قادرة على أن تأمل بإعادة بناء اقتصادها قبل مرور عدة سنوات. أما إنكلترا وفرنسا فقد تم تصنيفهما من بين البلدان المنتصرة وإيطاليا التائبة لم تتعرض لخسائر غير قابلة للإصلاح في وقت قصير. في هذا لإطار يقول سرج برشتين " لقد تم العمل على إعادة البناء على الأسس القائمة دون إعارة الاهتمام إلى الإنتاجية أو المردود ودون إعطاء أي تفضيل لإقامة المشاريع". فلم يكن الدولي ولا المحلي لما بعد الحرب يسمح بذلك فعلى سبيل المثال لم يكن لفرنسا أن تقوم بعمليات تصدير. لقد بلغ العجز في ميزانها التجاري بين أعوام 1946-1949 حولي 9 مليارات دولار دون احتساب عجزها في الأراضي التابعة لها خارج حدودها. لقد أوجد مخطط مارشال إذاً آلية، التي هي في حين تشجع الصناعة وتعمل على رفع مستوى الحياة لرفع مستوى القدرة الشرائية كانت بذلك تعمل على دفع قدرات التصدير وكذلك استيراد المنتجات وخاصة الأمريكية. لقد كانت الولايات المتحدة تقدم الدولارات ويقوم بالمقابل مصرف فرنسا بتعويض القيمة بالفرنكات إلى الخزينة التي بدورها تدفعها إلى المشاريع لتتيح لها شراء الدولارات من أجل تسديد ثمن موادها المستوردة من البضائع الأمريكية. ما دفعه مصرف فرنسا مقابل المساعدة الممنوحة من الولايات المتحدة بلغ 732 مليار فرنك وقد ساهم هذا المبلغ بالطبع على إعادة بناء قوي للقطاعات المؤممة كمؤسسة كهرباء فرنسا ومؤسسة غاز فرنسا ومؤسسة الفحم والسكك الحديدية) إلا أن هذا الشكل من عدم التوازن المالي ناتج عن التضخم المالي، مما أعاق بشكل أساسي القيام بعملية إعادة بناء منسجمة. ساهم هذا الوضع برفع أسعار المشتريات من خارج فرنسا فأعاق بالتالي التصدير وشجع عمليات الاستيراد. ونتج عن ذلك عدم توازن دائم في ميزان المدفوعات والميزان التجاري الذي لم يكن من الممكن إعادة التوازن إليه بفضل المساعدة التي قدمها مخطط مارشال".‏

أصاب الأمريكيون بذلك عصفورين بحجر واحد، لقد أوجدوا الحافز لاقتصادهم عن طريق عمليات التصدير إلى البلدان الأوروبية التي استعادت قدرتها على الاستيراد وفي الوقت نفسه لقد حصروا هذه البلدان نفسها في دائرة التبعية لهم. وهكذا نستطيع أن نفهم "الاعتراضات الأمريكية"المؤيدة لانفتاح كامل نحو نظام المبادلة وعدائهم لكون "فرنسا تحافظ على نظام إشراف قاسٍ على التبادل بغية المحاولة لخفض الاستيراد".‏

خلق هذا الكرم الأمريكي الظاهري الكامن وراء القرار الأمريكي بوضع خطة للمساعدة الاقتصادية لأوروبا ومؤثراتها الإيجابية التي أتاحت لها أن ترفع مستوى المعيشة بشكل ملحوظ بأن تختفي عملياً إرادة الولايات المتحدة بالحصول على ما كان الرئيس ويلسون قد وضع مسودته الأولى: تأكيد تبعية القارة العجوز للولايات المتحدة أكثر فأكثر، وهكذا استخدمت الدعاية الأمريكية في النورماندي في حزيران 1944 حيث احتفلت بذلك القوات الأمريكية واستخدمت أيضاً النصر الممنوح للجنرال ديغول في نيويورك في 22 آب 1945 فاستغلت بذكاء مشاعر الفرح التي تنعم فيها أوروبا ووضعت إستراتيجية كان عليها أن تؤمن في وقت واحد سوقاً للعمل والازدهار الاقتصادي وسكب الفائض الزراعي والصناعي للولايات المتحدة في السوق الأوروبية. فكانت أيضاً بداية الهيمنة الاقتصادية والمالية والثقافية وأخيراً السياسية للولايات المتحدة على القارة الأوروبية.‏

فيما يخص فرنسا أظهرت الخطوة المتخذة بالتوقيع على اتفاقيات بلوم - بيرنس Blum-Byrnes في ربيع 1946 أنها كانت حاسمة. فمقابل مساعدة قدرها مليارا دولار لمدة أربع سنوات قبلت بفتح سوقها على مصراعيه للواردات الأمريكية. فجاءت البواخر بالمئات محملة بما مقداره 4500 طن من المواد الغذائية حملت ما يقارب 2000 شاحنة باتجاه جميع أنحاء فرنسا. وهكذا "أتاح الكرم الأمريكي " الذي صاحبه آلة دعائية كبرى "لأوروبا أن تعيش" وقامت بين أوروبا والولايات المتحدة علاقات بالتبادل الحر دون حواجز ولكن لم يكن ذلك متبادلاً فقد سقطت كل الحواجز الجمركية في أوروبا وكان من الصعب إعادتها من جديد. أما عواقب هذا القرار لم تكن فقط اقتصادية ولكن أيضاً ثقافية.‏

تميزت الهجمة الاقتصادية الأمريكية في أوروبا بثلاث ظواهر، أولاً بالجاذبية السهلة لعالم الصناعة والمال والأعمال التي حققت نصراً واسعاً لأمريكا التي أعطت عن نفسها صورة ساطعة لأمة ديناميكية ترنو إلى المستقبل وتمسك بالصواب وبأفضل مفاتيح المستقبل وكشفت قبل كل شيء بأن أمريكا على علاقة ومنذ زمن طويل بالأوساط الاقتصادية الأوروبية التي تستفيد بشكل كاف دون أن تهتم بتأثير ذلك على المدى البعيد في العواقب السياسية. ثانياً جذب آلاف الشباب تجاه الجامعات الأمريكية الذين قاموا بالسفر للدراسة ثم العودة مبهورين ومأخوذين بالمفاهيم الحديثة مثل "الإنتاجية" و"العقلانية". وأخيراً عرفت الولايات المتحدة كيف تستطيع أن ترسل لأوروبا رسلها مسلحين بوصفات خاصة بهم كفيلة أن تضمن للاقتصاد الأوروبي التطور الذي كانت بانتظاره.‏

غرس هذا التكتيك الثلاثي في النسيج الاقتصادي بذرة تحول أمريكي أمركة) مقنَّع لم يكن باستطاعة أحد إيقافه. ومنذ بداية الستينات أصبحت أوروبا تتغذى بالمسلسلات التلفزيونية الأمريكية فليبر - الهارب - غير القابلين للفساد: "النزيهون") وبالمنتجات من جميع الأصناف. في ذلك الوقت بدأت الاستثمارات الضخمة التي أخضعت الصناعة الأوروبية لنير الرأسمال الأمريكي. فهناك منتجات تحمل أسماءً اعتدنا عليها في أيامنا هذه مثل سنجر، وجيلت، وأ.ب.م، وأسو، وليغيز، وكامي رفريجيدر، وهوفر، وسيمنز، وموبيل، وكولجيت، وكوداك وكنبز وبلاك أند دارك، وعلكة هوليود، و تري أم، ومالبورو، وفايرستون، وروبنسون، وبلايتكس، وتامبكس، وبولارويد وكوكا كولا، هذه المنتجات أصبحت تشكل جزءاً من مشهد حياتنا اليومية دون أن يعلم الكثيرون من الأوروبيين مصدرها الحقيقي.‏

لقد وصلت الأهداف الأمريكية إلى مبتغاها، كتب أندريه كاسبي يقول:"تبدو الحقيقة أن القروض الأمريكية قد جعلت الاقتصاد الأوروبي أن يقف على قدميه، وجنبت الاقتصاد الأمريكي مشكلة غياب شركاء اقتصاديين له". في نهاية الستينات شعرت الولايات المتحدة بأن لديها كامل الحرية لتهيئة الساحة الغربية حسب مزاجها. أما الجانب السوفيتي فكان طليق اليدين وحصل على تطمينات منتظمة كما حدث أثناء "انقلاب براغ" في شباط 1948.‏

وإذا كان مخطط مارشال قد سمح للأمريكيين بوضع أوروبا الغربية على مسار التبعية والعبودية كان يجب أيضاً العمل على جعل ذلك طريقاً لا يمكن العودة منه. لذلك وضعوا شركاءهم على طريق ملتوٍ بواسطة المعاهدات، فشجعت أمريكا على إقامة المؤتمرات التي تتناسب مع ذلك حيث تم توقيع الاتفاقيات المتعددة التي تربط شركاءهم دون أن يكلفها ذلك أي التزام. شهد عام 1948 ولادة عدة معاهدات منها: "الاتفاق العام للتعرفة والتجارة الغات GATT) ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية O.C.D.E وكان اسمها المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي O.E.C.E وفي عام 1951 قامت المجموعة الأوروبية للفحم والفولاذ C.E.C.A كما قامت بعد ذلك مؤسسات أخرى وخاصة في إطار الأمم المتحدة.‏

كانت السنوات التي امتدت من نهاية الحرب حتى بداية الخمسينات لصالح الولايات المتحدة وأمام مخاوف رجل يدعى ديغول، كان هناك "فريق الأوروبيين" من جان مونييه إلى روبرت شومان مروراً بغاسبري وتشرشل فكانوا جميعاً مشغولين ببناء أوروبا تتعدى حدود القوميات، أوروبا فيدرالية مع التطابق الكلي مع رغبات الولايات المتحدة حتى قبل أن يعلنها أيزنهاور. ورغم ذلك اعترض وزير الخارجية البريطاني أرنست بيفن على اقتراح روبرت شومان في تموز 1948 "بإقامة مجلس أوروبي مؤلف من ممثلين للبرلمانات" طالما أنه كان يخشى وجود سلطة تنفيذية أوروبية حقيقية مستقلة عن واشنطن كالأمريكيين، وأدى الحل الوسط بين بيفن والآخرين في 28 كانون الثاني 1949 إلى القرار بإيجاد مجلس أوروبي وافتتحت أول جلساته في 8 آب 1949 في ستراسبورغ.‏

قبل ذلك بعام قامت معاهدة الغات GATT التي أوجدت لافشال كل محاولة للاقتصاد الأوروبي للسير على أي طريق مخالف للطريق الذي رسمه الأمريكيون، رسمياً كان هدف المؤسسة هو تسهيل توسيع التجارة الدولية عن طريق تخفيض الرسوم الجمركية وإقامة نظام توزيع الحصص وعقد الاتفاقات ذات الأولوية وخفض حواجز التعرفة وتشريع المساعدات الوطنية للصادرات مع تعميم البند المطلق بالأمة الأكثر تفضيلاً(3) .وقد أطلقت على المفاوضات تسمية جولات Rounds والتي جهدت على توجيه الدول الأعضاء نحو التبادل الحر الكامل الذي تحتاجه الولايات المتحدة. في كانون الأول عام 1993 قبلت أوروبا الصيغة النهائية للغات ووقعت عليها وهكذا وصلت العملية التي بدأت بمخطط مارشال إلى مبتغاها. كانت نتائج هذه الاتفاقات حساسة لعدة أسباب في القطاع الزراعي أجبر الأوروبيون ما بين سنوات 1991-1992 على تخفيض إنتاجهم من الزيوت والحبوب في وقت زاد الأمريكيون من حصتهم المعدة للتصدير إلى السوق العالمي. وحصلوا بالتالي على شراء الأوروبيين منهم غذاء مواشيهم على حساب الإنتاج المحلي ودون أعباء الرسوم الجمركية. ورغم أن الأمريكيين يملكون 50% من السوق الدولي للقمح مقابل 20% لأوروبا فقد كانوا يريدون المزيد. وفي الوقت الذي كانوا يحملون فيه بقوة أثناء المفاوضات على ما سموه "نظام الحماية الأوروبي" لم يتوانوا هم بإتباع مثل هذا النظام. فكانت مساعداتهم للزراعة تساوي ضعفي مساعدات الأوروبيين مقابل رواتب للمزارعين الأمريكيين أعلى بكثير مما يحصل في أوروبا. وأتاحت قوانين محاربة الغش حسب التعريف المنحاز الأمريكي أن تفرض الرسوم على 97% من الواردات أما السوق الأوروبية كانت مقيدة عن طريق الحصص التي كانت مفروضة عليها. كما أن الرغبة الأمريكية بالسيطرة الكاملة على الأسواق الغذائية العالمية تظهر جلية في المناورات التي لا تهدف إلى أكثر من محو القوة الأوروبية في هذا المجال. وترفض الحكومة الأمريكية إزالة نظام المساعدات للتصدير وهو نظام مرعب في مجال التصدير للحبوب. أما الأوروبيون وبسبب عدم التفاهم فيما بينهم وقفوا عاجزين. ومنذ عام 1962 كان تصدير الزيوت كالصويا أو المنتجات البديلة للسوق الأوروبية المشتركة يتم دون أي رسوم جمركية. في عام 1991 أضافت الولايات المتحدة لترسانتها القوية سبعين إجراءً خاصاً لتدعيم نظام الحياة الاقتصادية لديها. أوروبا هي حالياً منكوبة. الزراعة في فرنسا خاضعة لنظام إراحة الأرض لذلك هي لا تستطيع في حال نشوء أزمة أن تمد شعبها على الصعيد الغذائي أكثر من ثلاث أسابيع كحد أقصى(4) .لقد تطور الوضع قليلاً بشكل أرقام وليس بأرقام نسبية. في 1996-1997 تقدمت محاصيل الحبوب بالنسبة للمرحلة السابقة، لقد زاد إنتاج القمح والأرز وأيضاً الذرة والشعير والذرة البيضاء. ماتزال الولايات المتحدة تنتج 16.3% من الحبوب في العالم 10.7% من القمح) مقابل 5% لأوروبا 6.1%)، وتراجع المخزون الدولي للحبوب عام 1995 - 1996 بسبب ضعف مستوى التبادل الذي كان في أضعف مستوى له منذ عام 1984 ثم زاد عام 1996-1997. أما بالنسبة لإنتاج الرز فقد حقق أعلى مستوياته وخاصة الأزر الأسيوي أما بالمقارنة مع الاتحاد الأوروبي فقد بقي إنتاج الحبوب في أمريكا أعلى منه بكثير.‏

يريد الأمريكيون السيطرة وبكل الوسائل على السوق الدولية في المجالات التالية: الفولاذ - السيارات - الطيران المدني والعسكري - الكيمياء - الإلكترونيات - الآلات الصناعية - الآلات النصف آلية - النسيج. وفي كل مجال من هذه المجالات كانت الإعانات الأمريكية الحكومية التي في غالبها مقنعة تتمتع بأهمية خاصة. في الطيران مثلاً تبلغ قيمة الإعانة للأيرباص عشرين مليار دولار بينما الإعانة المعطاة من قبل الحكومة الأمريكية للبوينغ على شكل عقود عسكرية تتراوح بين 33-40 مليار دولار.‏

إن شبكة الإجراءات غير المشروعة التي تستخدمها الحكومة الأمريكية لقطع الطريق على المنافسين للولايات المتحدة تثير العجب: اللجوء إلى العقود العامة وإلى الحواجز الصحية وإلى نسبة الحصص وإلى توزيع الحصص وإلى الرسوم الجمركية المناسبة وإلى اتفاقات الحد الطوعي...إلخ، وخلال المحادثات الأخيرة التي أدت للاتفاق النهائي في كانون الأول 1993 كان الهدف الرسمي النهائي الذي اتبعه الأمريكيون بواسطة ماكي كانتور ممثل بيل كلينتون هو "تحسين وضع العاملات والعاملين الأمريكيين" ولكن ضمناً ظل أميناً لمشروع الهيمنة الدولية بواسطة التجارة.‏

المشروع الذي أدى مؤخراً للاندماج بين بوينغ ومكدونالد دوغلاس الذي أعلن عنه من كانون الأول 1996 والذي تم تدعيم خطره باندماج بين لوكهيد مارتن ونورثروب غرمن بداية تموز 1997) يظهر بوضوح الطريقة التي يلجأ إليها الأمريكيون من أجل خدمة المنظمة العالمية للتجارة O.M.C لصالحهم من أجل تحطيم منافسيهم، فأمام تهديد لجنة بروكسل الأوروبية برفض الاندماج أجاب الرئيس كلينتون وكالمعتاد بالابتزاز حيث قال:"لا للرفض وإلا الحرب التجارية".‏

بدت اللجنة حتى نهاية تموز وكأنها تحافظ على موقفها الصامد ولكنها انتهت إلى إعطاء الضوء الأخضر لأن شركة بوينغ وافقت على التخلي عن تطبيق عقودها مع الشركات الأمريكية لمدة عشر سنوات. ومرة أخرى كان الموقف انتحارياً عندما نعلم ما مدى النـزعة الدائمة لدى الأمريكيين بتفسير الاتفاقات على ضوء مصالحهم وحدها. من جهة أخرى تجاوزت المكاسب الأمريكية ومن بعيد كل الحدود المتعارف عليها، فسيكون لاحتكار السوق الناتج عن الاندماج وزناً هائلاً يصل إلى 70% من السوق الدولي للطيران المدني ومكاناً مرموقاً في مجال الطيران الحربي. عدا ذلك سوف يضع 48 مليار رأسمال عمل هذا إن لم ننس أن بوينغ سوف تنعم بمبالغ نقدية ستضخ من قبل البنتاغون في البرامج العسكرية لمكدونالد دوغلاس وهذا ما هو إلا وسيلة ملتوية لصنع طائرات تجارية جديدة. وبغياب ردة فعل سريعة وحازمة من المجموعة الأوروبية لن نستطيع البقاء.‏

(1) يملك 20% من التشيليين 50% من الدخل القومي ويعيش 30-40% من الشعب في العوز والحاجة الماسة.‏

(2) بتنا ندرك اليوم أن جان مونيه كان يكره ديغول وبما أنه كان على اتصال بالوسط الاقتصادي كتاجر قديم للكونياك ويعمل في قطاع المصارف وصفه ديغول "رجل الأمريكيين". ونستطيع أن نفهم أكثر أن أوروبا التي أراد إيجادها عند قراءة المذكرة التي كتبها بعد خطاب 18 حزيران وأتهم فيها ديغول بـ"عدو الشعب" وبأنه "يلقي خطابات هتلرية" كما أنه طالب بـ"تدمير" قائد فرنسا الحرة.‏

(3) كان هناك استثناء واحد تم قبوله وهو متعلق بالدول النامية التي منحت معاملة خاصة بالنسبة لصادراتها من المنتجات اليدوية وهذا ما كان يعرف بالنظام العام التفضيلي.‏

(4) ليس من الصعب تصور مثل هذه الأزمة ، فإن أصبح من الصعب الوصول للاحتياط البترولي في الشرق الأوسط تكون اللعبة قد تمت. إذا أن هذا الاحتياط مرتبط كلياً بالولايات المتحدة ولا تتوقف رغبة الهيمنة الأمريكية عند هذا الحد. ففي مجالات أخرى كالطيران أو الكيمياء أو الفولاذ ...إلخ فهذه الرغبة كما رأينا ظاهرة للعلن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244