أمريكا المستبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم "العولمة" - Michel Bugnon-Mordant -ترجمة:د.حامد فرزات

ترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الحلف الأطلسي:

إذا كانت اتفاقات بريتون وودز نظام النقد العالمي S.M.I - صندوق النقد الدولي F.M.I - البنك الدولي B.M) وخطة مارشال والاتفاقات الدولية مثل اتفاق الغات GATT قد سمحت للولايات المتحدة أن تبسط هيمنتها الاقتصادية على العالم إلا أننا لا نستطيع أن نهمل الجانب العسكري.‏

تعود محاولة إقامة نظام مراقبة عسكري على أوروبا إلى عام 1944 عندما قرر حينها روزفلت بأن الجنرال ديغول لا يمثل السلطات الفرنسية وأنه من المناسب في فرنسا إقامة "حكومة عسكرية حليفة في الأراضي المحتلة AM GOT" بقيادة أمريكية.‏

إلا أن تحرك الجنرال ديغول السريع سمح لفرنسا أن تنجو من ذلك، ومنذ ذلك الزمن تصور ديغول قيام أوروبا قوية ذات سيادة قادرة على القيام بدور يساوي الدور الروسي والأمريكي. وفكر بإنشاء محور فرنسي بريطاني إلا أن إنكلترا اعتبرت أن عبقريته سترميها في البحر مع بنت عمها الولايات المتحدة لذلك لم تستجب للغرض.‏

في عام 1946 - شاء الأوروبيون أم أبوا - وجدت الأمم الأوروبية نفسها أمام ضرورة تمتين الروابط العسكرية فيما بينها. وهكذا بين عامي 1947-1948 ناور الأمريكيون حتى وجدوا أنه من الضروري إنشاء حلف تكون الولايات المتحدة فيه وفي وقت واحد الكفيل والموجه. وعبر عن إرادتها بتوحيد مناطق الاحتلال الغربي الثلاث في برلين في منطقة واحدة مما أثار حذر ثم خوف الروس الذين كان لديهم ردة فعل بمحاصرة المدينة مما أقلق الأوروبيين فسارعت إحدى عشرة دولة أوروبية في 4 نيسان 1994 إلى توقيع اتفاقية الأطلسي مما قادهم إلى منطق دولي ذي قطبين وهذا ما كانت الدولتان العظمتان تتمناه. اختارت منظمة معاهدة حلف الشمال الأطلسي مقر قيادتها في فونتنبلو في فرنسا وكانت مهمتها تنسيق الأهداف العسكرية والسياسية والاستراتيجية وبنية الحلف الذي كان في بدايته حلفاً عسكرياً كلاسيكياً وكل أعضائه متساويين.‏

وكان الهدف المعلن هو إيجاد وسائل دفاع مشتركة دون المساس بالاستقلال الوطني للدول الأعضاء، إلا أن الولايات المتحدة - التي كانت تقدم المساعدة العسكرية الضرورية وتمتلك احتكار السلاح النووي -فرضت نفسها من جراء ذلك الأمر الواقع كقائدٍ وحيدٍ للحلف.‏

وإن كان الهيكل الأساسي بسيطاً نسبياً وكان امتداده محدوداً إلا أنه مالبث تحت التأثير الأمريكي إلى أن اتجه نحو التدخل الكلي. ففي الوقت الذي أخاف التفجير الأول للقنبلة الذرية السوفيتية في 14 تموز 1949 الأوروبيين ودفعهم للخضوع ، إلا أن الحرب الكورية هي التي عجلت في ارتمائهم في حضن الحامي الأمريكي. أما الولايات المتحدة فلم تبخل بتهويل التهديد السوفيتي والشيوعي ولا بوسائل الضغط على الحكومات الحليفة. وتم تسليم قيادة المنظمة للجنرال أيزنهاور وأعطي الإشراف بالكامل للضباط الأمريكيين، فاعترض ديغول ولكن حكومات الجمهورية الفرنسية الرابعة خضعت للأمر الواقع.‏

ورغم الاستغراب الظاهري الذي أبدته السلطات الأمريكية حين تدفقت قوات كوريا الشمالية على الجنوب إلا أنه كان يبدو أن السلطات الأمريكية لم تكن غريبة بالكامل عن اندلاع العداء. فلم تنتظر واشنطن نهاية الحرب العالمية الثانية كي تعد المخططات التي تستهدف كوريا وكان ذلك في يالطا حين اتفق الأمريكيون والسوفيت على إقامة خط فاصل من الشمال والجنوب عند مستوى الخط 38ْ، وفي 1948-1949 سحب الجانبان جيوشهم دون أن ينسوا ترك مستشارين وأسلحة وأنصاراً مهمتهم التأثير على السلطات عند الضرورة. في كوريا الجنوبية أقام الديكتاتور سينغمان -المعادي للشيوعية والمنحاز كلياً لأمريكا نظاماً - نظاماً دكتاتورياً برجوازياً قاسياً. إن تراجع ماك أرثور ودين اشيسون عن تصريحاتهم ساهم بزرع بذور الشك، فقد صرحا علناً أن كوريا الجنوبية لا تدخل ضمن "إطار الدفاع" للولايات المتحدة بعد أن كانا قد أكدا لحكومة الجنوب بأن تحتل موقع "الزبون" المفضل للولايات المتحدة، كما أن المفاجأة التي أبداها الأمريكيون عند اندلاع العداء كانت موضع الشك.‏

إن موضع الجنرال ماك أرثر يعبر على المدى البعيد عن الطموحات الأمريكية، فهو لم يخف رغبته بغزو الصين وكان يتحرق لاستخدام السلاح النووي ضد الجار الكبير للكوريتين. فهل عبر بذلك عن تطرفه أم يا ترى تعدى بذلك الحدود المسموحة للكلام؟!! إذ تمت تصفيته في 11 نيسان 1951، ثم وقعت الهدنة في بنمنجوم Panmunjom في 27 تموز 1953 بعد أشهر طويلة من المفاوضات الصعبة مكرسة الوضع القائم، ليس تماماً لأن الجنوب المتذبذب قبل الصراع وجد نفسه عسكرياً واقتصادياً وسياسياً تحت القطاع الأمريكي.وفي الزحمة استفاد الأمريكيون منها بتوقيع سلسلة من المعاهدات مثل المعاهدة مع اليابان في 18 أيلول 1951 على ظهر معاهدة بالسياق نفسه. يمكن إذن تلخيص الوضع الإجمالي على الشكل التالي:‏

1- الإسراع بالعودة إلى التسلح في العالم والسباق على التسلح مع الاتحاد السوفيتي.‏

2- نشوء سابقة لأن الولايات المتحدة اختبرت بنجاح وداعة منظمة الأمم المتحدة.‏

3- تأكيد القوة العظمى والإمبريالية الأمريكية التي منحت نفسها حرية التحرك العسكري والسياسي والاقتصادي والدبلوماسي والثقافي وللغرب الذي اقتنع بسهولة بشرعية "حملتهم الصليبية ضد الشر المطلق" الشيوعية وضد العبودية التي وضعت بعض الشعوب نفسها فيها ولم تكن هذه الشعوب قد خضعت بعد للهيمنة الأمريكية.‏

4- تكريس يالطا لأنه من الآن وصاعداً بات من المعروف بأن مصير الدول التابعة لمنطقة النفوذ السوفيتي وخاصة بلاد شرق أوروبا هو مغاير لمصير الأمم الغربية.‏

أرست النتيجة الأولى أي انطلاق التسليح والجري المسعور للتسلح بقوة، الصرح العسكري والصناعي للولايات المتحدة وتشكل اللوبي الذي سيكون تأثيره حاسماً في الصراعات المستقبلية.وأصبحت مبيعات الأسلحة إحدى الموارد الأساسية لمصالح هذا البلد. أما السابقة التي أوجدتها حملة كوريا، فقد شكلت بروفة عامة لآفاق العمليات اللاحقة.‏

من جهة ثانية بررت الحملة الصليبية ضد الشيوعية التدخلات العسكرية وأكثر تعبيراً التدخل في فيتنام التي انتهت بتورط العم سام.‏

أخيراً لقد استمر المنطق الثنائي القطب حتى سقوط جدار برلين عام 1989.‏

إحدى التأثيرات الأكثر ديمومة والأكثر أهمية لحرب كوريا كانت تلك التي دفعت الحلف الأطلسي للتدخل بشؤون الآخرين على الدوام. وبعد أن تأكدت الولايات المتحدة من السيطرة العسكرية على أوروبا لم تتوقف عند هذا الحد ووقعت معاهدات مشابهة مع أستراليا ونيوزيلاند حلف ANZUS 1951) الباكستان وتايلندا والفليبين OTASE 1954) ومن جديد مع الباكستان وإيران وتركيا CENTO 1959). وعندما اكتملت الشبكة، أصبحت الإدارة الأمريكية ترسل إلى رؤساء دول عرفوا بوداعتهم من طرف إلى آخر من المعمورة.‏

وقد بدت هذه الظاهرة بأنها ضرورية لوزير الخارجية جون فوستر دالاس الذي كان يخشى بأن يتملص جزء من دول العالم الثالث من المحاولة الأمريكية ببسط سيطرتها خاصة بعد نشوء دول عدم الانحياز(1) في مؤتمر باندونغ Bandung في نيسان 1955.‏

وفي أوروبا أنهى الحلف الأطلسي تدخله الكامل مع إعادة تسليح ألمانيا ودخولها الحلف عام 1955، مما وضع في الوقت نفسه حداً بعيد الأمد لتوحيد البلد وكانت مغامرة مجلس الدفاع للاتحاد الأوروبي هي المحرك الرئيسي لهذا القرار المستعجل بالتدخل من قبل الأمريكيين.‏

تعود المبادرة لرينيه بلفن René Pleven الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس الوزراء الفرنسي والذي بعد الضجة الناتجة عن الرفض الفرنسي لإعادة تسلح ألمانيا عبر بتشجيع من جان مونيه عن الحاجة لتأمين وسائل دفاع ذو سيادة للدفاع عن أوروبا.‏

ومن البداية كان الأمريكيون ضد مشروع كهذا، فقد كان الحلف الأطلسي قد قدم كادراً كافياً للأمريكيين لكي يستطيعوا السيطرة عسكرياً على الأمم الأوروبية لذلك كان من غير الوارد أن تفكر هذه الأمم بالانفلات منه أو بالتفاهم فيما بينها على إيجاد نظام دفاعي لا تشارك فيه الولايات المتحدة التي استغلت الظرف لتقوم باستعراض لوقتها. فقد دعم أيزنهاور ووزير خارجيته فكرة دالاس بإيجاد جيش أوروبي بشرط أن يتبع للجنة "شيب SHAPE" أي يكون تحت قيادة عليا لجنرال أمريكي(2) .وبالفعل جرت عدة جلسات نقاش للتصديق على إقامة مجلس الدفاع الأوروبي 1953-1954) تحت المظلة الأمريكية وكاد أن يتم توقيع الاتفاق حوله لولا المعارضة المستغربة قليلاً من بريطانيا العظمى التي كانت ضد أي مشاركة في جيش أوروبي والمعارضة الأساسية الفرنسية وخاصةً من قبل التجمع الديغولي التجمع من أجل فرنسا RPF). وفي 30 آب 1954 وبعد رفضه في تصويت للجمعية الوطنية سقط مشروع مجلس الدفاع الأوروبي.‏

أستدرك الأمريكيون وأنصارهم من دول أوروبية ذلك وقدموا سلاحاً بديلاً. لقد تعرضت فلسفة الحلف الأطلسي لمخالفة حقيقية عندما تعرض مبدآن أساسيان لها للانتهاك وهما المساواة بين كل الأعضاء وعدم وجود مكان دائم لها. الأول كان وراءه الأمريكيون وهيمنة الولايات المتحدة والثاني عن طريق إقامة المكان الدائم بشكل فعلي. وساهمت الموافقة الألمانية كبلد كامل العضوية ودعم دالاس لها على تعزيز التماسك العام داخل البنية التي يتحكم بها البيت الأبيض ولكن في عام 1956 كان هناك مخالفة ثانية وهي حاسمة.‏

في الخامس من أيار أوصى مجلس المنظمة بعدد من الإجراءات الهادفة إلى تطوير التعاون بين الدول الأعضاء في "مجالات ليست عسكرية" والى زيادة الوحدة لـ "المجموعة الأطلسية". هذه الكلمة الأخيرة تدل على أن الولايات المتحدة ترى أنها توصلت إلى اعتبار دول أوروبا الغربية موجودة في باحة خلفية جديدة تتولى هي حراستها. وخلال الأشهر الضرورية لإعداد مشروع القرار من أيار إلى كانون الأول 1956) بقيت وسائل الإعلام صامته، وأثناء هذه العملية الموغلة في الديمقراطية حيث تم تغيير فلسفة وأهداف الحلف الأطلسي غيبت الشعوب بشكل مقصود. في 13 كانون الأول تمت الموافقة على التقرير المؤرخ في 5 أيار والذي يوصي بإجراءات جديدة واعتبر "كوثيقة أساسية للحلف الأطلسي".‏

وكانت النتائج ذات أثر كبير فقد تحول الحلف من حلف محلي موجه ضد عدو معروف ومتفق عليه إلى مجموعة مهمتها أن تقوم "بمهام أخرى ليست دفاعية". واتسعت صلاحياتها إلى السياسة وإلى الاقتصاد وإلى الثقافة وإلى الإعلام. ولم يكن هناك شك في إقامتها الدائمة وفي تفوقها وبالتالي في عولمة دورها. واتسعت منطقة تطبيق قراراتها فطالت الكون بأسره وكل مكان حيث يمكن أن تمس مصالح أعضائها وشكلت صيغة مبهمة لتبرير أي تدخل.‏

لم يفاجأ أحد من أن الجنرال ديغول نظر إلى هذا التطور بعين غير راضية، البداية كانت عندما عرف أثناء انعقاد مجلس الدفاع الأوروبي أن أمريكا تحاول فرض سيطرتها العسكرية على أوروبا فاقترح على أيزنهاور أن يتم تشكيل قيادة للحلف الأطلسي مؤلفة من ثلاثة أعضاء حيث يتمتع كل عضو بشراكه متساوية مع الآخرين فرفض بالطبع أيزنهاور هذا الاقتراح.‏

عند عودة الجنرال ديغول لشؤون الدولة حاول كبح ما يمكن من السيطرة الأمريكية، في 29 حزيران 1958 جاء رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكملان إلى باريس وكان همه أن يرضي أصدقاءه الأمريكيين الذين أزعجتهم طريقة تطور السوق الأوروبية المشتركة فطلب إلى ديغول أن يتخلى عن الأوروبيين بتركه الاتحاد الذي اعتبره شكلاً جديداً من أشكال "الحظر القاري". فقال ديغول "لا". واستنتج أن على أوروبا أن تتجاوز المحور الفرنسي البريطاني الذي كان عمودها الفقري واتجه صوب ألمانيا وتم كل شيء بالغالب أثناء لقائه بالمستشار الألماني أدينوار Adenauerفي 14 أيلول 1958 في كولومبيا فولدت يومها فكرة أوروبا كسيدة حقيقة لمصيرها قادرة على مجابهة فكرة الاستعلاء المتعددة الجنسية.‏

لم يستسلم الأمريكيون بسهولة، ومنذ بداية الستينات سارعوا لزيادة تبعيته لهم وتمركزت في قلب هذه المسألة الاستراتيجية النووية.وباعتبارها ضماناً لتفوقها العسكري ولإشرافها على الجيوش الغربية الأوروبية شكلت السيطرة النووية للولايات المتحدة الميدان حيث لم تكن تنوي أن تتقاسمه مع أحد ولم يسمح لأي مراقب أوروبي من الحلف الأطلسي بحضور تفجير نووي حتى شهر أيار 1957 في يوكا فلاتس نيفادا). أما التجربة الأولى للقنبلة النووية لبريطانيا - الحليفة المفضلة - في 3 تشرين الأول 1952 ومرة أخرى بدا أنه ليس فقط لا يستطيع أحد تقرير أي شيء دون موافقة الولايات المتحدة بل إنه حتى التجربة التي جرت بالقرب من أوستراليا في جزيرة مونتبللو Montebello لأن الأمريكيين رفضوا إعارة مكانٍ لبريطانيا العظمى، وما لبثت المسألة النووية أن شكلت مركز اهتمام الإدارة الديغولية للحصول لفرنسا إن لم يكن لأوروبا على استقلاليتها التي تعيقها بنية الحلف الأطلسي نفسها. ولم يخفف مجيء كيندي إلى البيت الأبيض من حدة التوجه الأمريكي، ففي 14 كانون الثاني 1961 وفي مواجهة عناد سلطات واشنطن التي صممت بالاحتفاظ لنفسها فقط حق القدرة على إشعال الحرب الذرية أكد ديغول نيته "ببناء وحتى استخدام عند الضرورة قوتنا الذرية بأنفسنا".إلا أن الظرف الراهن لم يكن مؤاتياً، فقضية جدار برلين المتمثلة بقضية كوبا جعلا من عام 1962 عاماً للمخاطر الكامنة. ومع تأكيد دعمه لسياسة كيندي في وجه السوفيت إلا أن الجنرال ديغول حافظ بصرامة على موقفه بما يخص الاستقلال النووي. وقد تم التعبير عن المقاومة الأمريكية في العام السابق عندما جدد كيندي ووزير دفاعه روبرت مكنمارا مطلبهم بأن تكون في يد الولايات المتحدة لوحدها سلطة القرار في هذا المجال.أيمكن أن نرى بذلك ردة فعل تعبر عن تحسسهم من الجنرال ديغول بعد أن نصحهم بعدم التورط في فيتنام؟ إلا أن أمام قرار فرنسا بالحصول على قوة ردع لنفسها استخدمت ولان كل ما لديها لهذا الاستحقاق، ورفضت أن ترسل للسلطات الفرنسية البلاتينيوم اللازم وبالرغم من أن العملية قد انطلقت راحوا بعد ذلك يسخرون من الطموحات الفرنسية ويتجاهلون نجاح مهندسيها وعلمائها.‏

وعقب التجربة النووية التي جرت في ريجان في الجزائر في 13 شباط 1960 تمثل رد الأمريكيين باتفاق موسكو ومن حينها تتابعت المحاولات المختلفة لعرقلة الديغولية ولوضع أوروبا في خانة التحالفات. في ذكرى يوم الاستقلال في 4 تموز 1962 اقترح الرئيس كيندي في خطابه بأن يقوم بين أوروبا والولايات المتحدة اتحاد أسماه بعبارة بالشراكة الأطلسية.وأقترح من جهة أخرى إيجاد اتحاد أوروبي حسب النموذج الأمريكي الولايات المتحدة الأوروبية) ومن جهة أخرى إيجاد مساواة كاملة بالحقوق وبالواجبات بين الكتلتين الكبيرتين الأمريكية والأوروبية فيما يتعلق فقط بالسلاح النووي.‏

وبما لا يخلو من الاستعلاء عرض الأمريكيون أنفسهم لتأمين الأمن الأوروبي في هذا المجال وأن يكون لهم بمفردهم حق استخدام مفتاح وتصنيع السلاح النووي وطبعاُ هم مجبورون أن يتدخلوا عند كل هجوم ضد أي بلد من الحلف من أجل الدفاع عنه. ومن جهة أخرى ووفاءً لخياراتهم منذ الاستقلال وخاصة منذ نظرية مونرو طالب الأمريكيون الكونجرس بواسطة كيندي أن يصوت على قانون التوسع التجاري، هذه الوثيقة التي كان المحيط القريب من كيندي يعتبرها كاتفاقية الغات GATT والتي كانت تعتبر بأنها ستكون الممهدة لها، فهي كانت تنوي إزالة الحواجز الجمركية الأمريكية بشرط أن ترفع الدول الأوروبية حواجزها أيضاً: وهذا ما هو إلا شكل من أشكال الصفقة الخادعة بنظر ترسانة القوانين والأنظمة التي تسمح للولايات المتحدة استخدام نظام الحماية المقنعة.‏

جاءت أزمة الصواريخ في كوبا في تشرين الأول 1962 في وقتها لكي تذكر العالم القلق بأن دور الولايات المتحدة كحامي لأوروبا يبدو ضرورياً اكثر فأكثر وأن الوقت الآن لا يسمح بأن تبدي - كما تفعل فرنسا - ميولاً استقلالية. إلا أن الجنرال ديغول انبرى في 14 كانون الثاني 1963 وصرح علناً بأن فرنسا قد قررت أن تقود الحملة بمفردها.‏

في 7 آذار 1966 أعلن بأن فرنسا قررت الانسحاب من الحلف الأطلسي وأن على الأمريكيين سحب قاعدتهم ومستودعات عتادهم وفرقهم العسكرية من أراضيها(3) . وبعد عدة سنوات حاول هنري كيسنجر التقليل من قرار الجنرال ديغول فأشار إلى أن قرار الخروج من الناتو لم يكن قراراً بالتخلي عن الحلف إذ أن خطوة الجنرال لم تكن إلا رمزية. إلا أن فرنسا تابعت تصميمها ليكون لها سياسة تميزها عن سياسة واشنطن فعارض ديغول هيمنة الدولار على نظام النقد العالمي وشجع على اعتماد عملة جيدة، وفي 20 حزيران 1966 ذهب إلى الاتحاد السوفيتي بزيارة ودية. وفي حزيران 1967 وبعد حرب إسرائيل الخاطفة مدعومة من الأمريكيين) ضد الدول العربية أصدرت فرنسا حظراً على الطائرات المتعاقد عليها والمدفوعة الثمن من الدولة العبرية. أما فيما يتعلق بخطاب ديغول في كندا وجملته الشهيرة "عاشت الكوبيك حرة" فقد أثار غيظ أمريكا. لكن التدخل الأكثر حسماً هو خطاب بنوم بن في الأول من أيلول عام 1966 في خضم حرب فيتنام حيث أكد بأنه بالنسبة لفرنسا هذا الصراع الذي تقوده قوة أتت "من الجانب الآخر للمحيط الهادي" لا يمكن أن يكون له "حلاً عسكرياً".‏

وتحرك كل اللوبي المؤيد لأمريكا في كل مكان يوم تم توقيع المعاهدة بين فرنسا وألمانيا فقامت الكتلة المؤيدة لأمريكا في البندستاغ البرلمان الألماني) بحملة صارخة وحققت نجاحاً لدى التصديق على الوثيقة بإضافة مقدمة اعتبرت لصالح الولايات المتحدة وصفعة للجنرال ديغول. وبعد فترة وجيزة استخدم المستشار الألماني لودفيغ أرهرد الذي نشأ في الولايات المتحدة ذلك لكي يميل كفة الميزان بشكل ملحوظ على حساب أوروبا. إلا أن ديغول تابع انطلاقته وكرر في ستراسبورغ في عام 1966 بأن الحلف الألماني - الفرنسي أساسي من أجل أوروبا مستقلة بشرط أن يكون لديها التصميم بأن لا تضع "حياتها" بين يدي قوة "صديقة لا شك" ولكن المصير والتاريخ جعلتها تنتمي لعالم مغاير لأوروبا. بين أعوام 1964-1966 حاول ديغول جاهداً شق طريق ثالث بين الكتلتين واتجه إلى الصين وأوروبا الشرقية وآسيا. وفي 10 آب 1967 تكلم في أحد خطاباته عن "الناسكين في محراب الطاعة الأطلسية" ورفض من جانبه أن يكون "الأداة الفرنسية المساعدة" لصالح هذا الطرف أو ذاك من القوتين العظمتين.‏

ذهب الجنرال وأخذت الأشياء تعود شيئاً فشيئاً إلى ما كانت عليه وبسبب خيانة "الديغوليين" انتهى التوازن لصالح الطروحات الأمريكية. وعادت الهجمة كما سبق وبشكل أشد، وفي خطابه في 23 نيسان 1973 أطلق هنري كيسنجر نداءاً لصالح "أطلسية جديدة" تضم أوروبا والولايات المتحدة واليابان، فقد اقترح أن تعمل هذه الدول بشكل تستطيع أن تعالج بمفردها القضايا الدولية، وقد جدد الرئيس ريغان هذا النداء بعد عشر سنوات. بالواقع إنه بعد التعديل الذي جرى عام 1956 رغم المعارضة الديغولية تعززت عولمة الحلف الأطلسي مع مرور السنين وكان لها تأثيران كبيران بالنسبة للدول الأوروبية الأعضاء.‏

الأول هو ضمان سيطرة الولايات المتحدة على الحلف، فقد وجدت هيئات الأركان والجيوش الأوروبية سجينة شبكة من هيئات أركان دولية رؤوسها الأساسية كلها أمريكيون. ثم امتدت صلاحيات الحلف فطالت مجالات أخرى سياسية - اقتصادية - ثقافية ) مما أعطى الأمريكيين مميزات حاسمة في كل مجال منها.على الصعيد الاقتصادي كان بوسعهم أن يمارسوا على الأوروبيين ابتزازاً دائماً مستخدمين العوائق أو التسهيلات النقدية والتجارية وعند الضرورة كانوا يهددون بتخفيض حصتهم في توزيع الأعباء والتكاليف كما حصل برهاناً على ذلك خلال لقاء نيكسون وبوم بيرو في ريكيافيك في حزيران 1973. في المجال السياسي إذا كانت الخيارات الاستراتيجية للحلف قد أعدت نظرياً من قبل جميع الدول الأعضاء إلا أنه في الواقع ما كانت هذه الدول تقوم إلا باعتماد القرارات المتخذة في البيت الأبيض.‏

أما فيما يخص الجانب العسكري بالذات لم يكن هناك أي أمر مما يحضر ويعتمد إلا وتكون منابعه ليس في أي مكان آخر سوى البنتاغون. وتأكيداً لذلك لسنا بحاجة أكثر من النظر إلى طريقة توزيع المهام داخل الحلف الأطلسي: استأثرت أوروبا بالجهود الجوية الأرضية أما الاحتكار النووي فقد كان من حصة الولايات المتحدة إضافة إلى البارجات الحربية الثقيلة والقيادة العليا. وهكذا حصلت عملية الاستلاب التي كان ديغول قد توقعها.‏

لقد حاولت فرنسا أن تقوم هنا وهناك بعملية تمرد ولكن دون نجاح، فلقد عملت الآلية للحلف الأطلسي بذكاء لإفشال السوق الأوروبية المشتركة التي حتى استسلام بلير هوس وأخيراً الغات في بداية 1994 وعملاً بمادة التفضيل المعمول بها في السوق ونجاح عمليات التصدير كانت قد ضايقت الأمريكيين. وعند قيام السوق خلافاً لإرادتهم أجاب الأمريكيون مباشرة بتحريض البريطانيين لإنشاء منطقة منافسة للتبادل الحر عام 1959 AELE) ولكنها لم تكن ذات فعالية.‏

وشكل الغات) المحاولة الثانية، لقد مارست الولايات المتحدة دائماً التكتيك الذي شكل أساس قيام الحلف الأطلسي ألا وهو قاعدة: فرق تسد. وباعتبارها سيدة في فن الشروع بالمناقشات المنفصلة مع الدول الأعضاء سواء كان ذلك على مستوى الحلف أو دول الاتحاد، لذلك كانت تثير الأحقاد وتنفخ على الجمر وتوقظ الغيرة وتستغل الخلافات الحساسة بين الدول الأوروبية. في قمة أوتاوا في تموز عام 1981 اعترضت فرنسا على سيطرة واشنطن على الحلف الأطلسي وإعادة الكرة في تشرين الأول ثم في كانون الأول 1982 وأيضاً خلال دورة أنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أيار 1983 ولم تغير المقترحات الفرنسية الواقع وخضع الجميع أمام الرفض الأمريكي المستمر.‏

وفيما يخص الحلف الأطلسي تمسكت الولايات المتحدة بمواقفها لعام 1956 وبالوثيقة الموقعة وخاصة المادة 17 التي تضع أوروبا تحت السيطرة على المدى الطويل وتؤكد بأنه "يجب وجود عملية مديدة على المستوى القومي من أجل تكوين العادات والتقاليد والقياس وهذه العملية لن تكون في أحسن الأحوال إلا بطيئة ومتدرجة".‏

بعد المنعطف الكبير للتسعينات بدا من الطبيعي طرح مسألة سبب وجود المنظمة وأهدافها، ومنذ عام 1991 أصبح من الواضح بأن الولايات المتحدة ليس لديها أي نية بالتنازل عن وصايتها لأحد بل تريد على العكس أن تعزز بُناها وتمتين أوصالها، وظهر أن ذلك سلاح ذو حدين حيث كان على السلطات الأمريكية لأسباب مالية بشكل خاص أن تخفض من عدد قواتها المسلحة وتحافظ في الوقت ذاته على تفوقها.‏

لم تترك التصريحات التي صدرت منذ العام 1991 أي مجال للشك حول هذا الهدف الأخير، أما التطورات الأخيرة للوضع الجغرافي السياسي جيوبوليتك) الدولي لم ينظر إليه كما يجب حول تبديل أهداف الحلف الأطلسي "ولم يؤثر لا على غرض ولا على وظائفه الأمنية" التي كان قد حددها، فهذه الأخيرة تؤمن "ديمومة مستمرة" وتقدم "فرصاً جديدة لإدراج إستراتيجيتها في إطار من المفهوم العريض للأمن". الوقت كان أكثر فأكثر‏

لصالح العولمة.‏

- امتداد جغرافي اتساع منطقة عمل الحلف).‏

- امتداد استراتيجي اتساع الصلاحيات).‏

- امتداد هيكلي تجديد البنى العسكرية).‏

الاقتراحات الأمريكية الأخيرة لم تلق من قبل الأوروبيين أية معارضة وليس هذا فحسب بل طرحت الولايات المتحدة أيضاً فكرة توسع الحلف الأطلسي لتشمل دول أوروبا الشرقية كانون الثاني 1994). فقد وصف البيان الختامي للاجتماع الوزاري لمجلس شمال الأطلسي في 17 كانون الأول 1992 المنظمة "كأحد الأدوات الضرورية من أجل توجيه التغيير في مجمل أوروبا" تعلق الأمر كما أقرت تقارير جيرميا وولفوويتز وهذا ما سنتكلم عنه لا حقاً) بإبعاد وبأي ثمن ظهور قوة عظمى حالية.‏

ولذلك تم التخطيط لإنشاء "قوة رد سريع" تسمح بُناها بمهارة عالية على صعيد التدخل توافق الحلف الأطلسي نفسه. وتشكل هذه القوة من عدة قوات متعددة الجنسيات وهكذا انتفت فكرة إنشاء قوة دفاعية أوروبية ذات سيادة حقيقة ومستقلة.‏

وقد دفعت التغييرات الأساسية التي حدثت منذ انهيار المعسكر الشيوعي الأمريكيين إلى متابعة تفوقهم وتشكلت لديهم أولويتان هما: العمل على إقامة الانسجام بين الجهد الدفاعي والواقع القائم والمحافظة على تفوقهم السياسي والعسكري في العالم.‏

وباعتبار أن الحرب الباردة قد انتهت كان من المناسب إذاً المحافظة على عدم التوازن من أجل منع أية قوة منافسة من أن ترى النور، والتقريران االذان قُدّما إلى الرئيس بوش من قبل البنتاغون عام 1992: تقرير بول ولفووتيز وتقرير الأميرال جيرميا كانا واضحين بشكل كامل فيما يخص الهدف المنشود ألا وهو بسط هيمنة الولايات المتحدة على كامل الكرة الأرضية بواسطة كل الوسائل العسكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية الضرورية(4) . والاستنتاج العام للتقريرين يدعو الجيش الأمريكي أن يحتوي من الآن وصاعداً على مايلي:‏

1- قوة نووية استراتيجية قادرة على التدخل ضد كل منافس يملك قوة شبيهة.‏

2- قوة في المحيط الهادي تتمركز في اليابان وفي كوريا الجنوبية قادرة على مواجهة القوى النووية والتقليدية الصينية وعلى تنفيذ مهام مراقبة الشرق الأقصى لروسيا وكوريا الشمالية.‏

3- قوة في المحيط الأطلسي تتمركز في قواعد نورفولك.‏

4- قوة طوارئ جاهزة للتدخل السريع في كل مكان حيث تفرض ذلك مصلحة الولايات المتحدة.‏

لقد تم تبني التوجيهات التي أوصت بها التقارير وبعض أعضاء الكونجرس بواسطة الرئيس كلينتون الذي أعاد تنظيم الحلف الأطلسي بإنشاء قوة للتدخل السريع من جهة قوامها 100 ألف جندي أمريكي ومن جهة أخرى قوة أساسية للدفاع مؤلفة من سبع وحدات مدرعة قوامها 500 ألف رجل من الجيوش الأوروبية والتعزيزات الأمريكية الاحتياط).‏

وتم تعزيز سلطة القادة العليا للحلف في أوروبا فأمسك الضباط الأمريكيون وعلى جميع المستويات بالمراكز المفصلية للحافز ويكفي أن نذكر حرب الخليج ثم حملة الصومال لكي نبرهن على أهمية النفوذ السياسي الأمريكي وكيف كانت رغبات واشنطن بالتدخل تترجم وكأنها أوامر.‏

إن موضوع التدخل ضد العراق هو ذو مغزى بما يتعلق بالولايات المتحدة التي بدت كقوة عالمية وحيدة وسيدة الحلف الأطلسي. تعالوا اليوم لنعود لهذا التدخل ولنرى باختصار ما حدث.‏

قلة هم حتى اليوم من فهموا بأن تدخل قوة متعددة الجنسيات في حرب الخليج ارتدت لباساً مخالفاً كلياً لعملية شرطية لنصرة الحق. لقد انقسم الرأي العام الأوروبي حينها بين أقلية ضئيلة من أولئك الذين بذكاء أدانوا التدخل ومن أكثرية ساحقة التي جذبتها حملة الرئيس بوش الدعائية فرأت بذلك حملة صليبية جديدة من الغرب العادل ضد صدام حسين الذي انقلب شيطاناً5.‏

الأهداف الحقيقة للحرب كانت أولاً اقتصادية ثم أصبحت جيواستراتيجية، هذا ما كشف عنه أحد أعضاء الدائرة المالية الدولية أتش. ثيمي H. Thieme ممثل البنك الألماني في نيويورك في Beleggers Almanak فقال "لقد اكتشفنا مؤخراً حقولاً بترولية في المملكة العربية السعودية هي أكبر بكثير من التي يتم استثمارها"، الأمر لا يحتاج إذاً لعبقري من أجل فهم الرهان إلا إذا وضع صدام حسين أو أحد المتطرفين الدينيين يده على هذه الحقول.‏

لذلك كانت ردة فعل الولايات المتحدة قاسية لهذه الدرجة، لقد أرادت الحفاظ على هذه الحقول من أجل العالم الحر وتمنع التفريط به لمصلحة المتعصبين لأنّ للشركات الليبرالية الغربية الحق أكثر منهم بالمطالبة بهذه الحقول حسب راي الأمريكيين.‏

وليس مستغرباً أن نعلم أنه بين 1953 و1990 كان لكل وزراء الخارجية الأمريكيين علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالشركات البترولية الكبرى(6) . وليس مستغرباً على ضوء ذلك أن يكون الرهان على البترول حاسماً في عملية اتخاذ القرار الأمريكي.‏

قبل كل شيء علينا أن ننظر للهجوم المعادي للعراق بمنظار أوسع وهو القتال من أجل الحفاظ على حق الولاية الغربية وخاصة الأمريكية على المادة الأولية الحيوية ألا وهي البترول.‏

فمن الوسائل الأكثر فاعلية في سلب العالم الثالث هي هذه السيطرة على المواد الأولية ولقد أمنت الحكومة الأمريكية لمجموعة اللوبي مصالحها الواسعة، وذلك كان إما بغرض التعرفة التي تقررها الشركات المتعددة الجنسية أو بممارسة ضغوط غير مباشرة انخفاض أو ارتفاع مصطنع لأسعار المواد الأولية في بورصة شيكاغو).‏

وصف الأستاذ الجامعي عالم اللسانيات نعوم شومسكي Noam Chomsky بشكل رائع هذه الاستراتيجية للولايات المتحدة فقال:"البترول الذي هو المورد الطبيعي الأساسي للاقتصاد الأمريكي ولكنه موجود في أراضي لا يملكها الأمريكيون يجب أن تبقى الأراضي إذن تحت تصرف الولايات المتحدة لذلك هي بالتأكيد مستعدة أن تقوم بالحرب من أجل أن تشتري البترول الذي لا تملكه وبالسعر الذي تفرضه".‏

إن ارتفاع سعر برميل النفط عند مطلع السبعينيات هو الدليل على ذلك، فبعد خفض قيمة الدولار في 12 شباط 1973 كان على شركات البترول أن تعوض هذا الانخفاض من أسعار النفط ولكنها رفضت أن تخضع لهذا الطلب وفي الأول من حزيران اتفقت منظمة الدول المصدرة للنفط OPEC على رفع سعر النفط بنسبة 11.9%، وفي الأول من أيلول قررت ليبيا وهذا حق لها أن تؤمم الشركات الكبرى للبترول، واتخذت الدول العربية في الكويت قراراً بمراجعة أسعار البترول ورفعها بنسبة مهمة. وفي السادس من تشرين قامت سوريا ومصر بهجوم عام ضد إسرائيل وغداة الحرب أمم العراق أكسون Exxon وموبيل للزيوت وهي شركات أمريكية موجودة في العراق. فردت بفرض حظر ضد العراق ورفضت فرنسا الاشتراك فيه. وأمام تبدل مواقف بعض الدول العربية التي أصبحت حليفة للولايات المتحدة مصر) وأمام عدوانية إسرائيل اختار العراق الهروب إلى الأمام فوصل إلى شكل من الانعزالية، في هذا الوقت قادت حاجة الولايات المتحدة المتزايدة لنفط الخليج دفعها إلى أن تسيطر بصرامة على المنطقة. فكانت السعودية والكويت وكذلك الإمارات وقطر تخضع لرغبة واشنطن وفي حين كانت أسعار البترول تهبط كانوا مجبورين على استثمار البترودولار من ربحهم في الاقتصاد الغربي مما يمثل حوالي 93% من الاستثمارات لدول الخليج) وخاصة في الاقتصاد الأمريكي. وفي نهاية الثمانينات عاد البترول لسعره عام 1973 وكان على دول منظمة الدول المصدرة للنفط OPEP أن تعوض ذلك من التصدير الذي بلغ عام 1986 15% من دخلها القومي مقابل 4% من الخسارة من الدخل من الاستيراد لدول الغرب وكان ذلك في قلب الأزمة البترولية.‏

وكما كان يحدث في كل تدخل عسكري أمريكي أعلنت البيانات الرسمية الدفاع عن "المصالح الحيوية للولايات المتحدة"، في 7 كانون الثاني 1991 أوضح الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في جريدة نيويورك تايمز بأنه" نحن لا نذهب إلى هناك للدفاع عن الديمقراطية لأن الكويت ليست بلداً ديمقراطياً، ولا يوجد بلد ديمقراطي في المنطقة، ...) ونحن لا نذهب إلى هناك للدفاع عن الشرعية الدولية، نحن ذاهبون إلى هناك وعلينا أن نفعل ذلك لأننا لا نسمح لأحد أن يمس مصالحنا الحيوية".‏

الهدف فيما بعد كان جيوسياسي فالعراق الذي أمم الشركات الأمريكية وعزز وضعه العسكري والسياسي من خلال حربه ضد إيران كان يشكل تهديداً بأن يصبح قوة عظمى إقليمية. وأمام بروز النظام العالمي الجديد الذي رسمته واشنطن بدا استقلال العراق أمراً لا يمكن تحمله، وبما أن الولايات المتحدة كانت منهمكة بإعادة النظام الاستعماري الذي كان في السابق تحت سيطرة بريطانيا وجدت نفسها في مجابهة أمة قادرة على خلط الأوراق. ففي الوقت كانت أغلب دول المنطقة قبلت بهيمنة واشنطن ارتكب العراق غلطة امتلاك وسائل استقلاله وخاصة الاقتصادي والسياسي الشيء الذي اعتبر غير مقبول. إضافة وحسب تصريحات مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية C.I.A وليم كاسي كما أنه لم يكن من الممكن ترك نيكاراغوا - كما حدث في كوبا 1959- أن تقيم نظاماً يمكن له أن يصبح نموذجاً ناجحاً لقيام دولة ذات طابع اشتراكي لذلك لم يكن من المعقول أن يستمر العراق طويلاً بانتهاك النظام العالمي الأمريكي، وأخيراً وفي الوقت الذي سمحت لإسرائيل بتعزيز موقفها المهيمن في المنطقة قامت الولايات المتحدة بالإضرار بالمصالح الأوروبية وبالإساءة إلى العلاقات بين أوروبا والدول العربية. وقد أصابت عصفورين بحجر واحد لأنها قضت في المهد على الصحوة الجديدة للعالم العربي بإقامة وحدته وفي الوقت ذاته قامت بتكدير طويل الأمد لصورة أوروبا وخاصة فرنسا لدى الشعب العربي.‏

وهكذا فهي لم تقم فقط بارجاع الدول الأوروبية إلى بلادها بعد الحرب دون أن تجني اية فائدة بل قامت باستبعادها من كل الصفقات التي تبعت الحرب. ووضع النظام العالمي الجديد الناتج عن حرب الخليج تحت السيطرة الكاملة للولايات المتحدة من دون أن يكون للدول الأوروبية الحق بقول كلمتهم. وبعث من جديد النظام الاستعماري القديم واستبدلت الأمم المستعمرة القديمة بالولايات المتحدة وضعفت سلطة العرب بينما حصلت دول الخليج ذات الأنظمة غير الديمقراطيةعلى ديمومة امتيازاتها مقابل صلاحيات أمريكية على النفط وضمان عدم اتحاد العالم العربي إلى الأبد. وعن طريق منع العراق أن يصبح قوة مسيطرة في الخليج ودفع البعض لمعارضة واشنطن تم توجيه إنذار إلى دول الجنوب محذرة إياها من أية محاولة تمرد ضد السلام الأمريكي مما شجع كذلك المملكة السعودية والكويت للسماح بإقامة أوسع القواعد الأمريكية على أراضيها. وأخيراً هناك ظاهرة لا يمكن تجاهلها وهي البنية العسكرية الصناعية المسؤولة عن تزويد السوق العملاق بالسلاح والتي انتكست عند نهاية الصراع بين الشرق والغرب منذ انهيار الاتحاد السوفيتي فاستطاعت مع هذه الحرب أن تستعيد أملها، الأرقام في هذا المجال معبرة. في أيلول كان جورج بوش قد أعلن عن عقد بيع للأسلحة مع المملكة العربية السعودية بقيمة 20 مليار دولار خفضت بعد ذلك إلى 7.5 مليار دولار من قبل الكونجرس. وبعد سنة في شباط ضربت مبيعات الأسلحة حسب تقرير صادر عن البنتاغون الرقم القياسي وصل إلى 33 مليار دولار ونصف هذه المبيعات كانت في الشرق الأوسط. وفي 30 أيار 1991 تكلم ديك تشني عن صفقة أسلحة لإسرائيل وللإمارات العربية المتحدة ولم يعلن عن قيمتها، وعلى مدى عام من حرب الخليج باعت الولايات المتحدة من الأسلحة ما قيمته أكثر من 15 مليار دولار. وباعتبارها المصدر الأول في عام 1997 وللسنة السادسة على التوالي باعت الولايات المتحدة في عام 1996 11.3 مليار دولار من العتاد الحربي أي بزيادة 23% عن عام 1995.‏

ولتعزيز موقفها المهيمن على السوق العالمية للأسلحة لم تتوان الولايات المتحدة عن التقليل من أهمية السلاح الفرنسي، وبعد أن أعلنت أن قوة الردع التقليدية لقوات التدخل الفرنسية ضعيفة أوكلت إليها دوراً هامشياً في العمليات التي جرت على أرض العراق ولم يتوقف الجنرال شوارزكوف ومن خلف الكواليس من الاستهزاء من العتاد العسكري لفرنسا. فالدبابات الوحيدة التي جابهت العتاد المستورد من الاتحاد السوفيتي كانت دبابات أمريكية وبريطانية قادرة على مجابهة عتاد عسكري وهي أقوى من الدبابات الفرنسية. هذه الحملة المدسوسة كانت تخفي استراتيجية على المدى الطويل في مجال بيع الأسلحة. فعن طريق تقليل أهمية العتاد الفرنسي الفعال والخفيف والأرخص استطاع الأمريكيون السيطرة على الأسواق التي كانت في عجلة من أمرها لعقد الصفقات بعد نهاية الحرب.‏

كانت الأنظار متجهة إلى هدف نهائي - السيطرة الدولية - لذا استخدم الامريكيون سوق السلاح بصورة أخرى مخيفة وأكثر تخريباً، فليس فقط زادت صادراتهم منذ حرب الخليج حتى 25% من إنتاجهم العسكري 197 مليار فرنك) ولكنهم جذبوا أيضاً دول الاتحاد الأوروبي في كمين زادت نتائجه تبعية أوروبا للولايات المتحدة. إن اتفاقية ماستريخ ذات الوحي الليبرالي نصت على أن "الهدف هو تطوير الاتحاد الأوروبي كوسيلة لتعزيز الدعامة الأوروبية للحلف الأطلسي". هذا يعني من جهة إعلان بأن المنظمة الوحيدة الأوروبية العسكرية هي منظمة الحلف الأطلسي المسيطر عليها بالكامل من الولايات المتحدة ومن جهة أخرى إعلان بأن الاتحاد الأوروبي الغربي البعيد كل البعد عن تكوين نواة أوروبية مستقلة ما هو إلا "دعامة" لمنظمة الحلف الأطلسي(7) .‏

منظمة الأمم المتحدة:‏

إضافة للشبكة الاقتصادية مع الغات والمنظمة العالمية للتجارة والاتفاقات التجارية الكبرى والمعاهدات الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وللشبكة العسكرية مع الحلف الأطلسي تمتلك الاستبدادية الأمريكية شبكة دولية دبلوماسية سياسية وهي: منظمة الأمم المتحدة.‏

إن ميثاق الأمم المتحدة الذي وقع في سان فرانسيسكو في 26 حزيران ودخل حيز التطبيق في 24 تشرين الأول 1945 هو ثمرة استراتيجية انكلوسكسونية تم إعداده خلال الحرب العالمية الثانية تحت رعاية الرئيس روزفلت. الأنظمة الأساسية لمجلس الأمن تؤكد على أنه يمتلك "مسؤولية الحفاظ على السلام" المادة 39) وهو المؤهل أن يقرر التدخل لدى أي تهديد للسلام. وعند اللجوء للمادة 39 يبرز نوعان من الوسائل يمكن استخدامها: تلك التي تفرض استخدام القوة المادة 42) والوسائل التي لا تفرض استخدام القوة المادة 41). وكل قرار يتخذه المجلس يجب قبوله من الأعضاء كماويجب تطبيقه المادة 25).‏

في حالات عدة على محكمة العدل الدولية أن تلتئم وتطلق حكمها في حال التعرض للقانون الدولي. هذا ما جرى أثناء حرب الخليج أو في الحالة الليبية: فلم يعترض أحد على قصف طرابلس في عام 1986 حيث قتلت خلاله ابنة الرئيس القذافي ولأنه كان في الغالب يقطع الطريق أمامها لم تكن المحكمة تتدخل مما كان يتيح لبعض أصحاب القرار على الصعيد العالمي أن يكونوا في منأى عن أية مراقبة قضائية وأن يتخذوا قراراتهم بارتياح بالتدخل أو عدمه، فوظفت الولايات المتحدة ذلك كوسيلة متميزة لخدمة مصالحها وخير دليل على ذلك عدد مرات الحظر الاقتصادي المتخذة بالضغط التي مارسته على هذا البلد أو ذاك والمحاباة تجاه بعض الدول.‏

إن مهمات الأمم المتحدة ذات العلاقة بالأمن الجماعي فشلت جميعها، السبب الأول وراء ذلك كان انعدام التفاهم حول الأمور الأساسية فلم يتمكن الأعضاء الخمس للمجلس من التوصل أبداً لقرار سياسي حقيقي بل كانوا يفضلون التوصل إلى حل وسط هش، لا يؤدي غالباً إلى حدوث أي تأثير. وعندما تمس مصالح الولايات المتحدة كما في حالة الصراع في الخليج لم يكن الأمريكيون يجدون أية صعوبة في "إقناع" شركائهم من اتباع خطواتهم(8) . فأثناء الغزو التركي في 13 شباط 1975 كانت حصيلة المعارك أكثر من 3000 قتيل في الجانب اليوناني وقام الأتراك بتهجير السكان مما ضمن للجزء الواقع تحت سيطرتهم قدرات اقتصادية أفضل. ولم يصدر أي ضغط من منظمة الأمم المتحدة في وجه الفعل التركي. كذلك يوم الغزو لتيمور بواسطة إندونيسيا في 7 كانون الأول 1975 بعد مغادرة الرئيس فورد ومستشاره هنري كيسنجر للبلاد بثلاث ساعات قام الجيش الإندونيسي بشكل غير شرعي بغزو الجزيرة وسبب ذلك موت 100-200 ألف شخص. وخلال التصويت على معاقبة حكومة جاكرتا صوتت الولايات المتحدة إلى جانب الغزاة. وقد سمحت مشاركة الأمريكيين للغزاة باستخدام قنابل النابالم من أجل إخضاع سكان الجزيرة في ظروف وصفتها بعثة برلمانية أسترالية بالمذبحة التي لم يرتكب مثلها أبداً منذ الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين قدمت الإدارات الأمريكية المختلفة مليارات الدولارات للحكومة الإندونيسية ومنها 400 مليون دولار كمساعدة اقتصادية من إدارة الرئيس كلينتون الذي باعها أيضاً سلاحاً بقيمة 270 مليون دولار.‏

مثالان مؤثران لا يزالان حتى الآن في ذاكرة البشر، المسألة الصومالية ومسألة أقدم منها وهي قضية الكونغو.‏

الأزمة الكونغولية 1959-1960:‏

في سياق المحاولات التبعية للرئيس ويلسون غداة الحرب العالمية الأولى تابع الأمريكيون في كل مكان بعد عام 1945 حملتهم الرامية إلى طرد الدول الأوروبية من دول العالم الثالث حيث لا تزال مسيطرة. وكما كتب جاك فاندر في كتابه عن الأزمة الكونغولية "لقد أصبح من الآن وصاعداً قوتان عظيمتان حقيقيتان تسيطران على العالم وهما الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. وصممت هاتان القوتان بحزم على اتخاذ موقف ضد الاستعمار بسبب أنهما لم تكونا قوى استعمارية ولأن ضعف القوى الاستعمارية وخاصة فرنسا وبريطانيا العظمى ساهم بتعزيز موقفها في المحافل الدولية".كانت مهمة الولايات المتحدة غير صعبة "لأن شرعية الدول الاستعمارية في مجموعة الأمم أصبحت مغايرة لتلك التي كانت من قبل عام 1940 كما أن المحن التي مرت بها خلال الحرب أجبرتها تدريجياً على التخلي استعمارها في آسيا أولاً ثم في أفريقيا.‏

أثناء الصراع العالمي وهكذا سقطت أسطورة القوى التي لا تقهر مثل بلجيكا وفرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا وهولندا، بعد أن عملت هذه القوى على أن تبرز بعناية هذه الأسطورة في وجه الشعوب الخاضعة للاستعمار وعملت الولايات المتحدة بدأب على إزالة هذه الأسطورة فكانت جاهزة لتساعد بشكل خفيّ أولئك الذين يقاتلون المستعمرين وهذا ما حصل في فيتنام حيث تظاهرت بدعم فرنسا في الوقت الذي كانت تمد فيه سراً المقاومين التابعين لهوشي منه بالسلاح والعتاد. وهكذا فقد الأوروبيون مستعمراتهم الواحدة تلو الأخرى: الهند في عام 1947 وإندونيسيا في عام 1949 والهند الصينية بعد هزيمة الفرنسيين في ديان بيان فو في عام 1954 والمغرب وتونس حصلتا على سيادة محدودة قليلاً في عام 1956.‏

في هذه السنة نفسها حدثت "المخططات الأولى الحقيقية للتحرر السياسي في الكونغو". حتى لو كان الوضع العام مؤات لها خاصة بفضل الشخصيات البلجيكية التي عرفت تحت لقب"رجال تصفية الإمبراطورية" وعرفوا كيف يزاوجوا بين الديناميكية وآلة الاستعمار، إلا أن التأثيرات الخارجية لم تكن غريبة عن الموضوع. لقد نشط الأمريكيون بواسطة جماعات كالوتكوفر المرتبطة بأنصار يَهْوه والذين انتشروا في الكونغو تحت اسم الكيتوالا أو بواسطة برامج إذاعية إنطلاقاً من دول المنطقة كمصر مثلاً. في نهاية الخمسينات كان الوضع قد نضج من أجل القيام بتغير كبير. في 28 كانون الأول 1958 طالب باترس لومومبا في خطاب ألقاه في ليوبولدفيل بـ"تحرير الشعب الكونغولي من النظام الاستعماري وحصوله على الاستقلال". وعجلت انتفاضات 4 كانون الثاني 1959 الأمر نتيجة الحماقات العديدة للسلطات المحلية البلجيكية، السنة التالية سرعت بالتغير. كتب فاندر لندن يقول: "الأشهر الستة الأولى من عام 1960 لم تكن أبداً هادئة في كل البلاد"، الإدارة عاجزة عن فرض احترامها وخاصة في ريف ليوبولدفيل وحركات متذبذبة استقلالية في كتنغا حيث أعلنت حالة الطوارئ في 14 حزيران ومجابهات في كاشاتي. وفي 21 حزيران انتخب أحد أنصار لومومبا كرئيس لمجلس الممثلين وطُلب إلى لومومبا أن يقوم بتشكيل الحكومة التي حصلت على ثقة البرلمان 23-24حزيران) وبعد الانتخابات الرئاسية التي كانت حصيلتها انتصار جوزيف كازافوبو 24حزيران) فقام بتسمية لومومبا كرئيس للوزراء، وفي 30 حزيران حصلت البلاد على الاستقلال.‏

الأيام التي امتدت بين 4-14 تموز 1960 فجرّت الأزمة النهائية وأخرجت المستعمر البلجيكي خارج الكونغو وتوجت الجهود الأمريكية من أجل وضع رجل نصير لأهدافها في سدة السلطة.‏

الجدول الزمني حدث على الشكل التالي: صعوبات أولى ظهرت بين صفوف القوى العاملة في ليوبولدفيل مصادمات في تيسفيل 5 تموز) فوضى عامة في ليوبولدفيل 7 تموز) اضطرابات في كوما وكنغوليو وماتادي. فقررت الحكومة البلجيكية أن تعزز قدراتها في قواعدها الأفريقية 8تموز) تلا ذلك اضطرابات مسلحة في إليزابيث فيل وفي لولوبورغ 9تموز) وتدخل القوات البلجيكية في كتنغا 10تموز) وفي ماتادي 11تموز) فتبع ذلك إعلان استقلال كتنغا. في 12 تموز وجدت وزارة المستعمرات استحالة استمرار الموظفين البلجيكيين بالقيام بمهامهم في أفريقيا وفي 13 تموز تفجرت الأحداث في ليوبولدفيل واحتلت القوات البلجيكية مطار ندجيلي. في 14 تموز قطعت العلاقات الدبلوماسية مع بلجيكا. بالواقع وإلى جانب الأخطاء التي ارتكبها البلجيكيون في بلدهم وفي الكونغو بالذات لابد من توجيه الاتهام إلى المناورات الأمريكية. في البداية هناك الشائعات التي أثارها عملاء المخابرات الأمريكية C.I.A) والتي انتشرت في كل مكان حول طائرات سوفيتية قد تكون قد حطت في مطار ندجيلي وأن الضباط البلجيكيين قد حاكوا مؤامرة تؤدي إلى ذبح الجنود الكونغوليين. تبع ذلك غليان أدى لحالة من الفوضى كانت مصيرية. الشائعات نفسها ألهبت كيفو وكتنغا مما أدى للصدام المسلح في حامية إليزابيث فيل في 9 تموز أمام تهديد بتدخل المظليين البلجيكيين. ثم إن وراء إعلان استقلال كتنغا في 11 تموز نشطت المصالح الأمريكية، ومن جهة أخرى لابد أن نشير إلى الغموض الذي أثارته بين الناس والجيش والمناورات والأخطاء التي ارتكبت قصداً. وبالرغم من النية الحسنة للرئيس كاسافوبو ولرئيس وزرائه لومومبا الذين جابوا البلاد بهدف التهدئة ولوضع حد لسوء التفاهم إلا أن كل شيء كان قد تم. ولم يعد هناك مهرب من تدويل الصراع وهذا ما سعت إليه الولايات المتحدة مما أدى إلى تدخل الأمم المتحدة التي نشرت قواتها في ليوبولدفيل في 16 تموز.‏

بالتواطؤ مع الأمريكيين المستعدين دائماً للتدخل شن ممثلو منظمة الأمم المتحدة الذين كانوا على اتصال وثيق بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية هجوماً على حكومة لومومبا التي عمل الأمريكيون على زعزعتها بواسطة جوزيف كاسافوبو الذي نحّى بومومبا عن الحكم بتشجيع من السفارة الأمريكية وأحدثت أزمة دستورية أغرقت البلاد بالفوضى وبالمواجهات بين الفصائل. وكان قائد عملية الأمم المتحدة في الكونغو أندريه كورديه - الموظف النموذجي- هو الذي نقل أوامر واشنطن إلى المنظمة الدولية. ثم نظمت الاستخبارات الأمريكية C.I.A) انقلاباً دفع بـ موبوتو Mobuto) إلى السلطة وقامت باغتيال باترس لومومبا. فعلق موبوتو فوراً عمل البرلمان والدستور. ودعم الرئيس كندي ترشيح النقابي سيرل أندولا ليكون رئيساً للوزراء لأنه يتناسب مع الطروحات الأمريكية. في تموز 1961 عقد البرلمان اجتماعاً برئاسة منظمة الأمم المتحدة وخوفاً من التأثير الخارجي المعارض لمصالحها وخاصة من قبل فرنسا حاصرت السلطات الأمريكية البناء بواسطة قوات الأمم المتحدة. وبغية إقامة حكومة تابعة لها قامت السلطات الأمريكية بحفر نفق يصل خارج البرلمان مع داخله وبواسطته كان مسؤول الاستخبارات الأمريكية يمرر رزم الدولارات من أجل شراء أصوات البرلمانيين (9) . وفي الداخل كان محمود خيري أحد كبار الموظفين في منظمة الأمم المتحدة يقوم بدور الوسيط.‏

العملية الصومالية:‏

قضية أقرب إلينا، الصومال. في نهاية عام 1992 كان برنامج تدخل الأمم المتحدة في الصومال الذي وضعه بطرس غالي بسيطاً:‏

نزع سلاح الميليشيات.‏

دعوة المؤتمر الوطني للاجتماع.‏

إعادة توحيد البلد تحت سلطة تنفيذية مؤقتة تضم الجمهورية التي أعلنت عن تسميتها "أرض الصومال".‏

منذ البداية عارضت الولايات المتحدة عدداً من نقاط هذه الخطة. فجورج بوش لم يتحرك إلا لاعتبارات بسيطة للسياسة الخارجية وكان يهدف منع خفض الميزانية العسكرية من قبل الكونجرس. لذلك رفض نزع سلاح الميليشيات. في كانون الأول 1992 أمر بإنزال القوات الأمريكية في الصومال في جو من الدعاية الضخمة وتحت أنظار وسائل الإعلام الأمريكية التي بثته بالتالي في كل أنحاء العالم ليبرز بهذا الإخراج السينمائي العاطفي وجه أمريكا المنظمة والفعالة.‏

يتكون الشعب الصومالي في أغلبيته من بدو رحل 70%)منظم بشكل قبائل. رئيس الحكومة زياد باري يتبنى بشكل دائم خطابين، الأول هو محاولة لإبراز أنه يمثل نظاماً حديثاً مترفعاً عن القبلية، والثاني هو شبه رسمي يتمسك بإقامة بنية قبلية متعددة الأوجه تفسد آليات إخضاع المجتمع التقليدي للقانون. لقد تصورت الولايات المتحدة بأن تفاهماً قسرياً ومكتوباً بين القبائل يمكن له أن يشكل حلاً لا يتعارض مع مصالحها الخاصة، فتوصلت إلى وثيقة لم تكن تعني شيئاً بالنسبة للصوماليين المعتادين على الجمل الرنانة وعلى الحلول الخطابية الموثقة بالوعود.‏

أمام فشل المفاوضات عقد الجنرال عيديد وحلفاؤه من الاتحاد الوطني الصومالي سلسلة مؤتمرات محلية بأسلوب قريب من الطريقة التقليدية. ففي 31 أيار 1993 تم عقد اتفاق بين الاتحاد الوطني الصومالي والجبهة الديموقراطية من أجل إنقاذ الصومال ومنظمة المجرتين التي تمسك بشمال البلاد. طبعاً منظمة الأمم المتحدة مستقلة لا تستطيع إلا أن تقبل التسوية التي كانت من عمل الصوماليين بأنفسهم. في أول الأمر أعلنت الأمم المتحدة بشخص أمينها العام بطرس غالي تأييدها للمعاهدة. وبعد لقاء تم مع رئيس الولايات المتحدة بدل بطرس غالي رأيه وأعلن أن الاتفاق غير صالح. إذ أن المؤتمرات التي أدت إليه كانت "غير مؤهلة". ورداً على ادعاء عيديد بأن التسوية الصومالية لا يمكن إلا أن تكون قضية الصوماليين أنفسهم ردت الولايات المتحدة بموقفها الثلاثي المعهود: تحويل عيديد لشيطان وصف على الحال بالعدو العلني) وإطلاق حملة إعلامية عنيفة وتحميل عيديد وحده المسؤولية الكاملة للحرب الأهلية الأرقام أشارت إلى أكثر من 300 ألف قتيل).‏

القضية الصومالية التي بدأت بجو من السرور عند الإنزال على الطريقة الهوليودية وبتعظيم العمل الإنساني الأمريكي الذي يهدف إلى إنقاذ آلاف الناس من الجوع مع تصفية الفائض الزراعي الأمريكي وهذا الهدف لم ينساه الأمريكيون أبداً، انتهت هذه القضية كما نعلم إلى الغموض الكامل حيث تم الانسحاب في نهاية الأمر بطريقة أقل تمجيداً. لقد وصف روني بروماني رئيس منظمة أطباء بلا حدود مشهد جنود الأمم المتحدة من الأمريكيين بشكل خاص قائلاً:"في الغالب كانوا سكارى ويبولون في الشوارع وهم واقفون على الأسطحة ويرسلون وراء النساء ويضربون الرجال بقسوة وفي بعض الأحيان الأطفال".‏

"سياسة المعيارين والمكيالين" التي طبقتها الأمم المتحدة بقسوة ضد الدول التي تزعج أمريكا وبرحمة وتسامح تجاه أصدقاء الولايات المتحدة انتهت بالاساءة للمنظمة التي تراجعت هيبتها. وبدأت ترتسم ردة فعل على هذا الواقع وبشكل مفاجئ مع مجيء الأمين العام الجديد كوفي عنان مع أنه معروف بـ"رجل الأمريكيين" الذين فرضوا انتخابه. فالابتزاز الذي تستخدمه الولايات المتحدة برفضها دفع ديونها المتراكمة منذ سنوات تجاه الأمم المتحدة إن لم تصبح مطواعة في يدها أثار باستمرار غضب الأمين العام. أما ملف منظمة الأمم المتحدة الموجود بين أيدي المحافظين المتزمتين في مجلس الشيوخ بقيادة جيسي هلمز ليس مرشح للحل لأن الإجراءات المتخذة تهدف إلى تخفيض الحصة الأمريكية من 25% إلى 20% من الموازنة ودفع المستحقات السابقة بالتقسيط وبتخفيض يصل لـ 60% وكذلك بتخفيض حاد في قوات الأمم المتحدة التي عانت بالأصل من تخفيضات قاسية وترافق كل هذا مع إجبار المنظمة على إخضاع حساباتها لما يوازي في أمريكا لسوق الصرف ألا وهو مؤسسة الحسابات العامة.‏

كان جواب كوفي عنان معبراً عن الدور الذي يلعبه الأمريكيون بالتلاعب بالأمم المتحدة وتوجيهها على طريقتهم، لقد قال:" ليس من وظيفة الأمين العام أن يفرض إرادة الولايات المتحدة على الدول الأعضاء الآخرين الـ 184".‏

(1) تجمع من عدة دول (29) أعلنت الحياد وعدم اهتمامها بالخضوع لهذا المعسكر أو ذاك بالرغم من أنها متعاطفة مع موسكو أكثر من واشنطن.‏

(2) كان دالاس وراء مشروع شخصي عمل على تنفيذه بعناد، لقد كان إلى جانب الرئيس ويلسون كمستشار في مؤتمر فرساي وكان نشيطاً في عدة مؤتمرات دولية لدعم نشر الديانة المسيحية وكان يؤمن بشكل قوي بالدور الإلهي للأمة الأمريكية فقد كان على اقتناع بأن مهمة بلاده هي قيادة العالم، ومن خلال الحرب الكونية الثانية كان المدافع عن فكرة الحكومة الكونية حيث تحتل فيها الولايات المتحدة المركز الملكي. وبسبب كراهيته للشيوعية قطع آلاف الكيلومترات لإقناع الحكومات الغربية بالخطر السوفيتي والصيني وبضرورة الاتحاد مع أمريكا.‏

(3) وهنا أيضاً برز الاستعلاء الأمريكي بشكل فاضح: استعراضات منظمة للفرق العسكرية القريبة من المدن بكامل ثيابهم ومعداتهم الموسيقية وأبواقهم وطبولهم لإعطاء صورة عن جيش متنصر ولا يمكن هزيمته. وفي كل القواعد هناك مخازن وصيدليات متخصصة تبيع فقط المنتجات المستوردة من الولايات المتحدة والتي كانت تعلن بأنها الأفضل في العالم وتقوم بمنافسة غير شريفة للمتاجر المحلية. احتلال الأراضي كان مؤثراً 14 قاعدة - 40 مستودعاً للعتاد - خط نفطي - 260000 عسكري - 60000 مدني، وإن أخذنا بعين الاعتبار أراء السكان المحليين كانت تصرفات الأفراد شبيهة بما يفعله الأمريكيون في كل مكان "مثيرون للصخب ووقحون ومتعجرفون وغير محترمون ومتسلطون"، وهناك الكثير من مثل هذه العبارات لدى السكان الذين عانوا منهم لاستعمالها في وصفهم.‏

) الغات: le GATT): الاتفاق العام على التعرفات الجمركية والتجارة.‏

(4) ضم أعضاء مرموقين من الكونجرس صوتهم إلى هؤلاء الذين أعدوا التقريرين أمثال السيناتور سام نان وليزاسبان رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب والذي أصبح فيما بعد وزيراً للدفاع.‏

(5) بعض الشخصيات الذكية وخاصة في فرنسا أعلنت عن معارضتها ونذكر من هذه الشخصيات جان بيار شوفمنان - ميشال جوير - لويس بوولز - أندريه جيرو.‏

(6) كان جون فوستر دالاس مستشاراً قانونياً لشركة Standard Oil ومدير مؤسسة روكفلر. كريستان هرتر 1959-1961) كان مرتبطاً بروكفلر بواسطة مؤسسة السلام العالمي التي كان يديرها راسك 1961-1969). أما هنري كيسنجر 1973-1977) فكان مقره في مجلس العلاقات الخارجية لمؤسسة روكفلر وأخوته. أما سايروس فانس 1977-1980) كان إداري ثم مدير لروكفلر وعضو في المؤسسة الثلاثية. من عام 1981 حتى عام 1982 كان ألكسندر هيغ مدير مصرف منهاتن. وكان جورج شولتز 1982-1989) مدير شركة برشتل المرتبطة بشفرن وجولف وايل، أما جيمس بيكر وزير خارجية جورج بوش فكان يمثل شركة من القضاة في هيوستن بخدمة الشركات البترولية الكبرى وكانت عائلته تملك حصصاً مهمة في شركة أكسون - موبيل - ستندر وايل... وأخريات.‏

(7) حتى أنّ الأمريكيين ذهبوا إلى أبعد من ذلك بإقناع الأوروبيين بإنشاء الـ "CALS" أو ما يعرف بـ:‏

Computer-Aided Acquisition and Logistic Support الدعم اللوجستي لسوق الجنود بمساعدة الحاسوب) وهي مجموعة تضم مكاتب للدراسات في جميع أنحاء المعمورة في مجال التسلح والتكنولوجيا العالية. والعضو الأهم في هذا الصرح هو البنتاغون، حيث أنه يمثل 80 مليار فرنك فرنسي من الإنفاق السنوي في مجال المعدات الحاسوبية العسكرية أو غير العسكرية، مما يؤهله للعب دوراً أساسياً في هذا المصرفي المعلوماتي المتعدد الجنسيات. النتيجة بدون أدنى شك معروفة وهي ربط كل البحوث والاكتشافات ذات الطابع العسكري وحتى الصناعي في العالم بالقوة الأمريكية، أي الخضوع الكامل لأوروبا للقرارات الأمريكية فيما يخص القدرة الدفاعية.‏

(8) لقد ضرب الأمريكيون الأرقام القياسية في استخدام حق الفيتو فبين عام 1970-1990 استخدموا أكثر من 60 مرة هذا الحق مقابل 26 لبريطانيا العظمى وغالباً لدعم المواقف الأمريكية على حساب دول العالم الثالث أو على حساب أوروبا، أما فرنسا فاستخدمته 11 مرة والاتحاد السوفيتي 8 مرات فقط.‏

(9) تم توزيع الكثير من هذه الرزم بشكل واسع في المقاهي والبارات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244