أمريكا المستبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم "العولمة" - Michel Bugnon-Mordant -ترجمة:د.حامد فرزات

ترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع : إخضــــــــاع العقــــــول

اعتبرت الولايات المتحدة منذ البداية أن الإمساك بالاحتكارات الثلاثة هو أمر أساسي:‏

الأول:‏

يتعلق بالقوة العسكرية وقد حصلت عليه بواسطة منظمة الحلف الأطلسي وقبعات الأمم المتحدة الزرقاء وبيع الأسلحة والسلاح النووي على مستوى العالم الغربي في ماعدا فرنسا).‏

الثاني:‏

هو احتكار الاقتصاد وكان قد أصبح فعلياً بشكل جزئي منذ اتفاقيات بريتون وودز عام 1944 حيث أصبح معيار النقد الدولي العملة الوطنية الأمريكية : الدولار، ولا يزال هذا المعيار قائماً حتى الآن. كما أن النظام الدولي الناتج عن الاتفاقيات خاضع لمخاطر السوق حيث تستطيع الولايات المتحدة التأثير فيه) ولاحتمالات النتائج الأمريكية وخلف هذا النظام مؤسسات دولية صندوق النقد الدولي - البنك الدولي) من أجل خدمة مصالح الولايات المتحدة والمجموعات الاقتصادية المستفيدة على مستوى العالم بأكمله. ومنذ سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية استطاعت الولايات المتحدة تحقيق هذا الاحتكار بشكل كامل لأن الأيديولوجية الاقتصادية الوحيدة المعترف بها والمطبقة في العالم أصبحت الرأسمالية الليبرالية والتبادل الحر وهذا ما كانت تطالب به النخب الأمريكية. أخيراً بواسطة الاتفاقيات الدولية المتعددة كاتفاقيات الغات GATT المنظمة الدولية للتجارة) أمسكت الولايات المتحدة ببقية الأمم وجعلتها رهائن. فقد تضمنت شبكتها الاقتصادية نقطة مركزية ذات وجهين:‏

1-الأيديولوجية الليبرالية والسلطات الاقتصادية والمالية والسياسية الأمريكية التي تتخذ بموافقة المجموعات المستفيدة للأمم الأخرى القرارات الاقتصادية التي يشعر بتأثيرها الكون بأكمله.‏

2- التكتلات الاقتصادية مثل نظام النقد الدولي والهيئات التابعة له ومؤسسة الدولار كمعيار والاتفاقات الدولية كل هذه التكتلات تسيطر على مراكز القرار الوطني للأمم وتتحكم بها.‏

الثالث:‏

بدون شك هو الأكثر خطورة لأنه استبدادي بجوهره ألا وهو احتكار وسائل الاتصالات ومن المفيد هنا أن نعرض لمحة تاريخية مختصرة.‏

تقزيم العالم:‏

منذ القدم فهم أصحاب السلطة بأن التحكم فقط بالأدوات العسكرية والبوليسية والسياسية ليس كافياً لتأمين بقاء ديمومة هذه السلطة. حتى قبل أن يضع الفلاسفة في أثينا أيام سقراط وما بعده مفهوم الأيديولوجية أدركت طبقة الحكام ومؤيدوها أن ما يقود الشعوب يتشكل من مجموعة من المعتقدات والعادات الحاضرة في الأذهان على شكل صور حيث حلت معظم رموزها وتحولت لتقاليد. الوظيفة الأساسية لهذه التقاليد ولهذه الرموز تقوم على إقحام المعتقدات والعادات بالرؤوس من أجل أن تجعلها متناسبة مع الطاعة والولاء. لذلك وجدت باكراً فكرة أن الناس يولدون داخل مجموعة لها بالطبع بنية اجتماعية وعلى كل فرد فيها أن ينسج معها وبدت هذه الفكرة لدى أصحاب الامتيازات بأنها أحد المفاهيم الأولى التي يجب أن تصبح تقليداً. نتج عن ذلك تعزيز للمجتمع الذي أريد له أن يكون ما أمكن غير قابل للعزل مع إبعاد كل إرادة ولو ضعيفة للاعتراض على وضع النظام القائم.‏

على عكس اليونان حيث كان من النادر وصول الأحرار إلى مركز مهم في حكومة الحاضر, جعلت روما الذرائعية والمتسامحة من الليونة الاجتماعية مصدر لتجدد النخب التي كانت تضمن قوة الجمهورية وبعد ذلك قوة الإمبراطورية. وبعيداً عن فكرة أن كل ما ينبثق عن روما يعكس إرادة مجلس الشيوخ والشعب كانت المجموعة الأيديولوجية الرومانية على قدر كافي من الغموض لكي تسمح بالمرونة الاجتماعية فاتحة عدة ممرات بين الطبقات الاجتماعية.‏

إن الفكرة المثالية "للرجل النبيل" المثقف والإنساني وصاحب الفكر المنفتح والقريب من الإنسان المتعلم الصيني في مدرسة كونفوشيوس وما بعده هذه الفكرة وصلت إلى وضع نموذجي مع أشخاص كسيسرون Cicerone وسنك Séneq وأنطونين أو مارك أورل، وأثبتت أنه بواسطة الجهد والإرادة والتوسط وتطبيق المعرفة والعقل على الموجودات وكذلك بواسطة الاستقامة والتمسك بالقيم الثقافية والأخلاقية كان يستطيع أي عضو في المجتمع أن يحسن وضعه الاجتماعي.‏

بعد أن خرجت أوروبا التي برزت للوجود على أثر سقوط روما) من حال الانحطاط حيث غرقت فيه نتيجة اختفاء أروع نموذج تنظيمي في تاريخها وضعت نفسها تحت تأثير الكنيسة في نوع من النظام الاجتماعي الذي ذكرنا بالنظام اليوناني القديم. كان تسلسل الطبقات خلال العصر الوسيط بدءاً من طبقة الأسياد وصولاً لطبقة العبيد يشجع مع تقوقعه في نظامه الاجتماعي العلاقات بين طبقات الشعب والتي تقوم على نوع من تبادل الخدمات ومجموعة من القيم التي تستبعد الشراكة الحقيقية، تبادل ذو طابع اقتصادي فقط على طريقة ما يسمى بخذ وهات الذي سيجد فيما بعد استتباباً مع النهوض القوي لبورجوازية المدن. هذه الأخيرة التي كانت تقوم على مرجعيات تجارية وطيدة عملت ما في وسعها لإقامة نهج مزدوج: الأول أيديولوجي بطبيعته لم يكن يعترف بأي تنظيم اجتماعي إلا بذلك الذي كان يناسب شركاء الاقتصاد والذي كان بالقول كما بالهدف يعتمد فقط على منطق الربح. والثاني ولأنه مرتبط بالأول كان يعتبر من الطبيعي بأن الجري نحو الربح كالسياسة ينبعان من إرادة القوة، إن هذه الإرادة ليس لها معنى إلا أن تقوم على السلطة الناجمة عن حيازة الأملاك المادية والتي هي بلغة عصرنا تتلخص بهذا التأكيد: السلطة تعود لمن يملك المال. بدون أي اعتبار للطبقات المحرومة انخرطت البرجوازية منذ القرن الرابع عشر بالحوار مع السياسيين الملوك - الأمراء - الأسياد - العائلات الكبرى الأرستقراطية) كتطوير للفكرة القائمة بأن السلطة قابلة للاقتسام. فإذاً لم تكن البرجوازية بعد التي تملك رأس المال قد حصلت مبدئياً على القوة السياسية إلا أن البرجوازيين كانوا يملكون بالمقابل القاعدة التي تقوم عليها هذه السياسة: القوة المالية. فبحسب وجهة نظر البرجوازية الصاعدة فإنه يحق فقط لمن يملك شيئاً مال - عقارات - أراضي - سلطة سياسية) بأن يشترك في اتخاذ القرارات وهو المؤهل لكي تتعامل معه على قدم المساواة. أما من لم يكن يملك أي شيء ممكن ترجمته كماً وعداً فإنه في أحس حال لم يكن يمثل إلا خزاناً تنهل منه لإنتاج المملكة الاقتصادية.‏

لكن هذا الوضع كان يناسبه بالطبع أن يبقى هؤلاء المحرومون في مواقعهم ويكتفون بالقناعة بدورهم وأن يكونوا وحدات للإنتاج. لذلك راحت تحل جمعيات الإغاثة والإخاء وتعاونيات الحرفيين التي كانت بالإضافة إلى اتفاقات الشرف حيث كان الأعضاء مدعوين لاحترامه) مسلحة لتدافع عن نفسها ضد المحاولات المتعددة لتكوين الاحتكارات من جانب البرجوازية التجارية. أما بالنسبة للشعب الضعيف والمنهك القوى فقدكان باستطاعة البرجوازية الاعتماد على الكنيسة المؤسساتية للإبقاء على خضوعه للأمر الواقع. على هذا الصعيد كانت أغلبية أعضاء الطبقات الأرستقراطية والأكليروس والتجارة متفقة على أنه لديهم مصالح مشتركة وطيلة العصر الوسيط أعطت رؤية العالم بدعم من الكنيسة لأهل أوروبا تفسيراً للعالم وللمجتمع كان مطمئناً في ذات الوقت للطبقات الحاكمة والطبقات الأدنى التي تشكل لهم اليد العاملة والمستهلكة. إلا أنه وتحت تأثير الأدباء والفنانين والأمراء المتنورين وبعد إعادة اكتشاف مؤلفات التراث القديم لليونان والرومان استطاعت العقول أن تتحرر. أما الكنيسة وبشكل اقل قطعية وبدفع من بعض أبنائها الذين ذكروها بواجبها نحو الفقراء وبإرثها ما قبل المسيحية الذي كان خليطاً من التسامح وتذوق الجمال) خطت نحو العقائد المتعددة. وما أن طل القرن السادس عشر حتى كانت ردة الفعل حاضرة.‏

وبواسطة الجمع بين العقلية التجارية وبالمراعاة الدقيقة للمبادئ الإنجيلية وضعت الحركة الإصلاحية البرجوازية الرأسمالية على طريق السلطة السياسية. من وجهة النظر الدينية كانت الرأسمالية البروتستانتية بسبب انتمائها لسلالة النخبة ولعملها الجيد واليقين الآخر هو أن هذه النعمة تتحقق بالنجاح المالي والتجاري والمادي، إضافة على أن التمسك الأخلاقي والتمسك بعالم الأعمال شكلت الشرط اللازم لحلول مملكة الرب على الأرض الآن.‏

على الصعيد الاقتصادي أصبحت العقيدة الليبرالية بصفتها الأولية قد وجدت لتشكل المقاس المناسب لأصحاب الأملاك عن طريق رؤيتها للعالم حيث أن التنوع السياسي والجغرافي والتاريخي وفي العادات والتقاليد والقوانين والثقافات يشكل عائقاً للمبادلات التجارية. وما أن وجدت البرجوازية البروتستانتية نفسها في موقع مؤثر على القرارات السياسية حتى أعلنت إدراج هذه الرؤيا في عملية من الطقوسية عبر التعاون الوثيق ما بين النخب دينية كانت أم مثقفة.‏

وباعتبار أن الفكر التسامحي قد أرسل للمحرقة كان على البروتستانتية التي من البدء كانت منقسمة على نفسها وهذا سبب تشعبها إلى عدة طوائف) أن تواجه مظاهر المقاومة أو الرفض من قبل الأنظمة القائمة. وكونها مضطهدة ومجبرة على الهجرة وجدت هذه الطوائف المتعنتة نفسها قد وصلت إلى مرحلة البحث عن أرض موعودة تسمح ببناء أمة جديدة تبعث بوقت واحد عقيدتها الدينية القدس السماوية) وطموحاتها الاقتصادية.‏

هذه الأمة كانت الولايات المتحدة.‏

إلا أنه وإن كانت المعتقدات الدينية التي حملتها حركة الإصلاح لم تنتصر بسهولة في أوروبا فقد قامت على الفور حرب جديدة أقل حماسة وهي الحركة المضادة للإصلاح) إلا أن الإنجيل الليبرالي استمال أصحاب الأملاك أينما وجدوا. وباعتبار أنها كانت كنيسة حقيقية لم تنتظر المؤسسة الليبرالية طويلاً كي يعلن "أباء كنيستها" أمثال لوك وسميث وريكاردو وبنتام عن "العقائد" كالمنفعية والأيدي الخفية ومجموعة المصالح الخاصة التي تقود إلى خير الجميع والتبادل الحر وإطلاق سياسة دعه يعمل دعه يمر) التي لا يمكن إثباتها بالوقائع وعن نوع من أنواع "العقيدة المسيحية" التي احتوت على عدة نصوص مثل مقالة "ثراء الأمم" وعلى "خوارنه"وعلى "مؤسسات" لكي تشرف على التطبيق الصحيح للمبادئ اليوم هذه المؤسسات هي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمصارف المركزية المستقلة لإضافة إلى الرجال الذين يديرونها).‏

ضمن هذا الأفق أصبح من الواضح للبرجوازية الليبرالية أنها اقتربت من الهدف خلال النصف الثاني للقرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر) وكان يجب بمجرد دخولها معابد السلطة كما حدث سابقاً في أوج زمن الكاثوليكية في العصور الوسطى أن تقنع الشعوب أنه لا يوجد نظام أفضل من نظامها. ومن أول انعكاسات الثورة الصناعية في إنكلترا في السنوات التي تلت عام 1770 كان التعبير أكثر فأكثر عن الطموحات البرجوازية الرأسمالية الليبرالية.‏

قبل ألفي عام طالب أفلاطون من أجل ضمان وحدة المجتمع المدني إضافة للفصل الواضح بين الفئات السياسية والعسكرية والاقتصادية ضرورة تعليق السلطتين الاقتصادية والعسكرية بالسياسة وهذا يضمن أن لا يكون للمسؤولين السياسيين أي أفضلية مالية للدخول بقضايا اقتصادية كما يضمن عدم إعطاء أي مسؤولية سياسية لرجال الاقتصاد. بعد ألفي عام وقرون قليلة ملازمة للثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر حصلت فئات المصالح الأوروبية على ما كانت ترنوا إليه دائماً ألا وهو إزالة الحدود بين الكتلة السياسية والكتلة الاقتصادية من أجل أن يندمجا في أحضانهما. وضمن هذه المبادئ تمت تربية جيل الشباب. إذاً كان لزاماً أن يتم تعديل النظام المدرسي القائم.‏

في هذه الأثناء تحركت الطبقات الكادحة وكل أولئك الذين في الطبقات الأخرى لم يتقبلوا أن تقوم بكل اطمئنان في إنكلترا طبقة أرستقراطية من الملاك الذين يستغلون الشعب. وأصبح الأدب بشكل خاص البديل الأيديولوجي الحقيقي وكما لاحظ تري أككلنتون فقد شهد نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر إن لم يكن ثلاثة أرباعه) إنكلترا تتحول إلى دولة بوليسية ذات مؤسسات كان عليها الحفاظ على مكاسب المستفيدين من النظام نفسه. وأقامت الأنظمة البرجوازية الجديدة في أوروبا أيديولوجية نفعية شرسة ومدعية حلمت الطبقة الوسطى التي ولدت بعد الثورة الصناعية أن تجعلها أبدية وأن تنشرها في كل مكان. هذه الأيديولوجية كما عبرت عنه مقدمة كتاب ديكنـز "الأوقات الصعبة Hard Times" كانت تهدف إلى "تقديس ما هو عملي وتقليص العلاقات الإنسانية إلى نظام تبادلي سلعي مع ازدراء الفن بحجة أنه ليس أكثر من زينة غير مفيدة". ومقابل فظاظة الرأسمالية الهدامة للعلاقات الاجتماعية التي حولت العمل إلى وسيلة للاستلاب تحت غطاء نظام الرواتب الذي شكل الرصيد الأدنى لعبودية جديدة ولا يرى شيئاً غير قابل لكي يترجم إلى كميات من التبادل في السوق الحرة، مقابل ذلك صنع الرومنطقيون ورد ثورث - كولريدج ثم وبشكل أعنف شيلي - كيتس - بيرون) من الخيال الخلاق "أحد الأطواق النادرة" حيث كانت القيم الإنسانية لها حق الحياة والدفاع الذاتي في وجه المبادئ الآلية وغير الإنسانية للرأسمالية الصناعية.‏

أخذت ردة الفعل الحقيقية شكلها من خلال الأدب. ديكنـز طبعاً وديزرائيلي أيضاً الذي وصف "الأمتين" الأغنياء والفقراء) في كتابه سيبل عام 1845 وجورج غسينغ في العمال في داون 1880 وانكلاسد 1884 وديموس 1886 الذي سخر من أنانية وخبث الطبقات المالكة ولكنه عبر عن شكه في قدرة الطبقات الكادحة على التحرر وعلى إظهار مبدأ الغيرية للوصول إلى هذا الهدف... وكذلك أتش. جي. ويلز في الزمن الآلة وراويات أخرى كثيرة... وردة الفعل هذه ظهرت أيضاً في حركات النقابيين والحركات الاجتماعية السياسية وفي المحاولات الإصلاحية التي لم يفد بعضها وخاصة تلك التي حدثت عام 1832 إلا الطبقات الوسطى على حساب العمال. كما ظهرت ردة الفعل عبر الجهود المعزولة ولكنها كانت حاسمة في تقرير فريدريك أنجلز حول واقع الطبقة الكادحة في إنكلترا 1845) وجهود كارل ماركس بشكل خاص.‏

وقد أدت هذه السنوات من النضال والاستنكار على مستوى القارة بأسرها إلى جعل البرجوازية الرأسمالية أن تدفع الثمن وأن تتخلى عن بعض المواقع، إلا أنه كانت تنتظرها أيام أفضل فقد كانت أنظارها تتجه إلى ما وراء الأطلسي. فأعطتها الحرب العالمية الثانية والعالم المتجه نحو الأمركة بعد بريتون وودز الفرصة للانتقام. وهنا تكمن إحدى عقد المسألة، فأن يكون للولايات المتحدة امتلاك الهيمنة العسكرية والاقتصادية هذا لا يتحقق إلا إذا توصلت في الوقت نفسه على الصعيد العالمي إلى نسج شبكة من التواطؤ والاتفاقات المستترة تضم في أغلب البلدان بعض المجموعات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتنفذة والتي ترى في الولايات المتحدة النموذج الأمثل للأمة التي ترجمت مادياً مفهوم "الأمة لشركة مغفلة" وقدمت لها النموذج الذي تقتدي به هذه الأمة التي تمسك بسيادتها والتي يجب تقليدها وإلا فاتنا قطار "الحداثة". ولكي تستطيع الأمة الرأسمالية الليبرالية الأمريكية أن تصل إلى تحقيق مهمتها التي كانت تعتقد أنها مكلفة بها سماوياً كان يجب على أكبر عدد ممكن من أغنياء العالم أن يقدموا لها العون في هذه المهمة أو على الأقل أن لا يشكلوا عائقاً لها.‏

إن التعاطف العملي لهذه المجموعات المتواطئة مع الولايات المتحدة يشكل ضرورة لها لكي تتابع مسيرتها كي تصل إلى الهيمنة الأخيرة ألا وهي الهيمنة على الاتصالات.‏

الخبز وألعاب السيرك«):‏

اشتمل عالم الاتصالات على "الخبز والرهانات" التي شدت إليها اهتمام حكام روما القديمة. فإذا كان الخبز ينتمي بشكل أكبر إلى الدائرة الاقتصادية ولكنه ليس غائباً بشكل كلي عن دائرة الاتصالات بالمعنى الأوسع للمفهوم لأنه يساهم في وقت واحد في العادات الغذائية وفي الشكل الأكثر حداثة واستهدافاً للدعاية ألا وهو عالم الإعلانات. فتغذية الطبقات الشعبية وعدم القدرة على الاستجابة للحاجات الغذائية للجميع والعمل على إلهاء أصحاب الحظ السيئ والمحرومين والمهملين بالألعاب كل ذلك شكل دائماً الهم الأكبر للحكام، ضمن هذا المنظور يظهر فن الاتصالات الذي يتضمن فن الدعاية وقد احتل فيه المقام الأول.‏

نستطيع أن نفهم أهمية الاتصالات عند قراءة تعريفها: فهي مجموعة الأفعال التي يتبادل من خلالها الكائن البشري مع أبناء جنسه الأنباء والمشاعر والانطباعات والانفعالات والأفكار والمعتقدات والطقوس...إلخ تتم هذه التبادلات بواسطة أقنية ووسائل نستطيع شكلياً تقسيمها على الشكل التالي:‏

1- وسائل محدودة تربط عدداً محدداً من الأفراد داخل دائرة تتفاعل فيما بينها بشكل حميمي) مثل المحادثة وتبادل وجهات النظر والدردشة والمحاضرات والندوات الشفهية والبطاقات الحميمية والملاحظات المكتوبة والأفلام والتسجيلات على المستوى السمعي البصري ...إلخ.‏

2- وسائل جماهرية: الصحافة المكتوبة والتلفاز والسينما والطباعة والإعلان والفنون التشكيلية...إلخ.‏

نلاحظ أن مجموعة كل مكونات الاتصالات بالشكل التي تم تحديدها تبادلات ووسائل) تضم كامل الدوائر الإعلامية التي تكون النشاط البشري فيما يمكن أن يكون الشيء الأساسي لأن ذلك كما نرى يشكل روحها. إذاً نستطيع أن ندرك بسهولة كم أن السيطرة الإقطاعية التي أنجزت عملياً على هذه الدوائر بواسطة قواعد السوق والتبادل التجاري باتت تشكل اليوم انفصالاً قاتلاً في تطور الحضارة الغربية كما عهدناها حتى يومنا هذا. نلاحظ أخيراً بأن الإمساك باحتكار هذا المجال يعرض الحرية البشرية للخطر في أعز ما تملك. ضمن هذا الإطار نقول أنه قد أنجزت خطوة لا عودة عنها في الاتجاه السيئ من قبل الولايات المتحدة ومن بعض المجموعات الكبرى الصناعية والمالية والتجارية في العالم. وبسبب المناورات التي بدأت منذ عشرات السنين والتي شملت عمليات ضم وانضمام وتفاهم بين مجموعات صحفية واتصالات وبين أصحاب مصانع صهر المعادن الثمينة والمواد العالية التقنية من كتب وأفلام وصحف ومنتجات من كل صنف أصبحت هذه المجموعات تحت سيطرة فئات لا يعادل قوتها المالية أي شيء في العالم مع تقلص واضح في عددها وانخفاض في عدد الأيادي التي يمكن أن تحركها. هذه الفئات عملت على بسط نفوذها بشكل واسع على الصعيد الكوني.‏

وهكذا فإن المناورات التي هدفت إلى فرض أيديولوجيتها ثم احتكار وسائل نشرها أي الأيولوجية) قد بدأت بشكل جدي منذ نهاية الصراع العالمي الأخير. لقد فهمت الولايات المتحدة الأمريكية منذ البداية بأن الفوز بالعقول يمر بهذا الإلغاء لهوية الآخرين وهو ما يسمى بالمثاقفة واتسبدالها بهوية جماعية قيمة بنظرهم والتي بالطبع هي هويتهم. ولكي يصبح العالم أمريكياً يجب أولاً أن نقنع الآخرين بتفوق النموذج الأمريكي على ما سواه، بعد ذلك كان يجب شن حملات هجومية ضد كل ما يمكن أن يشكل تهديداً له.وبمساعدة مجموعة أصحاب المصالح الاقتصادية وأصحاب الثروات العالمي استطاع الأمريكيون الهجوم على أساسين لهوية الشعوب: الإرث الجماعي والأداة الثقافية والعاطفية التي تتيح للفرد إمكانية التفكير والحكم واتخاذ القرار.‏

إن الإرث الجماعي للشعب هو لغته وتاريخه ونبوغه ومكتسباته الفنية والأدبية والعلمية والقافية وتقاليده أيضاً التي تشتمل على نظام القيم لأي مجموعة بشرية والذي يتضمن سماته(1) الثقافية وعاداته وتقاليده وتراثه وطريقة لبسه وغذائه وأسلوب عمله ولهوه وتصوره طرق تسليته وحبه وموته والأداة تتكون من تصوراته التحليلية والاستنتاجية والجمالية وحساسيته وتفهمه التي تقوده إلى فهم شامل للعالم وإلى تطبيق عملي لتفكيره ولقراره أي في نهاية المطاف إلى اختيار اتجاهاته لممارسة أفعاله. وعند تزوير إدراك شعب ما لإرثه بإبعاد هذا الإرث شيئاً فشيئاً وإبداله بإرث مختلف عن طريق صناعة عادات وهيكليات تفسيرية نابعة من مصدر أيديولوجي غريب نكون بهذه الطريقة قد قمنا باستلاب روح هذا الشعب وتحويله إلى قطيع.‏

وضمن الإطار العام للهجمة الليبرالية على الصعيد الكوني تهدف إمبريالية الولايات المتحدة إلى جعل التقاليد والتذوق والرغبات ذات نمط واحد وإلى تسوية وتوحيد العادات والمظاهر وإلى القصور الذهني وإلى التطور التبسيطي الدولي. الهدف النهائي من وراء ذلك هو تقسيم البشرية إلى كتلتين متواجهتين: الأولى وفيرة العدد مؤلفة من الزبائن المشترين والمستهلكين ودافعي الضرائب) اللذين يساهمون بأعمالهم بزيادة ثروات الطبقات المالكة وبدفع مسيرة المعمورة. الثانية قليلة العدد مؤلفة من الباعة صناعيين وتجار وممولين ووسطاء تجار) اللذين يساهمون بشكل ضعيف بمسيرة تجمع ما، وهم بشكل أو آخر غير معنيين بهذا التجمع. فهم يكتفون بتقويم السوق التجاري من أجل قواتهم لأن باستثمار فوائدهم الضخمة يساهمون بخدمة مضاعفة الأرباح لصالحهم بشكل كامل. إن هذا التصدير الشكلي حتماً يتيح لنا قراءة فظة ولكن منسجمة مع الواقع المعاصر.‏

لكي يحافظ هذا النظام القائم على فعاليته كان عليه أن يعمل بعمق من أجل تفتيت كل ما يشكل الهوية الجماعية التي يراها عوائق لنظام التبادل. ولكي تفقد الشعوب في كل مكان والتي عرفت بمجموعات من رجال ونساء وأولاد يجمعهم ببعض ثقافة مشتركة تعمل فعلاً على تضمانهم لكي تفقد هذه الشعوب في كل مكان ردود فعلها الجماعية المغروسة في ذاكرة مجتمعها كان يكفي أن نحولها لكتلة أي إلى كومة مكدسة من الأفراد اللامبالين دون تميزيه ودون ثقافة ذاتية عديمي الجنسية مستهلكين في نظام التبادل مدعوين إلى الأداء الوظيفي داخل بنية محكومة فقط بالقوانين الاقتصادية. هذا المشروع لإقامة الكتل وصل إلى إقامة قانون الغاب وحرب الجميع ضد الجميع التي تشجع كسب الثروات وتنتصر لقانون الأقوى والأسرع والأقل تردداً والأكثر مكيدة والأكثر تسلحاً بعقلية الكسب والأكثر أنانية وذلك عن طريق إزاحة المنافس واحتكار السلطات واستغلال المنتجين المستهلكين. كل هذا يمر عبر تدمير النخب القادرة أن تقود سياسياً وتضيء ثقافياً الشعب. ويتم مثل هذا التدمير بشكل أكثر فعالية عندما تكون الطبقة المالكة تمسك بعصب هذه الحرب ألا وهو المال.‏

المعركة المقصود فيها هنا هي مواجهة بين الإنسان الاقتصادي الذي نذر نفسه لإله التجارة والمال والذي قرر أن يجعل من الكون سوقاً واسعة لا حدود لها والرجل المثقف الذي يرى أن سؤال سقراط: من أكون؟ هو السؤال الجوهري. إن منع الأفراد من طرح هذا السؤال أو عند طرحه نمنعهم من الإجابة عليه خارج الطريقة المخطط لها ذات الوجه الواحد والتي تم تكليفها، هذا المنع شكل القضية التي شغلت منذ الأزل الأنظمة الاستبدادية. وبشكل منطقي كان على الاستبدادية الليبرالية أن تنذر نفسها من أجل ذلك.‏

على سبيل الذكر الولايات المتحدة تقوم بالجمع بين الدور الرمزي للرأسمالية الليبرالية وبين الإرادة الإمبريالية التي عليها تأدية المهمة الإلهية التي أوكلت إليها. وإذا لم ننس بأنه وفي كل مكان هناك شراكه موضوعية بين الكتل صاحبة المصالح وبين الولايات المتحدة وخاصة في سعيها للسلطة وهي شركاء بالذات في مؤسسات احتكار هذه القوة العجيبة لمجال الاتصال نستطيع حينها أن نتناول مسألة الاتصال بنظرة جديدة وذكية.‏

عن التزوير كفنّ هام:‏

لماذا يمكن أن يشكل احتكار وسائل الاتصال ميزة حاسمة لمن يستطيع الإمساك به ؟؟ لأنه كما قلنا يمثل كامل الوظائف الذهنية للبشر وللشعوب إنه يشكل روحهم. يرتكز النجاح الأول الأمريكي في مجال الاتصال على تناقض ومفارقة. فرغم أنها أمة مخاتلة وصلفة وشرسة(2) ومسؤولة عن عدة تدخلات خارج حدودها الشرعية منذ نهاية حرب الاستقلال(3) كما أنها كانت موضع كراهية عدة شعوب إلا أن الولايات المتحدة ورغم كل هذا استطاعت أن تكوّن رأياً عاماً يؤيدها. ويفسر ذلك الدعاية والإعلام. فتزوير التاريخ والتلاعب بالإعلام وهما اللذان أدانهما أورويل Orwell عام 1984 وهما ما كان يميز الأنظمة الفاشية والماركسية كانا ودون معرفة الرأي العام في صلب الأساليب التي استخدمها الأمريكيون بدهاء. لقد كان ذلك بفضل عدة عوامل وهي: السيطرة الطويلة على الدعاية واحتكار وكالات الأنباء الدولية الكبرى وقوتهم المالية وكذلك أيضاً سلبية مؤسسات الإعلام والتربية والحكومات في مجمل بلاد العالم.‏

لقد تجلت الدعاية الأمريكية والدعاية الموالية لها في بداية الأمر من خلال الدور الذي قامت به الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. دون شك لقد أدت أمريكا خدمة مميزة لأوروبا التي كانت ترزح تحت الحذاء النازي. آلاف الشباب قتلوا على شواطئ النورماندي وفي غابة منطقة الأردين من أجل تحرير الأوروبيين من الطغيان الذي كان لبعض مفاهيمه كنقاوة العرق والقضاء على الضعفاء عشية 1939 صدى مؤيد في بعض أوساط ما وراء الأطلسي. وتجبرنا الحقيقة أن نقول أنه من بين الفرق العسكرية الأربع للحلفاء التي نزلت عند شواطئ فرنسا في 6 حزيران 1944 كان هناك فرقتين فقط أمريكية وهي الفرقة السابعة بقيادة المايجور جنرال كولنـز والخامسة بقيادة المايجور جنرال جرو. الفرقتان المتبقيتان كانتا بريطانية الفرقة 30 للجنرال بوكنل والأولى للجنرال كروكر والفرقتان ضمتا ألوية بريطانية وكندية). أهالي مناطق الإنزال كانوا على معرفة بذلك حتى أن الأقاويل التي سرت حينها كانت تردد "نزل البريطانيون! نزل البريطانيون!" فبالنسبة للجميع في ذلك الوقت كان المنقذون بريطانيون قبل كل شيء. حملة تغير الحقائق خلال 20-30 عاماً أعطت للأمريكيين فقط الشرف الكامل بتحرير أوروبا. بالواقع اتفق الأوروبيون والأمريكيون مصادفةً على عدد من القيم، وهكذا من جديد لم تتأخر الفرصة كي تأتي لتتيح للولايات المتحدة أن تضع يدها على حلقة ثالثة مما ضمن لها الزعامة الدولية.‏

مصدر مثل هذه القراءة المعادة لتاريخ الحرب العالمية الثانية يكمن في أن الأمريكيين كانوا من أوائل من مارس الهيمنة على وسائل الإعلام الأساسية التي بفضلها لم يتوانوا عن أن يفرضوا في كل مكان صورة وهمية عدائية للثقافات القومية. هذه الوسائل تتكون من وكالات أنباء ودعاية وسينما وتلفزيون ومن مؤسسات استفتاء واتصالات.لقد سمحت لهم السيطرة على وسائل الإعلام الأساسية أن يمارسوا بدءاً من فترة ما بين الحربين تأثيراً حاسماً على العناصر العظمى التي تشكل الدائرة الروحية للشعوب: التقاليد والتربية واللغة هذه العناصر تشكل مجموع كل النشاطات التي يستطيع من خلالها شعب ما أن يتميز عن الشعوب الأخرى ويؤكد ذاته كونه فعلاً أمة فريدة.‏

في عام 1848 ولدت في الولايات المتحدة وكالة الأنباء الأسوسيثت برس الصحافة المتحدة)تبعها بعد ذلك يونايتد برس الأسوسيثت مجموعة الصحافة المتحدة) عام 1907 وانترناشيونال نيوز سرفس وكالة الأنباء الدولية) عام 1909 وانضمت عام 1958 إلى وكالة يونايتد برس انترناشيونال اتحاد الصحافة الدولية). وإذا أضفنا إلى ذلك وكالة رويتر التي تنتمي اليوم إلى صحافة بريطانيا العظمى وأوستراليا ونيوزيلاند كمعظم الوكالات غير الأمريكية في العالم التي تكتفي في أغلب الأوقات بأخذ أخبارها من الوكالات الأمريكية نستطيع أن نحصل عندها على تكتل قادر أن يسيطر على 90% من الأنباء المبثوثة(4) وبواسطة الصحف الرئيسية ذات الصيت الدولي نيويورك تايمز الصادرة عام 1851 ونيويورك هرالد تريبيون) والمجلات لريدير دايجست وناشينال جيوغرافيك مكازين والبلاي بوي والتايم ونيوز ويك) وشبكات التلفزة أن.بي.سي - أي.بي.سي - وفي عام 1980 سي.أن.أن C.N.N المحطة الكونية الأولى) تمسك الولايات المتحدة بسلطة ذات أهمية لا يستهان بها تسمح لها منذ عشرات السنين بالتكيف بتفكير عدة مليارات من الأشخاص. فعن طريق الصحافة والسينما والتلفاز والراديو قامت طريقة تكيف الثقافة والتقاليد والإعلام والسياسة واستخدام القوة وحتى كتابة ولفظ الإنكليزية بالطريقة الأمريكية وإدخال هذه الطريقة في العقول.‏

إن وسائل الاتصالات حيزاً متميزاً للتحالفات بين الوسائل الاقتصادية وسلاح النشر الجماهيري وهذا ما وصل إليه التعاون بين وكالات الأنباء الأمريكية الموجودة في كل دول العالم خلال حرب الخليج: احتجاز الأخبار، إيصالها بالقنوات المختلفة بتحيز منهجي للروايات الأمريكية مرفقة بحملة من تسميم العقول(5) . إن الأحداث التي سبقت الحرب مثلاً ما كانت إلا صدىً لما كان قد حدث سابقاً قبل الحرب الكورية أو الحرب في فيتنام(6) .‏

سلاح الدعاية:‏

إن لم يكن الأمريكيون هم الذين اخترعوا الدعاية إلا أنهم بالمقابل هم الذين جعلوا منها سلاحاً فعالاً للتحكم بالجماهير وللغزو السياسي والاقتصادي والثقافي. فالدعاية التي استخدمت بشكل منهجي ومكثف بعد الحرب العالمية الأولى فرضت نفسها في كل مكان ولم تترك متراً مربعاً واحداً من الجدران واللوحات والواجهات وحتى في السماء بفضل استخدام الطائرات: فحولت الإنسان إلى أداة خاصة بها لترويج ميزات هذا النوع من السجق أو الشمع الملمع وانتشرت بشكلها المهين لرجل يحمل لوحتين إعلانيتين على صدره وظهره.‏

ومهما ظهرت ناعمة ولطيفة بالنسبة لعدد كبير من الناس لأنها أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية إلا أن الدعاية رغم ذلك تشكل خطراً قد يستهان به إلا أنه قاتل. إن الطريقة التي صنع بها الأمريكيون الدعاية جعلتها خطيرة بطبيعتها وبأسلوب استخدامها وبانعكاساتها الناتجة عنها. وبما أن الدعاية ترتكز بالطبع ليس على المعرفة التي يجب أن نملكها عن الشيء بل عن اللذة التي نحصل عليها ومن جهة أخرى على المعين الوحيد وهو الارتياح الشخصي لذلك أدخلت إلى المنتج الذي تروجه الشعور بالسعادة الذي أمتد إلى مجمل نظرتنا إلى العالم الذي تمثله. في كتاب "السعادة الملائمة" قال فرانسوا برون عن الدعاية بأنها:"تضفي انعكاسات حمقاء على أناس أذكياء". وإعطاء مشاعر الفرح للواقع يتم بطريقة مضحكة لعوبة ملائكية وظاهرياً ليست عدوانية. ولأنها تتعامل مع كل شيء تتناوله على أنه سلعة لذلك فإن الدعاية تجعل رؤية الشيء معوجة لدى من يخضع لها بخلق تناقض بين القيمة والنوعية الضمنية للسلعة وبين التقديم المبالغ به: في الحقيقة لا تقدم الدعاية أي دليل بأن السلعة هي حقاً تمثل ما يقال عنها.‏

الخطر يصبح أكبر عندما تستعمل الدعاية وسائل أكثر تضليلاً. إن الأساليب الحالية بعد أن أثبتت نجاحاتها في عدة مجالات كاللغة المنمقة) وأصبحت أكثر فعالية بفضل تقنيات مهمة صور مركبة) ضاعفت عشرات المرات الأثر الحاسم للدعاية على المشاهد أو القارئ. فعندما نربط نوع سجائر أو رائحة عطر بصور تظهر فعل التدخين أو التطيب مع مشهد جميل وخيالي لكنه طبيعي المظهر صحي ساحر مع صورة أبطال من يدخن أو يتطيب) جميلين معافين، تنجز الدعاية هكذا عدة عمليات بلاغية ذات أثر لا علاقة له بهذا الالتفاف الذي يبقى صعب الإدراك من قبل عقل غير متمرس وقليل الحذر. إن مسخ الواقع علناً عن طريق إعطاء ميزات مشهد ما وطبائع البطل الممثل للسلعة التي هي بالحقيقة تعرض الصحة للخطر السيجارة) أو هي تافهة رائحة) - حتى لو كان من المفضل أن تكون رائحتنا طيبة لا نتنة - إن هذا المسخ يستطيع أن يؤثر بعمق على المخيلة لدرجة جعلها مضطربة. إن القصف الإعلاني الذي يجعل المشاهد أو المستمع وسيلة والصفعات التي تنتظر المتنـزه عند كل زاوية شارع تسبب لمخيلة أغلب الناس المعاصرين أضراراً ضخمة وعميقة. فعندما تحتل الدعاية بهذه الطريقة الحيز المكاني بحيث تصبح الأفلام والأخبار والأفلام الوثائقية والحوارات السياسية والثقافية ليست أكثر من شواطئ خيالية في عالم دعائي غير محدود. حتى لو حاولنا تجاهل ذلك فإن الدعاية سوف تؤدي إلى تهجير المخيلة الذاتية والجماعية عنصر داخلي المنشأ) لتضع مكانه مخيلة أخرى عنصر خارجي المنشأ).‏

إن ما تفعله صفعات الإعلان هو تدمير ذري للحقيقة المرئية والمسموعة وتعليب للواقع يضاف إليه بواسطة الالتفاف البلاغي المنمق الإلغاء الزمني الضروري للتفكير ولهضم المعلومة المغلوطة المرسلة والمسببة للسعادة). إن التورط السياسي والاقتصادي نتيجة ذلك يبدو كبيراً. سياسياً هي تؤدي إلى المثاقفة محو ثقافة أخرى) بإبدال مخيلة بأخرى أي المخيلة المتعددة التمثل الخاصة بالثقافة الأوروبية بمخيلة أحادية البعد، تجارية نابعة من الاختزال الاقتصادي الملازم لليبرالية. اقتصادياً تقوم الدعاية بالتأثير على العقول بوضعها في قالب ذي بنية معدة هدفها تجاري بحت وتستخدم الغاية الوحيدة لكل خطاب، فهي لا تحترم أي شيء أو غير قابلة للتعبير عنها بأرقام السوق. وهكذا تختلط "عملية تشويه العالم" وخاصة العالم البشري المتوارث من آلاف السنين للحضارة اليونانية اللاتينية المسيحية عن طريق التفاهات، تختلط بعملية قلب القيم وبالتحويل الأحادي البعد للكون.‏

السلاح التلفازي:‏

منذ أكثر من عشرين عاماً ارتبطت الدعاية بشكل قطعي مع التلفاز. لقد شكلت الشاشة الصغيرة جزءاً أساسياً من تكوين جميع المنازل. وإن استخدمت بذكاء فهي تستطيع أن تكون أداة ثمينة لاكتساب المعارف، وبالمقابل إن استخدمت بدون روية تصبح بدون شك أداة خبيثة. إن تعميم نظام البث عبر الكابل سمح بالتقاط عشرات الأقنية وستصبح مئات بعد زمن قصير بل آلاف، وبالبرامج المبثوثة من جميع الأنحاء من المفترض أن تساهم بنمو البشرية والشعوب وبالانفتاح نحو الآخر والثقافات وطرق التفكير. إلا أن الواقع كان عكس ذلك.‏

لنستعرض بإيجاز الحرب الثقافية بين الولايات المتحدة وأوروبا وخاصة فرنسا كهدف أساسي) والحرب التكنولوجية والعلاقة مع السينما.‏

التلفاز هو أداة قوية للمثاقفة، وتستخدمه كبرى التكتلات الإعلامية في الولايات المتحدة مدعومة في أغلب الأوقات من المسؤولين عن أكثرية القنوات الأوروبية. مراجعة بسيطة للبرامج الرئيسية الفرنسية تعبر بوضوح عن هذا الواقع.‏

قناة عامة كالقناة الفرنسية الثانية France 2 تبث حوالي 300 دقيقة من البرامج اليومية التي تساهم تدريجياً بالدعاية للطريقة الأمريكية بالتفكير وبرؤية العالم وهذا يحتل 25% من البرامج المبثوثة. يضاف إلى ذلك الصفعات الإعلانية ذات الطابع الأمريكي - الليبرالي. إلى جانب هذه النسبة المئوية التي لا تختلف عنها النسبة المبثوثة على القناة الثالثة FR3 التي يتناقض دورها كقناة عامة فرنسية وأوروبية شيئاً فشيئاً. هناك أيضاً النسب على القنوات الخاصة وهي معبرة. على القناة الفرنسية TF1 هناك حوالي 810 دقائق بث معظمها أمريكية أو أمريكية الشكل، ولأسباب تجارية تحتل هذه البرامج 67% من إجمالي البث. وإذا كانت القناة السادسة M6 تقدم لوحة مشابهة تقريباً إلا أنها تضاعف من هذه الظاهرة عبر الأغاني المصورة Clips التي تولد تأثيراً مضللاً. أخبار ذات طابع موسيقي وكل شيء - بما في ذلك الإطار حيث يقف المغنون - يقوم على أساس الصور الهاربة ذات الحركة الدائمة وبالكاد تحبس الأنفاس من واحد إلى آخر وتمنع الانتباه والتفكير من التركيز.‏

كل ذلك سيكون له على المدى الطويل نتائج تضر بالملكة الضرورية لاكتساب المعرفة والثقافة، وهذه الملكة هي التركيز. فالعالم لم يعد يُدرك ككل بل كتسلسل احساسات مرئية ومسموعة عابرة وخاطفة إذاً، تافهة تحمل بذاتها قيماً مشابهة لها لا معنى لها. وهكذا يبدو طالب المدرسة عاجزاً عن تركيز انتباهه لأكثر من خمس دقائق ويصبح عاجزاً دماغياً بهذه القدرة الضامرة على قراءة بلزاك وشتوبريان أو زولا. خيبة الأمل هذه حيث لا دليل لها ولا مراجع أكيدة تجعلها أن تهيم من فكرة إلى أخرى مع استحالة أن يستطيع أن يجمع بينهما. لقد امتلأ عالمه بصور ملونة مصنوعة من أمواج زرقاء من شواطئ كاليفورنيا وبيوت فخمة مع مسابح لأغنياء فلوريدا ومن مخيمات الجامعات الخاصة على الشواطئ الشرقية أو على شواطئ المحيط الهادي. إنها صورة ممزوجة بمشاهد الفتيات بوجوه لينة وباستدارات سيلوكونية، رؤية العالم على هذا الشكل التي فرضت مع مرور الأيام على الشباب بواسطة التكرار والجعجعة بلا طحين عن طريق دفعات من الصور والأصوات لا ترتكز على العالم كما هو بالواقع بل على مشهد العالم. فتنحي الحقيقة بغموضها وبتنويعاتها ليظهر بدل عنها رؤية كالبطاقة البريدية باردة وبسيطة ومتحركة. المشاهد هنا لا يصبح أكثر من ناظر(7) عاجز عن أي ردة فعل ما عدا تقليده للصورة التي ترسل له كصورة عنه. هذه الصفة الأخرى للتلفزيون الأمريكي - الليبرالي التي هي التبادل السلعي المتمثلة بالبيع عن طريق التلفاز Téléshopping يطبع كل ما يعرض على الشاشة.‏

العلاقات الإنسانية تُختضر بأيديولوجية السوق عن طريق العرض والطلب وهنا تطرح نفسها الفرضية الأساسية وهي أننا نستطيع أن نحصل على كل شيء ولكن لكل شيء ثمنه. وككل مشاهد يستطيع إنسان نهاية هذا القرن أن يشبه بأي شخص من أولئك اللذين يمرون أمامه. إنه يستطيع أن يقرر اكتساب أي سلعة يستخدمها هؤلاء الأشخاص بشرط أن يشتري سيارة أمريكية مثلهم وبذلة من الحرير مثل أبطال المسلسلات الأمريكية ويشتري فيلا ومسدس وطائرة وخلاط ولم لا امرأة جميلة أيضاً. ولكي يحصل ذلك يلزمه بالطبع المال، لذلك يبدو من الضروري أن يتوفر لديه الكثير منه. هؤلاء اللذين يتبخترون أمام عينيه ألا يبرهنون له بشكل خاص أنه لا يوجد هناك أي شيء أهم من المال وأليست كل الوسائل مسموحة وكل المخططات مشروعة وكل الحيل مطلوبة لكي يحصلوا عليه بالحيلة كي يسمحوا للآخرين بالنيل منهم؟!! إنه انعكاس للنظام الذي يتطلب أن نصبح هذا البطل الذي نشاهده ونعجب به ونرتهن له. كل الحركات تصبح متجهة نحو التبادل الوحيد الذي يستحق كل الاحترام، إنه التبادل الوحيد الذي يستحق كل الاحترام إنه التبادل السلعي، تبادل يفقر أكثر عدد من الناس ويزيد بثروات الأقلية منهم. للمنتجات الأمريكية هذه جانب آخر مفسد فهي تدفع أيضاً للمنافسة وبما أن الشغل الشاغل للتلفازات الأجنبية وخاصة الأوروبية والبرازيلية أن تبحر باتجاه الريح فقامت تنسخ أكثر فأكثر الطرق الروائية والأدوات المكونة للمسلسلات الأمريكية وغالباً ما كان يحصل ذلك بشكل ممسوخ فمرة ضاربة طبلة باللباس العسكري الأمريكي تهز بأوراكها على طول الشوارع وأخرى طلاب يلعبون بكرة السلة يرسمون من جديد المشهد العمراني الفرنسي والإيطالي أو البرتغالي بألوان شوارع وجامعات الغرب الأمريكي جاعلين بهذه الطريقة الحدود مبهمة أكثر فأكثر بين عالمين قاما بتطبيع مراجعهما الثقافية: أحدهم الأوروبي وهو تابع للآخر: الأمريكي.‏

المدفعية الهوليودية:‏

المعركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا التي هي في وقت واحد معركة تكنولوجية وتجارية وثقافية بدأت منذ ولادة هذا الفن الذي سيصبح مهماً وهو السينما. بداية الصراع كانت حول من هو الذي اكتشفه فكانت المواجهة بين الأخوين لومبر وتوماس أديسون. وكما برهنت مؤخراً معركة اكتشاف مرض السيدا لا تقبل الولايات المتحدة بسهولة أن تعطي أبوة الاكتشاف في بعض المجالات المهمة لأحد غيرها وخاصة إذا كان هذا التصرف يدرّ الأرباح. ففي مجال السينما السعفة هي من حق أوروبا وعندما احتل ليون غومون Gaumont وشارل باتيه Pathé المركز الأول في السوق الدولية كظم الأمريكيون غيظهم والحقد يملأ قلوبهم. ولما ولدت السينما الناطقة استطاع الأمريكيون جذب كل النجوم والمواهب الأوروبية الواعدة في المسرح والسينما، 80% من الأفلام الهوليودية التي عرفت شهرة واسعة في فترة ما بين الحربين لم يكن لها أبداً أن تحقق ما حققته لولا المبدعين مثل شابلن وهيتشكوك وستنبرغ وعشرات غيرهم أو ممثلين وممثلات مثل أنغريد برغمن وبول برينر وشارلي شابلن ومادلين ديترش وأرول فلاين وغرتا غاربو وكاري كرنت ... إلخ بعضهم كمارسيلو ماستروياني كان له شرف مقاومة هذا الجذب.‏

أدرك الأمريكيون مبكراً جداً الدور البارز الذي يمكن أن تلعبه هذه الأداة المؤثرة على العقول لتسحرها وتفرض على العالم صورة إيجابية عن النموذج الأمريكي. وهكذا وإلى جانب المال ميزت البساطة المانوية(8) والفعالية بالتصوير الأفلام الهوليودية. وتشكل ظاهرة والت ديزني مثالاً صارخاً في هذا المجال. والت ديزني المتعاطف مع النازية والمهاجم في لجنة مكارثي كل أولئك اللذين يتهمهم بالشيوعية لم يخترع الصور المتحركة ولم يكتب حتى سيناريوهات أصلية. عرف ديزني مدفوعاً بروح الاستثمار وبموهبة رجال الأعمال الحادة) كيف يستفيد من اختراع فرنسي لم تعطه فرنسا أهمية مستغلاً الجاهزية المالية الكبرى لأمريكا بعد الحرب العالمية الأولى فأقام مصنعاً سينمائياً ضخماً. ويجدر بنا هنا أن نعترف لديزني ولكل من وضعهم حوله ببراعته بالوصول إلى نوع من الإتقان في تحريك الرسوم وفي حركة التنقل وفي فعالية تحريك العواطف وكذلك في إضفاء روح النكتة والبساطة والمباشرة. إنه متكلف الشاعرية ولكن عند القراءة السطحية له يبدو مؤثراً ظريفاً ساحراً، السبب الذي يجعل من تحفة ديزني عند تحليلها موضوعاً ذا أثر مخرباً. فجمالية الصور المطبوخة وعفوية التعاطف والمعاداة مع الشخوص المأخوذة ولكن بالطبع بدرجة أعلى من مسرح بن جونسون 1573-1623) جعلت المشاهد مجرد ناظراً سلبياً تمت السيطرة عليه بسهولة. ومنذ البداية يعرف ما يواجه فالطيبون والسيئون معروفون من النظرة الأولى والمشاهد يعلم أن الولايات المتحدة الطيبة سوف تنتصر بالنتيجة.‏

إن قراءة روايات بيرّو Perroult وغريّم Grimm ومقارنتها مع ما تقدمه والت ديزني أو حتى قراءة الرواية الفنية والمعقدة لرواية نوتردام ده باري ومقارنتها بفيلم أحدب نوتردام تتيح لنا أن نفهم كل انحرافات عملية الاقتباس وإعادة الإنتاج. لقد صنع ديزني من روائع عالية المستوى تحتوي على أبطال يتمتعون بصفات داخلية معقدة قصصاً ذات صور مبسطة وطفولية بتصوير جذاب وحوارات مرة ملائكية وأخرى مخيفة لبناء عالماً نموذجياً مانوياً. لقد كان جان بير شوفنمان على قدر كبير من الحق عندما رأى بأن الثقافة الأمريكية بأسلوبها التي اعتمدته في استوديوهات ديزني بإنتاجها حكايات وأساطير أوروبية إنما تقوم بعمل خطير وهو "أنها تحتفظ بالقصة ظاهرياً ولكن تحول معناها العميق لاستغلالها لخدمة نظام قيمها كالفردية والاستهلاكية) بعيداً كل البعد عن النموذج البنيوي القائم في المجتمعات الأوروبية". وكامتداد للنموذج الأمريكي ولأيديولوجية السوق وخطورته لأنه في الغالب جذاب، وسعت أفلام الصور المتحركة بدورها تأثيرها بإقامة مؤسسات ديزني لاند التي تهدف أن تنغرس في كل أنحاء الكرة الأرضية. يقول الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل "ليست أورو ديزني بالطبع إلا نقطة ماء - ربما كانت أكبر قليلاً من غيرها - في المحيط الذي يكاد يغمرنا بل أستطيع القول أنه قد غمرنا وأغرقتنا فعلاً".‏

تمتلك الإنتاجيات الهوليودية الضخمة جزءاً لا يستهان به من مشروع المثاقفة التي بدأت به الولايات المتحدة. يشهد على ذلك أسلوب التلاعب بالتاريخ الأوروبي وإعادة تركيبه بألوان وجهة النظر الأمريكية. لقد صور التاريخ الروماني في فيلم رائع ولكنه غير شريف على الصعيد الفكري، إنه فيلم Cluo Vadis كلوفاديس) وهو يقدم البرهان على ذلك، أخرج الفيلم وعُرض على الشاشة الكبيرة في جميع أنحاء العالم في عام 1951 وشكل‏

مثالاً ممتازاً على ما تستطيع الولايات المتحدة عبر صناعة السينما فعله بثقافة الأمم الأخرى. ديكور مذهل وثياب فاخرة، صورة مدهشة لعظمة وجمال روما القديمة. الأبطال كانوا رائعين أغلبهم إنكليز) والجو فخم وملتهب في آنٍ واحد: كل شيء وجد حتى يؤثر في العقول. كل شيء صنع فنياً وتقنياً لكي يقطر بفعالية سماً نافذاً ولكنه قاتلاً. لقد استعار ميرفن لروا 1900-1987) الذي ولد في سان فرانسيسكو والذي وصفه اوستينوف في دير مي Dear Me) باللامثقف، سيناريو كلوفاديس من رواية لهنريك سينكيفز وهو كاثوليكي بولوني متعصب، وتجهد الرواية والفيلم من أجل إعطاء الإمبراطورية الرومانية صورة مشوهة مبسطة ومغايرة للواقع بشكل يحمل أغلب المشاهدين الجاهلين على الخروج من هذا السفر في القرن الأول بعد الميلاد مشوشين ومعادين لروما. يكفي أن نذكر هنا مقدمة الفيلم لنفهم ذلك حيث تعرض فرقة عسكرية قاسية ومعجرفة تجر وراءها قطيعاً من الرجال المقيدين بالسلاسل وينهال الجنود عليهم ضرباً بالكرباج دون أي سبب ظاهر وبعد لحظات يسقط بعض السجناء أرضاً بعد أن انهارت قواهم ويدهسون فوراً بأرجل الجموع الجريحة والمضطربة. ويأتي صوت من الصالة ليصرخ بصوت لاذع ضد خيلاء الإمبراطورية الروماني: لحسن الحظ ولد المخلص الذي سيعيد الحق. هذه الطريقة رغم فعاليتها ولكنها لن تستطيع أن تصمد أمام التحليل التاريخي الصحيح ولكن لا يقوم بهذا التحليل إلا حفنة قليلة من المشاهدين.‏

لأوروبا نصيبها بالطبع من سيطرة السينما الأمريكية منذ الثلاثينيات. لن نتكلم هنا عن المبدعين والممثلين الذين كان عليهم أن يهربوا من الأنظمة الاستبدادية ليساهموا بالنهوض العظيم للسينما الألمانية والإيطالية والإسبانية والنمساوية بنسب مختلفة ولا عن مضمون الأفلام حيث تظهر السيطرة التكنولوجية والمالية والتجارية على عالم السينما. يكفي هنا أن نذكر فقط تاريخاً مأساوياً وهو عام 1947 عندما أُجبر رئيس الحكومة الفرنسية ليون بلوم أن يمنح مقابل إعانة مالية خاصة موافقته على إعطاء السينما الأمريكية وضعاً مميزاً.‏

منذ ذلك الحين دخل نموذجان في عالم المنافسة، فمن جهة النموذج الصناعي الأمريكي الذي لا يحترم كثيراً الابداع والمبدعين والذي كان ينظر إليهما كسلع وكان ينوي سحق الجميع ويطالب دائماً بحيز أكبر وبحقوق، أكثر ومن جهة ثانية النموذج الفرنسي الذي يرتكز على مفهوم أكثر ثقافيةٍ. الوضع الحالي بات معروفاً وخاصة بعد معركة الغات GATT الخاسرة من قبل الأوروبيين بالرغم من المظاهر. ففي فرنسا مع أن وضع السينما أفضل عليه مما هو في إيطاليا وفي ألمانيا، تتمتع الأفلام الأمريكية بحرية كاملة بالتوزيع. بين 70-80% من الأوقات المتاحة للعرض في التلفاز كما في صالات السينما تحتلهما الأفلام الأمريكية كما أن الشركات الخمس الأوائل لتوزيع الأفلام في أوروبا هي شركات أمريكية(9) .‏

مقارنة سريعة في هذا المجال يمكنها أن تقدم لنا فكرة واضحة، في عام 1992 في الوقت الذي عرض على شاشات السينما في الولايات المتحدة 492 فيلماً أمريكاً مقابل 27 فيلماً أجنبياً فقط كان لها حق الدخول إلى الصالات الأمريكية. في عام 1983 35% من بطاقات دخول السينما كانت لأفلام أمريكية. ووصلت النسبة إلى 57% عام 1993 بينما تبلغ هذه النسبة 71% على مستوى أوروبا حتى أنها وصلت إلى 80% عام 1996. بالمقابل لا تحتمل الولايات المتحدة في بلادها أكثر من 1 - 3 % من الأفلام الأوروبية، وهناك شروط قاسية توضع في وجه دخول هذه الأفلام. ومن جهة أخرى مقابل موجة النسخة الأصلية التي تلقى عندنا في أوروبا إقبالاً كبيراً جداً بالأصالة واحتراماً للمخرجين غير الناطقين بالفرنسية ومن أجل دبلاج أكثر أمانة للحوار الأصلي، نرى المشاهدين الأمريكيين يرفضون في آنٍ واحدٍ الدبلاج والترجمة المكتوبة فتعرض الأفلام الأجنبية بنسختها الأصلية في صالات صغيرة لا تشد إليها الجمهور الواسع. كما أن هناك تراجع في النظام التعليمي الأمريكي لدرجة أنه يجب دبلجة حتى الأفلام البريطانية وإلا لن تفهم من الجمهور الأمريكي.‏

في أوروبا اختفت معظم الإنتاجات الوطنية في هاوية الصناعة السينمائية الأمريكية : 85% من السوق الألمانية هي سينما أمريكية وتحولت استديوهات بابلسبورغ العظيمة في برلين إلى صالات متاحف بعد أن أنتجت سلسلة من الروائع في عالم السينما مثل الملاك الأزرق أو السيد الملعون أو لونوسترانو لمرنو. فالشروط الأمريكية لفتح أسواقها في هذا المجال هي شروط انتحارية بالنسبة للبلد الذي يقبل هذه الشروط. ويمجد جاك فالنتي زعيم الشركات الأمريكية استخدام قانون الغاب في هذا المجال بالرغم أنه يناضل كي‏

لا يُعمل به في بلاده) أنه يعلم أن الاختلال الكامل للأنظمة سيمنح الصناعة الهوليودية السيطرة المطلقة على السينما العالمية.‏

تملك الحكومة الأمريكية حصتها في مثل هذا المشروع، فعندما يقوم المنتجون باغراق السوق في العالم بالأفلام السينمائية والتلفازية بدءاً من السوق المحلية، فهم يحاولون علناً خنق المنتجين الآخرين والأعمال الوطنية مبعدين تدريجياُ المضمون الثقافي التقليدي واحلاله بمضون الأيديولوجية الأمريكية، كما حدث عام 1992 حيث عرضت المحطات الفرنسية 200 ساعة من الصور المتحركة مقابل 200 ساعة من إنتاج أمريكي أو ياباني عندها نستطيع أن ندرك بأن المعركة ليست متساوية. وبعيداً عن عملية احلال صور أجنبية مكان صور فرنسية مشابهة ، فعندما نعرض صور متحركة أعدت بواسطة الحاسوب بأسعار رخيصة نكون بذلك نعمل على تعويد المشاهد الأوروبي على طريقة معينة من التفكير. وعندما تفرض شركة كولومبيا الحصول على حق توزيع الأفلام الأمريكية بمفردها في أوروبا، وعندما تفرض الشركات الأمريكية الكبرى إفساح المزيد من المساحة الإعلامية للمنتجات الثقافية لبلادها فهي تساهم في مشروع تهديم الهوية الوطنية للدول الأخرى عن طريق توحيد مستوى الذوق والبنى الفكرية(10) .‏

لقد سبق أن أعلنت الشبكة الأمريكية لتوزيع الأفلام السمعية البصرية AMC عن نيتها في بناء مجمّعات تحتوي كل واحدة منها على عشرين صالة وذلك في دول العالم كلها. في باريس وَقَّع مكتب الشبكة اتفاقاً مع أونيفرنس بحجة تشجيع تسويق الأفلام الفرنسية في الولايات المتحدة ومقابل ذلك تعطى للأفلام الأمريكية حرية واسعة في الأسواق الفرنسية. في هذا السياق يبدو رأي المخرج السويسري آلان تانر أنه نير، لقد قال "إن هوليود نجحت ليس لأن أفلامها أفضل بل لأن الأمر يتعلق بآلة حرب مدهشة تغرق العالم بصور عدوانية تحمل أكثر فأكثر أيديولوجية فاشية" بفضل المليارات والتقنيات الخاصة. علينا أن نعلم أنه في سويسرا يبدو الأمر عادياً عندما تعرض صالات المدينة تسعة أفلام أمريكية من أصل عشرة أفلام، أما الفيلم العاشر ليس من الضروري بأن يكون أوروبياً.‏

المنحى الذي اتخذته السينما الأمريكية في نهاية الثمانينات يثير القلق، لقد ولى بعيداً زمن الروائع الأمريكية الناقدة والخلاقة كأعمال فورد وكاسافت ومان وهيوستون وولز أو حتى كفيلم "هير" الذي عارض تدخل أمريكا في فيتنام أو فيلم "الرقص مع الذئاب" لكوستنر يحاول أوليفر ستون اليوم أن يكون استثناءً سعيداً). فمنذ عشر سنوات امتازت سينما ما وراء الأطلسي وفي آنٍ واحد بسوقية محتواها وبحربها التجارية المدمرة ضد دول العالم.‏

اعتمدت سوقية المحتوى على فظاظة المواقف واللغة التي انحسرت إلى أبسط تعابيرها كالتقليد الصوتي والشتائم والكلمات البذيئة. واتخذت البنية المانوية التي ميزت السينما والفكر الأمريكي بعداً مبالغاً به. لقد أصبح العنف دائماً متجاوزاً حدوده والقيم المسيحية اتخذت فقط شكلها المزدوج البعد أي هناك دائماً خطر أساسي الشريرون) يهدد العالم فتقوم الولايات المتحدة أو رئيسها الطيبون) بإنقاذه.‏

لقد عرضت بذكاء دراسة أجريت مؤخراً الآلية التي تقوم عليها معظم الأعمال الأمريكية موضحة أن مبدأها الأساسي هو عملية استعادة قانون أرسطو حول تهذيب النفس والإيقاع الجامح تولد شعوراً مزيلاً للقلق قادر أن يجد حلاً للتوترات الميتافيزيقية التي تتجاوز الجمهور الذي هو بالأصل أمريكي ولكنه ليس فقط أمريكياً) وقدراته بالإمساك بثقافته تراجعت شيئاً فشيئاً ويفقد أكثر فأكثر إدراكه لهويته بارتمائه على عتبات بدائية وغريزية لحقيقته النفسية. وكما كتب مؤخراً أحد النقاد حول فيلم "كون أير" وفيلم "ذي فان" فقال:"تحول الظاهرة التكنولوجية الخالصة هذين الفيلمين إلى شريط غنائي تسجيلي كليب) لمحطة تلفزيون MTV والذي هو أحقر ظاهرة تلفزيونية عالمية". علينا أن نفهم إذاً بأن على الفيلم أن ينطلق بسرعة تتضاعف أكثر فأكثر وأن يحتوي على أكبر عدد ممكن من المشاهد القصيرة. فإذا تابعت السينما سيرها على هذا الطريق سنرى قريباً أفلاماً طويلة مؤلفة من سلسلة من الصور التي لا تستطيع العين أبداً تسجيل محتواها: لقد انتهى عصر الديكور وانتهى عصر الملابس وانتهى عصر الممثلين وبقيت فقط اللقطات السريعة المنومة مغناطيسياً.‏

يرتبط هذا الفقر العدواني للمحتوى بالميل لسياسة احتكار الأقليات للتوزيع. إن معظم السوق الدولية اليوم يعود ملكيته إلى ست شركات أمريكية التي لا تتأخر باستخدام سياسة التحميل أي شراء أحد الأفلام الأساسية ويجبر المشتري أن يحمل معه سلسلة من الأفلام الأخرى الهابطة والتي لا يمكن بيعها بغير هذه الطريقة. ومقابل هذا التهديد تتخذ أوروبا موقفاً تافهاً وتتبع سياسة تدمير ذاتي.‏

لقد بات قريباً اتخاذ قرار إلغاء الحصة النسبية التي تجبر التلفزيونات على عرض كمية دنيا من الأفلام الأوروبية. يؤدي هذا الإلغاء على المدى القصير إلى فقدان حوالي مليون فرصة عمل وعلى المدى البعيد يؤدي بكل بساطة إلى فقدان كل السينما الأوروبية الأصلية.‏

«) عبارة مشهورة وجهها باحتقار الشاعر "جوفينال" 60-130م) إلى سكان روما، في أشعاره الهجائية، ويقصد بها أنهم لا يهتمون إلا بتوزيع القمح المجاني وبألعاب "السيرك".‏

(1) الوحدة الدنيا للمعنى الثقافي غير الظاهرة، أي ضمنية وغير مدركة كما في علم الدلالة حيث أن السمات للغات الطبيعة لا تظهر في البنية اللغوية المستخدمة وتسمى بالوحدات الدنيا للمعنى.‏

(2) نذكر هنا بقول ملفيل الذي ورد سابقاً‏

(3) انظر الملحق: التدخلات الأمريكية الرئيسية في العالم.‏

(4) الوكالة التلغرافية السويسرية مثلاً لا تشذ عن هذه القاعدة فهي تستوحي برقياتها من الوكالات الأمريكية وقامت مؤخراً بنشر بياناً تهكمياً لخطاب فيدل كاسترو أمام أعضاء الحزب الشيوعي الكوبي. فكل جملة مهمة لفظها رئيس الدولة الكوبية حولت إلى جمل ساخرة بما في ذلك ذكر تشي غيفارا الذي اغتيل بأمر من واشنطن منذ ثلاثين عاماً. إن سويسرا التي استوحت مباشرة دستورها من الدستور الأمريكي تقوم بشكل حقيقي بتغذية شغفها للولايات المتحدة وللنموذج الأمريكي.‏

(5) انظر الملحق.‏

(6) انظر الملحق.‏

(7) فكرة الخطر من أن يصبح العالم عالم من الناظرين كان قد رفضها الكاتب آلان غريه في كتابه "الناظر".‏

(8) نسبة إلى ماني الفارسي صاحب عقيدة الصراع بين النور والظلام.‏

(9) في بلد مثل بولونيا واحد بالمئة فقط من الصالات مخصصة للأفلام الوطنية، أما باقي الصالات فهي لاحتكار الأفلام الأجنبية وبشكل خاص الأمريكية. أما في هنغاريا النسبة هي 3% للأفلام الوطنية و97% للأفلام الأخرى.‏

(10) عندما نشاهد فيلم كرتون فرنسي مثل "الملك والعصفور" لبول غريمو ثم نرى مباشرةً لساعات طويلة بل لأشهر وسنوات رسوم متحركة يابانية وأمريكية طبقاً للنسبة مع الإنتاج الأوروبي) نتأثر فعلاً بالتناقض ما بين الأكوان المعروضة. إن رائعة غريمو هي نموذج للعمل الذي تتنافس فيه الشاعرية والعمق الفكري وهذا ما يميز الفكر الأوروبي المركب الذي لا يمكن أن يكتفي بتفسير بسيط أحادي البعد. أما مستويات القراءة فهي غنية ذات معاني متعددة ومرجعية هادفة. بالمقابل الرسوم المتحركة الأمريكية الممتازة التقنية وربما لهذا السبب) تدهشنا بالبساطة الجارحة بتقديمها الواقع، والرسوم اليابانية تتميز بالعنف الذي لا يمكن إلا أن يترك أثاره المدمرة والدائمة .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244