|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
السلاح المطلق: احتكار عالم الاتصالات يضاف لدى الأمريكيين إذاً احتكار عالم الاتصالات إلى جانب الاحتكارات الاقتصادية والعسكرية. الرهانات المغطاة من قبل هذا الاحتكار هي رهانات أساسية ليس فقط كما يؤكد فرانسوا لوتر "بسبب قوة النمو في هذا القطاع" وليس أيضاً "بسبب أن نموه يتحكم ببنية طرق الإنتاج والاستهلاك في المستقبل" ولكن لأنه يؤدي إلى السيطرة على الأدمغة والذكاء والاحساسات. فعملية زرع مئات الأقمار الصناعية حول الكرة الأرضية ليس هذا وحده كافياً لإغراق العالم بالأصوات والصور، المطلوب أيضاً ألا تقوم الدول بتشويشها. فإن قررت حكومة ما باسم الخصوصية الثقافية والحفاظ على الهوية الوطنية أن تمنع التقاط الموجات تكون بذلك قد أدت اللعبة بمهارة. أما السؤال المزدوج: هل تريد الولايات المتحدة ضمان سيطرتها على عالم الاتصال ؟ وهل تستطيع القيام بذلك؟ الجواب إيجابي في الحالتين. هي تريد ذلك هذا لا يقبل الجدل أبداً، فالرئيس كلينتون ونائبه آل غور أكدا بأن إحدى المعارك الأساسية للولايات المتحدة هي معركة "الأوتسترادات الإعلامية Information superhighways". السبب المعلن هو اقتصادي، باعتراف آل غور تدر السيطرة على هذه الطرق في غضون عشر سنوات مئة مليار دولار كما أنها من جهة أخرى ستعمل على إيجاد أكثر من مليون ونصف فرصة عمل من الآن وحتى عام 2003. ولكن هناك سبب آخر ألا وهو السيطرة على الاتصالات العالمية. في نهاية عام 1996 أكد جوزيف س. ناي العضو السابق في البنتاغون وهو اليوم على رأس مدرسة كيندي في هارفرد بأن "أمريكا وبفضل قدرتها التي لا مثيل لها بالدخول بدوائر الأنظمة الإعلامية سوف تؤمن في مستقبل قريب سيطرتها السياسية على العالم". هل لديها الوسائل؟ يغطي مصطلح "وسائل الإعلام المتعددة" من طرف إلى آخر من السلسلة أدوات كثيرة التنوع من المكونات والمصنعين ومجالات السيطرة والمضامين والتوزيع وتأثيرات الاتصال. وفي كل مجال من هذه المجالات تكاد الولايات المتحدة أن تحقق السيطرة عليه.في مجال المكونات يبدو الرهان أساسياً إن كان فيما يتعلق بالإنتاج أو المراقبة، فقد ضمنت المجموعة أو المجموعات القادر على السيطرة ميزة لا يستهان بها في مسيرة السباق للسيطرة على مجمل سلسلة الاتصالات. فالحاسوب والهاتف والتلفاز من جهة والبث السلكي والأشرطة الدقيقة والرقائق والموجات والأقمار الصناعية الوسائل) من جهة أخرى وأخيراً استوديوهات السينما والإعلان والصحافة والتأهيل مضمون) كل ذلك شكل المجموعة التي تشحذ كل المطامع. فقط من أجل الامتلاك والإنتاج والتوزيع تم إنشاء شركات احتكارية عملاقة. ففي الولايات المتحدة انطلقت عام 1982 عملية الليبرالية بتفكيك المحمية الاحتكارية A.T.T. ونتائجها باتت معروفة. وهكذا عقدت شركة مايكروسوفت حلفاً مع أي.بي.أم IBM لضمان السيطرة على السوق العالمية للحواسيب. فالحاسوب كأداة رئيسية في التواصل مستقبلاً فيما بين القنوات سيسمح بتجميع الألعاب والأفلام والأخبار والدعاية والتأهيل في كتلة اتصالية متداخلة. أما التلفزيون فهو الرهان في حرب خسرتها مسبقاً أوروبا على مستوى البرامج وكذلك على المستوى التكنولوجي. مع الـCNN الشبكة الدولية الأولى أغرق تيد ترنر أكثر من 80 مليون عائلة في أكثر من 142 بلداً بالأخبار التي هي صوت أمريكا وعيونها وارتفعت الأرباح من 1.2 مليار فرنك عام 1993 إلى أكثر من ثلاثة مليارات فرنك عام 1995. القناة الفرنسية الأولى TF1) والتي تشكل مع القناة السادسة M6) موقعاً متقدماً للولايات المتحدة في فرنسا بسبب دوافعها التجارية الصرفة اتبعت خطى أمريكا بطريقة لا إرادية وأسست محطة LC1 التي لم تكتفِ فقط بتقليد النموذج بل استوحت منها المضمون وكشبكة الـCNN استخدمت الـLC1 أسلوب احتكار النشرات السريعة لتقنع المشاهد باللجوء إلى اللعب بجهاز التحكم. في هذا الصدد يقول رئيس تحرير الـCNN "عندما يرى المشاهدون في زاوية الشاشة عبارة مباشر) يتوقفون عن تغيير المحطات لبرهة. وقبل أن يتسلل الملل إليهم نقوم بعرض تقرير مباشر آخر مع صحفي مختلف. فإذا كنا نريد فعلاً أن نكسب المزيد من المال، يجب أن يتابع المشاهدون برامجنا لكي يشتروا منتجات من يمول إعلامنا"، يساهم تجزئة الأخبار بشلل ملكية التركيز لدى الأفراد وبذلك يسهل التحكم بهم. ولكن السيد ترنر لا يتوقف عند هذا الحد، فبفضل قمره استرا ASTRA ومحطة الصور المتحركة نِتْ وورك Net work التي تبث على مدى 24 ساعة في الـ 24 ساعة فهو ينثر الصور المتحركة "هانا وبربارة" وأفلام شركة MGM بواسطة محطته للأفلام السينمائية TNT في أنحاء العالم(1) . الحرب التكنولوجية هي أيضاً خسرتها أوروبا. لقد استخدم اليابانيون والأوروبيون النظام التماثلي لتطوير بثهم التلفزيوني المستقبلي. لقد تعالت الأصوات في أوروبا للتحذير ضد هذا الخيار للنظام التماثلي ولكن دون جدوى فهي لم تمنع الخسارة الكبرى. أما الأمريكيون فقد اختاروا النظام الرقمي بهدف أن يجعلوا منه نظاماً عالمياً، وبالتعاون مع مجموعة تجارية كبرى اعتمدت اللجنة الفيدرالية للاتصالات بشكل نهائي النظام الرقمي ونتيجة لذلك وبفضل الضغوط ابتزاز اقتصادي وتهديد سياسي ... إلخ) كسبت الولايات المتحدة اللعبة. أما في المجموعة التي تتألف من AT&T و NBC وZenith وMIT اختارت فيلبس الأوروبية النظام الأمريكي نذكر هنا أن مدير فيلبس في شمال أمريكا هو جي.بيتر بنغهام). يستنفر البث السلكي والرقائق الإلكترونية طاقات لا يستهان بها، سيتمكن الأمريكيون بفضل الرقائق الإلكترونية أن يضمنوا السيطرة المطلقة على البث السلكي الكبل) كما حدث في البث التلفزيوني ذي الدقة العالية. العملاق انتل Intel مع رقائق البانتيوم Pentium والشركة المتحدة: أبل-أي.بي.أم Apple-IBM مع بي.سي. PC سيحتلون المراتب الأولى لصناعة تجهيز الحواسب مما سيسمح برؤية آلات فيديو تتمتع بصفات مشابهة للتلفزيون. ونضيف لذلك ما يعرف "بكليبر شيب" وهو طريقة جديدة بالتشفير تسمح بتشفير الصوت آلياً أو تشفير معطيات سرية وإدخالها في الحاسوب وتشفير فاكس أو هاتف. يتعلق الأمر بجملة من الأسرار من كل الأنواع: مصرفية وقضائية وطبية وحتى عسكرية وسياسية، إن "الكليبر شيب" قد تم اختراعه في الولايات المتحدة وهو يحتوي على مفاتيح تسمح للمستخدم أن يشفر أو أن يفك رسالة ما، إلا أن الحكومة الأمريكية احتفظت بنسخة ثانية عن المفتاح لتستطيع في حال أي مخالفة أن تتعرف على الشخص المشفر والشخص الذي له علاقة بالرسالة المتبادلة. تمتلك بعض الدول أنظمة تشفير وتفكيك من نوع دي.إي.أس DES وهو النظام الأمريكي القديم. هذا ما نجده في سويسرا مثلاً حيث تتعامل المصارف مع الأسهم المالية بوسطته، ولكن ليس فقط المُصنع بل تعمل الحكومة الأمريكية على فرض "الكليبر شيب" في كل مكان بدلاً عن الأنظمة التقليدية. وتجتهد الدول الأمريكية الزبون الأساسي لـ "الكليبر شيب"على جعل الأنظمة القديمة لاغية ملزمة المستخدمين اعتماد الرقائق الإلكترونية الجديدة لتجنب أي تعارض. وإن لم يتوصل النظام الجديد من فرض نفسه فإن الحكومة الأمريكية تفكر بإبطال الأنظمة الأخرى. وبما أن الحكومة الأمريكية تعي أهمية الفرصة المتاحة عن طريق ممارسة السيطرة السياسية الحاسمة فقد صممت على مساعدة الموزعين بنشر الرقائق الإلكترونية الجديدة مستعدة مرة أخرى أن تخرق قوانين الحماية التي فرضتها وذلك بتقديم تسهيلات عبر مساعدات مالية حكومية مقنعة للحصول على تصاريح للتصدير(2) . لدى الدولة الأمريكية في هذه الحرب الخفية الجياشة كثير من الحلفاء الأقوياء بشكل مجموعات صناعية ومالية التي تؤلف فيما بينها تحالفات غير قانونية ومدانة على الصعيد الأخلاقي. من بين هذه المجموعات العملاقة التي تشكل ألوية المعركة هناك مثلاً شبكة البث السلكي TCI وتايم ورنر Time Warner) حليفة يو.أس. وست US West) وعملاق البث السلكي فيكوم الذي امتص شركة برمونت آخر شركة سينمائية هوليودية مستقلة وذلك مقابل مبلغ غير معقول وقدره 100 مليون دولار. إن فيكوم-برمونت هي الأولى في العالم على صعيد توزيع أشرطة الفيديو، وبلوكبستر انترتنمنت التي تصل مع شركة MTV الإنكليزية إلى 230 مليون مشاهد في العالم تحتل المركز الثاني على الصعيد العالمي لأن تايم ورنر استولت على المركز الأول. أما ميديا لاب ميت في بوسطن فهي مخبر للأبحاث بفضل المساهمات الثمينة للباحثين الأوروبيين الذين لم تعد تشغلهم مصالح القارة العجوز ومن الآن يبدو أن نتائج هذه المساهمة حاسمة. وشركة الاتصالات هوكز هي اليوم تستعد لإطلاق تجربة نظام جديد للأقمار وهو التلفزيون المباشر Direct TV الذي سيبث 150 قناة. المجموعة مؤلفة من أي.تي. أند تي AT&T وسيلكون غرافيكس Silicon Graphics وتايم ورنرTime Warner تحضر مشروع جوال "كل الخدمات من نِتْ وورك Net work" وهو عبارة عن مكتبة رقمية قادرة على توفير 500 فيلم رقمي هذا ما عدا الألعاب والأخبار والرياضة وسوق البيع التلفزيوني والتأهيل والخدمات المتعددة بواسطة الحاسوب. أما تي.سي.أي TCI تحضر إطلاق مسفر عالمي المستوى لـ 540 قناة. وعملاق البث السلكي قدم البرهان بأن السيطرة على الشبكات وتصنيع الأسلاك يمثل رهاناً مهماً. ألم تقم تايم ورنر Time Warner بزج نفسها مؤخراً في مزاد مجنون لكي تمتلك الشركة السويسرية موتر كولومبوس Motor Columposوهي تضم 200 ألف عائلة مشتركة بالبث السلكي؟!! فمع يو.أس. وست US West التي حملت إلينا عبر تحالفها مع تايم ورنر Time Warner نموذج المستقبل التلفزيوني المتفاعل وتحالف بول أتلنتك مع العملاق تليكومنيكشن، تستعد الولايات المتحدة للسيطرة على الاتصالات العالمية. تصيب النتائج كل مجالات الفكر وهوية الأفراد والتبادلات بين البشر وبين الدول. إن السيطرة الأمريكية على الاتصالات مبرمجة كما يدل توزيع الاختصاصات في هذا المجال. أوروبا التي لا علاقة لها بالمفهوم ولا بالصناعة استأثرت بالتجميع وبتقديم الخدمات وبتوزيع الأدوات التكنولوجية المرتبطة بالاتصالات. فالأوروبيون بعد أن تم تجاوزهم وأزيحوا من السباق للسيطرة على التكنولوجيا اكتفوا بدور التابع الذي يستقبل الأدوات التي تم تصنيعها وما عليهم إلا بتجميعها. أما الإلكترونيات ذات الاستهلاك الواسع فكانت من نصيب اليابان التي من الصعب التغلب عليها في عدد من الاختصاصات. وفيما يخص البرامج إن كانت متعلقة بالحواسب أو التليفزيون أو السينما أو الإعلام فقد احتفظت الولايات المتحدة بها بشكل كامل لنفسها. اليابان والولايات المتحدة بلدان، والثاني يسيطر على الأول والاثنان هما سيّدا الاتصالات الدولية. وعلى أوروبا أن تقوم بمهمة الحراسة. لقد لعبت الطريقة التي عومل بها منذ عشرات السنين العلماء والمعرفة العلمية على السواء، دوراً مهماً بتهميش التكنولوجيا الأوروبية. لقد اضطر الكثير من الباحثين بسبب التخلي عنهم بأن يذهبوا ويعرضوا على الأمريكيين إبداعهم الذي لم تكن السلطات العامة في أوروبا مهيأة لتشجيعهم. حالة البروفيسور مونتنيه لا تزال حاضرة في الأذهان فقد أجبر عام 1996 أن ينهي نشاطه كباحث متقدم في مجال السيدا الأيدز) لأنه بلغ سن التقاعد فذهب يتابع أعماله في الولايات المتحدة. وسائل إعلام مختلفة تنشر محتواها بقنوات أمريكية ويابانية ستكون كلياً من ابتكار الولايات المتحدة أما أوروبا فستكون مجمدة تستخدم بشكل سيئ التطور التكنولوجي: هذا ما يجب أن نتعود عليه. واليوم الموعود الذي سيشهد استسلام أوروبا بات وشيكاً، ففي 15 شباط 1997 أشرفت المنظمة الدولية للاتصالات على اتفاق سيتيح بموجبه تسليم عشرات الأسواق إلى مضاربين عمالقة أمريكيين(3) . الآن من بين المضاربين الأوائل الخمسة عشر في العالم عشرة منهم أمريكيون وهم : أي.تي.تي. - بلثوث - جي.تي.أي. - نينكس - بل أتلنتيك - أم.سي.أي - أمريتش - سبرنت - ثوثرن بل - يو.أس.وست. وقد أصبحت أوروبا بالنسبة لهذه المجموعة هدفاً مفضلاً، وبضغط من لجنة بروكسيل والشركات الكبرى المتعددة الجنسية بدأت الحكومات الأوروبية بعملية إنهاء الاحتكار الحكومي بواسطة الخصخصة وبسبب حالات من المقاومة مارست هذه السياسة على مراحل. وتؤكد فرانسواز لوتر بأن "المستقبل هو ملك لمجموعة شبكات ولشركات الخدمات المتخصصة التي تجمع ما بين نقل ومعالجة المعلومة، وسوف ينتج عن ذلك تقسيم الأسواق بشكل دقيق وانفجار للحدود ما بين الاتصالات والمعلوماتية والسمعي البصري وتكثيف للمنافسة". حرب الجميع ضد الجميع هنا أيضاً سوف تخدم أهداف التكتلات الأمريكية. تشويه الثقافات: ترتبط السيطرة على الاتصالات بالضرورة بمضمون، فإذا كان على المكونات المختلفة للسلسلة أن تعمل على التوجيه نحو الأيديولوجية الأمريكية فسوف تطال هذه الأخيرة كل المجالات: الغذاء واللباس واللغة....إلخ. الزي الكوني: تكشف طريقة اللباس عند شعب ما قبل كل شيء عن البيئة المناخية التي يعيش فيها، ولكنها أيضاً تذهب لأبعد من ذلك، ففي اللباس تظهر المفاهيم والاحساسات وثروة خيالهم وميزات تطورهم التاريخي والفلسفي والثقافي. اللباس هو الروح وهو التكوين تماماً كالأدب واللغة. يكفينا أن نفتح القاموس على الصفحات المخصصة فيه لثياب شعوب أوروبا عبر القرون لنكتشف تنوعها وغناها من ألوان وتفصيل وأساليب تشهد على واقع ثقافي يرتكز على التنوع والإبداع. صادفت بداية ضحالة اللباس وألوانه المتنافرة في أوروبا مع بداية التحول الصناعي القرن التاسع عشر) وزادت حدتها بعد الحرب العالمية الأولى وتعمقت أكثر فأكثر بعد الحرب العالمية الثانية بانفتاح الأسواق للنفوذ الأمريكي حيث تسيطر العقيدة التقليلية والتكيفية. فمن الضرورة التجارية - البيع في كل مكان لتأمين السيطرة الاحتكارية - ولدت عملية تجانس الأذواق واللباس خلال مرحلة التوحيد الصناعي للأنماط. ومن حالة غياب رهافة الذوق ولد اللباس الفظ العملي والذي لا يفنى) أو اللباس المبرقش. لندخل إلى أي قاعة مدرسية في أي مكان كان في العالم ولننظر إلى الصبيان والفتيات الجالسين على مقاعدهم، يرتدي الأغلبية اللباس الموحد مفروضاً على جيل بأكمله مطلبه الأساسي بالمقابل هو أن يمتلك حقه بألا يفعل كباقي الناس. إنهم يعتقدون أنهم يملكون هذا الحق عندما يستسلمون لغريزة "الجماعية" التي تدفعهم بالتالي إلى ارتداء اللباس الموحد الأمريكي: الجينـز، وهكذا لا يعود هناك أي تمييز بالجنس ولا بالشكل فهذا اللباس المستورد مباشرة من الولايات المتحدة أو المقلد يحول لابسه إلى راعي بقر ويمكن أن يكون لونه أسود أو أزرق أو أحمر لذلك أصبح سروالاً عالمياً(4) . إذا جمعنا كل أولئك الرجال والنساء والأولاد الذين لكي يكونوا كالموضة يرتدون قمصاناً من كاليفورنيا وقبعات تكساسية وكسكيت لاعبي البيسبول وقمصان تحمل علامة إحدى الجامعات الأمريكية أو برمودا من فلوريدا سنحصل على صورة دقيقة عن خضوع الكرة الأرضية لقواعد اللباس الأمريكية. إضافة لذلك وكالأمواج تتابعت الموضة الأكثر تفاهة وفي بعض الأحيان كان الزمن الذي يفصل بين الواحدة والأخرى قصيراً جداً بل إنها كانت متواكبة. مرة كانت ارتداء قمصان طويلة جداً فوق صدرية صغيرة تسمح برؤية السرة ومرة أخرى كانت ارتداء بنطال جينـز واسع أكبر بثلاث مقاسات على الأقل عن القياس الحقيقي حتى يتحول من يرتديه إلى أشبه بأكتع هارب من جليد ساحلي تعرض لهزة أرضية، وأحياناً كان ارتداء أحذية ثقيلة سوداء مثل الفحم تحمل مسامير فتجعل من يرتديها وكأنه من عمال مناجم كلونديك أو كفتيات خطبن حديثاً لفرنكشتاين المخيف فتيات هزيلات راغبات بتشويه أنفسهن، وبطريقة المصادفة تظهر أحياناً طالبات أنيقات لا نعرف من أين أتين فتحمل لهذه اللوحة القاتمة بريقاً متفائلاً كنقطة بيضاء في مزيج ألوان حفل جهنمي. الذوق الوحيد: لا تقدم الولايات المتحدة الكسوة فقط بل تطعم أيضاً وتروي الظمأ، في إيطاليا مثلاً هناك ألف طريقة وطريقة للعمل على تناسب الشراب مع المعجنات وفي الريف الفرنسي يوجد ألف وصفة لإعداد الأطباق التقليدية، وألف طبخة وطبخة يطهها الإسبانيون بمحبة وفن، وفي اليونان والبرازيل والصين هناك أطباق لا نهاية لها للأذواق المختلفة والطعم المتنوع ورثناها بكرم من آلاف السنين. بالمقابل صنعت الولايات المتحدة أطباق لا طعم لها ولا تمييز معقمة باسم "الطعام السريع" ما يعرف بالتعبير الركيك فاست فودFast Food. ثلاث آلاف سنة من المطبخ المتنوع والفني باختلافه والذي يشكل مرآة للمزاج القومي الفريد والذي يتناسب مع الرغبات اختصرت إلى أطعمة ذات شكل واحد في ما يمكن أن نسميه "الكلب الحار" هوت دوك Heat dog) أو همبرغر Hamburger. أصبحت السندويش ليس أكثر من بسط لأوراق من الخس ولحم زهري أو أخضر وقطع من الخيار البلاستيكي بين طبقتين من الخبز تقدم ملفوفة بورق مقصب. بدورها المطاعم مثل الكافيه رويال ومكسيم وشه ثانت ايفيت أو البتي روتيه حيث مدام مارت تطهي أهم الأطباق العائلية التي تلذذت بها الأجيال) اختصرت إلى يافطة بسيطة وهي: ماكدونالد أو ماكدو كما يلفظها الشبان)(5) . لقد استبدلت البطاطا المقلية على الطريقة البلجيكية الدسمة والسميكة وعلى الطريقة الفرنسية المقرمشة والمحمرة بطريقة "الفريت" بالطريقة الأمريكية(6) . وعند ماكدو تقاليد المؤسسة هي أيضاً تقاليد أمريكية فاللجان ممنوعة والرواتب مبتذلة وساعات العمل الأسبوعية لا سقف لها، وعند حدوث أي خطأ في الصندوق فإن عامل الصندوق يعوضه مباشرة من جيبه ويستقيل أو يلاحق قضائياً. ولا نزال مذهولين مما حدث في المحكمة في بداية 1997 في لندن المقامة من السلسلة ضد عاملين لديها عضوين في مجموعة لأصدقاء البيئة اتهما بالذم والقدح. لقد ربح ماكدو القضية وحكم له بمبلغ 96 ألف دولار كتعويضٍ ورَدٍّ للاعتبار ولكن المحكمة كلفته 16 مليون دولار أجرة محامين هذا إن لم نحسب ما دفعه للدعاية المضادة بحربه ضد العاملين اللذين فضحا أساليبه. همبرغر وكاتشب فوق كل الأطباق وانتشار النخاسين في كل مكان هذا هو مشهد المطعم الأممي والذي يُنتظر أن يصبح وحيداً) بروعته المأساوية. وكان على المشروب الدولي الكوكا كولا أن يصبح المتمم للغذاء الدولي الذي تقدمه سلسلة مطاعم ماكدو، لقد اخترع هذا المشروب عام 1886 بواسطة جون بمبرتون في مختبره الصيدلاني في أطلنطا وهو مركب من جوزة الكوكا وأوراق الكولا وأوراق الكوكا ومن السكر والكافيين) ويتكون من هذه المستخلصات النباتية وقد أبقي على طبيعة المزيج والنسب الممزوجة سراً. في عام 1892عندما اشترت اساكنتر صيغة التركيب تم إضافة الصودا الفوارة المتلألئة وتم إطلاق شركة الكوكا كولا. وبالتوازي مع منافستها الببسي كولا التي أسست بدورها عام 1889 انطلقت الكوكا كولا لغزو العالم. البلد الوحيد الذي حاول دون فائدة بعد عام 1944 مقاومة استعمار الكوكا هو فرنسا وبالتوازي مع الجبنة الملفوفة بالورق المقصب ومع موسيقى الروك والعلكة والسيارات ذات الصادمات اللامعة والبرادات قامت الكوكا كولا ثم الببسي بإزالة الثقافة الأوروبية بواسطة سلاح الغذاء المثاقفة الغذائية). أسست هذه الشركات اليوم مصانعَ لها في كل القارات مع ميل أكبر إلى البلدان حيث اليد العاملة رخيصة، وتدفع هذه الشركات رواتب بالكاد تكفي أصحابها مع غياب كامل للحماية الاجتماعية لتحقق بذلك أرباحاً هائلة. وكما الحال لدى ماكدو والجينـز فالكوكا كولا تغرق يومياً الكرة الأرضية وحتى الأهل والمعلمون الواعون من هذه المخاطر يقفون صامتين عند أرصفة المقاهي بصحبة أبنائهم الذين لدى سؤال النادل:"ماذا تريدون أن تتناولوا" يجيبون بصوت واحد مثل المذعورين:"كوكا،كوكا، كوكا...". لغة عالمية جديدة: بقي مجال آخر للتأثير الأمريكي، إنه مجال اللغة. إن اللغة الأم لكل شعب مهددة بالعدوى الأنكلو - أمريكية. كانت اللغات دائماً عبر الأزمان قابلة لاستعارة الكلمات، وفي اللغة الفرنسية هنالك كلمات كثيرة أجنبية مختلفة الجذور، وقد أغنت هذه الكلمات باستمرار اللغة الفرنسية ونستطيع أن نجد الظاهرة نفسها في لغات الأرض كافة. أما ما هو جديد في نهاية هذا القرن هو أن الإنكليزية المحكية في الولايات المتحدة التي تجمعها طريقة اللفظ لبعض الأصوات إضافة إلى المفردات وبعض التراكيب النحوية وكتابة إملائية خاصة، تحاول أن تتعامل مع باقي اللغات بنفس الأسلوب الذي تتبعه أمريكا بالسياسة والاقتصاد وبالثقافة أي أسلوب الإبادة التدريجية. إن الاستعارات الأجنبية للغة الفرنسية أو الإنكليزية أو الألمانية هي متممة لبنية هذه اللغات فهي تأتي لتضيف كلمات أو تعابير لم يكن لها بشكل عام مقابل ولذلك كانت الاستعارات تعتبر دعامة قيمة. أما الاستعارات الأمريكية فهي مختلفة لأنها تأتي لتحل محل كلمات أخرى فهي استبدالية فلا تضيف بل تقتل وتحتل. كما انغرست المجموعات الاقتصادية الأمريكية في بلد ما وقامت بإبعاد المنافسين المحليين وباحتلال الأرض عمدت الكلمات الأمريكية بنفس الطريقة فأخذت شيئاً فشيئاً من اللغات الكلمات واحتلت مكانها. يقول كلود أجيج Claude Hagége في الولايات المتحدة "لا يمر الدفاع عن الإنكليزية عبر السلطة السياسة، فمن أجل دعم اللغة تقترح المؤسسات الخاصة في أغلب الأوقات على الجامعات الأجنبية بإبعاد الفرنسية من التعليم في جامعاتهم". أما في الجامعات السويسرية توجد أقسام الآداب واللغة الإنكليزية منذ أكثر من قرن. وحتى نهاية السبعينات كان لا يعقل أن يتخرج طالب من هذه الأقسام إن لم يكن لديه معرفة معمقة عن معظم الأدباء البريطانيين. ثم قبلت الجامعة أن يختار الطلاب في امتحاناتهم أحد الأدباء الأمريكيين وبعد ذلك وفيما عدا شكسبير لم يعد يفرض أي أديب. وبدأ المدرسون الأمريكيون أو الدارسون في أمريكا بالازدياد أكثر فأكثر وهم يشكلون اليوم ليس فقط الجزء الأساسي في الهيئة التدريسية في أقسام اللغة الإنكليزية في مختلف الكليات والثانويات والإعداديات بل إن أكثر الطلبة الراغبين بالانتماء "للحداثة" باتوا يحتقرون الأدب الإنكليزي ويفضلون الأمريكي الذي يتمتع ببنية مستقلة يمكن التمكن منها هذا إن لم نأخذ بالحسبان الدعم القيم والأكيد الذي تقدمه سفارة الولايات المتحدة في برن. في هذا الخصوص هناك تعميمٌ معبرٌ صادر عن قسم الإعلام للولايات المتحدة في 12 كانون الأول 1988 تعلن فيه سفارة أمريكا في برن بإطلاق برنامج جديد للمدرسين في الثانويات يحصل بموجبه على منحة فردية من أجل متابعة دراستهم لمدة شهر في الولايات المتحدة الشرط المطلوب للحصول على هذه المنحة هو ضرورة أن يكون موضوع الدراسة إعداد برامج الثانويات السويسرية هدفها إغناء معرفة الطلبة بمعلومات عن الواقع الأمريكي، ويحدد الشرط بأن على البرنامج أن يتوصل إلى "نشر المعلومات عن الولايات المتحدة بين الطلبة في المرحلة الثانوية". أما المدرسون الذين يقع الاختيار عليهم فسوف يحاطون بخبراء أمريكيين طيلة فترة إقامتهم في الولايات المتحدة. ولن يطول الوقت حتى يدرك المهتمون بهذا البرنامج بأن ما يهدف إليه هو مشروع كبير يطمح لنشر المعلومات الإيجابية عن أمريكا. كثير من الأساتذة تم الاتصال بهم اتصالاً شخصياً ودُعوا للاشتراك في مكتبة الفيديو في السفارة بشرط أن يكون محور تعليمهم يرتكز على اللغة الأمريكية وعلى الولايات المتحدة. ومن أجل تشجيعهم أرسلت السفارة لهم مجلة أمريكية تعليمية شهرية مجاناً. والأساتذة الذين يرفضون الإذعان لهذا الشرط الأساسي أي إعطاء الأولوية التعليمية للرؤية الأمريكية لا يستلمون المجلة ولا يسمح لهم بالدخول إلى مكتبة الفيديو في السفارة. إن أمركة العالم بواسطة اللغة تشكل سلاحاً خطيراً يستعمله الأمريكيون بحذاقة بواسطة الجذب تارة والقوة تارة أخرى. كتبت الصحفية فرجيني دو مرون تقول:" لقد تم اكتساح عالم الإعلان والسيطرة عليه بواسطة اللغة الأنكلوسيكسونية" كما قالت الكاتبة الكندية من كيبيك ليز بزونت التي استشهدت بمقال ظهر في المجلة الأمريكية "فورن بوليسي" يمتدح الإمبريالية الثقافية الأمريكية) ويدافع عن المقولة التي تؤكد أن تنوع الثقافات هو السبب الأساسي للصراعات وللهمجية في العالم:" يجب إذاً الرد على ذلك ليس بإبعاد الإنكليزية والثقافة التي تحملها ولكن باليقظة والعمل على إحياء التعامل باللغة الفرنسية وهو الفعل الوحيد الذي يمكنه أن يقف حاجزاً ضد المحاولة الإمبريالية للإنكليزية" اللغة الإنكليزية البريطانية نفسها طُمست لمصلحة ما أسماه بحق الكاتب اتيبل"المزيج اللغوي الأطلسي". حول هذا الموضوع يقول الكاتب جان ديتور:"انقض هذا المزيج على اللغة الإنكليزية وشوهها أكثر مما شوه اللغة الفرنسية". لقد ساعدت إرادياً أو لا إرادياً العلوم والصناعة واللغة المحكية في الجامعة والرياضة والتلفزة والسينما على نشر المفردات والكتابة الإملائية الأمريكية التي غزت الشاشات والأماكن العامة ورفوف الإعلان ومنتجات المخازن الكبرى والتقارير الرسمية. لقد انطلقت فكرة التعديل الإملائي للغة بواسطة نيو وبستر بعد حرب الاستقلال واعتبر هذا التعديل بمثابة حرب باسم الوطنية والتفوق الأمريكي. وفي عام 1783 ظهر كتابة التهجئة للغة الأمريكية. ونتيجة للحماس الذي أظهره توماس بين وأزره ستيلس وتيموتي دويك ووليم سميث وكتاب آخرون ومثقفون وأساتذة وقضاة ورجال سياسة الذين اعتبروا أن الأمة الأمريكية تمثل المشعل الذي سينير العالم وصلت الولايات المتحدة لقمة المجد والشرف فحلم وبستر أن يبدع لغة أمريكية خالصة تتميز عن الإنكليزية المحكية في إنكلترا الغارقة في الفساد والجنون والاستبداد. ووضعت المؤلفات والآداب الأمريكية وبستر كأي فرد من الأمريكيين الأوائل "ينكي" مشبع بالتفوق بكل ما هو أمريكي. ومن حينها دخلت العناصر الأساسية للتغيير إلى ميدان الفعل فانتشرت الكلمات والتراكيب والتعابير والإملاء الأمريكية وأخذت مكانها بدلاً من مثيلاتها الإنكليزية. أليس من المدهش مثلاً أن يرصع الطلبة والتلامذة والمهندسون والأطر الإدارية والسكرتيرات والتجار ورجال الأعمال في كل أنحاء العالم نصوصهم وتقاريرهم ورسائلهم بكلمات أمريكية فيكتبون مثلاً Center بدلاً من centre و Thru بدلاً من Through وcolor بدلاً من colour وdéfence بدلاً من defense وtraveler بدلاً من traveller وtheater بدلاً من theatre ...إلخ أما المفردات فلها نصيبها أيضاً فبعد يوم عمل في الورشة نقول الآن نلتقي البيت بدلاً من في البيت home بدلاً من at home) وللتعبير عن المرض نقول sick بدلاً من ill وفي الشارع نقول نمشي على حافة الطريقة بدل من كلمة الرصيف Sidewalk بدلاً من pavement) ...إلخ والتعابير أيضاً سارت في المنحى ذاته فيقول التلاميذ الذين تعلموا في أمريكا I just went home أتيت لتوي إلى الوطن) والجملة الإنكليزية السليمة هي I have just gone home) وهل معك سيجارة do you have a cigarette? بدلاً من Have you got a cigarette?)... إلخ وطالت هذه الطريقة بالكلام أسلوب لفظ الأحرف ذاته فحلت لفظ {R} الاسترجاعية مكان مثيلتها الإنكليزية الخفيفة والأنيقة وحلت اللكنة الأمريكية الفظة بدلاً من لغة البي.بي.سي B.B.C الإنكليزية المنمقة. لا يوجد تلميذ أو بالأحرى طالب جامعي جدير بأن يحمل هذا اللقب إلا ويفكر بأن يجري دورة في جامعة أو معهد عالي أمريكي. وهكذا أخذت جامعات هارفرد وشيكاغو ويال وبرنستون ونيويورك ولوس أنجلوس وأقسامها للاقتصاد والحقوق والآداب والأم.أي.تي MIT في بوسطن ومجموعتها العملية ومعاهد الأبحاث تهيّء وتخرج الكوادر المستقبلية والموظفين بل وتحكمت بالمسؤولين السياسيين المقبلين في كل أنحاء المعمورة. الجميع بالقصد أو بدون قصد حملوا وطبقوا ونقلوا النموذج وأسلوب التفكير والأساليب والحلول وردات الفعل الأمريكية الشكل.كم من الناس الواعين لا يستعملون يومياً المفردات الأمريكية؟!! وقد يندهشون حين نقول لهم هناك كلمات أخرى يمكن أن يستعملوها للتعبير عن أفكارهم دون الإساءة للغة الفرنسية. إن عملية إلغاء المفردات للغة الأم وانهيار المخزون المعجمي والتفقير التركيبي كل هذا يشكل المواد الأساسية للأمية وهي تساهم أيضاً بتشويه اللغة الإنكليزية الأوروبية وبتعميم إجباري للغة عامية ولكنة أمريكية في المحافل الرسمية كلها. انتصار الابتذالية: في كتابه "حرب الذوق" الصادر عام 1995 برهن فيليب سولرز كم أفسدت الليبرالية والأمركة حضارتنا وقارن عصر النور مع عصرنا فأشار بوضوح إلى دأب الأول بعدم الإساءة للحس الجمالي في أسلوب التعبير أو اللباس أو الغذاء وإلى استسلام الثاني الذي يتهمه بحق بأنه تخلى عن مسؤولية إثبات الهوية ووضع الذوق العام تحت تصرف متطلبات السوق ودراسات علماء الاجتماع. طالما أنه يأتي من خلف الأطلسي "ما هو سياسي وما اقتصادي صحيح" إضافة إلى المشاعر والعواطف والنرجسية التي أصبحت رائجة بفضل التلفاز الأمريكي للتحالف مع نمو غير معقول للأمية وللتعصب المذهبي الاقتصادي والديني ..إلخ) من أجل نشوء بنية كونية استبدادية وسوقية في آنٍ واحدٍ. فهذا الانتصار حسب سولرز للتزمت الذي يقود دائماً إلى الفاشية. تقع المسؤولية الكبرى في هذا الإطار وبدون شك على الجزء الأكثر انفتاحاً نحو الخارج من الشعب الأمريكي والأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام.فالقسوة الأخلاقية والخشونة والتعنت أصبحت إرثاً من الماضي الذي أطلعنا فيما سبق على خطوطه العريضة. وكما أوضح دانيال بورستين فقد ساهم المناخ وأسلوب الحياة في أمريكا والأصول المهنية طباعة أو فلاحين) للسكان القادمين من أوروبا على خلق مجتمع أمريكي مؤلف من أناس لا يملكون الكثير من التهذيب وغير مرهفين. فالحدس السليم المبسط والنفعي أخذ سريعاً مكان رهافة الحس ولعبة المضاربة والمنافسة وقانون السوق كانت الشعار الأعلى في هذه المبارزة والتجربة الخشنة في المواجهة حلت محل التفكير الفلسفي. ويتابع بورستين فيقول إن المسيرة نحو الغرب كَوَّنَتْ الإنسان الأمريكي كما نعرفه اليوم. لقد أوجد هذا الخليط من الأفراد المختلفين من إيرلنديين وألمان وبولونيين ويهود وإيطاليين وإنكليز من يوركشير وسفولك وأزكس ولندن وجميعهم من نفس الطبقة الاجتماعية، نوعاً من التوازن المقياسي لهذا الشعب على الصعيد اللغوي وعلى مستوى التصرفات. ويؤكد بورستين فيقول "إن الحياة في أمريكا كانت منبعاً ومصدراً للتماثل". عملية التماثل هذه أو التأخذ تمت ضمن مفهوم التبسيط الذي يحمل الفظاظة والخشونة رغم محاولات رجال مثل وبستر لكي يحفظ للغة الأمريكية ضمن رؤية التسلط والمفاخرة نقاءً يقربها من الإنكليزية البريطانية في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر وبالرغم من جهود الأغنياء للاحتفاظ بنمط معاشي قريب من البرجوازية الإنكليزية. لايزال يظهر هذا التبسيط اليوم في طريقة التعبير وفي الأساليب الفظة وغير المهذبة لإنسان الشارع كما للإنسان الذي يعمل بالسياسة الخارجية. وملخص القول كما يؤكد بورستين فإن اللغة الأمريكية تكونت في قالب عناصره "من ربان السفن ومن باعة الفرو ومن الكشافة ومن أولئك الذين كان عملهم يرتكز على مدح مزايا بلدانهم والقتال ضد الهنود واستصلاح الأراضي" وتميزت بالاكتشافات المتعددة للغة محكية لا تكترث كثيراً بالقواعد" وبرهنت حسب تعابير بورستين عن "الحيوية المشتعلة" كما كان عليها أن تتأقلم مع كل المفاهيم والأهداف والأوضاع الجديدة وهذا لا شك فيه. فالنتيجة كانت "نوعاً من التمجيد للعامية" ونصراً للمخلفات عند نهاية "جلسة سكر" وكان لهذه اللغة وقعها الموسيقي وقواعدها الفظة. ويضاف لذلك أسلوب التكلم وهو الشكل الأمريكي للتحدث بمبالغة "شبيهة إلى حد غريب بلغة الدعاية في القرن العشرين" وهي "اللغة التي لا صح فيها ولا خطأ إنها لغة العظمة في المبهم" ونجدها في التصرف الكلامي وفي الحركات المبتذلة والمبالغ بها للسياسيين وللمثليين ولرجال الأعمال الأمريكيين. ويضيف بورستين فيقول هذا الصوت الصارخ والمبالغ به الذي ولد من "حيوية بدائية" والذي استخدم "على المراكب البسيطة وفي مسيرة العربات وفي مخيمات عمال المناجم ولدى باعة الفرو" انتهى به المطاف ليهبط "من أعلى الكراسي ومن المنصات ومن منبر الكونغرس. لقد ارتفع هذا الصوت إلى أعلى السلم الاجتماعي راح المبشرون والأساتذة وأعضاء الكونغرس يتكلمون كالعامة". أثر هذا الغياب للتميز وهذه الفظاظة اللفظية والفكرية باللغة المعاصرة لأكثر الأمريكيين. يجب علينا إذاً أن نعمل ضد هذا الخبل وهذا التهور. (1) بهذا الصدد تبدو بريطانيا العظمى مساعداً قيماً لأن البريطانيين يشكلون رأس الحربة الأمريكية في أوروبا الشمالية فمحطة سبرتشنل مثلاً قامت بشرائها المحطة الأمريكية CNBC. (2) إذا توصلت الولايات المتحدة أن تفرض على المصارف والإدارات ومديريات الشرطة والمخابرات ومراكز البحوث العلمية في الخارج باقتناء "الكليبر شيب" فسوف يدق الناقوس مهدداً استقلال الأمم وحريات الشعوب التي أصبحت وهمية أكثر فأكثر. لقد بدأت المعركة فعلاً لأن وزارة العدل الأمريكية قد تقدمت بطلب للحصول على 50 ألف خط هاتفي مزودة بالرقائق الجديدة. (3) راجع حول هذا الموضوع مقال دان شيلر أستاذ الاتصالات في جامعة بنسلفانيا - سان ديغو - وقد نشره في جريد لوموند دبلوماتيك - آذار 1997. (4) حالياً يوجد أيضاً قمصان جينـز وسترات جينـز .. إلخ. (5) مطاعم الفاست فود Fast Food مثل ماكدو انتشرت في كل مكان، فلا يمضي أسبوع دون أن نرى اختفاء مطعم أو مقهى تقليدي ليقوم مكانه مطعم يرفع بعد إجراء قليل من الديكورات) أعلام السلسلة الأمريكية أو الايرلندية أو الإنكليزية ويصبح ملجأ التلاميذ بين الحصص الدراسية أو عند نهاية اليوم الدراسي. (6) تعمل سلسلة بيتزا هات Pizza Hat على الدفع لنسيان معجنات نابولي لصالح بيتزا اصطناعية معدة بلا ذوق مغمورة بالكاتشب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |