|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس : هــل نســـتـطـيـع أن نتخلص من الإمبريالـــــية الأمريكــــية؟ وأنت ، يا أمريكا أبناؤك كبار ولكنك أنت أكبر من كل شيء تمسكين النصر بيسارك والعدل بيمينك أنت، مبدأ الوحدة وتمسكين بكل شيء توحدين وتمتصين وتتسامحين بك أنت، وبك أنت فقط أتغنى إلى الأبد أنت وأنت فقط تساوين العالم بمشاهدك المنسجمة والمتعددة والمتنوعة واللامحدودة أنت تحتوين العالم في لغة واحدة ودائرة واحدة إنك القدر الوحيد ولا انقسام فيه لهذا العالم والت وايتمان) ابحري، ابحري بقدر ما تستطيعين يا سفينة الديمقراطية طوقك من كل القيم قاعك ليس الحاضر فقط بل الماضي العريق أنت فوق قاعدة ليست بمثل الغرب بل إنها تبحر مختصرة الأرض كلها والت وايتمان) "...... تصرف بناء وقوة عسكرية كافية لردع أية أمة أو مجموعة أمم تجرؤ على أن تتحدى سيادة الولايات المتحدة". تقرير ولفووترز) "إن الله مع أمريكا، إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم" ريتشارد نيكسون) أقل من مائة عام تفصل بين القصيدتين لوايتمان وما بين التقرير الذي طلبه البنتاغون من ولفووترز. والمدة الفاصلة ما بين القصيدتين اللتين افتتحنا بهما الفصل وبين تصريح الرئيس نيكسون في خضم حرب فيتنام هي أقل أيضاً. ومنذ السنوات الأولى للقرن السابع عشر عندما وطئت أقدام مستعمري فرجينيا الأوائل أرض العالم الجديد وهم مقتنعون بأنهم سيشيدون إمبراطورية مدعوة للسيطرة على الكرة الأرضية إلى يوم ذكر الرئيس كلينتون لهذه المهمة ومروراً بالهدف الإمبريالي الذي تم إعلانه في نهاية القرن التاسع عشر وتهديدات رونالد ريغان وجورج بوش - أي فرق يوجد ما بين هذه التهديدات ودعوات القديس برنار الذي دعى رهبان الهيكل أثناء الحملة الصليبية الثاني إلى القتل "باعتبار أن الخضوع للموت أو إعطاؤه لا جرم فيه حسب المسيح"؟ - خلال هذه الفترة إذاً لم تتبدل كلمة في خطاب الولايات المتحدة. هوت إمبراطورية الشرق عبر صيحات الحبور والاستبشار، وأدىّ ذلك إلى سقوط الجدران وارتعاش فرائص العالم وفكرنا حينها أن ذلك كان مقدمة للسلام الضائع وللديمقراطية ولسعادة الجميع. فإمبراطورية الغرب بقيت وحدها والذي ينبغي أن يكون واعداً ظهر أنه مثقل بالتهديدات وبالمخاطر. فأكثر من أي وقت مضى باتت أمريكا كدولة عظمى وحيدة وليست جاهزة لتنسى أحلامها بالسيطرة حتى وإن كانت هذه الأحلام تندرج في نوع من التناقض. لأن كما يُذكر بذلك ألفردو جي.أيه. فلادو "الرأي العام الأمريكي المتمسك دائماً بزعامة العالم هو كثير الحذر بالنسبة للتدخلات العسكرية البعيدة عن بلاده". نعم للسيطرة بالتأكيد ولكن ليس بثمن دم الرجال الأمريكيين. إنهم يفضلون أن يسيطروا بواسطة التجارة والروابط الاقتصادية وبالاتفاقات التي تجبر الآخرين والتي تستطيع الولايات المتحدة تفسيرها بحرية لصالحها. هناك أيضاً هذه الأسس الصلبة المؤلفة من فضاءات معينة في العالم تستقبل القواعد والبنى التحتية وانطلاقاً منها يبديان كل تدخل ممكن في أي وقت أو هذه الناقلات الضخمة التي تخوض غمار البحار والمحيطات وتسمى بالأسطول السادس والسابع ...إلخ. تمسك الولايات المتحدة اليوم بيدها الأوراق الأساسية في اللعبة الكونية بالطبع. فلا يمكن اتخاذ أي قرار جوهري ولا إقرار حل حاسم دون موافقتها. في القارة العجوز الأمريكيون هم الأسياد بالرغم من المقاومات التي تنشأ هنا وهناك في المجال الاقتصادي. إن اتفاقيات دايتون هي تجسيدٌ لعجز الأمم الأوروبية عندما تنفجر أزمة كبرى عسكرية أو سياسية، ألم ير التوقيع تحت مظلة الولايات المتحدة في 14 كانون الأول 1995 كما قال قادة كروات وصرب وبوسنيين "مسجونون في قاعدة عسكرية" في الوقت الذي كان فيه "الروس والأوروبيون ينتظرون طويلاً عند الباب"؟؟ تعالوا لنذكر هنا باختصار بالجدول الزمني لهذا التنازل. عندما ضعفت الفيدرالية اليوغسلافية التي خلقت من التوزيع الذي قام به تيتو سنة 1945 للصرب على أربع دول كرواتيا - البوسنة والهرسك - مونتنغرو - صربيا) وهذا ما لم يقبله الشعب الصربي، ساهمت عدة عناصر بتصعيد التوتر بعد وفاة المارشال من هذه العناصر نشر عزت بيكوفتش عام 1983 لبيانه الإسلامي الذي عبر فيه عن إرادته بإقامة أنظمة إسلامية وباتباع سياسة لعموم المسلمين. إلا أن العامل الأساسي الذي حمل الولايات المتحدة على ممارسة الضغط على يوغسلافيا بواسطة صندوق النقد الدولي كان بسبب الدين الضخم الذي أخذته يوغسلافيا خلال السنوات الأخيرة لنظام تيتو. طلقة الرحمة أتت من ألمانيا التي اعترفت غداة اجتماع الدول الاثنتي عشر في بروكسيل في 16 كانون الأول 1991 بكرواتيا وسلوفانيا دون أن تستشير أحداً، بل طلبت من شركائها الأوروبيين أن يفعلوا مثلها. وهكذا وضمن أجواء الانبعاث القومي الهائج باتت الحرب أمراً لا مفر منه. أما الولايات المتحدة التي جعلت من ألمانيا شريكاً مميزاً لها في أوروبا دعمت القوميين دون تحفظ. فألمانيا هي الرابط الأساسي بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية بما فيها روسيا لم تتوقف يوماً عن خدمة المصالح الأمريكية منذ نهاية عهد المستشار أيزنهاور، وقد بدت أنها حليفة قيمة أكثر فأكثر يوم تبعت سياسة واشنطن لتوسع الحلف الأطلسي. عندما اندلعت الحرب استخدمت الولايات المتحدة المشاكل الاقتصادية الصربية للدفع إلى التفجير النهائي للفيدرالية اليوغسلافية، وتم التصويت في 30 أيار 1992 على فرض عقوبات اقتصادية ضد بلغراد بالرغم من تحفظ الدول الأوروبية إلا أنها لم يكن باستطاعتها مقاومة الرغبة الأمريكية ويُفسر هذا التحفظ ليس فقط بخطر انفجار يوغسلافيا وهذا لم يكن لمصلحة الأوروبيين بل كان هناك تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي في 2 حزيران 1992 يشير إلى مسؤولية الكروات في تصعيد الصراع، وهذا ما اعترف به أيضاً الجنرال الفرنسي موريون، إلا أن الأمريكيين أجلوا نشر هذا التقرير. وفي 3 حزيران طلب الكروات رسمياً التدخل العسكري ضد الصرب وقد ساندتهم ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية التي كان يهمها حينها بعد حرب الخليج إرضاء المملكة العربية السعودية ودول إسلامية أخرى. وفهم الأوروبيون بأن البيت الأبيض كان يرغب تدخلاً عسكرياً أوروبياً لا تشترك به القوات الأمريكية. اتخذت الولايات المتحدة قرارها بالتدخل عندما أعدت باريس خطة قابلة لإقامة السلام تقسم بموجبها البوسنة والهرسك إلى ثلاث دول كونفدرالية: إسلامية وكرواتية وصربية وكان لابد من تقديم تنازلات من أجل الوصول إلى اتفاق شامل. إلا أن مذبحة سوق سراييفو التي لم يتأكد أحد من فاعليها لم يترك المجال للتفكير بكل الفرضيات نذكر هنا انفجار مين الذي شكل الحجة لغزو كوبا عام 1898) هذه المذبحة إذاً حملت الأمريكيين على التدخل في الصراع. عندها طلب الأمين العام للأمم المتحدة ويمكن أن نسأل لماذا؟) من الحلف الأطلسي وليس من مجلس الأمن بالتدخل عسكرياً. وبعد استعراضات القوة الأمريكية في بحر الأدرياتيك وقصف المواقع الصربية في البوسنة من 29 آب إلى 20 أيلول 1995) لم يعد هناك أي نقاش لكف يد الأوروبيين وأقرت اتفاقيات باريس في 14 أيلول 1995 العمل بمقررات دايتون 21 تشرين الثاني) بإشراف قوات الأيغور وهي قوات لتطبيق القرارات بإشراف الحلف الأطلسي قوامها 60 ألف رجل ثلثهم من الأمريكيين. وأصبحت عملية الإبعاد الأوروبي فعلية عن تسوية ملف هو أوروبي بشكل كامل عندما اتخذ مجلس الأمن قراراً في 15 كانون الأول منح به الحلف الأطلسي مسؤولية تطبيق اتفاق السلام في البوسنة. وحتى نهاية عام 1997 لم تجد أي قضية حلاً لها وبقي الوضع السياسي المصطنع لهذا البلد _كما كان الحال عام 1919) في حالة توتر ولم يتوقف عن التشرذم سياسياً واجتماعياً وخاصة بسبب مسألة اللاجئين الذين لم يتخذ بعد قرارٌ بعودتهم. أما القوات الجديدة SFOR التي تتولى مهمة نشر الاستقرار والتي أنشئت في كانون الثاني عام 1997 30 ألف رجل) فإن الولايات المتحدة تمتلك أكبر فرقة منها. ولم يبدل الإعلان قرار انسحابها في حزيران 1998 أي شيء لأن مستقبل المنطقة ومستقبل كامل البلقان هو اليوم بين يديها. تركت المرحلة الانتقالية التي بدأت عام 1989 بسقوط جدار برلين مسألة أساسية معلقة وهي إعادة بناء قوة أوروبا حسب ميشيل فوشه يطرح سؤالاً ثلاثي الأبعاد:"هل يجب على أوروبا أن تصبح قوة عظمى أي دولة جماعية قادرة على التأثير بما فيه التأثير العسكري ؟ هل يتعلق الأمر ببساطة بالدفاع عن المصالح أو جملة المصالح المتطابقة ؟ أو هل يجب التفكير بعقلية ما بعد الحرب الباردة من تواجد وتأثير وإشعاع ؟ " أمام هذه الأسئلة الثلاثة ومهما كان الجواب واضحاً إلا أنه ليس بالبسيط وخاصة فيما يتعلق بوسائل العمل التي يتطلبها. لم تكن الدول الأوروبية عبر التاريخ إلا دولاً متكونة موحدة لها مشروع جماعي وكل محاولة لقلب هذا المشروع من قبل أقلية مّا كانت تواجه بمقاومة السلطات السياسية. فلم يتحمل أي ملك في الماضي قيام مجموعات أو أقليات عرقية تستأثر بحق توجيه الواقع السياسي أو حتى امتلاك جزء من هذا الحق وإلا عرض بذلك الوحدة الوطنية للخطر. لهذا قام فيليب لوبل بالتخلص تارة من اليهود وتارة أخرى من كهنة الهيكل كما هدّد اللومبارديين لأنه رأي في الثلاثة رمزاً بل أكثر من الرمز للسلطة المالية والاقتصادية القادرة على جعل السلطة السياسية رهينة بيدها. إن أوروبا كونفدرالية كانت أو فيدرالية مؤلفة من دول قومية لا يمكن لها مستقبلاً أن توجد خارج الوحدة السياسية المجسدة بشكل دولة قوية مستقلة ولها دورها في الخارج وهذا يتطلب أن تضع تحت وصايتها السلطة الاقتصادية وبالطبع إمكانية امتلاك التأثير العسكري.ومهما يكن الشكل السياسي الذي تختاره هناك مبادئ تطرح نفسها فالدول القومية بأولوياتها الموروثة من التاريخ تشكل نقطة انطلاق لا يمكن تجاوزها، ثم إن أوروبا لا يمكن أن تكون مغايرة للبنية الملازمة والمعقدة للدول التي تشكلها وهذه الدول تتكاثر بالطريقة التي رسمها ليبراليو المدرسة الكلاسيكية وأصحاب الفكر النفعي. إذا أرادت القارة أن تصبح قوة سياسية عظمى في هذا العالم عليها أن تجسد المفصل السليم والصلب الذي يرتكز على قواعد تاريخية وثقافية وعلى حقائق قومية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا...إلخ ولا يستطيع تطابق المصالح القومية أن يكتفي بأن يكون القاسم المشترك الصغير السياسي والاقتصادي بل يجب أن يكون محصلةً لمجموع المكونات القومية وصوغها بواسطة سلطة سياسية قومية مهما كان شكل البنية التي تختارها. هذه العملية لبناء الدولة الأوروبية القومية ولتنظيم المصالح القومية في وقت واحد، تبدو على الفور بأنها ضرب من الوهم إذا لم تظهر للعالم دليلاً على عقبات الوجود وعلى التأثير السياسي الاقتصادي وعلى الإشعاع الثقافي الذي لابد له إلا أن يمر بعملية إعادة الاعتبار للغات الأوروبية على مستوى العالم أجمع على حساب الإنكليزية الأمريكية المرجع. حيال هذه المخاوف الضاغطة ستصطدم كل محاولة أوروبية لاثبات وجودها بما أسماه ميشيل فوشه "قوى الحضارة المادية التي تنتشر على الصعيد العالمي". هذه القوى إن أردنا أن نعترف بذلك أم لا، هي قوى أمريكية وحتى الحقائق القومية الخاصة تساهم بتقوية القوة المركزية متناقضة مع ما تحتاجه أوروبا لكي تؤكد وجودها كقوة سياسية ذات سيادة. هذا الدور قامت به ألمانيا وإنكلترا وإسبانيا وإيطاليا عندما تضع العصي في العجلات التي تديرها فرنسا في كل مرة تحاول فيها هذه الأخيرة معارضة الولايات المتحدة. هذا الخلاف القائم هو أحد الأسباب التي جعلت فوشه يقول بحق بأن الاتحاد الأوروبي "يواجه خطر أن يحتل موقع المقاول في المؤسسة وفي الاستراتيجية المقررة بواسطة واشنطن". وإن كانت أوروبا تتجاهل ذلك لأنها تفضل ألا تراه أو لأنها عمياء أو جبانة - وتتجاهل الوزن الناتج عن وحدة وجهات النظر ووحدة الأساليب فهذا التجاهل ليس موضع شك. إن أوروبا اليوم 25% من الناتج الدولي وتمثل عملاتها الثلاث الأساسية 43% من مجموع ديون صندوق النقد الدولي مقابل 40% للدولار وتحتل صادراتها واستيراداتها المركز الأول في العالم. رغم ذلك فكل شيء يبدو وهمياً بمفاهيم القوة السياسية الحقيقية لأن الولايات المتحدة أقامت الحواجز في كل مكان وهي قادرة على التحكم بالمؤسسات العالمية الحلف الأطلسي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة) وتثير الكثير من ردات الفعل بكل سهولة لإسقاط أي محاولة للاتحاد الأوروبي من أجل الوصول إلى سيادة قراراته الأساسية. لذلك تبدو أوروبا حالياً غير قادرة أن تحقق ذاتها لغياب الوحدة الأكيدة والعلنية، ولغياب الصورة الجديرة بالثقة والمقنعة والتي تستطيع أن تجذب إليها دول آسيا المتضايقة من العجرفة الاقتصادية الأمريكية من الكفاف الصيني. إن ظاهرة استقبال 215 ألف طالب من العالم الثالث في الجامعات الأمريكية مقابل 50 ألف طالب يختارون الجامعات الأوروبية هي ظاهرة غير بريئة فهذه العقول التي تعد بالطريقة الأمريكية تساهم بقوة بتغيير العالم حسب النموذج الأمريكي. لا نستطيع هنا أن نندّد بالشكل الكافي بالجبن الأوروبي وخاصة في مجال الدفاع. يشير بدقة فلادو في سياق وصفه للنموذج الدولي فيما يخص القوة العسكرية إلى الطريقة التي تطور فيها مفهوم "الحرب". فإذا خضعت كل الأمم إلى "المراجعة الشاملة العميقة لسيطرتها على العنف المشروع" وإذا لم يعد استعمال القوة المسلحة ممكناً دون عقاب إلا أنه هناك استثناء كبير هو الولايات المتحدة. إن مفهوم "المجتمع الدولي" بدلالاته الإيجابية يخفي واقعاً مخادعاً ومقلقاً. فإرادة هذا المجتمع الأسطوري ورغباته نستطيع تفسيرها قليلاً من خلال مؤسسات دولية صندوق النقد الدولي) أو إقليمية الحلف الأطلسي) وهي مؤسسات بعيدة كل البعد عن الحيادية وعن اللامبالاة. في هذا الإطار يقول فلادو "بالتأكيد إن المصالح التي يعبر عنها المجتمع الدولي تستطيع أحياناً الولايات المتحدة أن تتصرف بها وتستخدمها بطريقتها لأنها هي الأقوى"، ونحن لا يمكننا أن نقول ذلك أفضل. اختراع مفهوم آخر أوجدته الولايات المتحدة يشكل أحد التفسيرات للقانون الدولي حسب الرهانات الخاصة بعملاق ما وراء الأطلسي، هذا الاختراع هو "الدول الطعم" وبعبارة أخرى شيطنة الحكومات التي تمثل أفعالها أو وجهات نظرها أو المواقف التي تتخذها ازعاجاً للأمريكيين الذين نتيجة ذلك يرمون عليهم الخزي والعار ويتعاملون معهم "كدول عصاة"، عند رؤية الواقع لا يمكننا أن نقتنع بشكل كامل بأن القانون الدولي قد تقدم منذ بضع عشرات السنين إلا إذا قبلنا بأن أنظمة الأقوياء التي يقودها بالطبع أقوى الأقوياء تشكل بحد ذاتها تقدماً. ولا يبدو أن انتصار القوة العظمى المخربة قابل أن يسعد أي إنسان في العالم إن لم يكن أمريكياً أو متعاوناً معه بروحه. هنا أيضاً تتحمل أوروبا بشكل خاص مسؤولية كبيرة، فبدلاً أن تكتفي بطلب المساعدة من الولايات المتحدة في كل مناسبة أوتوماتيكياً كعادتها أو بسبب الكسل، عليها من أجل مصالحها أن تخلق قوة ومراكز عسكرية أوروبية فقط كما أن تسليحها ومعداتها ومراكز قرارها أوروبية بشكل كامل ودون أي استثناء. يتطلب هذا المشروع بالتأكيد زوال الحلف الأطلسي وترحيل القوات والموظفين الأمريكيين إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي وللأسف نحن لانزال - لأن الجنرال ديغول لم يعد بيننا - على بعد سنوات ضوئية من هذا الأمل. إن أوروبا ليست المنطقة الوحيدة في العالم التي تقع تحت الوصاية الأمريكية، الشرق الأوسط هو في نفس الموقع. الأمريكيون هم المنسقون لعملية السلام التي من أجلها كما ذكَّرنا مؤخراً إدوارد سعيد قدم الفلسطينيون الكثير من الضمانات وتنازلوا كثيراً لا شك كثيراً جداً) والأمريكيون مازالوا حتى هذا التاريخ، يقودون المفاوضات مع الأطراف المعنية بمفردهم لأن الأوروبيون قد استبعدوا هنا أيضاً، وسوريا لا تجري محادثات إلا مع الولايات المتحدة، وذلك منذ حرب الخليج حيث أسعفها الحظ باختيار المعسكر الرابح والتي أعطت الولايات المتحدة مصداقية لا شيء موضوعي يبررها فعلاً. وإن كان الفشل الذي منيت به اتفاقيات أوسلو أزعج واشنطن إلا أن السيطرة الأمريكية على المنطقة لم تتأثر بذلك. ومع وجود نقاط ارتكاز مثل المملكة العربية السعودية والكويت ومصر والأردن بجانبها إسرائيل المتذبذبة والمحيرة أحياناً ولكنها الحليف الأبدي لها، فالسيطرة التي تمارسها الولايات المتحدة على منابع النفط لا يمكن أن يناقشها أحد. وخاصة أنها من جانب آخر تناور لكي تستطيع محاصرة إحدى الدول التي تقاومها وهي إيران، فإلى جانب حظر التبادلات الاقتصادية والتجارية مع طهران وفرضه على العالم أجمع بواسطة قوانين هلمز - بورتون واماتو) تحاول الولايات المتحدة استخدام ما لديها من أساليب لعزل هذا البلد. وبشكل متناقض لموقفها فهي تدعم طالبان الحركة الأصولية المسلحة المتطرفة مما يدفعنا أن نفكر جدياً حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الأمريكيون في الجزائر). ما تريد الولايات المتحدة تحقيقه بالمدى المنظور يتجاوز الخنق الممكن للنظام الإيراني. فشركة أونوكال الأمريكية تتمسك كثيراً بتنفيذ مشروع أنبوب الغاز الذي يصل بين الباكستان وتركستان، ورغم التحفظات المهمة ساندت تركستان وأزبكستان حركة طالبان ليس إرضاءً فقط لواشنطن، بل أيضاً بسبب التفكير بإشادة أنبوب الغاز. وأمام التعنت العقائدي لطالبان عبرت الولايات المتحدة عن انزعاجها مما أدى بهدف الاقتصاص إلى تقارب بين كابول وطهران، أما فيما يخص الروس فقد دعموا قيادة مسعود عدو طالبان. إن ما تستطيع إيران أن تكسبه من هذا التفاهم مع أفغانستان هو واضح بالطبع، فهي تخفف من التضييق عليها في السندان ما بين المملكة العربية السعودية وتركيا الحليفتين لأمريكا) في الغرب وما بين أفغانستان وباكستان في الشرق، وعدا ذلك فهي ستصبح في موقع قادر على التصدي لعداء واشنطن وخاصة بعد عدم انصياع الأوروبيين بواسطة شركات شل إنكليزية - هولندية ) وتوتال فرنسية) إلى التهديدات الأمريكية بالتدابير الثأرية. في المحيط الهادي حيث لا أحد يقاسمها العظمة شهدت الولايات المتحدة تأكيداً لسيادتها على آسيا عبر مجموعتين من الأحداث: الأول هو التوتر المفاجئ في بحر اليابان خلال صيف 1995 عندما حاولت كوريا الشمالية المتورطة أكثر من أي وقت مضى أن تهرب إلى الأمام بالإعلان عن طموحاتها النووية والثاني هو التهديدات الصينية ضد تايوان في ربيع عام 1996 التي أدت إلى نشر حاملتي الطائرات للقوات البحرية الأمريكية وكان ذلك كاف لعودة الهدوء. أما فيما يخص ميثاق الأمن الذي يجمع منذ عام 1945 بين الولايات المتحدة واليابان فقد تم تعزيزه طويلاً بإصدار إعلان مشترك في نيسان 1996. وباعتبارهم قد جلسوا بثقة في مواقعهم الاستراتيجية في جنوب المحيط الهادي جزر سموا وغوام ومريال الشمالية) وهي مواقع مهمة بسبب احتياطها من الفحم لذلك كان الأمريكيون جاهزين للتدخل في جميع أنحاء المنطقة الواقعة بين سواحل الولايات المتحدة والمحيط الهندي. وتوزعت التبعية الآسيوية على محورين، أولاً المحور العسكري، فلم تكن اليابان هي البلد الوحيد الذي ربط أمنه بحلف مع الولايات المتحدة لأن جنوب شرق آسيا كان في الوضع نفسه. ثانياً وهو الأهم أيضاً المحور الاقتصادي. وكما في أوروبا فقد ارتبطت آسيا بشبكة من اتفاقيات التعاون والدمج حيث أن شروطها راحت تضيق الخناق عليها.وقد نتج عن التكيف القسري مع القواعد الدولية وخاصة قواعد المنظمة الدولية للتجارة بعد مرحلة من النمو الاستثنائي، اضطرابات وعدم استقرار. فقد تراجع النمو في كوريا الجنوبية التي كانت ضحية الديون الكبيرة لمشاريعها. أما تايلاند فقد دفعتها المضاربات العقارية إلى الرعب وكادت تصل إلى الإفلاس على الطريقة المكسيكية بعد انهيار عملتها. ومن جهة أخرى تستخدم الولايات المتحدة بذكاء لعبة المنافسة بين اقتصاديات الدول الآسيوية المختلفة لصالحها باحتفاظها في الوقت نفسه بأسلوب الضغط بفضل المخططات البنيوية لصندوق النقد الدولي. وأخيراً على الصعيد الثقافي انتشر التحول الغربي للشرق الأقصى بواسطة اللغة الإنكليزية والانترنيت وإعداد العقول الإدارية في الجامعات الأمريكية. في وجه تطور على هذا النحو سوف تقوم حقاً عقبات، فالليبرالية المتطرفة على الطريقة الأمريكية والتي قُدمت كأمر يصعب التغلب عليه تعمل على صدم وتشنج المشاعر الوطنية للدول الآسيوية التي لها قواعد تاريخية متينة وعريقة. وتبدو الصين في طليعة هذا الرفض بالاستسلام ولا ينقصها من أجل ذلك العوامل المتينة من جاهزية اقتصادية واضحة وفخر وطني شرعي قادر على الإنقاذ وإرادة قوية باستعادة الأراضي التي ترى أنها بالواقع قد سلخت منها. لا تخاف الصين أن تسمع صوتها المخالف مزعجة به الأمريكيين وخاصة عندما أدانت الحلف بين اليابان والولايات المتحدة. إن الصين تمثل لأوروبا التي تنازلت منذ زمن بعيد عن حب نفسها مثالاً مشجعاً. بالنسبة لأفريقيا هي المكان حيث أوروبا وخاصة فرنسا قد خسرت الكثير وحصدت الولايات المتحدة الكثير من المكاسب الاستراتيجية الحاسمة. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أفريقيا الحالية المؤلفة من قسمين اللذين بوقاحة حملا اللقبين "الدول المفيدة" و"الدول غير المفيدة" بالنظر إلى اللعبة الاقتصادية الإستراتيجية الشاملة ماذا يمكننا أن نستنتج ؟ تظهر المنطقة الجنوبية التي تسيطر عليها دولة جنوب أفريقيا العملاقة كمنطقة مستقرة لا تزعج كثيراً الولايات المتحدة أما المغرب حيث التوتر والألم هي اليوم مسرح لإعادة توزيع الأوراق، وفرنسا التي تتمتع بورقة رابحة بفضل العامل الثقافي والسياسي المهم الذي هو اللغة الفرنسية بدأت تتراجع هناك لصالح الأمركة الزاحفة والماكرة. في تونس يحافظ النظام على وضعه بصرامة بواسطة حكومة لا تتردد أن تضع في السجن العناصر المزعجة مثل محمود موادا زعيم الحركة الديمقراطية للإنقاذ الذي حكم عليه عام 1995 بالسجن لمدة أحدى عشرة عاماً وكمياس شماري النائب عن الحركة الذي حكم عليه لمدة خمس سنوات سجن في 17 تموز 1995). بالمقابل توجد الصناعة في وضع مرض زراعياً الإنتاج بازدياد مما يسمح بتخفيض استيراد الأغذية) وسياحياً مع أنها في انخفاض بسيط) وبالرغم من أن العلاقات قد تعززت بين تونس والاتحاد الأوروبي بواسطة توقيع اتفاق التبادل الحر إلا أن دورها المساعد على الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن تتجاهله الولايات المتحدة مما يتيح لهذه الأخيرة أن تركز اهتمامها على الجزائر وليبيا. في الجزائر حيث الشعور المناهض لفرنسا هو قوي هناك الكثير من الأخطاء التي ارتكبت) ولم يعد سراً على أحد بأن أمريكا تراهن منذ عدة سنوات مضت على انتصار إسلامي. هل لجهاز السي. أي. أيه C. I. A. كما يقول البعض علاقة مع الحركة المتطرفة المسؤولة عن ارتكاب أبشع المذابح التي تدمي الواقع اليومي للجزائريين ؟ بدون أن نذهب بعيداً بهذا الاتجاه نستطيع على الأقل تقديم رؤيتنا المستقبلية.فأمام هذه الأعمال الوحشية سيتحرك الرأي العام الدولي طبعاً وسيطلب تدخل الأمم المتحدة وإذا حصل سيناريو تدخل شبيهً بالتدخل في الكونغو عام 1960 فسيكون ذلك أمراً مستساغاً وبين مصر الحليفة القوية والجزائر المسيطر عليها لن تتأخر ليبيا بالسقوط وهذا ما تأمله الولايات المتحدة. وبعد اتهامها دون دليل مقنع بحادثة "لوكاربي"وحادثة "تنره" خضعت ليبيا لحصار اقتصادي لأربع سنوات مما أدى إلى تفتيت بنيانها بشكل ملموس كما فكك نسيجها الاجتماعي. فعاودت الصراعات القبلية إلى الظهور في الوقت الذي فقدت السلطة السياسية المعزولة عن الشعب الكثير من هالتها وهذا الوضع الذي يذكر في بعض جوانبه بالوضع في تشيلي أيام الليندي أخذ يتدهور: تضخم نقدي خطر 600%) وارتفاع مذهل بالأسعار وتخفيض في قيمة العملة بلغ 75% خلال عشرين عاماً ومشاكل اجتماعية يصعب السيطرة عليها: مخدرات وانحراف وإجرام مما أدى إلى تعزيز الإجراءات الأمنية. وقانون هلمز - بورتون المطبق خارج كل شرعية حسب القانون الدولي) خارج الأراضي الأمريكية ينال من كل الشركات الصناعية والتجارية التي تقيم علاقات اقتصادية مع ليبيا وقد وجد الكثيرون أنها إجراءات رادعة فعلاً.إن طلقة الرحمة لن تتأخر كثيراً لأن السيناريو الأمريكي الأخير قد بدأ. ألم يعلن جهاز السي. أي. أيه C. I. A. أنه اكتشف بفضل أقماره الصناعية للتجسس في "ترهونه" معملاً للسلاح الكيميائي تحت الأرض؟ نحن نعلم منذ زمن بأن هذا النوع من الإعلان المبهرج يسبق عادة صيحات بدء المعركة. إن الدخول الأمريكي في بقية أفريقيا "المفيدة" يثير العجب عندما ننظر من خلال الخارطة إلى حجمه، ففي الواقع كل هذه الدول من زائير سابقاً إلى جمهورية الكونغو وغينيا والغابون والكاميرون والسنغال وجمهورية أفريقيا الوسطى وأوغندة ...إلخ تمثل مصالح اقتصادية واستراتيجية عظمى. وفي كل مكان وخاصة في المنطقة التي تتعامل بالفرنك الفرنسي الأفريقي الذي خفضت قيمته أيام حكومة إدوارد بلاديور حلت المؤسسات الدولية صندوق النقد الدولي - البنك الدولي) مكان المؤسسات التي كانت موجودة سابقاً ومرتبطة بفرنسا تم إعداد الخطط الهيكلية التي تناسب الواقع المستجد. وبمعنى آخر تحولت المنطقة السابقة لنفوذ الفرنك كي يصبح منطقة للدولار. وبهذا ينتهي إذاً النفوذ الفرنسي في أفريقيا فيبدو أنه حقاً بأن شبه الجزيرة لبكاسي بين نيجريا والكاميرون) الغنية بالبترول وبالصيد البحري والآبار الاستثنائية للبترول في خليج غينيا واحتياط المناجم في الكونغو تشحذ ذكاء المناورات الأمريكية في هذه المناطق. فتدريب رجال كابيلا بواسطة مستشارين عسكريين أمريكيين يمكن تفسيره برغبة الولايات المتحدة بالتقرب إلى أقصى درجة ممكنة مع السلطات الجديدة في دولة زائير سابقاً بهدف استغلال النحاس ومعدن الكوبلت في شابا والألماس في كاساي وفي منطقة وتاسا التي تحتوي أيضاً على الذهب) والنحاس في مناجم كولويسي ولوممباشي. هناك أيضاً التدخل السياسي - العسكري، وقد ظهر بشكل محسوس عن طريق البعثات التدريبية للمقاتلين في مختلف الدول التي يمكنها أن تشترك بشكل رمزي بقوات التدخل السريع لحفظ السلام "على الطريقة الغربية" أي الأمريكية. البلاد المعنية بذلك حتى الآن هي السنغال وأوغندا وأثيوبيا ومالي ومالاوي وغانا وهذه الدول تتلقى التدريبات والأسلحة من واشنطن استراتيجية توسع سوق الأسلحة مترافقة دائماً بالإشراف الدولي على التسلح). وإذا أضفنا إلى ذلك المناورات الحاسمة لشركات البترول مثل شفرون واكسن وتكساكو الساعية أن تأخذ مكان الشركات الأوروبية نستطيع حينها أن ندرك بسهولة خطورة الوضع. ليس عجيباً إذا أن تدعم الولايات المتحدة حكومة الرئيس الحالي للكونغو، باسكال ليسوبا الذي يؤيد عقد اتفاق معها على حساب شركة البترول الفرنسية "ألف ِELF" لدعمه ضد منافسه دينس ساسو نغسو. هذه الشركات نفسها تتنافس مع شركة "ألفELF" في السباق على استغلال ما يمكن أن يكون أغنى الآبار البترولية الأفريقية في خليج غينيا. يشكل التدخل الأمريكي من الساحل الأطلسي إلى الخليج الفارسي حوالي ثلث القارة الأفريقية ويقسمها إلى جزئيين وما كان يسمى "بالحقل المربع" الفرنسي قد انتهى وحل مكانه نوعاً من تدويل الصراعات والرهانات الأفريقية وما هو إلا صيغة مريحة تغطي أمركة القارة. لقد بدأت إعادة انتشار الاقتصادي - الاستراتيجي في منطقة البحيرات الكبرى التي تتمركز تقليداً بين قطبي الاستقرار لبوروندي وراوندا عام 1989، إن يووري موسفني الرجل القوي في أوغندا قد عرف كيف يطرح نفسه كضامن للمصالح الأمريكية ضد الأصولية الإسلامية بالشكل الذي ظهرت فيه في السودان. فأوغندا المستخدمة كقاعدة خلفية لعناصر الجيش الوطني الراوندي التي قلبت نظام الرئيس الراوندي جوفنال هبياري مانا اكتسبت موقعاً تحسد عليه وذلك خلال العملية التي وضعت حداً لاستراتيجية التضامن المتنافسة خلال الثمانينات بين فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة على زائير تحت نظام موبوتو. وبرز صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كعوامل مساعدة قيمة للعودة القوية للأمريكيين إلى المنطقة، هذه العودة لا مفر منها لذا لم يفهم الفرنسيون والبلجيكيون باكراً بأن الأنظمة الزائيرية والراوندية قد وصلت إلى نهاية السباق. إن انتصار قوات كابيلا واستيلاءه على كنشاسا دون مقاومة في 17 أيار 1997 كان متوقعاً من اللحظة التي أضحت بها الدبلوماسية الأمريكية سنداً له. ولم تخف جمهورية الكونغو الديمقراطية نيتها بمعارضة كل مساهمة فرنسية في أي إعادة تشكيل في المنطقة ورفض حتى أن تتدخل في شؤون دولة الكونغو الجارة. ليس من الصعب إذا تكهن الاستراتيجية التي تحكم مثل هذه المواقف من بدايتها للوصول إلى المصالح التي تراهن عليها. التنازلات الأوروبية: أمام التحدي بالرد على الهيمنة الأمريكية على العالم فيما عدا بعض العوائق مركسور في أمريكا اللاتينية التي تحاول الحكومة الأمريكية التغلب عليه بواسطة عملية ميامي(1) والمنظمة الآسيوية ANSEA التي تحاول الولايات المتحدة بالرد عليه عن طريق منظمة المحيط الهادي الآسيوية للتعاون الاقتصاديAPEC (2) )، أمام ذلك لاتزال أوروبا تتحسس طريقها. مؤخراً أظهرت خضوعها العجيب لمنظمة حلف الأطلسي الأداة القيمة بالنسبة للولايات المتحدة. لقد قدمت لها منظمة الدفاع فرصة لقطع الطريق أمام بناء أوروبي لم يكن أبداً وديعاً. لقد صرح الرئيس كلينتون باشراقته المعهودة بأن "توسيع الحلف الأطلسي سيكون بالنسبة لعصرنا ما كان مشروع مارشال قبل خمسين عاماً" بل حتى إنه ذهب الانضمام عليه إلى أبعد من ذلك، فالميثاق الذي تم توقيعه عملياً وكما أكد جان أنطوان جياسيلي نائب رئيس لجنة الموازنة في البرلمان الأوروبي "قد محى يالطا". وأحل مكانه بالفعل تقسيماً جديداً للعالم نستطيع أن نقول عنه هذه المرة أنه يصعب إزالته، إذاً حسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي السابق جان فرانسوا بونسه J.F. Poncet "في واشنطن الكفاية الذاتية هي المطلوبة" فالسبب يبدو جلياً. لقد قرر الأمريكيون بالمناسبة كل شيء. إنهم اختاروا بأنفسهم الدول التي ترغب الولايات المتحدة أن تراهم في الحلف: بولونيا وهنغاريا والجمهورية التشيكية لأنها تمثل آفاقاً مغرية لسوق مهم للسلاح مقدمة فرصة مضاعفة مالية وسياسية. ويندرج تبديل السلاح غير الأمريكي بسلاح أمريكي في خط استراتيجي احتكاري تحدثنا عنه في مجال الدفاع: إذا أصبحت الولايات المتحدة هي الممول الوحيد للسلاح فسوف تحكم العالم بشكل نهائي. فهنغاريا تستطيع أن تكون القاعدة الخلفية لبعض المعدات الأمريكية في حال انسحاب محتمل من البوسنة حيث تتصرف الولايات المتحدة بكل انفعال. وقد مول مكدونالد دوغلاس قرص كمبيوتر ليزري دعائي يهدف لإقناع الشعب الهنغاري بالتصويت لصالح دخول بلدهم في الحلف الأطلسي. إن الشركة الأمريكية لصناعة الطائرات تساعدها شركة لوسنت للتكنولوجية الممول الأول للبنتاغون بمعدات المعلوماتية والعملاق الأمريكي للاتصالات وقد جهزت قاعدة تسزار Taszar وهي إحدى القواعد التي يستخدمها الحلف في هنغاريا وينوي مكدونالد دوغلاس أن يفوز بعقد تجديد معدات سلاح الطيران المجري بالطائرة المقاتلة هورنت ألف 18. علاوة على ذلك فإن التحالف الضمني زمن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا قد تم تجديده لأن التفاهم المباشر بين كلينتون ويلستن أبعد مرة آخرى الأوروبيين عن إدارة قضاياهم ناهيك عن إدارة قضايا العالم أجمع. إذا كان باستطاعتنا أن نعتبر أن الشخصية الأوروبية للدفاع قد ماتت فإن الشخصية السياسية ليست بأحسن حال. إن مشروع توسيع الناتو تم اعتماده برمته من كلينتون وتطبيقه حسب إرادته ولكن طلبت فرنسا مع سبع دول آخرى بأنه آن الأوان لتعيين أوروبي على رأس قيادة الجنوب أجاب وزير الدفاع الأمريكي وليم كوهن بالرفض القاطع فانصاع الأوروبيون لذلك. بل إن البعض منهم راح يتهكم قائلاً:"أوروبا الأطلسية حتى الأورال قد وجدت الآن" بالفعل ولكنها أوروبا أمريكية. ولقد حدد معالمها باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في جامعة باريس 13 فقال:"تمت إعادة تحديد البنية السياسية والاستراتيجية لأوروبا بواسطة الأمريكيين وإعادة التحديد هذه ممهورة بختمهم دون سواهم. والحلف الأسطوري بين فرنسا وألمانيا الذي طالما أزعجهم لم يعد كذلك وحل مكانه كيان توحيدي عاصمته واشنطن. أما الناتو فقد تحول من أغراضه العسكرية ليصبح منظمة سياسية أي اصبحت مهمته أن ينفذ الأهداف الأمريكية لخدمة المصالح الأمريكية ولم يؤخذ بعين الاعتبار أي حاجة أوروبية. نحن اليوم إذا أمام أوروبا مدمجة كان قد رفضها ديغول بالسابق أما مهندسة أوروبا هذه فهي الولايات المتحدة والهدف الأخير للإدارة الأمريكية هو الوصول إلى أوروبا لا تختلف حدودها السياسة أبداً عن حدود الحلف الطلسي وسوف تتوصل لذلك. هذا ما نراه يحصل منذ عام وهو شاهد على التنحي الأوروبي بشكل حقيقي فإزاء الولايات المتحدة التي تبلغ نفقاتها العسكرية مجموع ما تنفقه فرنسا والمانيا واليابان وروسيا والصين تحاول اليوم أن تزيد نفقاتها، وعلاوة على ذلك لقد حصلت على تقدم تكنولوجي في مجال التسليح لن يستطيع أحد تعويضه على المدى المتوسط والذي كما يشير الكونجرس قد أنجز بكل سرية منتهكاً اتفاقية الحظر التي سبق أن وقعتها حول تطوير الأسلحة النووية الحديثة صاروخ ترايدنت W 88 الذي يتم تحديثه من أجل الوصول إلى ترايدنت 2) في غياب أي تواجد أوروبي. نريد أن نذكر هنا بأن القضية اليوغسلافية ساعدت على اكتشاف ذلك. فتدخل الناتو في البوسنة أتاح لواشنطن امتحان الأمم المتحدة التي باتت تعترف بالحلف الأطلسي كونه ذراعها المسلحة وبأن الحلف قد أصبح جاهزاً لخدمة المصالح الأمريكية عسكرياً في كل مكان ترى الولايات المتحدة أن ذلك بات ضرورياً. في النسق نفسه أزيحت بقفا اليد المحاولة الفرنسية بتشكيل نظام ذاتي للدفاع الأوروبي داخل الحفل. في 3 و4 حزيران 1996 تم توقيع اتفاق في برلين تم بموجبه قيام مجموعات من القوات المتعددة الجنسيات تحت قيادة أوروبية ولكن لا يمكنها اتخاذ قرار نهائي دون موافقة الولايات المتحدة. في 9 كانون الأول من نفس العام أكد في نورنبرغ الرئيس شيراك والمستشار كول دون مواربة بأن الحلف الأطلسي لا يتبدل وبأن إطاره الأمريكي الصافي لا اعتراض عليه. وأخيراً ورداً على الطلب الفرنسي بإعطاء قيادة المنطقة الجنوبية لأوروبي كان الجواب لنقوله مرة أخرى رفضاً قاطعاً يفسره تردد باقي دول القارة العجوز. إذا نظرنا إلى خارطة انتشار الناتو في أوروبا وأضفينا إليه انتشار مرتقب لقواته في بولونيا وهنغاريا وجمهورية تشيكا ندرك أن الاستحكام الأمريكي لا يمكن تجاوزه. هناك ثلاث قواعد للولايات المتحدة في إسبانيا وخمس في بريطانيا العظمى وسبع في ألمانيا واثنتان في البنلوكس وخمس في إيطاليا وست في اليونان وتركيا وسيكون من السهل عليها زيادتها عند الحاجة بقواعد في أوروبا الشرقية لتمتين حلقات الشبكة التي تلف أوروبا في وجه روسيا. ومع الإعلان عن طلبات ترشيح دول البلطيق للدخول إلى الناتو تكون الأرض الأوروبية قد اعتبرت عسكرياً تحت السيطرة الأمريكية الكاملة. على أثر ذلك لم تعد غطرسة واشنطن تعرف أية حدود. وتجسد الاتجاه الأحادي الجانب بجملة أوامر سيكون مملاً تعدادها والكلام عن محتواها إلا أن جان فرانسوا بونسه يذكر أدواتها الأساسية: "تعين الأمين العام للأمم المتحدة واستبعاد أوروبا من المفاوضات الاسرائيلية الفسلطينية والإيعاز إلى حلفاء أمريكا للانضمام إلى الحظر ضد كوريا وإيران واستراتيجية الابعاد التي تقودها بوينغ. بدعم من واشنطن ضد صناعة "الطائرات الأوروبية" ومن المناسب هنا إضافة التفسير المزاجي الذي تستخدمه أمريكا في تفسير بنود المعاهدات التجارية والصناعية والتدخل أيضاً في قضايا العالم الثالث، عدة قضايا حدثت أو في طور الحدوث تبرهن على ذلك: بالنسبة للولايات المتحدة تأخذ القوانين الأمريكية الأولوية على كل القوانين الأخرى. فهي تعتبر أن هذه القوانين ببساطة غير موجودة. في نهاية أيلول 1997 ورداً على اتفاق الذي وقعته شركة توتال مع إيران يسمح للشركة الفرنسية استثمار بئر دولي كبير على بعد مسافة من الشاطئ الإيراني قامت الولايات المتحدة بالتلويح بقانون اماتو و أمر خجول موجه إلى توتال للتخلي عن مشروعها وإلا عرضت نفسها للعقوبات الاقتصادية. وهو قرار أمريكي بحت إذن يطبق دولياً، فإذا تنازلت فرنسا ولجنة بروكسل سيكون ذلك سابقة حاسمة بنظر الكون كله في طريق تبعية أوروبا(3) ، أمام هذا وكالعادة أسمعت أوروبا هرطقتها، وقد انمحى الاتحاد السوفيتي من الخارطة إلى غير رجعة وكان يشكل للأمريكيين الحجة المناسبة في كل مرة يرتفع صوت لإرادة الاستقلال للأمم الأوروبية. فمن أزمة برلين إلى سباق التسلح النووي كان الرؤساء الأمريكيون يلوحون بالعملاق الشيوعي مثل رأس زهر البحر الذي فمه مفتوح وشعره من الثعابين. وبذلك كانوا يتوصلون عن طريق إثارة الرعب إلى ما يريدون: زيادة الاعتمادات العسكرية - إقامة قواعد للصواريخ على الأراضي الأوروبية - خضوع الحكومات - تصفية الميول الاستقلالية. كان يمكن أن نصدّق الولايات المتحدة المرتبكة اليوم بأن زمن توازن الرعب قد ولى، إلا أن الجنرال الأمريكي كولن بول برهن في الأول من أيلول 1993 أنه لا يوجد شيء من هذا فقال: "إن الإمبراطورية السوفيتية قد حل مكانها شيء من نوع آخر مختلف - العراق وكوريا وشياطين آخرون ومخاطر ذات طبيعة إقليمية".الأمريكيون مستعدون إذاً لاستنباط مخاوف أخرى لاقناع الأمم وخاصة الأوروبية منها بتقبّل هيمنتهم العسكرية والسياسية للأبد، بالنسبة للعراق لقد انتهى الأمر، لقد اشترك الأوروبيون بعملية الغزو لصالح الولايات المتحدة التي ضمنت سيطرتها على آبار البترول وأصبحت تقرر وحدها الأسعار والكميات المسموح تصديرها وضمنت أيضاً سقوط الأوروبيين الذين فقدوا حظوتهم المعنوية بأعين الشعوب العربية، أما كوريا فسوف يتم الأمر قريباً(4) . لا تترك الولايات المتحدة - ونحن نعرف ذلك - أي شيء للصدفة وهي لم تنس أبداً مهمتها السماوية ووضعتها دائماً نصب عينيها، يتساءل أنطوني لاك مساعد الرئيس كلينتون لقضايا الأمن القومي فيقول في خطاب له في جامعة جوهنـز هوبكنـز في 21 أيلول 1993:"لا تجبرنا مصالحنا ومثلنا فقط على الالتزام بل بالقيادة"، ويضيف "علينا أن نحرك الديمقراطية واقتصاد السوق في العالم لأن ذلك يحمي مصالحنا وأمننا ولأن الموضوع يتعلق بانعكاس للقيم التي هي في وقت واحد أمريكية وعالمية". بالنسبة لوايتمان تضم أمريكا العالم وقيمها هي قيم العالم وتاريخها هو تاريخ العالم في الماضي والحاضر والمستقبل. أمريكا بالنسبة لأمريكي نهاية القرن العشرين هي الديمقراطية وهي السوق وهي مستقبل العالم قيمها هي قيم عالمية. ما هو الفرق إذاً بين هذين المفهومين وهاتين الطريقتين في التعبير؟!!. الخلود الأمريكي: أمريكا، العالم بالتأكيد ولكن قبل كل شيء خطر العالم، لأن الخمسين سنة الفاصلة بين نهاية الحرب العالمية الثانية إلى بداية الولاية الثانية لبيل كلينتون لم تكن خاسرة ولم تذهب ضياعاً وفي كل مكان في العالم سجلت الولايات المتحدة النقاط. هنالك أولاً متابعة إنجازات الرؤساء خلال القرن التاسع عشر ثم إنهاء الاستعمار وتطويره وفي هذه النقطة برز بشكل خاص تصميم الرئيسين ويلسون وروزفلت، فالشعوب لها الحق بتقرير مصيرها فكان من الطبيعي أن تتوصل شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى اختيار مصيرها بأنفسها. يبدو واضحاً هنا خبث المقولة، إن مقولة إزالة الاستعمار بالنسبة للولايات المتحدة تعني دائماً الآخرين ولا تعنيها هي أبداً. وهكذا ومن عام 1945 حتى عام 1962 منحت فرنسا الاستقلال لكل أراضيها القديمة ما عدا جيبوتي ومن عام 1945 حتى عام 1957 كانت إنكلترا مرغمة على فعل الشيء ذاته وفي عام 1949 تحررت إندونيسيا من وصاية هولندا وتحررت المستعمرات الأفريقية من الانتداب الإسباني والبرتغالي والبلجيكي ونالت استقلالها. أليس من الصدفة إذاً أن تتحرك الولايات المتحدة في نفس الوقت ببيادقها في كل مكان من آسيا وأفريقيا وتعزز سيطرتها على أمريكا اللاتينية "دائرتها الثانية"؟!! أليس من الصدفة أيضاً أن يحل الدولار مكان الفرنك والجنيه والبيزتا في المستعمرات الأوروبية القديمة المحررة وأن تتخذ سياسات اقتصادية وعسكرية مقتبسة عن النموذج الأمريكي وأن تحل اللغة الإنكليزية مكان اللغات الأجنبية الأخرى؟ بالطبع لم تتحرر الهند كلياً من النفوذ البريطاني ولكن الشركات المتعددة الجنسيات فيما وراء الأطلسي استفادت من ذلك كثيراً بالرغم من بدء ظهور ردة الفعل لأنه حتى وإن أصبحت الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول للهند بمعدل قدره 9 مليارات دولار إلا أن الانفتاح قد أتجه إلى الاتحاد الأوروبي والصين وآسيا الجنوبية التي أصبحت الهند الشريك الأول لها، إضافة إلى أنه تم العمل باتفاق جنوب آسيا التجاري في كانون الثاني 1996)، أما برمانيا فقد غرقت في الديكتاتورية وكانت الأنظمة منقسمة ما بين الشرق والغرب، وفيما يخص إندونيسيا فقد سقطت في حصالة واشنطن. ولكن الانتصار الأمثل بالنسبة للأمريكيين كان بالتأكيد انتشار الأيديولوجية الأمريكية في كل مكان. الليبرالية التي ليست فقط عقيدة اقتصادية بل أيضاً رؤية حقيقية للعالم استقبلها العديد من أصحاب الأملاك والمصلحين كنعمة وكعلاج لجميع الأمراض(5) ، وخاصة لأولئك الذين يحققون مصالحهم وينقذون المظاهر المعنوية لأنها تمتلك قاعدة دينية وعلينا أن لا ننسى بأن توكفيل قد أشار إلى ذلك فقال:"عند الأمريكيين يجب اعتبار الدين بمثابة المؤسسة السياسية الأولى". ثم إن الجماهير التي لا تعرف الألاعيب السياسية والاقتصادية اقتنعت بوساطة الحملات الإعلامية بأنه ليس هناك أي نظرية أفضل من الليبرالية. بعد مرحلة كارتر الرئيس الأمريكي الوحيد الذي آمن بشكل حقيقي ببعض القيم وبشفافية ضرورية للسياسة الأمريكية بعده عاش فكر الحروب الصليبية أيام مجده. الريغانيون على طريقة رامبو قدموا الدولارات والخبرات للكونتراس، إنها مدرسة الأمريكيين التي تعد مقاتلي الموت لديكتاتوريات أمريكا الجنوبية. لقد أباد "جنود بوش للدفاع عن الحق" المدنيين العراقيين بلغ الرقم 100 ألف قتيل حسب المراقبين الموثوقين ويبدو أن الحقيقة تتجاوز هذا الرقم) وكل ذلك من أجل أن تقوم أمريكا بتحريك بيادقها بحرية على رقعة الشطرنج الجيوسياسية(6) : لا بالتأكيد إن الولايات المتحدة لم تتبدل. فإذاً كما قال أندريه كاسبي عن الثمانينات " بأن أمريكا ريغان كانت تريد تكييف العالم حسب مبادئها ومصالحها" فإن أمريكا كلينتون لم تتخل عن هذه المبادئ الأبدية. يقول مارتن والكر إن قمة هلسنكي الأخيرة بين الرئيس الأمريكي كلينتون والرئيس الروسي يلتسن أظهرت استمرارية تاريخية عجيبة، إن الإدارة الأمريكية مقتنعة بأنها ملتزمة بمؤتمر يالطا وقيام الحلف الأطلسي عام 1949 الذي افتتح الحرب الباردة، ومن جهته كان آلان كوتا قطعي في حكمه إذ قال إنه يوجد اليوم نظام دولي و"تقوم الولايات المتحدة في هذا النظام بدور لا يقتصر فقط على البطل الأساسي، بل تقوم أيضاً بدور وكيل الأعمال". لقد أزيح المنافس السوفيتي و"الاتحاد الأوروبي لم يعد ذا فائدة بالنسبة لها بل على العكس فإن كان مباحاً لها أن يكون لديها نوع من التفهم لتلاحمه أي لقوته الاقتصادية، ولكن الولايات المتحدة لا تتحمل أن يُصبح هذا الاتحاد قوة عظمى جديدة يتقاسم معها السلطة على العالم" ومنذ ذلك الحين بدأت القوة الاقتصادية لأوروبا تشكل لهم نوعاً من الظل، الشيء الذي لم تعد الولايات المتحدة تتقبله. حيال التوقعات الكونية التي تزعج الولايات المتحدة أصبح موقف الحكومة الأمريكية يوماً بعد يوم مزعجاً وغير مقبول. إنه غير مقبول بسبب تصرفها بالنسبة للخطر البيئي. فإن تسخين الكرة الأرضية بسبب الاحتراق مازوت - بترول - غاز) يمكنه أن يؤدي بدءاً من عام 2100 إلى ارتفاع حرارة الأرض بنحو ثلاث درجات وسترتفع المحيطات حوالي 85سم وستؤدي إلى إتلاف جذري لأنماط العيش وإلى غرق جزر المحيط الهادي إلا أن الأمريكيين لا يبالون ويرفضون توقيع بعض الاتفاقيات المقيدة مهما كان نوعها رغم كونهم أكبر من يلوث الكرة الأرضية. إنه غير مقبول أيضاً أن تتخذ مثل هذا الموقف في مجال بيع الأسلحة وخاصة الألغام المستعملة ضد الأفراد وتشترك الولايات المتحدة مع الصين في هذا المجال إضافة إلى بعض الدول غير الديمقراطية وقد رفضت أن توقع على اتفاق أوتاوا -2. (1) إحدى عشر مجموعة عمل دائمة تمثل 34 دولة أمريكية ما عدا كوبا تحاول إعداد مشروع لمنطقة واسعة للتبادل الحر القاري تمتد من ألاسكا إلى أرض النار. هذا المشروع الذي تسوسه واشنطن يهدف عملياً إلى تحييد ما أمكن تأثير مركوسور حول الاستعادة الجزئية للاستقلال الاقتصادي لشعوب أمريكا اللاتينية. (2) هذه المنظمة قامت بمبادرة أستراليا الحليف المخلص للولايات المتحدة وكان ذلك عام 1989. الدول الأعضاء بروني - ماليزيا - إندونيسيا - الفليبين - بوباسي - غينية الجديدة - كوريا الجنوبية - الصين - تايوان - هون كونغ - وطبعاً الولايات المتحدة) تهدف إلى ليبرالية التبادل بين آسيا ودول المحيط الهادي وذلك حتى عام 2010 حسب أنماط مختلفة، وتحت وطأة معاملة صندوق النقد الدولي تدافع الدول الآسيوية عن نفسها رغم كل شيء وبشكل جيد. وبعد الأزمة المالية الأخيرة قررت تايلاند وماليزيا والفليبين وإندونيسيا وسنغافورة بعد الكثير من المعاناة أن تؤسس صندوقاً إقليمياً قيمته 100 مليار دولار يتدخل في الأزمات المستجدة. بالطبع عارضت الولايات المتحدة ذلك وصرح الناطق شبه الرسمي الأمريكي سنتلي فيشر المدير المساعد لصندوق النقد بأنه "عندما تعمل هذه الدول بمثل هذا الصندوق فإنها لن تبذل جهداً لتنظيم أوضاعها المالية". (3) كتب المدير السابق للسي.أي.إيه وهو وزير سابق يقول:"خلال الولاية الأولى لبيل كلينتون فرضت الولايات المتحدة أو هددت بفرض عقوبات اقتصادية 60 مرة على 35 دولة وهي تشكل وحدها 42% من سكان العالم". (4) لقد أعدت التقديرات: عشرة ألوية مشاة من الاحتياط و346 سفينة منها إحدى عشرة حاملة طائرات وواحدة احتياط و13 سرية طائرات وخمس احتياط وثلاث ألوية بحرية محمولة وواحد احتياط أي ما يقارب بشكل إجمالي مليون وأربعمائة ألف رجل دون أن نحسب الاحتياط، هذه المعلومات كشفها أليس أسبين) نفسه. (5) الأنانية وغريزة الاستيلاء والجشع والشعور اللاجتماعي والمضاد للتقاسم كل هذا أصبح أخيراً بالنسبة لهمنظريات مزينة بألقاب الضمير الواعي والنية الحسنة والاكتفاء الذاتي. (6) سبب الحظر غير المبرر والمتوحش ضد العراق أكثر من مليون قتيل معظمهم من الأطفال بسبب نقص الأدوية وتجهيزات المستشفيات. الأمر ذاته حصل في كوبا حيث هناك أيضاً أطفال يموتون بسبب نقص الأدوية وحيث لا يوجد نظام صحي لولا مساعدة الجمعيات كالجمعية الطبية الكوبية في سويسرا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |