أمريكا المستبدة الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم "العولمة" - Michel Bugnon-Mordant -ترجمة:د.حامد فرزات

ترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هل أمريكا استبدادية؟

حسب التعريف الأكثر بساطة تعتبر الاستبدادية قوة مجمّعة أي بمعنى أنها تهدف إلى امتلاك مجمل أجزاء الكيان الذي تحاصره.‏

منذ البداية كما رأينا أنها حتى قبل أن تصبح ولايات متحدة كانت أمريكا تطمح إلى عولمة نمط أنظمتها، ولم يفتش مفكروها الأوائل من أساتذة وكتاب وقساوسة ورجال دولة عن لحظة لاخفاء هدفهم النهائي ألا وهو: فرض نموذجهم للمجتمع على العالم أجمع.‏

قبل كل شيء ومن أجل تقديم المثال عرضت للآخرين لدرجة التفاخر الصورة الرائعة لأمة جديدة مختارة من الله لهدف واحد هو توزيع رسالة وحيدة لمستقبل تراه مشرقاً لكل الشعوب. إلا أنه وفي وقت مبكر جداً زالت إرادة إثارة الرغبات أمام اليقين بخضوع الآخرين بالإكراه لأنه بدا أمام هذه المقاومة أو تلك أمراً لا مفر منه. لقد اعتقدت أمريكا وأرادت لنفسها أن تكون كياناً كلياً لا شبيه له. ولذلك رأت نفسها أعلى من كل المناطق التي يعيش فيها الأفراد والأمم، المناطق التي تعتبر أن من واجبها ضمها، فهي العالم بأسره لأن الإرادة السماوية أرادت ذلك ولأنها تجسد نموذج العالم الأتي حسب المخططات الإلهية، فالقدر حملها مهمة الإملاء على الأمم والشعوب لقانون واحد ما هو إلا قانونها.‏

إن كان بعض هذه الشعوب وهذه الأمم خلال التاريخ اعتقدت أيضاً بأنها مكلفة بمهمة حضارية وهذا لا نقاش فيه ولكن ما يميز أمريكا التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة هو التأكيد الشرعي بالثقة بالذات وبشخصية غير مألوفة أخذت عندها شكلاً مرضياً. وإن كان من الطبيعي كما يحدث في أي جهاز حي بأن تعبر أي أمة دون مراوغة عن إرادتها بالسيطرة أما فيما يخص أمريكا فهي تشعر بهذه الإرادة لها جذور إلهية. لقد ظهرت ثقتها بنفسها منذ البداية بشكل تأكيد مضخم لاستعلاء مطلق وفي الوقت نفسه بشكل شخصية قومية مصابة بمرض العظمة.‏

وكلما حاولنا الغوص أكثر في التجربة والتعمق بمفهوم الاستبدادية سنكتشف بأن أمريكا التي بدأت قوة بسيطة محيطة دون معالم واضحة وذات حدود مبهمة، اكتسبت تدريجياً بعداً كثير التعقيد. وأود أن استعير من كلود بولان تعريفه للظاهرة، لقد وصف الاستبدادية كظاهرة تفرض "أيديولوجية وشرطة تلجأ إلى الرعب واحتكاراً لوسائل الاتصالات الإعلامية واحتكاراً للقوى المسلحة واقتصاداً متمركزاً"، أي عنصر من هذه العناصر نراه مكوناً أساسياً للولايات المتحدة في بنيتها التكوينية كدولة وفي موقفها وهدفها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي تجاه باقي دول العالم.‏

الأيديولوجية أولاً:‏

تكونت أمريكا شيئاً فشيئاً إنطلاقاً من نواة أيديولوجية ذات محورين. أولاً كانت القناعة بأنها مكلفة برسالة، وثانياً كانت متأكدة بأنها لكي تستطيع أن تنجز هذه الغاية انجازاً جيداً لديها السماح التام باستخدام كل الوسائل. لذلك تميزت السياسة الأمريكية منذ ولادتها بتصميم على العمل وبتمسك بالهدف وبالحفاظ الدائم على العنصر الأيديولوجي المولد للفعل. وتوصلت هذه السياسة لذروة قوتها بالتنفيذ مع مطلع القرن الثامن عشر وأصبحت بوضع أفضل منذ القرن التاسع عشر.‏

نشر سلطة وحيدة بعد ذلك :‏

عرضت أمريكا للخارج صورة سلطة ذات رأس واحد يمثلها رجل: إنه رئيس الولايات المتحدة. هذا الأخير موجود في مجموعات مصالح مالية وشركات عسكرية - صناعية ولوبيات وأجهزة بوليسية غامضة أف.بي.أي وسي.أي.أيه) ومافيا، فتارة عليه أن يبذل جهده ليحافظ على توازن هذه المجموعات وتارة بفضل هيبته وشخصيته وإرادته عليه أن ينجز عدة أمور. وإذا ذهب بعيداً خاصة على صعيد السياسة الداخلية فعليه أن يدفع‏

ثمن ذلك غالياً. هذا لا يمنع بأن مختلف الرؤساء كانوا لا يتوقفون عن أداء دور حاسم على صعيد باقي العالم. ومهما كانت أعباء السياسة الداخلية لم يغب عن أعينهم هدف ديناميكية إستراتيجيتها الخارجية ألا وهي استخدام الأمم لإخضاعها وتحقيق مثل هذا الهدف يمر عبر إشراف الأكثرية.‏

من هنا أتى دور الاحتكارات:‏

على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تتولّى في الوقت الحالي احتكاراً مطلقاً في كل المجالات، فهي دون أي جدل تجهد لتحقيق ذلك وتسعى إليه ومثل هذا الموقف يتطلب دون شك تواطؤات مختلفة خارج حدودها. وبوساطة اللعب بذكاء بالتخويف وبالجذب وبسياسة الأمر الواقع وبالابتزاز وبحبال المودة وبكل الوسائل الأخرى توصل الأمريكيون تدريجياً إلى بلورة المشهد الجيواستراتيجي حول أقطاب ذات ميل كبير للاحتكار الأحادي ولاحتكار الأقلية لسوق العرض. وفي المجالات التي يعول عليها كان الأمريكيون يملون قانونهم على مجمل الأمم.‏

الاحتكارات العسكرية والسياسية:‏

على الصعيد العسكري والسياسي أيضاً تملك اليوم الولايات المتحدة بسلطة مهيمنة للتدخل ولنشر القوات وللقيادة بفضل منظمة حلف الأطلسي التي استطاعت ليس فقط المحافظة عليها رغم غياب العدو الذي أنشئت المنظمة من أجله ولكنها عملت على اتساعها.‏

وهكذا تمتلك الأداة لتفرض بالقوة متطلبات سياستها التوسعية كيف ومتى ما أرادت وهي تقتسم بذكاء المسؤولية ودفع تكاليف العمليات مع حلفائها الغربيين. كان يكفيهم تهيئة الأرض كما فعلت بالعراق عام 1991(1) ">(1) . علاوة على ذلك لم تخف الإدارة الأمريكية أبداً هدفها الحصول على احتكار التسلح. إذا توصلت إلى ذلك سيكون لكل الأسلحة والمعدات وقطع الغيار والتكنولوجي العسكرية مورد واحد فقط مما يؤدي لحرمان الأمم من سيادتها في مجال الدفاع، أي دفعها إلى الولاء حسب الواقع. وما حصلت عليه مؤخراً سويسرا من مكتسبات عسكرية وكذلك الأمر في فيلندا وفي المكسيك وفي‏

تايوان لا يدعو أبداً للتفاؤل في هذا الموضوع.‏

الاحتكارات الاقتصادية:‏

على الصعيد الاقتصادي وإن كان الاحتكار هو نسبي حسب حصص مجموعات المصالح المحلية الأخرى في العالم إلا أنه قائم تماماً منذ زمن. فمن وجهة النظر الأيديولوجية الاقتصادية لقد أدى اعتماد الليبرالية للتبادل الحر للمدرسة الكلاسيكية من قبل معظم الحكومات تقريباً بعد تنقيحه وملاءمته وتشديده بواسطة منظريه ومستخدميه الحاليين، إلى تفكير وحيد يشل أي نشاط إرادي.‏

إن الانتصار الذي حصل في "بروتون ووذر" عند المجابهة التي تمت بين مفهومين أساسيين للرأسمالية، مفهوم وايت ومفهوم كيتـز سمح للأمريكيين مع التوقيع على اتفاقات عام 1944 بسط نظامهم على العالم أجمع. لقد أصبح باستطاعة هذا النظام أن يعتمد على مؤسسات دولية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التبادل الاقتصادي) وعلى نظام اتفاقات شاملة المنظمة الدولية للتجارة) للسهر على السير في الطريق الصحيح ويعيد المنشقين إلى الصراط المستقيم ويقصم ظهر العصاة، إضافة لذلك تم فرض الدولار والمحافظة عليه رغم كل العقبات كعملة للمحاسبة والدفع على الصعيد الدولي مما أعطى للأمريكيين الإمكانية لتمويل عجزهم بوساطة الآخرين وللتلاعب برفع وتخفيض العملة الخضراء حسب مصلحتهم الآنية، وللتصرف على هواهم بنبع كتلة نقدية لا ينضب ومتجدد حسب الرغبة. وإن أضفنا لذلك أمراً مهماً وهو أن المؤسسات الأساسية المتعددة الجنسية في العالم هي مؤسسات أمريكية وبأنها هي وفروعها تشكل أداة قوية للالتفاف على التشريعات الوطنية ولاحتقار الحدود وللتلاعب مع الأوضاع ومع الفرص مع العوائق الاجتماعية الخاصة علمنا حينها كيف أن وول ستريت Wall Street وواشنطن يقودان الجزء الأكبر من اللعبة الاقتصادية والتجارية والمالية.‏

قد يكون صحيحاً أنه يظهر في الأفق علامات مشجعة بشكل خاص في آسيا، ففي أيار 1997 خلال ندوة طوكيو حول استراتيجية النمو التي نظمها صندوق النقد الدولي ومعهد السياسات للميزانيات وللنقد في وزارة المالية اليابانية، أيَّد الموظفون الكبار والجامعيون الآسيويون المشاركون وبشكل خاص من اليابان وماليزيا بأن "استراتيجيات النمو المرتكزة على السوق ليست الحل الأفضل لكثير من اقتصاديات الدول النامية". وتساءلوا حول ماهية "تطبيق سياسات صناعية داخلية كتلك التي حدثت في آسيا" هذا التأثير التكتيكي أو الانتهازي أو الواقعي بدا وكأن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة يتخذون خطوات تشكك بالمعيار الليبرالي المتطرف الكلاسيكي. وقد أوضح آخر تقرير للبنك الدولي أن حالة النجاحات تتناقض مع نظرية الدولة الدنيا واعترفت منظمة التبادل التجاري على مضض بأن بعض الإجراءات الإدارية تتناسب أحياناً مع المفهوم السليم للنمو الاقتصادي.‏

الاحتكار الدبلوماسي:‏

على الصعيد الدبلوماسي والأصعدة السياسة والعسكرية التي تنتج عنه تتمتع الولايات المتحدة باحتكار آخر تحسد عليه عن طريق وبواسطة منظمة الأمم المتحدة، وأن تستخدم هذا "البناء" الروزفيلتي على هواها هذا ممّا لاشك فيه. وما علينا إلا أن نراقب الوقاحة التي تتعامل بها دائماً مع الأمين العام ومع قرارات مجلس الأمن. فمنذ عدة سنوات هي تمتنع عن دفع مستحقاتها وهذا النقص اتّخذ أبعاداً خطيرة وما هي إلا إحدى المؤشرات ومنها الفوقية الاستبدادية التي عاملت بها بطرس بطرس غالي رغم المعارضة الفرنسية فخلعته من منصبه وأتت ببديل عنه. إن موافقة الأمم المتحدة التي لا تشكل للأمريكيين إلا شكلية بسيطة تهدف إلى تمرير عملياتهم العسكرية والمحافظة على النظام بمظهره البراق الشرعي، هذه الموافقة تبدو مريحة وخاصة حين تتعزز بعقد عدة قمم ومؤتمرات وإنجاز مخططات واتفاقات تشكل إخراجاً مناسباً من أجل حل يكون لصالح الولايات المتحدة الستراتيجي عبر مفاوضات يبعد عنها بالعادة أي مفاوض أو شاهد مزعج(2) ">(2) . وحيث أن القرارات الأساسية والحقيقية مثلما حصل مثلاً في دايتون فيما يتعلق بيوغسلافيا السابقة هذا البلد الذي دمره الأمريكيون بواسطة صندوق النقد الدولي بالتآمر مع الألمان.‏

الاحتكار الثقافي:‏

الصعيد الأخير وهو ليس الأقل دلالة هو الصعيد الثقافي فليس هناك أي غد مشرق أمام أمريكا المستبدة إن لم تتم عملية إخضاع العقول. هذه العملية قد بدأت فعلاً بفضل العمل الدؤوب بالنخر وبالإفساد وبإلغاء العادات الثقافية المميزة للشعوب. إن سيطرة مشروب على الواقع ويخرج اسمه آلياً من أفواه الأكثرية كوكاكولا) وانتشار نوع خاص من المطاعم التقليدية المحلية، والشعور المريح بالحلاقة مع جيليت وبقص أعشاب الحديقة مع غابي Gaby والسفر مع جنرال موتورز وتهوية الأمعاء بأقراص كلوغيز Kellogg's كل هذا يساهم شيئاً فشيئاً بالثقافة الكاملة ويهيئ الطريقة إلى أمركة التقاليد. وكما تهدف الولايات المتحدة إلى احتكار بيع الأسلحة كذلك تعمل للحصول على احتكار بيع الأطعمة. إذاً بتنا ندرك بشكل أفضل الخطر الكامن على الصعيد التجاري والثقافي من خلال الهجوم الحالي للمؤن المعالجة جينياً. وبحصولهم بواسطة منظمة لتجارة العالمية التي تخدم شركاتهم المتعددة الجنسية على هذا الانتهاك لحق العيش ألا وهو الحق المطلق للبذور وجد الأمريكيون أنفسهم بالنسبة لبعض أصناف الأطعمة أنهم قادرون بمفردهم تغذية الكون.‏

تطال الهجمة الأمريكية كل مناطق الثقافة ولذلك فقد تم شراء سلسلة الكتب البريطانية بوكس أتك في 28 كانون الأول 1997 بوساطة العملاق الأمريكي بوردرز بانتظار منافسه في الولايات المتحدة برنرز ونوبل لينقض بدوره عل بريطانيا العظمى ثم على أوروبا. إن الحصول على بوكس أتك يمثل خطراً كبيراً فسيكون لبوردرز قدرة التحكم باثنين وعشرين مركزاً للبيع يوجد إحدى وعشرين منها في لندن وضواحيها وواحداً في أديمبرغ وهي تنوي نشرها في جميع أنحاء المملكة المتحدة. إن عدم استقرار السوق هو الذي سمح بخلق مثل هذا الوضع الذي يضاف للأوضاع الأخرى والذي من نتائجه فتح الأسواق الثقافية أمام المنتجات الأمريكية والشركات الأمريكية المتخصصة وخاصة في مجال المكتبات الكبرى. لقد باتت المكتبات التقليدية مهددة ولم تعد تحقق أكثر من 24% من نشاطها بوجه المحلات العملاقة التي حققت زيادة في سوقها من 4% إلى 6% خلال عامين في بريطانيا العظمى.‏

ومن بين المناطق الثقافية الأساسية هناك الذوق، لقد دفعت الحملات المنجزة في مجال الحواس السلطات الفرنسية إلى إطلاق عمليات للتعليم في مجال الغذاء يتضمن تعليماً لحاسة الشم والتذوق في المدارس الابتدائية. وكشف إحصاء أخير لدى تحضير أطباق بواسطة طباخين مهرة اعتمدوا في طبخهم على منتجات طبيعية عالية الجودة بأن التلاميذ وبأغلبية مخيفة صرحوا بأنهم لم يحبوا ما تناولوا من طعام وبأنهم سيكونون سعداء أكثر لو أنهم أكلوا همبرغر مع الفريت.‏

التفوق الفكري:‏

لم تكتف أمريكا بغزوها لعالم التقاليد العادات الغذائية واللباس ..إلخ) بل حققت لنفسها تقدماً حاسماً على طريق الاحتكار الفكري. فقد تبدلت جذرياً التصرفات في مجال البحث العلمي والإجراءات في المخابر والمواقف الذهنية المتعلقة بالمعرفة وذلك منذ بروز العالم العلمي الأمريكي. فمن جهة وكما يذكرنا فيليب انجلهرد فإن فرضية غابور - القائلة "بأن كل شيء ممكن سيتم تحقيقه يوماً ما"- قد تحكمت أي تعامل مع الظواهر العلمية حتى جعلت ممكناً حتى الأكثر خيالاً والأكثر تخريباً(3) ">(3) . ثم أن الأولوية الاقتصادية قد تحكمت بكل هذه الأيديولوجية فربطت أمريكا أي اقتراب من دراسة العلاقات الإنسانية علمياً بمتطلبات سوق المبيعات. ولكي لا تشعر باقي الدول أنه قد تم تجاوزها فقد وجدت نفسها مجبرة لتتخذ نفس الاتجاه. فكل مسألة لا تهدف إلى اعتبارات الربح والسيطرة على العالم بالنسبة للولايات المتحدة هي مسائل لاغية. وهذا لم يصب العلوم فقط فالجامعة كلها اليوم غارقة برؤية الأشياء على "الطريقة الأمريكية". لقد بات من الطبيعي الذهاب إلى جامعة أمريكية وإلا واجهت خطر فقدان قيمتك العلمية. فالهالة التي وضعها الأمريكيون على المجلات العلمية الأساسية في كل أقسام الجامعات كما أن تدخلهم في مشاريع أو في مراكز البحث المحترمة مثل مراكز البحث العلمي في جنيف أو فرض هيمنة اللغة الإنكليزية - الأمريكية كل ذلك يعزز شيئاً فشيئاً سلطانهم المطلق الذي يمكن أن لا يكون كلياً على الأمد القصير لولا أنهم استطاعوا أيضاً السيطرة على عالم الاتصالات.‏

التهديد بالوصاية في عالم الاتصالات:‏

يّغلق وينهي احتكار الاتصالات سلسلة الاحتكارات التي بدأت بالاحتكار الثقافي المؤدي عبر الاحتكار الاقتصادي إلى السياسي. إن الضربة القوية لمخطط مارشال الذي فتح به الأمريكيون السوق الأوروبية في معظم المجالات قد هدمت الحاجز الثقافي الذي منع تدفق الصور في السينما ثم في التلفزيون. وفي أقل من خمسين عاماً تحققت الخسارات الكبرى التي بلاشك يصعب إصلاحها. لقد نقلت الأفلام الهيولودية خلال عشرات السنوات صورة أمريكا المطمئنة واللطيفة والقوية والتي يصعب التغلب عليها والواضحة. هذا العالم الخيالي الذي نشأ في نهاية الألفية تم تضخيمه عبر شبكات المعلوماتية والإعلامية. إن الاحتكار في عالم الشبكات - الانترنيت(4) ">(4) . هو مدعو للقيام بوظيفة أساسية في عملية الهيمنة بواسطة الاتصالات كما هو الحال في السينما والتلفزيون والمعدات ومكاتب الاتصالات والإعلام وهو الهدف الأخير للمناورات الأمريكية. وعند إنجاز حبك بيت العنكبوت هذا سيخلق قولبة البث الفضائي رجلاً جديداًله عادات وحاجات جديدة أمريكية) تكون اللعبة قد تمت. ألم نر كيف في جميع أنحاء العالم نمدح الهدوء الذي يميز جولات وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبريت ورحلاتها في العالم التي أكدت "أن أحد الأهداف الأساسية في عالمنا هو الاطمئنان بأن المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة يمكنها الانتشار على الصعيد العالمي" فأملت قانونها على رؤساء الدول مرددة مواعظها ومانحة أو مانعة الإجازات والتعويضات؟!!.‏

حول المهارة الأمريكي:‏

علينا أن نعترف للولايات المتحدة الأمريكية من بين مزاياها أنها تملك إرادة متابعة مشروعها القائم على أسس أيديولوجية وسياسية. إنه إيمان مميز ورثت مبادئه من أجدادها، فيه شجاعة في الفعل وعناد في مواجهة مخاطر التاريخ وتجاوز الحواجز ومواجهة العداوة والأحقاد مما أتاح لهذه الأمة رغم كل شيء أن تصل أو تكاد تصل إلى إنجاز رسالتها التي أمنت بها بمصداقية على أنها مكلفة بها حسب الإرادة الإلهية. لقد أنجزت فعلاً حرية التجارة وإلغاء لدى الآخرين) الحواجز التجارية والثقافية والسياسية ورفض الأحلاف المرغمة عليها. ولم يعد النفوذ الأوروبي إلا ظلاً لما كان عليه قبل أقل من قرن وحل مكانه في كل مكان النفوذ الأمريكي وعصبة الرئيس ويلسون للأمم التي قامت غداة الحرب العالمية الأولى ولم يتمكن الأمريكيون منها تحولت بعد الصراع الثاني إلى منظمة الأمم المتحدة التي يقودها الأمريكيون فعلياً. والمخاوف التي رفضوها دائماً بسبب الواجب القومي فرضوها على الآخرين: عسكرية وسياسية بواسطة الحلف الأطلسي واقتصادية بواسطة بريتون وودز ومنظمة التجارة العالمي...إلخ.‏

أبهر نجاحاتهم دون مناقشة هو الأيديولوجي، ألم يقوموا بإقناع كل الكون بأنه لا يوجد إلا فكر واحد صحيح ولا توجد إلا رؤية واحدة للعالم ومفهوم سياسي واقتصادي واحد؟. إن الرأسمالية الليبرالية للتبادل الحر التي اقتبسها الأمريكيون من المفكرين البريطانيين واستخدموها كأداة إخضاع لقوتهم ولمصالحهم أكدت حسب التعريف نفسه لصندوق النقد الدولي "الترابط الاقتصادي المتنامي لمجمل دول العالم الذي سببه زيادة حجم وتنوع الصفقات عبر الحدود للأملاك وللخدمات إضافة للتدفق الدولي لرؤوس الأموال وترافق في نفس الوقت مع الانتشار المتسارع والعالم للتكنولوجيا". لقد حددت هذه العولمة التي هي انتصار الأمركة على الكون حسب ما يقول مارتن وولف في الفايننشل تايمز " نجاح الانتشار الدولي لليبرالية الاقتصادية التي بدأت في أوروبا الغربية قبل نصف قرن مع مخطط مارشال". لقد تأكدت عملية اندماج المجتمعات والأفراد والنظم وألغت في نفس الوقت أي أمل بدوام أساليب الحياة وطرق التفكير وأي محاولة بخلق أي شيء مخالف لنموذج الاندماج الوحيد. إن استبدال كل عقائد العالم التي غالباً ما تنافست فيما بينها بالعقيدة الليبرالية وإن إلغاء الثقافات والنظم السياسية لصالح الثقافة الأمريكية والنظام الأمريكي يشكل التحدي الأقوى الذي لم تعهده الكرة الأرضية أبداً.‏

العالم ضد أمريكا:‏

إزاء هذا التحدي للعالم ولأوروبا بهيمنة الاستبدادية الأمريكية، كيف سيكون الرد(5) ">(5) ؟!!.‏

أولاً وبالضرورة عن طريق استعادة الوعي، أراد هذا الكتاب أن يساهم في ولادة وتفتحهذا الوعي. لا يمكن مقارعة من يريد أن يفرض قانونه إلا إذا أحسسنا فكرياً وجسدياً بسلطان من يهيمن علينا. إن المفهوم العميق للديمقراطية يكمن في إرادة فهم العالم وهي العمل معاً داخل المجتمع القومي من أجل الخير العام. وللوصول لذلك علينا أن نمر عبر التفكير بحالة المجتمع وهذا التفكير لا يمكن إثارته إلا بالتربية .لقد بات من الضروري عند هذا الواقع أن نضع حداً ليس فقط لبعض المواقف السلبية أمام افتتان الشباب بالنموذج الأمريكي الذي لا يدرك كل مضارهّ) بل أيضاً علينا أن نفسر لهم صراحة هذا النموذج فضائله التي لا يمكن الجدل فيها ولكن أيضاً عيوبه وخيباته المخيفة ونكساتها الصارخة(6) ">(6) ).‏

سوف تسمح السياسة التربوية السليمة أن نفهم ما يجب أن تكون أوروبا القائمة على قواعد أكثر ملائمة: ثقافية واجتماعية وسياسية. يمكنها أن تكون رأسمالية بلا شك ولكن بأهداف ليس بالضرورة أن تكون فقط البحث عن الإثراء لأقلية بواسطة جهد الأكثرية التي يحسدها المهملون والمحرومون. إن المعاهدات والاتفاقيات والمؤسسات الداعمة للعولمة الليبرالية بريتون وودز - الحلف الأطلسي - صندوق النقد الدولي - البنك الدولي - منظمة النجارة العالمية) يجب إعادة دراستها وإعادة ترتيبها وإصلاحها. إنه من غير المحتمل أن يبقى الدولار العملة المقياس للعالم وهو عملة إحدى الأمم. لماذا لا نعود لفكرة البنكور التي اقترحها كينـز؟ ثم على أوروبا أن تصبح قبل كل شيء قوة سياسية حقيقية متحدة وملتحمة - وإلا كما حدث في الممالك اليونانية القديمة فسوف تسقط تحت نير كتلة سياسية أعلى - وهذا لا يمكن حدوثه دون التقاء جميع الإرادات المستندة إلى جذورها المكونة من مقومات الحضارة التي تجمع بلادنا العريقة.‏

إعادة اكتساب واسترداد التربية:‏

نحن نعيش نهاية قرن قاتم، قرن كما ذكر مؤخراً جان دورمسون أحرقنا خلاله الكتب، والمتوحشون يقفون على حدودنا بل هم داخلها أحياناً وهناك كتاب وفنانون مهددون بالموت ويموتون كل يوم. مازالت كلمات ألن منك الخشنة ولكنها مشؤومة لها صداها عندما قال:"إن المئة ألف أمي الذين يصنعون الأسواق إن لم نحترم عدداً من المعايير الدقيقة كمعايير الكنسية يستطيعون أن يقلبوا اقتصاد أي بلد ما رأساً على عقب"، ولكي نمنع الأميين أن يكونوا مصدر إزعاج علينا أن نعمل على إزالتهم وذلك بأن نجعل من التعليم سلاحاً لخدمة الناس والحضارات التعددية.‏

إن المدرسة هي مفتاح كل تغير مستقبلي وكل استعادة للوعي، وهي أيضاً يجب أن تتبدل. إن النظام المدرسي يجب أن يهدف إلى تكوين أفراد واعيين ومثقفين وفطنين، فالعقول المبنية بشكل سليم تستطيع أن تمتلك رؤيا واضحة للتاريخ وللعلوم وللآداب وللفلسفة وللفنون. ومع المعرفة المعمقة للغات القديمة والحديثة وإتقان اللغة الأم بشكل كامل كتابة وقراءة يستطيع طالب اليوم أن يصبح مواطن الغد الناقد والمتسامح والمتمسك بعناد بمواطنيه وبانتمائه الثقافي. سوف يفهم بأن الأولوية يجب أن تعطى للسياسة، وعلى الاقتصاد أن يعود لموقعه المرتبط بالسياسة أي المرتبط بإرادة المواطن.‏

لقد أدركت تكتلات المصالح الكبرى والاقتصاديات العريضة والغامضة أهمية تحويل مسار المدرسة باتجاه إلغاء الثقافات وعملت على تكثيف المعرفة المحض نفعية. لقد فهمت منذ زمن كما قال فيليب انجلهرد أن الجواب الوحيد على القلب المؤذي لحقائق الأولويات إخضاع السياسة للاقتصاد بدلاً من العكس، الشيء الذي يؤدي إلى بعثرة الاجتماعي والصناعي والسياسي والثقافي تحت الاندفاع الانتحاري للمالي مسبباً فك الارتباط العام للبنية الاجتماعية) هذا القلب يعتمد إذاً على تفضيل قيام ما يمكن أن نسميه "المجتمع ذو المسؤولية المعممة" المرتبط "بإعادة البناء السياسي" الشيء الذي يرفضه ماكموند مكدونالد للمعدة وماكنتوش للدماغ) وهذا ما يتكلم عنه بمهارة غي سومان بشيء من الإقرار بالذنب بعد أن كان قد كتب الكثير من البلاهات حول حسنات كل ما هو ليبرالي. إلا أن عملية تحمل المسؤولية هذه يجب أن تمر بالثقافة. لقد بات من الضروري لكل مواطن أن يستعيد امتلاكه لناصية الثقافة - والمدرسة هي افضل الوسائل لذلك - من أجل تكوين الجمهور الناقد الذي يدعو إليه أنجلهرد مع أطيب أمنياته ومن أجل حفز "القدرة الرافضة" التي تستطيع "إطلاق عملية التغيير والمجيء بجمهور من المواطنين أكثر أهمية وهم لن يتحملوا بعد ذلك الممارسات الاجتماعية والسياسة المهيمنة وحتى لو لم يصرحوا بذلك". وكأنها صدفة حيث نرى أن عمليات الاغتيال ضد المدرسة تتأكد أكثر فأكثر كونها الوسيلة لامتلاك المواطنية.‏

ومن الأمثلة الكثيرة نذكر الإجراءات الأخيرة المتخذة في سويسرا لمشروع إصلاح البكالوريا أو النضوج الفيدرالي) إن هذه الإجراءات تشكل برهاناً على إرادة الإلغاء المتبعة في الأوساط السياسية التي بالطبع تقود البلد. قبل كل شيء يبدو من المستحيل الحصول على أسماء أعضاء اللجنة المكلفة على المستوى الفيدرالي بإعداد الإصلاح. فكل شيء في سويسرا مستتر وسري. ثم هناك المنافسة بين فروع الثقافة اللغة اللاتينية واللغة اليونانية والفلسفة) والفروع المسماة بـ "المفيدة" أو بـ"الواقعية" كاللغة الإنكليزية التي هي أكثر وأكثر لغة أمريكية) والاقتصاد أو أيضاً الاختفاء الصريح والتراجع لنسبة ملائمة لفروع الثقافة وهذا يهدف لا أكثر ولا أقل إلى شطب كل المناهج من أجل إطلاق المناهج التقنية فقط. فمن الصحيح أنه عندما نقوم بعمليات الحساب والقياس والحل للمعادلات الرياضية ليس من الضروري أن نقرأ أو نغذي الذاكرة ولا نواجه خطر التفكير أي خطر إعادة النظر بالمجتمع حيث نعيش. إن شعار "فرق تسد" يشكل إحدى القواعد السياسية الأكثر تطبيقاً. إذ تجري المناقشات مرة أو مرتين خلال العام داخل الدوائر المدرسية في المقاطعات التربية من اختصاص المقاطعات) حسب الفروع إذ إن الفروع المتعارضة فيما بينها. أحد أهم نتائج هذه العملية هي إعاقة أي رؤيا للإصلاح والهدف الآخر هو تركيز المناقشات حسب الفروع على الربح والخسارة بمعيار ساعات التدريس. فعندما نحمل المدرسين على أن يتخاصموا فيما بينهم نوجه بذلك الطاقات نحو قضية مغلوطة لنبعدها عن القضية الحقيقية. كل ذلك من أجل الهدف النهائي وهو إبطال دور الثقافة والذاكرة، إن القوى المظلمة التي هي وراء مشروع الإصلاح - أرباب العمل السويسريين أحد أحسن من يمثل التاتشرية في العالم) واللوبيات المالية والصناعية والبنوك...إلخ - تشهد على تصميمها لتخليد النظام الليبرالي للتبادل الحر الدولي الذي يخدمهم و"يطوع" الأجيال المستخدمة كأدوات للعالم الاقتصادي النفعي وللمردودية ولامتيازات الثروة.‏

اللغة والهوية:‏

إن المواطن الواعي والناشط هو مواطن قادر على التعبير وهو قبل كل شيء يحب لغته. وكما كتب موريس دريون بأنه لا شيء ممكن أن ينفع الدولة في النضال من أجل اللغة القومية "إذا استمرت اللغة داخل الأمة نفسها بالتراجع وبالتلف بالتفتت".وهكذا فإن "العطب قد أصاب جسد من يجب أن يكون في وسط المعركة من صحافة وتلفاز ودعاية وإدارة وحتى التعليم، فالكل أصابه مرض اللامبالاة وبات كسيحاً. لدينا الكثير من هبطت قواهم اللغوية والكثير من الناس الذين يلتفون قليلاً أو كثيراً بالرايات الأجنبية من أجل مصالح وهمية". قبل كل شيء علينا إفهام الشبيبة واليافعين بأن "كل واحد منا مسؤول بطريقته وقبل كل شيء هو مسؤول أمام نفسه. إن اللغة هي التعبير عن النفس والطبع. فمن لا يحترم لغته فهو لا يحترم نفسه أي أنه لن يصبح بالتالي محترماً من الآخرين. نحن المسؤولون بشكل جماعي تجاه سبعة وأربعين بلداً بل خمسين بلداً في القريب العاجل، متحدين بشكل مؤسساتي لأن لديهم قاسم مشترك وهو اللغة الفرنسية وهم يمثلون اكثر من ربع الأمم المتحدة ومستقبلهم مرتبط بمستقبلنا". لأنه علينا أن لا نخدع أنفسنا "المسألة هي قضية استراتيجية بل جيواستراتيجية". يجب أن تحدث ردة الفعل في كل مكان بدءاً من كل واحد منا. "لنرفض أن نشتري المنتجات التي تستخدم لغة دعائية تشوه اللغة الفرنسية، لنرفض أن نستمع إلى البرامج التي تقلل من كرامتها، لنعترض على كل نشرة غير مفهومة، لنطرد من حياتنا كل كلام غير مفهوم في أي مكان نواجهه لنرمي بالخزي والعار كل أولئك الذين يوسخون ويذلون ويشوهون أغلى ما نملك من تراثنا".‏

مشروع خاتمة:‏

في كتابه المدهش "تاريخ الأمريكيين" وفي فصله الأخير يساهم دانيال بورستين من موقف المدافع بدعم الحجة التي نحاول في كتابنا هذا تقديمها، وعندما حاول عرض الأسباب الأساسية التي توجه ضد الولايات المتحدة وخاصة في أوروبا قدم ترسانة من العناصر هدفها نفي هذه الأسباب التي تنطلي على من ليس مأخوذاً بالنظريات الأمريكية. على كل حال لقد جلب الماء إلى الطاحون ليدعم كتابنا المتواضع.‏

لقد أكد لأولئك الذين يتهمون أمريكا بالإمبريالية إن هذا ليس هو الواقع ولكنه اعترف أنه في القرن التاسع عشر "كانت الولايات المتحدة قوة إمبريالية عندما وتحت شعار القدر المعروف استولت على الأرض الواسعة من جنوب غرب المكسيك أو عندما شعرت لفترة وجيزة بنـزعة استعمارية". ونفس الشيء "في القرن العشرين كانت تدخلاتها في أمريكا الوسطى في ذات السياق، فمن وجهة نظر الشكل ليس هناك اختلافات عميقة بين إرسال ويلسون للفرق الأمريكية إلى فراكروز عام 1914 واحتلال السوفييت لأفغانستان عام 1979: في الحالتين تهدف العملية الحكومات القائمة وكلتاهما: أمريكا والسوفييت قليلة الاحترام لحقوق الإنسان". وعلاوة على ذلك في كل مكان تملك الولايات المتحدة قواعد عسكرية ، راحت تشكل بها "شبكة من القواعد في العالم كله لتثقل بها كاهل الخيارات الحرة للشعوب، فهي تقدم السلاح لقادة الدول المكروهين من مواطنيهم وتساعد حركات معادية للثوار، فالأنظمة الديكتاتورية والقاسية كشاه إيران وسيموزا في نيكاراغوا وترجيلو في جمهورية الدومينكان وبارك في كوريا لم تستطع أن تبقى في مكانها طويلاً لولا فضل المساعدة العسكرية الأمريكية بالعتاد وبالمال وبالمستشارين" وقد اعترف أن "الولايات المتحدة هي التاجر الأول للمدافع في الكرة الأرضية" وأضاف أنه "من أجل إبعاد قلب النظام الشيوعي المرادف للبؤس والديكتاتورية والدمار دون عودة الحريات". وسقطت الشيوعية ومازالت الولايات المتحدة أيضاً "التاجر الأول للمدافع في الكرة الأرضية" وهذه المرة ليس لضرب الديكتاتوريات ولكن من أجل إقامة ديكتاتوريتها.‏

أما فيما يتعلق بالدعم للطغاة فبورستين لا ينكر ذلك. لقد قال "حتى السبعينات كانت السي.أي.أي التي أسست في عام 1947 الأداة لهذا النشاطات السرية"عملياً لا نستطيع إحصاء تدخلاتها: في إيران حيث ساهمت بإعادة الشاه للعرش عام 1953، وفي البرازيل حيث دعمت الانقلاب العسكري عام 1964، وفي كمبوديا حيث ساعدت على قلب الحكومة المحايدة للأمير سيها نوك، وفي كوبا حيث دبرت الغزو الذي أخفق في خليج الخنازير عام 1961 كما عملت على اغتيال فيدل كاسترو، وفي غواتيمالا عام 1945 حيث أرعبت الإصلاحات الاجتماعية المتذبذبة للرئيس ارينـز مصالح يونايتد فروت اتحاد الفاكهة).‏

وإن كان ينكر الاتهام "بالهيمنة الاقتصادية والملية للرأسمالية الأمريكية" إلا أن بورستين لا يستطيع إلا أن يعترف بوجود الشركات المتعددة الجنسيات مع فروعها في العالم أجمع وبسيطرة الدولار وهما يشكلان معاً "أدوات هذه السيطرة". وإذا كان هناك عملياً "انقسام دولي على صعيد العمل مما يضمن للولايات المتحدة النشاطات الأكثر نبلاً والواعدة مستقبلاً" وإذا "كان الدولار يتمتع بمزايا استثنائية" التي بفضل "النظام المسمى بالجامايكي الذي يعود إلى عام 1976 يبدو أنه عزز هذا الانتصار الدولار" مما سمح لهم "الاستدانة بدون حدود بهدف الإعلاء الدائم لأهدافها الداخلية"، وإذا كان صحيحاً بأن "الولايات المتحدة لم تنجح بالهروب من إنذارات سياسة التهاون وهي المسؤولة الأساسية عن تداع ما لم نعد نجرؤ على تسميته نظام النقاد العالمي"، كيف إذاً نستطيع إنكار "الهيمنة الاقتصادية والمالية للرأسمالية الأمريكية؟".‏

وأخيراً ولدى الإجابة على اتهام آخر وهو الاتهام بأمركة الكون يعترف بورستين بأنه "عملياً فيما يرسله لنا الأمريكيون يوجد الكثير من السوقية والكثير من الأدوات المريبة إن كان ذلك يتعلق بالهمرغبر الذي لا طعم له والذي يرافقه البصل والكاتشب، أو بالأفلام التلفزيونية التافهة أو بالشيوخ الروحيين الفاشلين لكاليفورنيا أو بالصخب الصارخ بشكل موسيقى، أو باستهلاك المخدرات المختلفة". إذا كان كل هذا موجوداً بمقدورنا بعد أن ننكر بأن أمركة الكون قائمة على قدم وساق. وفي كل مكان تنتشر أنماط الاستهلاك والنماذج والمخططات الأيديولوجية التي أعدتها الولايات المتحدة وهذا يحدث حتى في الدول الاشتراكية، وتتمتع الولايات المتحدة بطاقة دعائية لا مثيل لها. والاختلافات الثقافية التي شكلت ثروة البشرية هي في طريقها للاندثار تسحقها مطابع الشكل الواحد. واستفادة الثقافة الأمريكية من تفوقها المادي فراحت بذكاء تفسد الأرض. فحيث حلت فككت البنى الاجتماعية التقليدية وأفقرت العادات والفلكلور المحلي. إن الامتثالية تجتاح بمكر الكون، امتثالية ذات صناعة أمريكية Made in America تهدف إلى تحويل كل أفراد البشرية إلى "أقزام أمريكيين ضحلين". ألا يحق لنا أن نرى في ذلك أن "الأمريكيين قد صنعوا سلاحاً حاذقاً لتسخير العالم لمصالحهم ولنمط تفكيرهم ؟ " إن طرح السؤال هو إجابة عليه ويبدو لنا هنا أن دانيال بورستين كان لنا عوناً قيماً.‏

كتابنا هذا كان قاس على الأمريكيين، فأمام ضخامة الخطر علينا أن نرد برفض واضح، إذ إنه لا يمكن أن نوقظ الناس وننبههم لأن يدركوا هذه الأمور بالهمس في آذانهم. لقد حاول هذا الكتاب أن يشرح ويوضح آلية ما ألا وهي غزو الثقافات المختلفة للعالم بواسطة الأيديولوجية الأمريكية اقتصادية وسياسية وثقافية) التي تعمل في كل مكان لإلغاء الثقافات الأخرى. ولم يحاول الكتاب متابعة الأحداث فهو أمر لا يمكن تحقيقه باعتبار أن التطور يتم بشكل يومي. لقد فضحنا الآلية والمسؤولية مازالت قائمة بشكل كلي. فعلى القارئ أن يتابع تأثيرات هذه الآلية يوماً بيوم، الآن نحن أطلقنا بقوة رسالتنا فعلينا أن نمد لشعب الولايات المتحدة يد الصداقة ولكنها يد لا تلوى.‏

هنالك صوت ينادينا اليوم من العالم الآخر، إنه صوت الفيلسوف الراحل جان ماري بنوا. فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً حذرنا من أن نغفل ونرضى بوضعنا بحيث نصبح "مستهلكين متخمين ومنتجين مستغَلين ومجاملين في وقت واحد"، لقد أوصانا بالمقاومة وألا ننخدع بواقع العالم.‏

هذه الحقيقة في مطلع العام 2000 تبدو نوعاً من "القدرية الأطلسية"، لقد كتب بنوا يقول أنها "قدرية تتناغم مع التبعية ونحن نرى اليوم تعزيزاً لهذا الخضوع بالتسليم بأنه يتناسب مع الأمر الواقع باعتباره يتلاءم مع الطموحات العميقة لفكر سان سيمون الذي لم ينته بعد ببساطته الاشتراكية المغلوطة وبالحلم أننا لم نعد نتعامل مع البشر وعلينا أن نهتم من الآن وصاعداً فقط بإدارة الأمور".‏

علينا أن نبعد هذه القدرية الأطلسية وأن ندعو الولايات المتحدة نفسها لإعادة تعريف المصطلحات وأن نعلمها احترام الآخرين، وإن لم تستجب لنا علينا بالرد على سبيل المثال باستخدام سلاح نملكه جميعاً وهو المقاطعة المنهجية والتامة للمنتجات المصنوعة في أمريكا. ويتابع الفيلسوف فيقول "بأي حق نعتبر أنفسنا أنه محكوم علينا أن نتقاسم أيديولوجية الطريقة الأمريكية في المعيشة وكأنها قدر لا مفر منه وباسم أي مرسوم قدري نرى فيها مستقبل مجتمعنا؟".ويدعونا إلى الإنصات لكلود ليفي ستروس الذي يدعو بكل فرح لهذا التنوع الذي يشكل عظمة البشر عندما يريدون تجاوز الذات والسمو. وهو يؤكد أن علينا "ألا ننسى أبداً بأنه لا توجد فئة من البشرية تمتلك صيغاً يمكن تطبيقها على المجموع وأن البشرية عندما تصبح في بوتقة واحدة بنمط واحد للعيش هي بشرية لا يمكن تصورها لأنها ستصبح هياكل عظمية". لنساعد الأمريكيين إذاً ولنساعد أنفسنا في الوقت ذاته في رفض تحجر العالم.‏

انتهى‏

(1) ">(1) أخذت الحملة المعدة في أحد مكاتب الاتصال الأمريكية على عاتقها تهيئة الرأي العام العالمي فخلق هذا الفصل الواضح بين السيئين صدام وشعبه) والطيبين الولايات المتحدة والتحالف الذي قادته إلى المعركة).‏

(2) ">(2) مثلاً فرنسا حين أبعدت عن التسوية في الشرق الأوسط بعد حملة العراق.‏

(3) ">(3) نقصد هنا الاستنساخ، فإن بدت الولايات المتحدة بأنها متحفظة بإطلاق البحوث في هذا المجال نحن لا نجهل الخبث الذي تعطيه لمخاوفها) فإن آسيا قد حصلت على هذا الحق بشرائه من إحدى المختبرات الأمريكية فحظر الرئيس كلينتون على المخبر متابعة تجاربه.‏

(4) ">(4) لقد استقبلت مؤخراً الحكومة السويسرية وكذلك المسؤولون في التربية والصناعة والمهن بالترحاب بيل كيتز الذي أتى لإطلاق الانترنيت. من الواضح أن الحكومة السويسرية ستكون من أوائل الدول في العالم الذي قامت بنشر الشبكة في المدارس دون الانتباه لتأثيرها على الأجيال. وكتب أحد الصحفيين الأذكياء يقول "لقد سمح وضع بيل كيتز كملياردير أن يفتح الكثير من الأبواب وأن يصافح كثيراً من الأيدي ومنها كاسبر فيليجه المستشار الفيدرالي". وهذا أكيد بأن الملياردير يستطيع فتح المزيد من الأبواب في سويسرا أكثر من المثقف ومن الفنان. يجب علينا أن لا نستهين بخطر الانترنيت وقد نبه لذلك فنسان سميث فقال "إن الشبكة وقعت الآن بشكل كامل بيد التجار. لقد أصبح الانترنيت اليوم الولد العبقري والواعد لليبرالية الصاخبة وللتكنولوجيا ولم يعد بقدرة أحد السيطرة عليه. في هذه اللحظة يتهيأ آخر الحالمين للانطلاق، ففي سنوات وجيزة أصبح الانترنيت تجارة وليس شيئاً آخر". ولا يخفي الأمريكيون نواياهم. يقول فنسان سميث "على الانترنيت أن يخدم أولاً التجارة ويصبح منطقة للتبادل الحر وعلى الولايات المتحدة أن لا تدخل عليه أي قانون وتدعه خارج الضريبة المالية".‏

(5) ">(5) سنعالج بالتفصيل مسألة الحلول الممكنة في كتاب يصدر قريباً.‏

(6) ">(6) البلد الذي يبلغ عدد مساجينه الحد الأعلى في العالم بالرقم وبالنسبة المئوية، وحيث يوجد 35 مليون عائلة تعيش تحت عتبة البؤس، وحيث أن الأغنياء لهم الحق بالتربية الصحيحة وحيث المحرومون لا يملكون الحد الأدنى من الراتب ولا العناية الطبية ولا التقاعد المشرف، وحيث من الأفضل عندما نتنـزه أن لا نبتعد عن الشوارع الرئيسية خوفاً من الاغتيال من أجل الحصول على دولار واحد، هذا البلد لا يمكنه الإدعاء بطرح نفسه كنموذج وحيد للعالم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244