المهرّج - خير الدين عبيد

قصص للأطفال - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 05:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أحلام عصفورة

بطلة قصتنا عصفورة، والقصة حدثت منذ عام، وبدأت.... في صباح خريفي جميل، وقفت العصفورة زقزوقة على شجرة كينا قبالة إحدى المكتبات، كثيراً ما كانت زقزوقة تقف على تلك الشجرة دون أن تثيرها الصحف و المجلات الملونة.‏

هذا اليوم..... تغيّر حالها.‏

هاهي ترفرف أمام واجهة المكتبة بعصبية، تصعد... تهبط... تنقر الزجاج بمنقارها و... تقرأ خبراً مصوراً نشرته إحدى الصحف على صفحة الغلاف.‏

يقول الخبر:‏

"فاز البلبل كناري بجائزة أجمل عصفور في العالم، وقد أُهدي قفصاً ملكياً صنع من الذهب الخالص، وسيتم وضع القفص والكناري في غرفة زجاجية مطلة على نهر الورد ليتفرج الناس عليهما.‏

حزنت زقزوقة، حطّت على غصن قريب من الواجهة، ناظرة إلى البلبل بحسد. فجأة... حطَّ رفيقهازقزوق بجانبها، وقال مبتسماً:‏

ـ صباح الخير يا حلوة، كيف الحال؟‏

ردّت زقزوقة بفتور:‏

ـ بخير..‏

قال زقزوق... بدهش:‏

ـ ما بك يا رفيقي، هل رماك أحد الأولاد بحجر؟‏

ـ لا...‏

ـ طيّب ما القصّة... خبّريني؟‏

انتفضت زقزوقة، وقفت قبالة رفيقها، قالت:‏

ـ ألست جميلة؟‏

ـ بل.. أنت أجمل عصفورة في العالم.‏

ـ إنَّك تجاملني.‏

لم يصدّق زقزوق ما سمع، لماذا تكذِّبه... لماذا تصرخ في وجهه؟!...‏

تمالك نفسه، وقال بهدوء:‏

ـ زقزوقة... مابكِ.. خبّريني؟..‏

أشارت بجناحها إلى المجلّة، قالت:‏

ـ انظر... ذاك أجمل عصفور في العالم ولست أنا كما تدّعي، لقد صنعوا لـه قفصاً من الذهب الخالص، ووضعوه في أحلى مكان... على ضفة نهر الورد ضمن بيت من الزجاج كي يراه الناس ويمدحوه، وفوق كل هذا نشروا صورته في الصحف والمجلاّت.‏

هزَّ زقزوق رأسه، قال:‏

ـ هاها... الآن عرفت السبب، أرجوكِ... لا تنزعجي، يكفي أنك في عينيَّ أحلى عصفورة في العالم.‏

ـ هذا لا يكفي... المهم أن أصبح أحلى عصفورة في عيون الجميع.‏

ـ ومن قال أنك لست حلوة في عيون الجميع؟ الكل يحبِّكِ...‏

ـ لا تخدعني. لو كنت كما تقول لانتخبوني ملكة للجمال بدلاً من ذاك الكناري. أفْ. ثم طارتْ... تاركة رفيقها واقفاً على الغصن كالتمثال.‏

انقضى ذلك اليوم.. ومرَّ بعده يوم ويومان وثلاثة و....‏

زقزوق يبحث عن خطيبته، على أغصان الأشجار... قرب نافورة الماء، وفي شقوق الحيطان. يسأل عنها حتى العصافير الصغيرة ذوات المناقير اللينة دون أن يعرف أنَّها تقف على سلك كهرباء في طرف المدينة. ومع من؟ مع طائر سنونو.‏

إنها المرة الثالثة التي يتحادثان فيها، يقفان على السلك نفسه، وكالعادة تبدأ هي الحديث:‏

ـ متى ستسافر جهة الجنوب.. أقصد إلى نهر الورد؟..‏

ـ سأهاجر بعد يومين، إلى تلك المنطقة الدافئة، بدأت أشعر بالبرد، ألم أخبرك بذلك من قبل؟...‏

ـ بلى... لكنني أحببتُ أن أذكركَ، أرجوك مُرَّ على...‏

ـ سأمرَّ على ذلك الكناري..... والله سأمر، سأسأله عن وجبات طعامه... وشرابه، مواعيد نومه واستيقاظه.‏

ـ ولا تنسَ أن تسأله: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.‏

ـ حاضر.... وسأخبرك الجواب في الربيع المقبل.‏

ـ على كل حال سأذكرك قبل رحيلك بساعة.‏

وقبل الرحيل بساعة، يلمح زقزوق رفيقته واقفة مع طائر السنونو، إنهما يتحدثان... يزقزقان... ويتعانقان عناق الوداع.‏

أحسّ زقزوق بقلبه ينكسر، طار إليها بعد أن رحل طائر السنونو، وبصوت حزين، قال:‏

ـ لماذا هجرتني وأحببت ذلك السنونو؟ الظاهر أن شكلي لم يعد يعجبك...‏

ردّت زقزوقة بانزعاج:‏

ـ إنَّه مجرّد صديق.‏

رفرف زقزوق فرحاً، قال:‏

ـ إذاً ما زلت تحبينني... آه... سنتزوج في الربيع القادم، سأبني لك أحلى عش.‏

ـ لا...‏

ـ ماذا قلتِ؟!..‏

ـ أقصد أننا لن نتزوج قبل أن أفوز بجائزة أجمل عصافير العالم، فهمت... أم أشرح لكَ.‏

ـ لكن...‏

ـ لا تحاول إقناعي. أنا مصمّمة.‏

ثم طارت... وتركته.‏

وتدور الفصول.. ينتهي الخريف... فيأتي الشتاء، يرحل الشتاء، فيقبل الربيع.‏

تبتسم الشمس... تتفتح الزهور... تنتشر العطور... تزقزق العصافير.... و..... ترجع أسراب السنونو بعد غياب طويل.‏

تدور في سماء المدينة فرحانة، تشدو أغنية الدفء.‏

يضحك الأطفال وتهتزّ الأزاهير و....‏

تقف زقزوقة باضطراب على سلك الكهرباء.... ناظرة إلى أسراب السنونو، علّها تلمح صديقها وقد جاءها بالجواب.‏

ويترك طائر السنونو سربه، يتجه إلى زقزوقة كالشهاب، يقف بجوارها، تعانقه زقزوقة قائلة:‏

ـ حمداً لله على سلامتك... هل قابلت الكناري.؟..‏

ضحك طائر السنونو، قال:‏

ـ هذه عادتكِ.... لا تتغيّر، تسألين مباشرة عن أموركِ، أَيْ نعم... قابلته.‏

ـ رائع. وماذا قال؟...‏

ـ اسمعي. قال بالحرف الواحد: لكي تصبحي أحلى الحلوات يجب أن تفطري بذور تين، وتتغدي نصف دودة أرض، ولا يجوز إطلاقاً أن تتعشي... كي لا تسمني، ويقل جمالك.‏

ـ والشراب... ماذا قال عنه؟..‏

ـ قال: اشربي قطرات الماء السائلة على تويجات الأزهار.‏

ـ تقصد قطرات الندى؟...‏

ـ نعم... نعم... لعن الله النسيان.‏

ـ ومواعيد النوم.‏

ـ هذه سهلة. زيدي ثلاث ساعات على ساعات نومك المعتادة.‏

ـ فهمت.. والآن جاء دور السؤال الأهم: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.‏

أطرق طائر السنونو قليلاً، قال:‏

ـ صراحة.... للمسابقة شرط صعب.‏

ـ ماهو؟..‏

ـ أن تعيشي في قفص، فالمتسابقون هم من طيور الأقفاص تحديداً..‏

ـ بسيطة. سآكل وأشرب وأنام حسب النظام الذي وضعه الكناري لمدة شهر ثم أدخل إلى أحد البيوت، فيمسكني أصحابه ويضعونني في قفص.‏

ـ وحريتك؟...‏

ـ ما فائدة الحرية؟..‏

ـ فائدتها أنها تشعرك بالسعادة...‏

ـ أغمضت زقزوقة عينيها، قالت:‏

ـ سعادتي الوحيدة هي أن أصبح أجمل عصافير العالم.‏

وتشرع زقزوقة بتنفيذ خطتها بسرية تامة، بعيداً عن الجميع. ورفيقها المسكين. يبحث عنها من شروق الشمس وحتى الغروب، همّه الوحيد أن يجدها مهما كان الثمن.‏

وبعد شهرين من التعب، يسمع زقزوق صدفة صوت زقزوقة.‏

يقف على الحائط باحثاً عن مصدر الصوت و....‏

يكاد يموت حزناً، لقد لمح زقزوقته حبيسة قفص صغير، قضبانه من الحديد الصدئ إنّه معلّق على حائط الشرفة، جانب حزمة من الثوم.‏

كان اللقاء مؤثراً، طار زقزوق إليها... رأته... ضربا بجناحيهما قضبان القفص... زقزقا... نفشا ريشيهما... حكّا منقاريهما... وبصوت مبحوح بدأ زقزوق الكلام:‏

ـ زقزوقة... كيف حالك يا رفيقتي؟..‏

ـ بخير... بخير...‏

وراحت تبكي.‏

ـ تماسكي يا حلوة... كوني قوية.... أخبريني. كيف وصلت إلى السجن..؟‏

ـ آه يا رفيقي العزيز، أرسلت طائر السنونو سراً إلى الكناري لأعرف سرَّ جماله، ثم فعلت مثلما يفعل، ضحَّيت بحرّيتي... لكن للأسف لم يسمحوا لي أن أشترك بالمسابقة.‏

ـ لماذا؟...‏

ـ تصوّر... قالوا إنني بشعة، معهم حق... فالقفص سبب شحوبي، لقد سئمت الحياة بداخله، لكن العجب أن الكناري أيضاً يعيش في قفص.‏

ـ صحيح... لكنه ولد فيه، عشَّه صحن خزفي مبطن بلبّاد، أمّا أنت فولدت في البراري فوق غصن نضر، حيث الشمس والهواء العليل، ومن المستحيل القول أن الطبيعة مثل القفص.‏

بكت العصفورة بحرقة، قالت:‏

ـ معك حق... لكن ما نفع الندم؟ يالغبائي... أصبحت أبشع عصفورة في العالم.‏

قال زقزوق مشفقاً:‏

ـ لا تقولي هذا، ما زلت أحلى عصفورة في الدنيا.‏

نظرت زقزوقة إلى رفيقها دهشة، تأملته طويلاً... شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تفحّصت منقاره... ريشه... عينيه، كان يبدو جميلاً... ساحراً... إنه أحلى من طائر الكناري بعشر مرّات، على الرغم من أنه يأكل في الوجبة الواحدة خمس دودات أرض بدلاً من نصف دودة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244