المهرّج - خير الدين عبيد

قصص للأطفال - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 05:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثوب الأفعى

اقتربت دودة الأرض من جذر شجرة التفاح، ودغدغته، فضحكت الشجّرة، وقالت:‏

-كفى يا صديقتي أرجوك، أنا أهتزّ لكثرة الضّحك، وأخشى على ثماري من السّقوط.‏

توقّفت دودة الأرض عن الدّغدغة، وسألت:‏

-هل نضجت ثمارك؟‏

-أجل.. صار لون خدودها أحمر كشقائق النّعمان، وطعمها حلو كالسّكر، اصعدي إلى سطح التّربة وانظري إليها، إنّها بشوق لرؤية الدّودة الطّيبة، التي حرثت الأرض بأنفاقها، فأدخلت الهواء إلى التّربة، ليزيد خصوبتها.‏

فرحت دودة الأرض، وشقّت دهليزاً ضيّقاً باتّجاه الأعلى. كانت شجرة التّفاح المورقة، تشبه مظلّة خضراء، أمّا تفّاحاتها الحمراء، فكانت تتدلّى كقناديل.‏

ابتسمت التّفاحات، وقلن:‏

-أهلاً بصديقة الفلاّح والشّجر، الحمد لله أنّنا رأيناك قبل أن نُقطف، نحن نشكرك من كلّ قلوبنا، ونرجو أن تبقي صديقة أمّنا الشّجرة.‏

-سأبقى .. سأبقى، وداعاً.‏

ثمّ التفت على نفسها، وقبل أن تدخل دهليزها، لمحت ثوب أفعى صغيرة، ذا لون أبيض مطرّز، اقتربت منه دهشة، قالت:‏

-الله.. يا له من ثوب رائع، سألبسه.‏

صاحت الشّجرة:‏

-دودة.. احترسي، لا تلبسي الثّوب، إنّه لا يناسبك.‏

-لماذا؟.. انظري ما أحلاه.‏

-لا يغرّنّك منظره، إنّه ثوب الشرّ والغدر والخيانة.‏

-لا تخافي يا صديقتي، سأجرّبه.‏

لبست دودة الأرض ثوب الأفعى، نظرت إلى نفسها بزهو، قالت:‏

-يا للروعة.. صحيح أنّه فضفاض، لكنّه مريح.‏

قالت الشجرة متوسّلة:‏

-اخلعيه يا صديقتي الطّيبة، أرجوك.‏

نظرت إليها الدّودة بغضب، قالت:‏

-اصمتي.. أنا أعرف مصلحتي.‏

زحفت الدّودة بلباسها الجديد، سعيدة، فرحة.‏

كانت كلّما قطعت مسافة قصيرة، وقفت تتأمّل ثوبها الجديد بإعجاب، ثمّ عادت للزّحف.‏

تحوّلت الدّودة الطيّبة إلى حيوان مخيف، فالعصافير تطير مذعورة، والحشرات تختبئ عندما تراها، حتّى الضّفادع التي تنقّ على ضفّة السّاقية، صارت ترمي بنفسها في المياه بحثاً عن النّجاة.‏

أصيبت دودة الأرض بالغرور، أحسّت – أوّل مرّة- أنّها لا تحبّ الأرض، فصارت تتسلّق الأشجار تلتفّ على أغصانها، كأنّها تريد خنقها.‏

جاعت الدّودة، نظرت حولها، لمحت شرغوفاً صغيراً على ضفّة السّاقية، زحفت نحوه بانسياب وخفّة، مصدرة صوتاً يشبه الفحيح، وما هي إلاّ لحظات، حتّى لدغته في فخذه، فنقّ، ورمى بنفسه في الماء.‏

تقرّصت الدّودة، وراحت تنتظره، قائلة:‏

-لقد مات، سيطفو الآن على وجه الماء، كورقة يابسة. فجأة.. ظهر الشرغوف على سطح السّاقية، سابحاً ضاحكاً.‏

غضبت الدّودة، حاولت القفز نحوه، لتلدغه مرةً أخرى، لكنّ ثوبها علق بشوكة صغيرة، فانزلقت منه وارتمت على الضّفّة.‏

نظرت الدّودة إلى نفسها، قالت:‏

-ما أعظم غبائي، قضيت عمري تحت الأرض، أخاف الطير والشّمس، صحيح أنّني كنت محبوبة، ولكن ما نفع الحب؟‏

ثمّ توجهّت إلى الثّوب، لبسته، وبدأت تتحرّك لتتخلّص من الشوّكة.‏

وفجأة.. أحسّت بلحمها يتمزّق.‏

لقد رآها الفلاّح، ظنّها أفعى، فهوى عليها بفأسه. تحاملت دودة الأرض على نفسها، مطّت رأسها خارج الثوّب، نظرت إلى شجرة التّفاح، وتمتمت قائلة:‏

-سامحيني يا صديقتي، لأنّني لم أسمع نصيحتك فآثرت الحقد على الحب، لقد نلت جزائي، وداعاً أيتّها الشجّرة الحبيبة، و.. دا.. عاً..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244