المهرّج - خير الدين عبيد

قصص للأطفال - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 05:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكفيف

كنت أراه كلّ يوم.‏

رجل عجوز، يضع نظّارة سوداء، ويحمل عكّازة معقوفة من الأعلى. كان يمرّ من حارتنا، نسمع صوت ضربات عكّازته، على أرض الزّقاق المرصوفة بالحجر، فنقف عن اللّعب، نتأمّله دهشين، حتّى يختفي عن أنظارنا عند المنعطف، آخر الزّقاق.‏

مرةً .. صادفته، كنت برفقة والدي، التفت إليّ، قال:‏

-هذا الرّجل كفيف، لا يرى شيئاً، أعانه الله.‏

بصراحة.. لم أرتح لمظهر العجوز، ذي النظّارة السّوداء، حتّى أنّني لم أقتنع بأنّه أعمى، كان يمشي وحيداً، يقطع الطّريق، يجتاز الحفر ينعطف، أحياناً يقف، يرفع رأسه عالياً، وينظر إلى عصفور مغرّد.‏

اليوم.. حدث أمر مثير.‏

كنت ألعب مع رفاقي، كعادتنا، وبينما نحن نركل الكرة، ظهر العجوز في أوّل الزقاق، كان يمشي ببطء شديد، ويتمايل، كبّطة جارتنا أمّ ياسر.‏

أمسكت الكرة، ووقفنا ننظر إليه، كان صوت ضربات عكّازته على الحجر، يشبه صوت نقّار الخشب، وهو ينقر لحاء الشّجر.‏

فجأة.. تعثّر العجوز بالحجر، الذي وضعناه لنحدّد المرمى وسقط على الأرض.‏

شعرت.. وللمرّة الأولى، أنّني أشفق عليه.‏

رميت الكرة، وركضت صوبه، كان يحبو كطفل صغير، يتحسس الأرض بكفيّه، باحثاً عن العكّازة.‏

عندما وصلت، أمسكت عكّازته، واقتربت منه، قائلاً:‏

-تفضّل يا عم، هذه عكّازتك.‏

أمسك العجوز عكّازته، اتكأ عليها ووقف، ثمّ مدّ يده، وراح يحرّكها، كأنّه يرسم خطوطاً في الهواء.‏

فطنت إلى أنّه يبحث عن رأسي، اقتربت من كفّه، أحسست بأصابعه الحنونة، تمسح برفق على شعري ووجهي.‏

-جزاك الله الخير يا بني، ما اسمك؟‏

-مضر.. مضر عبد العال، أسكن هناك، في أوّل الزّقاق، انظر. وأشرت باتّجاه البيت.‏

ابتسم العجوز، قال:‏

-أهلاً وسهلاً، تشرّفنا.‏

-إلى أين أنت ذاهب يا عم؟‏

-إلى السّوق، سأشتري خبزاً ولبناً.‏

-أتسمح لي بمصاحبتك؟‏

-لا بأس، لن نتأخرّ.‏

أمسكت يده، وسرنا معاً.‏

لم يستغرق مشوارنا أكثر من نصف ساعة، اشترينا الأغراض وعدنا.‏

كنت سعيداً بصحبته، لم أعد أشعر تجاهه بعدم الارتياح، على العكس.. صرت أحبّه كثيراً.‏

عند باب دارنا، أمسكت يد العجوز بقوّة، قلت:‏

-عم.. تفضّل، أبي في الدّاخل.‏

-شكراً لك، سأزوركم في يوم آخر، أنا مستعجل.‏

-أرجوك عم، لا تخجلني.‏

ورحت أقرع الباب.‏

فتح والدي الباب، سلّم على العجوز، ودعاه للدّخول. جلسنا في ساحة الدّار، تحت شجرة الدّراق، نشرب الشّاي ونستمتع بصوت الماء، الصادر عن النّافورة.‏

كانت رائحة الفلّ والياسمين تفوح، كلّما هبّت نسمة لطيفة، أخذ العجوز نفساً عميقاً، قال:‏

-هنّأك الله بهذا البيت، يا أبا مضر، إنّه جميل، فالقناطر الحجريّة فوق الأبواب والشّبابيك، مزخرفة ومنقوشة، السّاحة واسعة ومبلّطة بلونين جميلين، الزّهري والأسود، حتّى الأشجار أنواعها جيّدة، انظر إلى ثمار الدّراق كم هي كبيرة، ماشاء الله.‏

نظرت إلى العجوز دهشاً، قلت:‏

-عم.. كيف عرفت شكل القناطر، ولون البلاط، وحجم الدّراق؟!‏

ضحك العجوز، حتّى كادت الشّاي تندلق من حوافّ الكأس على أصابعه، قال:‏

-اسمع يا صغيري، أنا أرى بواسطة عكّازتي، لكن حينما تعرّفت عليك، صرت أرى بعينيك الجميلتين، فأنت من ذكر لي هذه التفاصيل، أثناء ذهابنا إلى السّوق، هل نسيت؟ ضربت جبيني، بكفّي الصغيرة، وضحكت، ضحكنا جميعاً، بينما كانت رائحة الشّاي الزّكيّة، تعبق بالمكان.‏

-تمّت-‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244