|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 05:09 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
اختفاء اللاعب الصغير مهران تمتد قريتنا على مشارف سهلٍ خيّرٍ يشبه أهل القرية في كرمهم وجودهم وأهل قريتنا يعيشون أسرة واحدة، تربطهم أواصر المحبة والتعاون. اسمي صلاح، عمري يقارب الرابعة عشرة. سأقصّ عليكم حكاية ولد عرفته هذا العام لكنني سأذكره ما حييت، وعند انتهائكم من قراءة القصة ستدركون السبب. أقبلت أيام الصيف حاملة في جعبتها النشاط والتسالي والمتع. ونحن في قريتنا الوادعة اعتدنا أن نستقبل كل صيف فرقة عروض رياضية وألعاب خفّة نرى من خلال عروضها أداءَ حركات تثير إعجابنا، تقيم هذه الفرقة في قريتنا أسبوعاً كاملاً. هذا العام جاءتنا فرقة عرض جديدة تزور قريتنا أول مرة. هيأ أعضاؤها مركز إقامتهم ومسرح عروضهم، وقدّمنا لهم كل مساعدة نستطيعها وأثار انتباهنا فتى يماثلنا سناً بين أفراد الفرقة. سألت أحد رفاقي: من تراه يكون؟ أجاب: ربما ابن رئيس الفرقة، أو ابن أحد الأعضاء. ابتسمنا لـه، فبادلنا الابتسام. أشرنا إليه أن ينضم إلينا فأسرع يستأذن رئيس الفرقة، وبعد قليل جاء. رحبنا به وتعارفنا. اسمه / مهران / ويشارك في عروض الفرقة، كما أنه يتابع تدريباته ليتقن حركات جديدة. قلنا له: بعض فقراتكم خطرة.. رأينا ذلك من عروض فرق جاءتنا من قبل. فأجاب: (رئيس الفرقة يقول التعلّم والتمرّن يسهّلان كل صعب ويمحوان كلمة مستحيل). لم يطل لقاؤنا به، فقد جاء من يستدعيه ومضى مسرعاً. في اليوم التالي باشرت الفرقة تقديم عروضها. وأهل القرية احتشدوا للتمتع بالعروض. كانت الفقرات مذهلة (لاعب يطير من منصة إلى أخرى وآخر يتعلّق برجليه، ولاعب يقطع مسافة مشياً على حبل، وصفقّنا لشاب استطاع أن يلامس رجليه برأسه خلفاً، وأخيراً جاء دور صديقنا مهران فقد قدّم حركات رائعة أجملها اجتيازه عدة حواجز بحركة لولبية). *** وجاء ثانية لزيارتنا. قال إن رئيس الفرقة منحه ساعتين قبل العودة إلى التمرين تقديراً لنجاح فقرته. سُررنا به، دعوناه إلى بيوتنا فلاقى الترحيب والتقدير من أهلنا وفوجئ ببعض أعضاء الفرقة يجالسون رجال القرية، كأن الذي يربطهم ليس متعة مشاهدة العروض فحسب، بل الصداقة. تناول طعام الغداء في بيت صديقي حسان حيث تنوَّعت أصناف الطعام الشهي، وبعدها قُدمت الفاكهة. وعند انتهاء الزيارة أحب حسان أن يهديه لعبة فاعتذر مهران وقال: احتفظ بها، فلا حاجة بي إليها.. ثم رمقنا بنظرة فيها الكثير من الحزن وتابع: (ما أروع الكرم وما أسعد الكرام) وسار خطوات نحو مركز إقامة فرقته، وقبل أن يبتعد التفتَ إلينا وعلى شفتيه ابتسامة حزينة وقال: (إنني مجرّد لعبة. ألا ترون ذلك؟). وانطلق يعدو مبتعداً دون أن ينتظر الرد. تبادلنا نظرات حيرة، وبعد قليل كان كل منّا يسير باتجاه بيت أهله. *** صياح الدّيكة يوقظ نشاط أهل قريتنا، فينهض أصحاب الماشية لرعايتها وأصحاب الأرض لتخديمها بما تحتاج، ما أجمل الحيوية.. أعضاء الفرقة أيضاً يستيقظون باكراً لمتابعة تدريباتهم ومعهم مهران، الولد الذي بدأنا نشعر بحزنه ولا ندري سبب هذا الحزن. وعند الظهيرة، كان أهل القرية ينطلقون بسرعة قصوى نحو حقل تتماوج فيه سنابل قمح اقترب موعد حصادها لكن ألسنة النار أخذت تلتهمها بجنون، وتعبث بعرق وجهد زارعها نتيجة خطأ ارتكبه صاحب الحقل، بعضهم يحمل الماء ويرشه على النار، وآخرون يرشون التراب وجماعة تحاول (بالفؤوس) منع اتصال النار بحقول أخرى. ونحن ساهمنا بحمل الماء وتنفيذ ما يُطلب منّا، وعندما توقفت النار كانت قد أتتْ على سنابل القمح في الحقل، وجلس صاحبه يبكي، فأحاط به رجال القرية مواسين، وما عادوا إلى بيوتهم إلاّ وقد اتخذوا قرار تعويض خسارته كاملة من صندوق الخير (وهو صندوق أُحدثَ في قريتنا لتقديم المساعدة عند الحاجة) خلال هذا الحدث كان مهران معنا، يساعدنا في حمل الماء. وحين انتهينا ربَّت على كتفي، فالتفتُّ إليه، كان على وجهه أثر الهباب الأسود. ابتسم وقال: إذاً ليستْ خسارة أسرة واحدة؟ قلت: بل أسرة واحدة، لأن كل قريتنا أسرة واحدة. قال: (ما أروع التعاون، وما أسعد المتعاونين). وانطلق نحو مركز إقامة فرقته. اجتمعت بأصدقائي بعد ظهر ذلك اليوم. تحدّثتْ إليهم بما دار بيني وبين مهران وأكبرنا مساعدته لنا، وتذكرّنا حزنه الذي لا ندري سببه، فقررنا أن نسأله. سنحضر عصر هذا اليوم عروض الفرقة، ونحاول بعد ذلك لقاءه ومحاورته بصراحة ووضوح. عروض اليوم ابتدأها شاب يمتطي جواداً انطلق بسرعة مذهلة والشاب واقف على سرج الجواد ثم أخذ يقفز يميناً ويساراً ويعود واقفاً. فجأة اضطربت خطواته فتعلقتْ أنظارنا به، وأخذت الصيحات تتعالى داعية لـه ومنبهة، وربّما كانت الصيحات سبباً في ازدياد اضطرابه الذي انتهى بسقوطه أرضاً وقف الجواد وعاد إليه. حدث هذا كلّه خلال ثوان قليلة، وأسرع الحشد من أهل القرية نحوه. كان ممدداً على الأرض دون حراك، فاعتقدنا أنّه مات.. صاح أحدهم: إن قلبه ينبض! إنه حي! إنه حي! وخلال لحظات كانت سيارة الإسعاف تحمله إلى المشفى برفقة رجلين من القرية بينما تبعه رجال آخرون وبعض أعضاء الفرقة في سيارات أخرى.. في المشفى أجري للشاب المصاب عمل جراحيّ، واحتاج كمية من الدم، فتسابق من رافقه في تقديم الدم إليه. وبعد معرفة أصحاب الزمرة الدموية التي تناسب دم المصاب تبرعّوا بما احتاجه من دم وعادوا إلى القرية، بينما اضطر هو للبقاء في المشفى يومين لمتابعة حالته. حزن مهران لحال رفيقه، وحين علم تفاصيل ما جرى، وأنّ نفقات علاجه كاملة تبرع بها رجلان من القرية ابتسم وقال: (ما أروع حياتكم، وما أسعدها). قرر رئيس الفرقة تأجيل العروض إلى أن يتعافى المصاب، وهكذا تمكّن مهران من أخذ قسط وافر من الوقت لـه الحرية خلاله في مرافقتنا. اصطحبناه إلى الملاعب الرياضية في القرية، وسرعان ما شكّلنا فريقين واخترنا حكماً، وابتدأنا مباراة بكرة القدم. بدا مهران لاعباً نشيطاً وفاعلاً. كان حماسه شديداً، وعند انتهاء المباراة سألته: إذاً أنت تمارس رياضة كرة القدم منذ وقت طويل؟. أجاب بحزنه المعروف: إنها المرة الثالثة في حياتي، وفي المرتين السابقتين كان أبي لا يزال على قيد الحياة. اغرورقت عيناه بالدموع، فلم أجرؤ على متابعة حديثي معه خشية انهمار دموعه. مساءً حلّ مهران ضيفاً في بيتنا، ودعوت معه أصدقائي. وككلّ مرة استُقبل بحنان غامر كبير، كان يبتسم ولا تزال غيمة من الحزن تخفي سعادته. خاطبته أمي أكثر من مرة (يا ولدي) وحين كانت تقدم لنا كؤوس الشاي قالت له: أليس والدك معكم في الفرقة؟ يا الله كم ستشتاق له أمك. هذه المرة ما استطاع مغالبة دموعه فبكى. اعتدناه حزيناً إنما هي المرة الأولى التي نراه فيها يبكي. تأثرت أمي كثيراً، وأخذت تعتذر إليه. فجأة نهض مهران وقال: سأحكي لكم حكايتي وكنتُ عاهدتُ نفسي أن أحفظها سراً. قالت أمي: بنيّ لا تفعل ما ليس لك به قناعة، ولا تتحدث بما تحبّ كتمانه. قال: في قريتكم أحبّ أن أحكي حكايتي فمثلكم من يواسي، ومثلكم من يقدر. كان أبي عضواً في هذه الفرقة، يمتطي الحبل ويطير من منصة إلى أخرى يغادرنا منتصف الربيع، ويعود إلينا أواخر الصيف. كنت طفلاً أعيش متمتعاً بحنان أمي وأبي، وما كنت أدركُ مقدار معاناة أبي فهو حين يعود إلينا ينسى ما تحمله من عناء وممّا كسب نلبس ونأكل ونشتري. كم كانت ابتسامته رائعة وهو يعطينا. كنتُ أكره الربيع لأن قدومه يعني رحيل أبي، وقبل أربع سنوات عادت الفرقة وأبي لم يعدْ. سألنا أعضاء الفرقة فأخبرونا أنه سقط بينما كان يؤدي فقرته، وحاولوا علاجه إلا أنه مات. حدث هذا في بلد بعيد ولم يكن بمقدور الفرقة العودة فتدبَّروا أمر دفنه هناك. رأيتُ أمي تبكي كثيراً. كنتُ في الثامنة من عمري. علمتٌ أن بكاء أمي لسببين: موت أبي، وحال الفقر الذي تركنا فيه، فنحن أصبحنا بلا معين، وبلا مورد رزق. قال لها رئيس الفرقة: (ما رأيك لو أدرّبه على تقديم فقرة بسيطة وأصحبه معي؟) خافتْ أمي، ورفضت في البداية فأكّد لها أنه سيدربني على فقرة ليس فيها أي خطر، وأمام الحاجة وافقتْ أمي. أمضيت موسماً كاملاً مع الفرقة أتدرَّب حتى أتقنت الفقرة جيداً. وعندما عدتُ ذلك الموسم أخبروني أن أمي تزوَّجت من رجل لا أعرفه منذ شهرين، وسافرتْ مع زوجها الجديد، وأنها ستعود لتصحبني بعد عام. بكيت كثيراً وانتظرتُ عودة أمي، أقمتُ في بيت رئيس الفرقة، وجاء الربيع ولم تأتِ أمّي ومضى موسم آخر، وعدتُ للسكن في بيت رئيس الفرقة وأمي لم تعدْ. وهاهو عام رابع يكاد يمضي على غياب أمي وما كنتُ أعرف عنها شيئاً. هذا العام أخبرني رئيس الفرقة أنها ترسل رسائل لتطمئنّ على حالي، وأنها تعيشُ مع زوجها وطفلين أنجبتهما بعد سفرها، وهي لا تستطيع الحضور قريباً بسبب البعد وعمل زوجها. اشتقت إليها كثيراً. أما رئيس الفرقة فهو يعاملني بجفاء، وإذا طلبتُ منه مالاً يدَّعي أنّ لـه عندي ديناً كبيراً. لستُ أدري ما هذا الدين، فأنا ما قبضتُ منه أية نقود منذ بداية عملي معه. كان مهران يتحدَّثُ والجميع منصتون، إلاّ أمي فقد بكتْ أثناء استماعها وعندما انتهى قالت له: أرجوك اعتبرني أمك، وإن أردتَ البقاء معنا على الرحب والسعة... نظر إلينا مهران واحداً واحداً، ثم استأذننا بالانصراف، ومضى. قلت لرفاقي: (الآن أصبحنا ندركُ سبب حزنه، وعلينا أن نفعل شيئاً لأجله). فردّ أحدهم: لنروِ قصته لآبائنا، وهم يجدون الطريقة لمساعدته. *** خيوط الشمس الذهبية، صديقة صباح قريتنا أطلَّتْ. ونشاط أهل القرية في تجدّد مستمر. كنتُ في بيتنا حين رنّ جرس الباب. فتح شقيقي، كان رئيس الفرقة عند الباب، فأسرعتُ أستطلع الخبر. بدا غاضباً وسألني: أين مهران؟. قلتُ: مهران! لم أره منذ غادرنا مساء أمس. قال: بل خبأته أنت ورفاقك.. هيا أخبرني أين أخفيتموه. أخذتُ أحلف لـه أنني لا أعلم شيئاً. فقال: سنرى. وتركني ومضى مهدداً متوعداً. شاع الخبر في القرية. لقد اختفى مهران. صدّق آباؤنا أننا نعرف سرّ اختفائه، وحاولوا بالطيب انتزاع اعترافاتنا، ثم بالتخويف. واقتنعوا في النهاية أننا نجهل تماماً هذا الأمر. أما رئيس الفرقة وبعض أعضائها فقد أمضوا يومهم متنقلين من بيت إلى آخر، محاولين استكشاف أية معلومة تدلهم إليه، وكان بحثهم على مدار اليوم بلا جدوى فمهران ظل متخفياً. أمضى أهل قريتنا ليلتهم قلقين لاختفاء مهران، ولأنّه اختفى فقد قررنا (نحن الذين استمعنا لحكايته) أن نتكتّم على ما سمعنا. حتى عندما استجوبني والدي بحضور رئيس الفرقة حول ما دار بيننا أمس، أكدتُ لـه أنّ مهران لم يُشر من قريب أو بعيد إلى نيّته في الاختفاء... وخلال اليوم سعى رجال القرية جاهدين لاكتشاف مكانه، وأيضاً دون جدوى. وحدها أمي كانت تبكي بحرقة، ومع نهاية اليوم كان غضب رئيس الفرقة يتعاظم، فقال لرجال القرية الذين اجتمعوا في الساحة: إن لم يظهر مهران غداً فسأعلم رجال الشرطة. قال أحد الحاضرين: يجب أن تعلمهم. ردَّ رئيس الفرقة: سأتهمكم جميعاً. أنتم أخفيتموه. ذُهل رجال القرية، تبادلوا نظرات الحيرة والدهشة، تقدّم أحدهم خطوات وقال: إن تتّهمنا هذا شأنك، وإن بحثنا عنه هذا شأننا أما أننا أخفيناه فلا يوجد سببٌ واحدٌ يجعلنا نفكّر في ذلك. قال رجل آخر: هل مهران ابنك؟ ازداد غضب رئيس الفرقة، وصاح: ابني أو ليس ابني ماذا يعنيكم؟ ثقوا أنني سأجده ولن تنفع محاولاتكم. قال رجل ثالث: تعقّل يا رجل لا يملك أحدنا فرقة ليضمه إليها فَلِمَ نخفيه؟ ثم ربّما هذه المرة الأولى التي تحضر فيها إلينا إنما أتتْ قبلك فرق، وقدّمتْ عروضها ومضت دون إشكالات. وإن كنتَ تريد إعلام رجال الشرطة فإننا نؤيدك وإن شئتَ نمضي معك. كان الشرر يتطاير من عينيه لشدة غضبه. بعد ثوانٍ انطلق مسرعاً دون أن ينطق بكلمة، وعاد الرجال إلى بيوتهم بين حزين لاختفاء مهران وغاضب لحديث رئيس الفرقة وحائر فيما سمع. ولملمت الشمس خيوط نورها ومضتْ تاركة علائم المساء تقبل. وفي بيتنا بدا أبي حائراً قلقاً. جلس في غرفة المضافة، وبينما كانت أمي تقدم لـه فنجاناً من القهوة تساءل هامساً: تُرى أين أنت يا مهران؟ ما الذي جرى؟ استرها يا رب. حدثته أمي: ما الذي يستطيع رئيس الفرقة عمله إذا لم يحضر مهران؟. أجابها: ليست المشكلة في عمل رئيس الفرقة، المشكلة هي اختفاء هذا المسكين. تُرى هل هرب من ظلم؟ هل تعرّض لحادثٍ نجهله.؟ قلتُ لـه: إن سمحت لي سأبحث عنه غداً مع رفاقي. ردَّ أبي: أين ستبحثون؟ لم نترك مكاناً في القرية إلا استطلعناه. تابعتُ: ربّما نُوفق في بحثنا. دعنا نجرّب. قال أبي بشيء من الانفعال: إننا نقوم بالواجب دون تقصير. قد يكون وراء اختفائه قصة تحتاج حُسن تصرف. الأشياء الكبيرة يا ولدي تُترك للكبار. قلت: كما تشاء يا أبي. سأذهب للنوم. تصبحون على خير. ردَّ أبي وأمي: وأنت بخير. ودخلت حجرة النوم. تمدّدتُ على سريري ومرّت الدقائق وأنا أفكّر بمهران. أكثر من ساعتين مضتا على محاولة النوم ولا فائدة. ما أثار قلقي كثيراً تَذكُّري لأحزانه. صحيح أنه ابن ثلاث عشرة سنة وأنه سافر كثيراً غير أنه دون شك لن يتمكن من مواجهة حياته اعتماداً على نفسه. أين اختفى؟ تذكّرته يقدم فقراته الجريئة، تذكّرتُه يشاركنا ألعابنا، وتذكّرتُ ابتسامته التي تخفي عالماً من الحزن فبكيتُ. أجل بكيتُ لأنني رأيتُ فيه صديقاً أحببت ألاّ أخسره حتى لو تابع رحيله مع الفرقة. أخذت أدعو الله أن يساعده في ما هو فيه. دخلتْ أمي غرفة نومي، وقالت: ألم تنم بعد؟ أجبتها: سأنام الآن. لم تلحظ دموعي. أطفأت النور ومضت، وأنا كعادتي أخذتُ أتلو سوراً قرآنية قصيرة ثم استسلمت للنوم. *** وحضر رجال الشرطة. رئيس الفرقة نفّذ أقواله وأعلمهم باختفاء مهران. سأله الضابط: هل حاول الهرب من الفرقة قبل الآن؟ أجاب: إنها المرة الأولى يا سيدي، لكنّها المرة الأولى التي يرى فيها من يعامله كأهل القرية. إنه مجرّد لاعب خفّة وهم أدخلوه بيوتهم، وأطعموه. قال الضابط: في أي بيوت القرية كان آخر مرة؟ ردّ أبي: كان في بيتنا. أنتَ أعلم بتقاليدنا، نحترم ضيفنا ونكرمه سواء كان لاعب خفة أو عابر سبيل، ثم ألم يدخل هذا الرجل بيوتنا أيضاً؟ قال رئيس الفرقة بغضب: أتقارنني به أنا رئيس الفرقة وهو.. قاطعه أبي: هو إنسان وأنت إنسان، هو ضيف وأنت ضيف. استقبله أولادنا لأنهم أرادوا القيام بواجبهم تماماً كما يفعل الكبار. قال أحد الحاضرين موجهاً كلامه إلى الضابط: يا سيدي أقسم لك إننا قلقون لغيابه وبحثنا عنه كثيراً. نحن نرغب بمساعدته ورئيس الفرقة (سامحه الله) يرغب في اتّهامنا، إنّنا نخاف أن يكون قد حلّ به مكروه. قال رئيس الفرقة: كارثة.. غيابه كارثة.. لا تعلم يا سيدي كم هي خسارتي لغيابه، لقد تعبت عليه، خسرت كثيراً، وفقرته من أكثر الفقرات إسعاداً وجذباً والحقيقة أنه سريع التعلّم. كنّا قد بدأنا ندربه على فقرة جديدة. صاح أحد رجال القرية: إنك تتحدث عن الخسارة وكأنها كل ما يعنيك، متى كانت قيمة الإنسان تقارن بالمال؟ أوعز ضابط الشرطة لرجاله أن يباشروا البحث، فانطلقوا في اتجاهات شتىّ وأنا اجتمعتُ برفاقي، وتحدّثنا عن غياب مهران. قال صديقي أحمد: أخاف أن يكون قد مات. تابع صديقنا جاسم: أو مخطوف. فتحدث سعد: لا تخافوا. إنه ليس ميتاً ولا مخطوفاً. قلت له: ما الذي يجعلك متأكداً؟ اضطرب في ردّه: (أنا.. أنا.. أقول ربّما. لست متأكداً. أنا لا أعرف شيئاً) ثم تركنا ومضى نحو بيته. أما نحن فقد فكرنا في تصرّفه. هل يعرف شيئاً عن اختفاء مهران؟ أسرعتُ أعلم أبي.. بما سمعتُ.. وبعد لحظات سار نحو بيت أهل سعد ومضيتُ معه، وفي بيتهم أقرّ سعد أمامنا بالأمر. قال: مساء ذلك اليوم حين كنّا في بيتكم وقصّ علينا مهران قصّته بقينا عندكم أكثر من ساعة نفكّر في ما قال، وعندما ذهبتُ إلى بيتنا التقيتُ مهران يحمل حقيبة صغيرة ويمشي متسللاً. استوقفته بصوتٍ خفيض، خاف بداية الأمر لكنّه اقترب مني، وأعلمني أنه سيختفي إلى أن تغادر الفرقة، وبعدها سيحاول إقناع أهل القرية السماح لـه بالعيش بينهم، وطلب مساعدتي فاتفقتُ معه على أن نلتقي فجر اليوم التالي عند طرف القرية، حيث رافقته إلى كوخ بستاننا البعيد، فلن يخطر ببال أحد أنه مختبئ هناك، وزوّدتهُ بكمية من الطعام على أن أزوره اليوم، لكن وبكل أسف يبدو أنّني لن أزوره وحدي. وبكى سعد فعاتبه والده: (ما كان يجب أن تتصرف بمفردك، ثم ما هي قصة مهران؟ ماذا تعرفون عنه؟). قلتُ لأبي: سنخبركم بالتفصيل، إنما مهران ينتظر الآن مساعدتنا، تبادل أبي وأبو سعد النظرات، وقال أبي: الحمد لله. المهم أنّه بخير. قلت لـه: هل ستعلمان رئيس الفرقة، ورجال الشرطة بمكانه؟ هزّ أبي رأسه. خاطبه أبو سعد: رئيس الفرقة يتحدث دائماً عن خسارته الكبيرة. ما رأيك لو نعرض عليه مبلغاً من المال على أن يترك مهران وشأنه. وليبقَ بين أبنائنا؟ قال أبي: وهل تظنه يوافق؟ ردّ أبو سعد: نحاول. وإن وافق يشترك أهل القرية في دفع المبلغ الذي يريده. تنهّد أبي وقال: باركَ الله فيك. ما أقسى أن يستعبد الإنسان.. صاح سعد: إذاً مهران سيبقى؟ أجاب والده: اذهب إليه وطمئنه أننا سنحاول جاهدين مساعدته. وليبق هناك حتى نرسل إليه. ثم حدّث أبي: والآن. هيا بنا فأمامنا ما نفعله. لا شك أن رجال الشرطة عادوا من بحثهم بلا جدوى، فالبستان بعيد ولن يخطر ببال أحد أن يختفي ولد هناك. انطلق أبي وأبو سعد نحو بيت المختار، وتبعتهما. بينما اتّجه سعد بسرعة نحو أطراف حقول القرية حيث يمتدّ بستانهم الأخضر. كان الصمتُ سمة مجلس الرجال وهم يترقبون عودة آخر شرطي، وبعد دخول والدي ووالد سعد بقليل اكتملتْ عودة رجال الشرطة والجواب واحد: لا أثر لمهران. كاد رئيس الفرقة يفقد صوابه: (ماذا أفعل، خسارة.. خسارة، يجب أن أبقى هنا وأُتابع البحث حتى أجده. أنتم لا تعلمون معنى غيابه. غيابه خسارة كبيرة للفرقة. أربع سنوات وأنا أتعبُ وأخسر عليه. لا شكّ أنه هرب. ما عساني أنتظر منه؟ ولد يتيم الأب وأمه تزوّجتْ وتركته تكفلته اعتقاداً مني أنه سينفعني في المستقبل. كم كنت مغفلاً). قال ضابط الشرطة: ما سمعتك تتحدّث إلا عن الخسارة والمال. أهذا كلّ همك؟ تابع أبي: إن كان هذا همك نحن مستعدون لدفع تعويض لك عن خسارتك ونترك مهران يعيش بين أبنائنا. فكّر رئيس الفرقة قليلاً: وكم ستدفعون؟ قال المختار: أي تعويض؟ نريد الاطمئنان هل هو على قيد الحياة؟ هل.. قاطعه أبو سعد: رئيس الفرقة مستعد للمساومة وأنا اتفقتُ مع عبد الله على دفع التعويض فمن شاء منكم ساهم. صاح الجميع: كلنا نساهم. كلنا نساهم. اصطحب أبي ضابط الشرطة خارجاً، وأعلمه سر اختفاء مهران، والنية في تخليصه. فاستأذن الضابط بالانصراف على أن نعلمه بكل جديد. وانسحب رجال الشرطة. بقي في المجلس رئيس الفرقة ورجال القرية وبعد قليل حدّد رئيس الفرقة المبلغ الذي يريده تعويضاً، ثمّ ترك المجلس وانصرف.. تاركاً الرجال للتشاور. أخبرهم أبي بما سمع منّي ومن سعد. استأذنتهم في قص حكايةُ مهران على مسامعهم، ورحت أسردها. كان الرجال منصتين متعاطفين. وعندما أنهيتُ الحكاية أبدى الجميع استعدادهم للمساهمة وأخذوا يفكّرون في ما يمكنهم فعله لتعويض مهران عن سنين الحرمان والحزن ومنحه فرصة متابعة تعلّمه في المدرسة إن شاء. استمرّ اجتماع الرجال وقتاً كافياً ليصل سعد إلى البستان، ويقصّ على مهران ما جرى. ولم يتفرّق الرجال حتى وقف بباب المجلس وإلى جانبه سعد. كانا يلهثان تعبين، ألقى مهران التحية، وتقدم خطوات وقال: (بينكم أحسستُ أنني إنسان وفي قريتكم تعلّمتُ أن للإنسان قيمة لا تُقدّر بمال، لقد زرتُ بلداناً كثيرة مع الفرقة، كنّا نعرض مهاراتنا أمام الناس فيملؤون جيب رئيس الفرقة مالاً، ونبقى في نظرهم مجرّد أصحاب مهارات نتكسَّب من خلالها، أما هنا فأنا هربتُ لأنني أحسستُ بالفرق فأنا بينكم إنسان. لم يسألني أحدكم من أبي، من أين أنا. وهذا مما أثار حبيّ وتعلقي بكم. رأيت عندكم كرماً لا حدود لـه وكأنما يولد معكم لأنني وجدتُه في أصغر أبنائكم. رأيت لهفتكم في كل ما تتصرّفون. تمنيّتُ أن أكون ابن أحدكم وأن أعيش بينكم لهذا هربتُ وخلال اليومين اللذين قضيتهما وحيداً فكَّرتُ في أن هربي ضعف، والوفاء أن أبقى مع رئيس الفرقة الذي أسكنني بيته بعدما فقدتُ أمي وأبي. أجل، إنه يحب المال كثيراً إنّما هذا شأنه. والذي زاد تصميمي على العودة هو ما اجتمعتم من أجله. ما ذنبكم لتتحملوا أعباء هربي، إنني أشكركم جميعاً وأرجو أن تسامحوني فقد سببتُ لكم المتاعب. إنما أرجوكم إن أردتم إسداء خدمة لي أن تقنعوا رئيس الفرقة في تحديد عدد السنين التي أدين بأجرها لـه لأكون بعدها حراً). قال المختار: يا ولدي. ستبقى بيننا، ستعيش كأولادنا. لقد اتّفقنا مع رئيس الفرقة. فقال مهران: اعذروني أرجوكم فأنا لن أستطيع البقاء. في هذه الأثناء دخل رئيس الفرقة، وعندما رأى مهران أخذ يشتمه. فتقدم إليه مهران معتذراً وقال مشيراً إلى رجال القرية: هؤلاء علّموني الوفاء وأعدك أمامهم ألا أكرّر فعلتي. قال أبي لرئيس الفرقة: مهران مُقرّ بإحسانك إليه. إنما يودّ لو تحدّد لـه مدة بقائه معك وفاءً للدّين الذي لك في ذمّته. ردّ رئيس الفرقة: كنت أفكّر في بقائه معي دائماً. إنه يسكن في بيتي بعد انتهاء موسم عروضنا. أما إن كان يفكر في تركي فله ما يريد بعد انقضاء ثلاثة مواسم أخرى. ابتسم مهران وقال: شكراً لك. شكراً لكم جميعاً. بدا مهران سعيداً فخاطبه رئيس الفرقةُ: هيا، سنغادر القرية صباح غدٍ رفيقك غادر المشفى وأصبح بوسعنا الرّحيل. ثم التفتَ رئيس الفرقة إلى رجال القرية وقال: (لا أنكر أنني وجدت عندكم ما لم أجده عند غيركم من تكريم وألفة رائعة لكن اعذروني إن بدوت قاسياً فحياة السفر والاغتراب أورثتني هذه الطباع. أعدكم أن أغيّر تعاملي مع مهران وكل أعضاء الفرقة. شكراً لكم على ما قدمتموه من مساعدة). خاطبه مهران: لي رجاء أن نبقى ساعتين صباح الغد نقدّم عرضاً مجانياً أخيراً تعبيراً عن شكرنا. قال رئيس الفرقة: لا أُمانع. لك ما تريد على أن نقيم هذا العرض ونرحل بعد ذلك. قدّمت الفرقة آخر عرض لها، وحين أتموّه أخذوا يستعدون للرحيل. التفت مهران إلينا وقال: سأعود ذات يوم فأنا حين أكبر سأشكل فرقة خاصة أطوف بها البلدان وأعدكم بأن أعدّ فقرات من وحي عاداتكم وما رأيت في قريتكم أقدمها للناس أينما ذهبت. إنني سعيد لأنني أرى ابتسامات الناس وإعجابهم وهم يشاهدون عروضنا فالبسمة رائعة والفرح جميل. جعلتموني أحس أن لوجودي قيمة. شكراً لكم. لن أنساكم. انطلقت الفرقة عبر الطريق الخارج من القرية، كان مهران يلوّح لنا مودّعاً وعندما غابت الفرقة أحسست برغبة في البكاء فأنا سأذكر دائماً الفتى مهران الذي استطاع أن يقاوم أحزانه ويدخل البسمة إلى قلوب الناس. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |