حفل خاص على شرف الوالي - د: حمدي موصللي

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:38 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

البلاد والعباد في أحسن حال؟..‏

المكان : سراي الحكومة.. قاعة الوالي..‏

مكتب الوالي : عبارة عن قاعة مؤثثة بترف وثمة طاولة من الزان المرصع بالصدف، والكراسي محفورة ومزخرفة (أرابسك)، وبعض الصور المعلقة تمثل الولاة أو الأسر التي حكمت البلاد وبينها صورة السلطان الأعظم وعائلته.. التمثال /المنيكان/.. في وضعية جديدة.‏

المنظر : الوالي وقد بدا عصبياً، إلى جانبه وقف ميمون يقدم له الشراب تارة وأخرى يرتب له هندامه أو يزيل له بقايا الشعر عن شحمتي أذنيه وحواجبه‏

الوالي : (بألم يصرخ) أخ.. كم مرة قلت لك انتبه، وأنت تقوم بقلع شعر أذني‏

(يمسك بيدي ميمون ويقلبها بقرف)..‏

ادهن يديك بدهن الزنجبيل والليمون لكي تصبحا أكثر طراوة وأكثر نعومة..‏

ميمون : أمرك مطاع يا مولاي‏

(يدخل الحاجب)‏

الحاجب : النساخ في الباب يا مولاي‏

الوالي : (يدفع عنه ميمون).. أخ.. بهدوء يا حمار.. (للحاجب) أدخل النساخ في الحال‏

(بعد لحظات يدخل النساخ حاملاً صينية نحاسية وعليها مجموعة من التقارير والخطابات مختلفة الحجم يضعها أمام الوالي على الطاولة)..‏

النساخ : البريد الصباحي يا مولاي‏

الوالي : بلا مقدمات.. ابدأ بقراءة التقارير‏

النساخ : أمرك يا مولاي.. (بصوت مرتفع نسبياً).. تقرير معالي وزير الولاية، وفيه يشرح بدراية وعناية الحالة الاقتصادية للولاية.. في هذا الشهر كالعادة ومثل كل شهر..‏

والينا الكريم يا سدة المجد العظيم.. أحوال البلاد وصحة العباد في أحسن حال..‏

حماها الله من أعين الحساد.. الزراعة في أحسن حال والصناعة والتجارة.. عال العال.. (يتوقف ليأخذ نفساً).. والحاشية والأعيان في أحسن حال..‏

الوالي : (مقاطعاً) كفى أعرف بقية الديباجة.. التوقيع وزيركم المطيع.. أليس كذلك؟‏

النساخ : (يهز رأسه).. نعم يا مولاي.‏

الوالي : أشتهي مرة واحدة، أن يقول وزيري الحقيقة.. تصوروا.. الجفاف يعم البلاد منذ سنوات ويقول عن الزراعة هي في أحسن حال؟!.. اقرأ التقرير الذي يليه يا نساخ‏

النساخ :تقرير صاحب الشرطة (والسر خفية)(1).. عن الحالة الأمنية بالخفية.. (يقرأ بصوت خفيض والوالي يهز رأسه، والذي يند إلى أسماعنا كلمة عال العال)‏

الوالي : (بالعامية وبهمس حذر)..(*) أخو حفيانة.. كل البلاد آمنة؟!.. الطرقات.. الشوارع.. الأزقة.. الأسواق والحوانيت والبيوت.. (لنفسه ساخراً).. عال العال‏

(ميمون يشارك النساخ القراءة عن ظهر قلب)‏

ميمون+النساخ : (بصوت واحد)..‏

بجهد ودأب ونشاط.. نظفنا الولاية من أصحاب السوابق وأهل النفاق والشقاق.. البصاصون في كل مكان يراقبون الداخل والخارج.‏

الوالي : (متابعاً بسخرية).. والسراي وقصر الوالي.. وحرملك وسلملك الوالي، وجيوب الوالي وضيوف الوالي.. هذه حال الدنيا.. تابع يا نساخ بقية التقرير بانشراح..‏

النساخ : هناك شكوى في تقرير صاحب الشرطة..‏

الوالي : (بنزق).. أعرفها.. عن الشوارع والمتاريس والحواجز..‏

النساخ : لا يا مولاي‏

الوالي : إذن عن السجون.؟‏

النساخ : (يقاطعه).. تقريباً يا مولاي‏

الوالي : (يفكر قليلاً).. أيها النساخ‏

أصدر أمرنا إلى صاحب الشرطة واعلمه أننا ندرس استيعاب السجون أليست هي شكواه يا نساخ؟‏

النساخ : (بدهشة).. بلى يا مولاي..‏

الوالي : (بدهاء واعتداد).. ألم أقل لكم (أخو حفيانه).. التقرير الذي يليه يا نساخ‏

النساخ : تقرير قاضي الولاية، وفيه وصف عن أحوال العدل والعباد بدراية..‏

الوالي : سبحان الله.. هذا الرجل معقد بالفطرة.. أعرف حديثه عن الرشاوى والفساد الذي دب في أوصال العباد.‏

النساخ : (متابعاً بهمس غير مفهوم ثم ينهي القراءة بصوت مسموع).. التوقيع خادمكم المطيع.. قاضي البلاد العتيق..‏

الوالي : والآن يا نساخ بعد أن اطمئن قلبي على أحوال العباد.. ابدأ بقراءة الخطابات أريد سماع الأخبار السارة، وأرجو أن تكون هذه المرة.. حلوة وليست مُرّة‏

النساخ : خطاب خاص من سلطان البلاد.. وإلى والي الولاية..‏

(ينظرون إلى التمثال وينحنون)‏

الكل : (بصوت واحد).. حفظه الله ورعاه..‏

الوالي : تابع يا نساخ ما جاء في الخطاب.. أنا بشوق لسماع خطاب السلطان‏

(ينحنون)‏

الكل : (بصوت واحد).. حفظه الله ورعاه..‏

النساخ : (يتابع).. إلى والي الولاية.. يشكركم السلطان بخصوص الهدايا والعطايا، ويعلمكم بقبولها بمحبة ودراية شريطة الزيادة.. (ينحنون)..‏

الكل : (بصوت واحد).. حفظه الله ورعاه..‏

الوالي : (وهو يرفع رأسه ويهزه وقد نسي نفسه)..‏

وي.. وي. يا لطيف؟!.. بالوعة.. يلعن الفاطس من أهله‏

(حالة من الارتباك تبدو على النساخ.. ينتبه إليه الوالي.. تتغير حالة التمثال)‏

هل سمعت يا نساخ ما قلته عن سلطان البلاد من محبة وطيب الكلام..؟‏

النساخ : (بخوف) لم أسمع شيئاً يا مولاي!!‏

الوالي : (بالعامية).. عفارم.. تابع‏

النساخ : خطاب خاص من صديقكم الوالي المخلوع عن ولايته قبل سنة وأسبوع.. يشكر فيه حسن استقبالكم وضيافتكم له، ولزوجته شهبا الشموع.‏

الوالي : (يخطف منه الخطاب) بروتوكوله كان متخلفاً فعزل بسرعة.. على كل حال الناس للناس يا نساخ (لنفسه).. من يدري قد يكون الدور القادم علينا.. تابع يا نساخ‏

النساخ : لم يبق في الصينية إلا هذا الخطاب‏

الوالي : الأخير..‏

النساخ : (على مضض مطأطئ الرأس).. إنه يا مولاي‏

الوالي : (يقاطع النساخ).. إنه الخطاب الذي يخص الرعية.. أليس كذلك؟‏

النساخ : نعم يا مولاي..‏

الوالي : (برقة وعذوبة).. يا نساخ.. يا نساخ.. لماذا تستكثر علي خطاب الرعية.. ماذا فعلت لك الرعية حتى تتجاهل خطابها؟.. هو خطاب واحد.. واحد يا نساخ ألا تخاف الله يا نساخ؟!.. الله واحد يا نساخ..‏

النساخ : (بخوف ودهشة) معاذ الله يا مولاي.. أنا العبد الفقير إلى الله أفعل ذلك..!!‏

الوالي : (يستمر بالمعاتبة) سامحك الله يا نساخ.. ماذا تقصد من وراء فعلتك هذه؟..‏

النساخ : (بذهول).. أنا يا مولاي!!.. استغفر الله‏

الوالي : أنت متآمر على الشعب‏

النساخ : (بتلعثم وارتجاف) أنا!!.. أنا متآمر يا مولاي؟!..‏

الوالي : نعم.. (برقة وحنين في الصوت).. هؤلاء الرعية المساكين.. أبناء شعبي الأمين أنا من أجلهم أصبحت والياً، ومن أجلهم أدفع حياتي وثروتي وممتلكاتي، ومن..‏

(يقاطعه ميمون ويتابع المزاودة)‏

ميمون : ومن أجلهم أنا مستعد أن أقاتل الشيطان.. إنهم رعيتي.. ورئتاي اللتان أتنفس بهما‏

الوالي : (بالعامية وباعتداد).. شفت يا منظوم.. (يشير إلى ميمون) هذا عينة من أبناء شعبي‏

(تصفيق حاد من ميمون يشاركه النساخ على مضض.. وبخطابية الوالي يتابع)‏

لولاهم أكون أو لا أكون؟. من أنا أصلاً..؟. مجرد وال.. أي نعم وال.! هل يعقل أن أكون والياً بلا رعية؟!..‏

(للنساخ).. أنت عديم الأصل يا نساخ.. عديم الأصل..‏

النساخ : (بغرابة).. كل مرة أحاول فيها قراءة خطاب الرعية ترفض سماعه يا مولاي..!!‏

الوالي : صحيح.. ولكن للضرورة أحكام.. (يرتبك قليلاً).. هذه المرة أصبت.. أتعرف لماذا كنت أرفض الاستماع إليها؟‏

النساخ : للضرورة أحكام يا مولاي..‏

الوالي : لا..‏

النساخ : (بدهشة) لا..؟! أنت قلت ذلك؟!‏

الوالي : وهل صدقت ذلك؟‏

النساخ : (بذهول.. لا يعرف ماذا يجيب)..‏

الوالي : أجب على سؤالي يا نساخ.‏

النساخ : (في حيرة).. لا أعرف الجواب‏

ميمون : (متدخلاً).. مولاي أعطني فرصة أساعد فيها النساخ على فهم الحقيقة‏

الوالي : (يسأل بهمس) عن أية حقيقة تتحدث؟..‏

ميمون : التي من أجلها كنت ترفض قراءة خطابات الرعية‏

الوالي : (بارتياح.. وجد من ينقذه من هذه الورطة) بكل سرور يا ميمون.. اسمع يا نساخ لميمون فلديه الجواب الذي يشغل بالك (يهمس لميمون) انتبه لكلامك.. وإلا‏

ميمون : (يهز رأسه وبنبرة خطابية يسترسل) كان مولاي دائماً يقول: يا ميمون.. لن أقرأ خطابات الرعية حتى أحقق لها ما ترغب وتتمنى.. كيف أقرأ خطاباتها وأنا لم.. (بحزن كاذب) لم أحقق لها إلا القليل من طموحاتها.. لدينا الكثير لنعمل لها.. لم لا نحول الخطابات إلى مشاريع عمل يا ميمون؟.. لم لم نحول الأحلام إلى يقظة.. الساكن إلى متحرك..‏

الوالي : (مدهوشاً ينظر للتمثال بحذر.. يهمس لميمون) الساكن إلى متحرك.. يا ميمون؟!‏

ثم أنا قلت كل هذا يا ميمون يا ابن آل..!! من يصدق ذلك؟!‏

ميمون : (النساخ).. ألا تصدق هذا يا نساخ؟‏

النساخ : نعم.. ولم لا أصدق..!!‏

ميمون : (بالعامية).. شفت يا مولاي.. حتى النساخ صدق..‏

-(.. ميمون يتابع الاسترسال الكاذب..)‏

تا لله تضحية ما بعدها تضحية.. مولانا يكره الخطابات.. يقدس العمل.. يحب الصعود ويخاف السقوط.. مولانا (يقاطعه)..‏

الوالي : كفا يا ميمون.. هذا واجبي حيال شعبي، ومن العيب التحدث عن الواجب، ولا تنسى عطوفة السلطان.. (ينحنون)‏

ميمون : (يتزلف) أصلاً لولا السلطان الذي وجد فيك الوالي الصالح لما ولاك‏

(يلتفت نحو النساخ) يا سلام.. الدنيا بخير يا نساخ..‏

الوالي : هل فهمت يا نساخ السبب (بانشراح) هيا.. هيا يا نساخ اقرأ علينا خطاب العامة‏

النساخ : (يقرأ بدهشة) والينا الكريم.. يا باني مجد الولاية العظيم.. شعبك الذي يهنأ بك ويشمخ بك عزة وكرامة.. (يقاطعه الوالي)..‏

الوالي : (بانشراح).. اسمع يا ميمون: إن بعض الظن إثم..‏

النساخ : (متابعاً).. مولانا الوالي.. نحن على يقين من أن ما يخبرك به الزبانية وأصحاب النفوذ في الحاكمية.. هو عارٍ عن الصحة.. انزل يا مولاي إلى الحارات والساحات والأزقة.. لتعلم حقيقة ما يعانيه الناس.. من فقر وجوع وقهر وإذلال.. انزل لترى الناس ينبشون حاويات الزبالة.. ويبيعون أجسادهم على الرصيف.. إنه الرغيف ومن أجله.. ضاع الضمير. تلوث الهواء بالفساد.. بالرشاوي.. أصبح الحق باطلاً والباطل...‏

الوالي : (مقاطعاً بحدة) كفى يا نساخ بدأ هذا الخطاب يثير أعصابي.. كم مرة قلت لك لا تقرأ في حضوري وعلى مسمعي خطابات العامة.. (يدير ظهره بانزعاج)‏

النساخ : (بين الدهشة والخوف).. مولاي؟!‏

الوالي : (وظهره للنساخ).. على الخازوق يا نساخ‏

النساخ (برعب) لماذا..؟!‏

ميمون : (متدخلاً وبصوت خافض).. هيا.. هيا يا نساخ.. اخرج في الحال لقد عكرت مزاج الوالي..‏

النساخ : (بذهول وهمس).. لكنه الخازوق؟!‏

ميمون : قلت لك اذهب في الحال قبل فوات الأوان.. وادع الله أن يمد بعمر مولانا حامي حمانا وأن يجعل لك مخرجاً من شر الخازوق.‏

(النساخ في حالة لا يحسد عليها.. يخرج بسرعة وارتباك وهو غير مصدق يجمع أوراقه في الصينية، ويتأبط بخيط شرواله الذي انحل زناره..)..‏

الوالي : (وظهره لميمون).. هل غادر النساخ القاعة يا ميمون؟‏

ميمون : نعم.. لقد خرج يا مولاي‏

الوالي : (يستدير).. وحالته‏

ميمون : في أصعب حال.. اصفر وجهه.. وبدأ جسده يرتجف وشعره ينتفش ويداه تنكمش ولسانه ينعقد.. خرج يحمل شرواله الذي انحل زناره..‏

الوالي : من شدة الخوف..؟‏

ميمون : بل من شدة الصدمة‏

الوالي : الصدمة؟!.. تقصد الخازوق يا ميمون؟‏

ميمون : لا..‏

الوالي : إذن؟‏

ميمون : الحقيقة..‏

الوالي : حقيقة ماذا؟‏

ميمون : حقيقة العباد والبلاد، وما آل إليها في عهدكم من فساد‏

الوالي : (بغضب).. ماذا تقول عن عهدي الميمون.؟!.. يا ميمون الوالدين؟‏

ميمون : (بشيطنة).. أقصد الخير والتسامح والوداد.. يا والي العباد‏

الوالي : (بغباء مقصود).. إلى هذا الحد الحقيقة تفعل فعلها بشراويل الناس‏

ميمون : بل وأكثر يا مولاي‏

الوالي : لم أفهم؟‏

ميمون : تعريهم حتى العظام‏

الوالي : (بفزع) يا لطيف.. بت أخاف يا ميمون؟!‏

ميمون : تخاف مم..؟! ثم إن الولاة لا يلبسون شراويل العامة.. فعلى ماذا تخاف يا مولاي؟‏

الوالي : (يتماسك) صحيح..! على ماذا أخاف؟!.. فأنا ألبس شروالي الخاص بالولاية الذي منحني إياه السلطان يوم ولاني (يضحكان.. تتغير حالة التمثال فيبدو مسروراً).‏

إظلام‏

(1).. للشاعر محمد أبو الشاذلي-من أشعاره الصوفية- راجع قول على قول ص 85 للمؤلف حسن سعيد الكرمي..‏

(2).. (السر خفية).. تعبير تركي الأصل، ويعني.. رجال الأمن السرية (المخابرات).‏

(*).. ابن زنوة: شتيمة (مسبة).. المعنى المراد به: ابن الزانية..‏

(*).. أخو حفيانه: لقب يستخدم لدى العامة في بلاد الشام.. يطلق على الرجل سلباً أم إيجاباً.. كأن نقول: رجل داهية.. أخو حفيانة.. أو نقول: رجل زنديق أخو حفيانة.. ويمكن أن يطلق على المرأة كذلك.. بنت حفيانة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244