حفل خاص على شرف الوالي - د: حمدي موصللي

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:38 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث

المشهد الأول‏

الأغبياء هم وحدهم الذين يقلمون أوراق الشجر حتى يستظلون‏

المكان : السراي.. قاعة الوالي‏

المنظر .. الوالي وميمون وحالة من الترقب والحذر‏

ميمون : (يقدم الشراب للوالي) تفضل يا مولاي واشرب لتروح عن نفسك وتبدل مزاجك‏

الوالي : (يتناول الكأس وينظر إليها ويقربها من فمه ثم يبعدها ويقذف بها بعيداً).. ميمون‏

ميمون : (بخوف) أمر مولاي!!‏

الوالي : صاحبك المهرج يتغيب كثيرا هذه الأيام‏

ميمون : قد يكون مريضاً يا مولاي؟‏

الوالي : مريض..؟! لم لم تسل عنه؟.. أليس صاحبك؟‏

ميمون : نعم.. ولكن لست متأكداً من أنه مريض بعد؟‏

الوالي : (بعد لحظة تفكير).. ماذا تعرف عن صاحبك المهرج؟‏

ميمون : طيب وبسيط.. لا أهل له ولا قريب.. مهرج يضحك ويسلي. لكنه من الداخل حزين. مثل كل مهرجي الدنيا.. هذا ما أعرف عنه.‏

الوالي : إذا لا تعرفه جيداً.‏

ميمون : (مجاملا بلطف).. وهل تعرف عنه يا مولاي أكثر مما أعرفه أنا..؟‏

الوالي : (يهز رأسه بالموافقة، وهو يحدق فيه).. الكثير يا ميمون‏

ميمون : (محاصرا بنظرات الوالي..) بالتأكيد أنت الوالي، ومن يعرف الرعية أكثر من الوالي..-بعد فترة صمت حذرة..‏

الوالي : (يناور بخبث) ماذا لو قلت لك إني أعرف عنه تفاصيل دقيقة تصل حتى الأشياء التي يحتفظ بها لنفسه سراً..؟‏

ميمون : (يبدي إعجاباً خاصاً) أوه..!! بالتأكيد يا مولاي، وإلا كيف أصبحت والياً!! .. لو تحدثني عن بعضها..‏

الوالي : (يحك رأسه من تحت العمامة) أخ.. مثلا لديه قمباز أحمر لا يستعمله إلا للنوم‏

ميمون : (بإعجاب عفوي) صحيح!.. (كمن يتذكر).. ولا يملك غيره أصلاً..؟! وأحياناً يرتديه في القاعة وفي أكثر المناسبات!!.. يا مولاي أريد شيئاً لا أعرفه عنه وتعرفه أنت؟!‏

(يقطع الحوار دخول الحاجب)‏

الحاجب : (ينحني).. مولاي كبار أعيان البلد في الباب‏

الوالي : (يهب واقفاً، وبصوت خفيض).. لنؤجل الحديث عن المهرج إلى وقت آخر‏

(قبل أن يخرج).. كالعادة رحب بهم يا ميمون ريثما أهيئ نفسي لاستقبالهم..‏

(يخرج من الباب الثاني)‏

(يدخل شهبندر التجار وخلفه شيخ العشائر وخلفه شيخ الكار.. يستقبلهم ميمون بالترحيب والتهليل ويدعوهم للجلوس.. فيجلس شهبندر التجار وإلى جانبه شيخ العشائر وبالمقابل يجلس شيخ الكار.. نلاحظ النفور والتوتر باد على الجميع وخاصة شيخ الكار..)‏

ميمون : (مرحباً بإعجاب).. أهلا بسادة البلد.. أهلاً بالزعماء.. حللتم أهلاً ووطأتم سهلاً.. دار السراي تفتح قلبها لكم..‏

الشهبندر : (يمد يده إلى زناره ويخرج قطعة نقدية ذهبية).. هي لك.‏

ميمون : (يخطفها بسرعة ويقبلها، وبخبث).. لماذا العذاب.. (يدعو له).. إلهي تزيد في ثروته.. ثروة.. وتعلي جاهه.. جاهاً.. وتنصره على الحساد وأولاد الحرام..‏

ش. العشائر : (بغيرة.. يرفع من صوته).. لك من النعاج ثلاث مع خرافها ومن الماعز واحدة حلابة ومعها تيسها.‏

ميمون : (يفتح عن صدره ويدعو له).. بجاه الحلابات لا تردهم خائبات.. بيارق النصر ترفرف وتنصر شيخنا في كل غزو على أعدائه، وأصدقائه، وأقربائه، ومن توسوس له نفسه، بأن يقف في وجهه وأطماعه.‏

ش. العشائر : (بارتباك يكلم ميمون) تقصد بدل أطماعه.. أحلامه يا ميمون أليس كذلك؟‏

ميمون : أنت أدرى يا شيخ.. (يرمق شيخ الكار بنظرة لؤم)..‏

ش. الكار : (بارتباك).. الحقيقة لم يخطر ببالي أن تكون هنا وفي استقبالنا..‏

ميمون : (بخبث).. معقول!.. على كل حال ما تجود به علينا مقبول يا شيخ الكار.‏

ش. الكار : ثلاثة قدور نحاسية للطبخ هي لك.‏

ميمون : للطبخ!.. قالوا لك عني أني في قصر الوالي أطبخ؟!.. لا والحمد لله الخير وفير.. الخدم والحشم في قصر والينا كثير.. فلا أحتاج للطبخ يا شيخ الكار.‏

ش. الكار : هذا ما أملكه.‏

ميمون : (مراوغاً).. إذا كنت مصراً فلا مانع لدي.. هديتك مقبولة.. الله يرزقك.‏

ش. الكار : (بغرابة).. ولكنك لم تدع لي مثل دعاء الشهبندر وشيخ العشائر؟!..‏

ميمون : (ساخراً).. على قدر العطايا تمنح البركات.. وبركاتك يا شيخ ما شاء الله (يدخل الوالي مبتسماً وقد غير من هندامه وزينته.. الجميع يقف وينحنون باحترام بينما ميمون يهرع لاستقبال الوالي على الطريقة العامية المعروفة..)‏

يا مرحبا.. يا مرحبا.. سراج نور طل علينا.. وبستان فواح عطر حولينا وبيرق نصر مرفوع لوالينا، ويا ويله الذي يعادينا.. والذي يحب النبي يصلي عليه..‏

(.. الكل واقفون: بصوت واحد: اللهم صلي عليه)..‏

الوالي : (مبتهجاً ومرحبا) .. يا هلا ومرحبا.. (لميمون).. هل قمت بواجب الضيافة؟‏

ميمون : رحبت بهم ودعوت لهم..‏

(يهزون الرؤوس بالموافقة)‏

الوالي : (يشير لهم بالجلوس) جميل.. وهل قدمت لهم الشراب ؟‏

ميمون : إلا الشراب.. (ينحني وبخبث يقول: من عادة مولاي أن يتناول الشراب مع ضيوفه‏

الوالي : رائع..! (مجاملا الحضور).. ميمون مثل كل الذين يعملون برعايتي.. فهو خدوم ويفهم الأصول.. (لميمون).. اكرم علينا بعصير البرتقال.. أو ما ترغب به‏

ميمون : بركاتك يا مولاي.. شراب السوس المحلي بعطر الورد يمسك البطن، ويطرد الغازات‏

الوالي : ليكن.. فالمعدة تعبانه.. (للحضور).. ما رأيكم؟‏

(يهزون الرؤوس بالموافقة)..‏

ميمون : "التمر هندي" المحلى بماء الزهر والقرنفل يزيل الضغط ويهدئ الأعصاب.. ما رأيكم؟‏

الوالي : عظيم.. فأنا أشعر بالضغط (ينظر بجحوظ إلى الجميع).. وبتوتر الأعصاب، فويل للذي يزعجني.. (يبتسم للجميع.. الجميع يبادره الابتسامة بخوف).. ليكون شراب "التمر هندي" يا ميمون.‏

ميمون : الزنجبيل. شراب الزنجبيل.. فهو يطري المصران، و..(يقاطعه الوالي) يعقد اللسان..‏

الوالي : (بانفعال).. السوس يا ملعون وبسرعة..‏

ميمون : أمر مولاي مطاع‏

الوالي : والآن يا سادة.. بلغني أنكم على خصام بسبب الحمير‏

(الجميع ينهض، والكل يريد الكلام.. تتعالى الأصوات)‏

الوالي : واحد.. واحد يا جماعة‏

(يستمر الصخب.. الوالي وقد ضاق بهم.. يصرخ بهم فيصمت الجميع)‏

أين ديمقراطية الحوار.. نحن في ولاية ديمقراطية. هل نسيتم؟!‏

(يتصنع الهدوء.. يدخل ميمون حاملاً صينية مذهبة وعليها كؤوس السوس ويقوم بتوزيعها)‏

ميمون : (بهمس مسموع).. عليكم بالسوس فهو يُزيل الانفعال بسرعة ويضبط الأعصاب..‏

(يشربون معاً وبسرعة)‏

الوالي : (بعد أن شرب السوس يتلذذ) أريد سماعكم بهدوء.. تفضل شهبندر التجار‏

الشهبندر : ليست هناك مشكلة حقيقية.. هي مشكلة افتعلها شيخ الكار وجماعته.. لقد اعترض على توزيع الحمير (يقاطعه الوالي)..‏

الوالي : (باعتداد).. الاعتراض حق مصان في الدستور.. ومن حق شيخ الكار الاعتراض‏

الشهبندر : لكن هذا الاعتراض أدى إلى مشاجرة وصلت إلى الضرب و.. (يسكت)..‏

ش. العشائر : (متابعاً يضع يده على شاربه) .. ونتف الشوارب والحصيلة.. ستة منتوفي الشوارب من التجار ونواب العشائر.. مقابل نتف شارب واحد من نواب العامة خسارة يندى لها الجبين، وتسفك الدماء من أجلها.‏

ش. الكار : لم يكن التوزيع عادلاً.. الحمير القوية المستوردة لهم، والحمير المحلية الضعيفة لنا.. أي عدل هذا يا مولاي؟!‏

الوالي : الحق معك يا شيخ الكار.. ولكن كيف عرفت أن الحمير المستوردة قوية والمحلية ضعيفة؟‏

ش. الكار : من قدرتها على الحمل‏

الوالي : تقصد بالحمل قدرتها على الإنجاب أم على الركوب؟‏

ش. الكار : كليهما معاً.‏

الوالي : الحق معك يا شيخ الكار..‏

(الشهبندر وشيخ العشائر ينتفضان ويقفان بانفعال.. الوالي يشير لهما بالجلوس)..‏

ولكن ليس لك الحقّ أن تفعل ما تريد..‏

ش. الكار : كيف؟! .. لم أفهم؟!..‏

الوالي : الضرب والاعتداء مثلاً‏

ش. الكار : ومن قال يا مولاي نحن من اعتدى بالضرب أولا‏

الوالي : معطيات الواقع.. الحصيلة النهائية للاعتداء.. ستة مقابل واحد..‏

ش. الكار : نحن الأكثرية في المجلس وهذا طبيعي‏

الوالي : لا.. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة وانتصرت بإذن الله.. ألا تؤمن بالله وقدرته؟‏

ش. الكار : ونعم بالله..‏

الوالي : هل تغالط قوله تعالى؟‏

ش. الكار : استغفر ال..‍!!‏

الوالي : ألا تؤمن برسوله وأولي الأمر منكم.. قال تعالى: يا أيها ا لذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم‏

ش. الكار : بلى.. ماذا تقصد بأولي الأمر؟.. هل تقصد التجار وشيوخ العشائر يا مولاي؟!..‏

الوالي : بالطبع لا.. أقصد نحن الولاة‏

ش. الكار : على رأسي..‏

الوالي : نحن من أمر بذلك ونحن من شكل اللجنة‏

ش. الكار : (على مضض).. برأيكم يا مولاي.. هل هذا عدل؟‏

الوالي : نعم وسوف أثبت لك صحة ذلك‏

ش. الكار : كيف؟!..‏

الوالي : علف الحمير المستوردة.. هل هو مستورد أم محلي؟‏

ش. الكار : بالطبع مستورد‏

الوالي : وعلف الحمير المحلية.. هل هو محلي أم مستورد؟‏

ش. الكار : (باعتداد).. محلي مائة بالمائة‏

الوالي : وسعر رطل واحد من العلف المستورد كم يبلغ يا شهبندر التجار؟‏

الشهبندر : خمسة دراهم في حال توفره وعشرة دراهم أثناء انقطاع خط الاستيراد‏

الوالي : وسعر رطل واحد من العلف المحلي يا شهبندر‏

الشهبندر : نحن لا نبيعه ولا نشتريه‏

الوالي : (لشيخ الكار).. بكم سعر الرطل الواحد من العلف المحلي يا شيخ الكار..‏

ش. الكار : بدرهم واحد.. وأحياناً نصف درهم..‏

الوالي : لنقل درهما واحدا.. جميل.. إذا الفرق شاسع.. من خمسة أضعاف إلى عشرة أحياناً‏

(يخرج آلة حاسبة من جيبه ويحسب)‏

قل لي يا شيخ العشائر: كم رطلاً من العلف يستهلك الحمار الواحد؟‏

ش. العشائر : هذا يتوقف على الجهد المبذول الذي يبذله الحمار، وحالة الركوب ووزن الراكب ومسافة الركوب وزمن الركوب في الصيف أم في الشتاء؟‏

الوالي : معقول؟!.. (يقترب منه ويهمس في إذنه..).. أريد درساً في وقت فراغك..‏

أنا جاهز لتلقي تلك المعلومات الحميرية.. (يرفع من صوته).. المهم يا شيخ.. ما هو المتوسط؟..‏

ش. العشائر : خمسة أرطال في الصيف وثلاثة في الشتاء في اليوم‏

الوالي : قلت بالمتوسط يا شيخ‏

ش. العشيرة : أربعة أرطال في اليوم الواحد‏

(يبدأ الحساب بصوت عال ثم ينخفض بالتناوب)‏

الوالي : 4×5=20 درهماً قيمة استهلاك الحمار المستورد من العلف المستورد في اليوم الواحد‏

-أما في الشهر الواحد فيكون: 30×20=600 درهم للحمار المستورد‏

أما استهلاك الحمار المحلي فهو كالتالي: 4×1 درهم= 4 أربعة دراهم في اليوم الواحد مقابل /20/ درهماً للحمار المستورد من العلف في اليوم الواحد.‏

ش. الكار : (بذهول وغباء).. هذا الفرق؟!..‏

الوالي : لا.. هذا المقابل.. أما الفرق فيكون: 20-4=16‏

ش. الكار : (تائه).. هذا المجموع؟!..‏

الوالي : لا. هذا الفرق يا عزيزي.. سوف أبسط لك المسألة: أربعة أرطال استهلاك الحمار الواحد في اليوم.. صحيح يا شيخ العشائر؟‏

ش. العشائر : نعم يا مولاي‏

الوالي : عفارم.. سعر الرطل الواحد من العلف المستورد يا شهبندر التجار؟‏

شهبندر التجار : خمسة دراهم‏

الوالي : عفارم.. سعر الرطل الواحد من العلف المحلي بكم يا شيخ الكار؟‏

ش. الكار : درهم واحد‏

الوالي : عفارم.. إذا (يحسب على الآلة بسرعة وبصوت عال)..‏

5×4=20 درهما قيمة استهلاك الحمار المستورد من العلف‏

ش. الكار : (بغباء) في الشهر؟!‏

الوالي : (بانفعال) لا.. لا.. في اليوم يا شيخ.. أما في الشهر الواحد: 30×20=600‏

ش. الكار : (كالضائع) هذه قيمة استهلاك العلف المستورد في الشهر للحمار الواحد‏

(يقف متسائلاً) قل لي يا مولاي.. هذه القيمة تتبع أي منهما المستورد أم المحلي؟!‏

الوالي : (في ضيق).. تتبعك أنت (يضحك الحضور.. ثم يتابع الوالي) المستورد يا شيخ الكار.. أما الحمار المحلي فقيمة استهلاكه اليومي من العلف: 4×1 درهم=4 دراهم يا شيخ في (يغلط).. في الشهر الواحد.‏

ش. الكار : (يصحح للوالي بحياء) لا.. لا يا مولاي في اليوم الواحد‏

الوالي : (يراجع الحساب لنفسه).. عفارم.. صحيح يا شيخ..‏

أما في الشهر الواحد: 4×30=120 درهما‏

ش. الكار : (متابعاً): أما الفرق بين السعرين يا مولاي؟‏

الوالي : (بإعجاب) صحيح)؟!.. فيكون: /600-120= 480 درهما‏

(يأخذ نفساً بعد الجهد الذي بذله في الحساب الكل في حالة اندهاش)‏

ش. الكار : (بإعجاب واندهاش) معقول؟!..‏

الوالي : (يستفيد من حالة الانبهار لدى شيخ الكار).. قل لي يا شيخ الكار كم يبلغ الراتب الواحد من جماعتك في الشهر؟‏

ش. الكار : 150 درهما في الشهر‏

الوالي : لو كان لديه حمار مستورد.. كم كان ينقصه؟‏

ش. الكار : (يخرج من جيبه آلة حاسبة معطلة.. يهزها).. لا تعمل البطارية ضعيفة..‏

الوالي : (يقوم بالحساب).. ولو.. أنا أحسبها لك.. ماذا لدينا هناك؟‏

ش. الكار : الفرق 480 درهما..!‏

الوالي : لا..‏

الشهبندر : (مقاطعا.. يبادر بالجواب) ستمائة درهم قيمة الاستهلاك الشهري للحمار المستورد‏

الوالي : عظيم يا شهبندر.. إذا قلنا /600/ درهم تقسيم /150 درهم/ الناتج يكون/ 4/.. أي يحتاج صاحبك إلى أربعة رواتب، حتى يغطي تكاليف الحمار المستورد.. وماذا لدينا هناك أيضاً؟.‏

الشهبندر : (يبادر بسرعة) /120/ درهماً قيمة الاستهلاك الشهري للحمار البلدي الواحد‏

الوالي : عظيم.. إذا قلنا /150-120/= 30 درهما أي أكثر من ثلاثة أرباع الراتب تكفي لتغطية تكاليف الحمار الواحد المحلي في الشهر، ويبقى لديه/ 30/ درهماً ليعيش هو وعائلته حتى آخر الشهر.. (بالعامية السوقية).. /بدي أفهم؟!.. كيف بدو يعيش أخو الحفيانة هاد.. أقنعني يا شيخ الكار.. ولكَ حمار مستورد!؟‏

ش. الكار : (بعفوية).. الشباب باعوها..‏

الوالي : باعوا الحمير المحلية؟!.. إذا.. لماذا يرغبون بالحمير المستوردة؟‏

ش. الكار : (بارتباك.. صامت)..‏

الوالي : أسعار بيعها أعلى..؟!‏

ش. الكار : (مطأطئ الرأس).. نعم يا مولاي، وتبلغ عشرة أضعاف من سعر الحمار المحلي‏

الوالي : (بدهشة).. أولاد الحرام..‏

(من جديد يخرج آلة حاسبة من جيبه ويحسب.. أثناء ذلك يدخل الحاجب)‏

الحاجب : بيطري القصر في الباب يا مولاي‏

الوالي : جاء في وقته.. ليدخل (يعيد الحاسبة إلى جيبه بسرعة)..‏

(يدخل البيطري بسرعة وحالة من التوتر بادية عليه)‏

البيطري : (ينحني).. مصيبة يا مولاي.. العير والحمير الخاصة بالقصر والحاشية‏

الوالي : (بفزع).. ما بها؟!‏

البيطري : جائحة ألمت بها.. بعضها نفق وبعضها يحتضر وبعضها يرفض ما نقدم إليه من علف‏

الوالي : السبب يا بيطري القصر؟!‏

البيطري : أعتقد أن العلف مسموم.. وأن هناك من فعل ذلك في عمد‏

(حالة من التوتر ترتسم على الوجوه وخاصة الشهبندر)‏

الوالي : (بحدة وانفعال).. إلا حصاني يا بيطري‏

البيطري : حصان سيادتكم بخير يا مولاي‏

الوالي : (يتنفس الصعداء).. حتى لا يقال حصان الوالي مات بفعل فاعل..‏

(تدخل خاتون على عجل.. تفاجأ بالحضور.. تضع الملاءة البيضاء على وجهها)‏

خاتون : (وهي تعتذر).. عفوا قطعت عليكم صفو اجتماعكم (بدون انتباه)..‏

كنت مارة عبر باب السراي وفجأة انحل رباط شروالي..‏

(الحضور بحياء وخجل يديرون وجوههم..)‏

الوالي : (يهرع إليها بلطف وينسى ما حوله.. وبهمس).. الشروال مرة أخرى..‏

ما حكاية الشر وال؟!..‏

خاتون : هناك أهم من الشروال الآن..‏

الوالي : وهل هناك أهم من الشروال.‏

خاتون : نعم.. العير.. يا مولاي..‏

الوالي :.. أيهما ذو السنام الواحد أم ذو السنامين يا عزيزتي؟‏

خاتون : بل ذو السنامين يا عزيزي‏

الوالي : أيهما تفضلين للركوب ذو السنام الواحد أم.. (تقاطعه)..‏

خاتون : (بحياء).. السنامين يا عزيزي‏

الوالي : لماذا؟!‏

خاتون : لأني أرتاح إليه.. ولأن الهودج يتوازن أكثر في الركوب يا مولاي‏

الوالي : المهم.. ما به؟ مريض‏

الوالي : مثل بقية العير والحمير في اسطبلات السراي، والقصر.. لا تبتئسي يا عزيزتي‏

خاتون : حاولت ركوبه.. ابتعد عني فضربته بالسوط.. هذا يعني (سكتة).,.‏

الوالي : (مقاطعا بدهشة).. يعني ماذا؟!‏

خاتون : (متابعة بحزن).. لن أقوم بجولتي الصباحية المعتادة في بساتين القصر‏

الوالي : (يتنفس الصعداء) لا.. لا عليك يا زوجتي بيطري القصر سيعالجه..‏

أنصحك أن تعامليه برقة وحنا.. (تقاطعه)..‏

خاتون : البيطري؟‏

الوالي : لا.. لذي السنامين بهدوء، وخاصة أثناء ركوبه..‏

(ينسحب الحضور بهدوء بين الدهشة والفزع.. عدا بيطري القصر)‏

الوالي : (يعود ويتزن.. يلتفت للبيطري).. والحل يا بيطري القصر؟‏

البيطري : الحجر الصحي، ومراقبة مخازن العلف، وخزانات المياه.. يا مولاي‏

الوالي : (يفطن.. لميمون).. أوصل مولاتك خاتون إلى جناح "الحرملك"‏

(الوالي.. يودع خاتون حتى باب القاعة.. ثم يعود بانفعال).. إذا نحن الآن في ورطة أخرى.. (لنفسه يشكك بهمس).. المقنع.. لا أحد غيره.. (للبيطري)‏

هل هناك ما يكفي من العلف الاحتياطي في أوقاف القصر؟‏

البيطري : لمدة شهر على الأغلب.. وأنا لا أضمن سلامته من التسمم هو الآخر‏

الوالي : (بانفعال).. والحل يا بيطري؟‏

البيطري : يا مولاي لكي نتخلص من الشك.. أصدر فرماناً ممهوراً بختم الوالي لزراعة الأراضي بالعلف، وبهذا نضمن توفر العلف على الدوام وشراؤه في أي وقت ومن أي مكان وبالكمية المناسبة وبالسعر الذي تحدده يا مولاي..‏

الوالي : ولكنه علف محلي؟‏

البيطري : وحصانكم يفضله على المستورد يا مولاي‏

الوالي : (بعفوية واعتداد).. طالع لصاحبه.. وطني.. (يفكر).. نريد حجة مناسبة يا بيطري لكي نقنع العامة من الناس بأهمية زراعة العلف وضرورته الاقتصادية للولاية والناس.‏

البيطري : بسيطة وهل تنقص مولاي الحجة؟.. مثلاً لنرفع شعار الأمن الغذائي المحلي وزراعة العلف خطوة رائدة نحو التطور.. أو لنقل لنحارب استيراد العلف ونعتمد على إنتاجنا المحلي منه لتحقيق الأمن الغذائي.‏

الوالي : لا.. لا أريد لشهبندر التجار البهدلة.. إلا إذا كانت الحجة قوية‏

(كمن يفكر.. بعد لحظة سكون.. ينفجر).. وجدتها..‏

البيطري : (بدهشة).. مولاي ماذا وجدت؟‏

الوالي : الحجة.. التي أبني عليها الواقعة.. بما أن هناك مشكلة حقيقية تقوم على أمرين:‏

1- الأمـر الأول: حفاظاً على الإنتاج الوطني ودفع عجلة التقدم وفق قانون التطور الطبيعي نرى ما يلي..‏

إذا لم يتوفر العلف الوطني بكميات كبيرة وعلى المدى الطويل، فإن العير والحمير والبغال ستصاب بمرض فقدان التوازن والمناعة ولا تقوى بعد ذلك على الحركة.‏

2- الأمر الثاني: نتيجة للأمر الأول.. سوف تنعدم الحركة في الولاية، وتصاب الحاشية والأعيان ببطء الحركة لأن الكثير منهم لا يمكنه الوصول إلى عمله إلا ركوباً على البغال أو الحمير فينجم عن ذلك الكسل السريع، الذي سيقضي على قانون التطور الطبيعي المرتبط أصلاً بمفهوم الحركة.. وعليه نصدر الفرمان التالي بعد عطف السلطان الحالي.. كالتالي:‏

(أنا والي البلاد.. على جميع العباد.. زراعة كافة الأراضي بالعلف لثلاثة أحوال والمخالف يسجن وتصادر أرضه.. انتهى)..‏

امهره يا بيطري القصر بختم الولاية لدى صاحب ديوان القصر‏

وبلغوه للناس قبل العصر.. (يناوله الفرمان بعد أن يخطه بيده)..‏

البيطري : (يمعن بالكتاب قليلاً.. ثم يسأل بدهشة).. مولاي.. جملة قانون التطور الطبيعي المرتبط أصلاً بمفهوم الحركة!!.. لم أفهمها؟‏

الوالي : بسيطة.. العلم نور.. قالوا اطلب العلم ولو في الصين.. (يسأل).. كم هي المسافة بين الولاية والحج لبيت الله يا بيطري القصر؟‏

البيطري : ثلاثون يوما‏

الوالي : محمولا أم مشيا؟‏

البيطري : محمولا بالطبع..‏

الوالي : وأنت في منتصف الطريق.. نفقت دابتك.. تتابع أم تعود؟‏

البيطري : كلاهما مر.. أفضل المتابعة على العودة.. سيرا أو ركوبا‏

الوالي : لنقل سيرا.. هل ستصل بالموعد نفسه؟‏

البيطري : حتماً لا.. الدابة أسرع، وأقدر على الحمل‏

الوالي : إذا.. بفضل الدابة ستصل ولكن بزمن أقل وبسرعة أكثر.. أليس كذلك؟‏

البيطري : بالتأكيد..‏

الوالي : لو انطلقنا معا إلى الحج.. وأثناء المسير مرضت دابتك.. من يصل أولا أنا أم أنت؟‏

البيطري : بالتأكيد أنت!!‏

الوالي : وأي الدابتين لها القدرة على الحمل.. المريضة أم القوية؟‏

البيطري : القوية طبعا.‏

الوالي : والقدرة.. تعني العمل المنتج.. والعمل المنتج يولد الإنتاج..‏

ولما كانت القدرة تعني الحركة.. هذا يعني أن الحركة تعني الإنتاج.. وقطع المسافة في زمن قصير يعني بلوغ الحالة أي.. حالة التطور.. (البيطري في حالة اندهاش)‏

(يخرج الآلة الحاسبة ويبدأ الحساب)‏

فإذا كانت الدابة الضعيفة..قدرتها على الحمل (30) رطلا وتقطع المسافة في‏

(20) يوما فإن الدابة القوية تقطع‏

نفس المسافة في (20) يوما وهي تحمل‏

(60) رطلا.‏

-365 يوم ÷ 20 يوم = 18.5 مرة أو سفرة في السنة تقطع المسافة‏

-الدابة الضعيفة تحمل في السنة الواحدة‏

(30) رطلا × 18.5 = 5490 رطلا‏

-الدابة القوية تحمل (60) رطلا × 18.5 + 10980 في السنة الواحدة‏

إذا الفرق شاسع كما ترى.. وعليه نستنتج: أنه كلما كانت قدرة الشعوب على الحركة كبيرة.. كانت قدرتها على التطور أكبر.. هل فهمت يا بيطري القصر.‏

البيطري : (يهز رأسه بدهشة).. معقول جدا..‏

الوالي : وعليه قررنا إصدار الفرمان التالي بعد عطف السلطان /ينحنون/..‏

وهو كالتالي: (أنا والي البلاد.. على جميع العباد.. الحركة في الصباح وفي المساء.. لأن في الحركة بركة.. تقوي الجسم وتنشط العقل وتلهم التفكير والخيال والإبداع..‏

وما دام الإنسان يفكر فهو يتطور.. والمخالف يعاقب بالسخرة والحبس..)‏

-إظلام-‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244