حفل خاص على شرف الوالي - د: حمدي موصللي

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:38 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

الأغبياء وحدهم آمنوا أن الحمار يأخذ مكان الحصان في ميدان السبق‏

المكان : السراي.. قاعة الوالي‏

المنظر : الوالي خلف مكتبه يراقب بعينين حذرة المكان والخوف واضح على محياه..‏

بينما ميمون يهرول في مكانه تنفيذا للفرمان السلطاني‏

الوالي : (يصطنع التفكير.. بعد فترة قصيرة) الحركة.. بركة.. صف لي شعورك يا ميمون قبل الحركة، وبعد الحركة‏

ميمون : (يلهث)..‏

ليسمح لي مولاي بالوقوف أولا، لكي أصف له شعوري قبل الحركة وبعدها؟‏

الوالي : (بخبث يقول كلاما صعب الفهم) لو سمحت لك بالوقوف، فستفقد مبررات الشعور الحقيقي لوصف آلية الحركة، وبالتالي ستفقد حالة التمتع إرهاصاتها الحقيقية وهنا تقع في مشكلة‏

ميمون : (في عفوية وانبهار).. مش.. مشكلة؟!..‏

الوالي : (متابعا) أي نعم.. المشكلة تكمن في الجهد المبذول الذي سينخفض إلى النصف أو أكثر، وهذا ينتج عنه الإجهاد والتعب والخرف المبكر‏

ميمون : (وهو يلهث).. لا أعرف ماذا أقول؟‏

الوالي : دعنا من شعورك، ولنعد إلى صديقك المهرج‏

ميمون : (براحة).. الحديث عن الأصدقاء أكثر متعة من الحديث عن الشعور والحركة‏

الوالي : المهرج في أوقات الراحة.. عندما يترك القصر أين يذهب؟ مع من يجلس ويتحدث؟‏

ميمون : لا يخرج من القصر إلا للتسوق أو لزيارة المقبرة، وغالباً أنا معه؟!‏

الوالي : وأنت معه.. تتحدثان‏

ميمون : نعم‏

الوالي : عم تتحدثان غالبا..؟ .. أو لنقل عم كان يشغله، ويحدثك عنه؟‏

ميمون : (في حيرة).. مثل ماذا يا مولاي؟!..‏

الوالي : (بخبث).. عن أحلامه.. عن مغامراته.. (يحك رأسه من تحت العمامة)..‏

هل يحب التنكر مثلا؟‏

ميمون : كل مهرجي العالم يتنكرون.. والتنكر جزء من عملهم من أجل إسعاد العامة، والسادة؟!..‏

الوالي : (يبدي بعض الامتعاض).. لكن صديقك..‏

(وقبل أن يكمل.. يدخل الرجل المقنع القاعة.. حالة من الفزع والرهبة تسيطر)‏

المقنع : (يقترب بهدوء من الوالي..) ها أنذا أقف أمامك.. انظر إلي جيدا..‏

(لميمون).. أنت ميمون‏

ميمون : (بفزع).. وتعرف اسمي!!.. (يريد الخروج)‏

المقنع : (يضع الخنجر على رقبة الوالي).. لا تخرج يا ميمون.. ابق في مكانك، وبلا أي حركة.. (يمسك الوالي من لحيته).. ما رأيك لو قصصتها لك‏

الوالي : (يتوسل).. أرجوك إلا لحيتي.. أتوسل إليك.. هي هيبة الوالي‏

المقنع : إذن.. أحلق شعرك على الصفر..‏

.. (يرفع العمامة فتظهر قرعة الوالي.. يضحك المقنع ويبتسم ميمون خلسة)..‏

لم نستفد.. فأنت وال أقرع.. (يبحث عن شيء آخر).. الشوارب..‏

(يقبض الشعيرات بالسبابة والإبهام ويفتل بها).. سأنتفها لك.. ما رأيك؟!‏

الوالي : (يبكي ويتوسل).. إلا الشوارب.. أتوسل إليك.. هي هيبة الوالي..‏

المقنع : (في حيرة.. بينما ميمون يبتسم خلسة) حيرتنا معك..! أقطع رأسك من الرقبة‏

الوالي : (مصعوقا).. والي بلا رقبة!! مستحيل في عمري كله لم أسمع أحدهم يحكم بلا رقبة؟!.. هل سمعت بوال بلا رقبة يا سيد؟!‏

(ينفجر ميمون بالضحك)‏

المقنع : هذا زمن المعجزات.. التكنولوجيا تفعل أكثر من ذلك‏

الوالي : (يتماسك قليلاً).. سأهبك من المال الكثير..‏

المقنع : هذا لا يكفي‏

الوالي : اختر ما شئت من العير والحمير والفيلة والجواري والذهب والعقيق‏

المقنع : (يهز رأسه بالرفض)..‏

الوالي : سأمنحك العفو.. وأنصبك صاحباً للشرطة.. بدل بوم الشؤم.‏

المقنع : والخازوق؟‏

الوالي : سيكون له.. أقسم.‏

المقنع : الفأر مهما سمن لا يتحول إلى قط حتى وإن أكل بيادر قمح.. يا والي.‏

الوالي : اطلب ما تريد!‏

المقنع : في العجل.. إلغاء فرمان زراعة العلف وفرمان الحركة من أجل التطور.‏

(بانفعال).. اليهود ما عملوا عملك.. السجون مليئة.. الضرائب لا تطاق.. الحاشية والزبانية والعسكر مثل الجراد.. وزاد الجفاف المحنة على العباد.. حالة لم تعد تطاق.. ماذا تأكل العامة؟.. علف؟!..‏

الأراضي كلها تزرع علفاً؟!.. وفرمان الحركة.. مصيبة.. كارثة.. يا لطيف؟!.. الكفار لم يعملوا عملك؟.. حتى المجنون يستحي من أن يفعل فعلتك؟!.. هل يوجد فرمان في الدنيا كلها على هذا الشكل!.. على الأقل حدد أوقات العمل به.. في الليل في النهار.. حدد أماكن العمل به.. في البيت في العمل في الشارع في الفراش؟!..‏

الوالي : (بخوف وترقب).. في الحال سيكون ما طلبته أمراً.‏

المقنع : (بعد فترة تفكير قصيرة).. الشروال.‏

الوالي : الشروال!!.. ما به (يمسك خصره).. إلا الشروال؟!..‏

(يضحك بقوة ولفترة.. يشاركه ميمون الضحك)..‏

ما حكاية الشراويل هذه الأيام؟‏

خاتون والشروال.. النساخ والشروال.. المقنع والشروال وبخاصة عندما يجري الحديث عن شيء هام؟!. (يعود إلى حالة الذهول أو الخوف بينما ميمون يضحك بهمس) ماالحكاية يا ميمون؟! لماذا الشروال بالذات يا..‏

(ينظر إلى المقنع ويتأمله طويلاً وبحذر يقول: اقسم أنك‏

المقنع : (ينحني ثم يستوي ثم ينزع القناع عن وجهه).. حدسك في مكانه..‏

الوالي : (ينتفض وكأنه عاد لواقعة).. المهرج المهرج؟!!..‏

ميمون : (بفزع).. المهرج!!.. مستحيل؟!‏

الوالي : ألم أقل لك أن صديقك يحب التنكر..!!.. (يحاول أن يصرخ)..‏

المهرج : (يضع الخنجر على رقبته ويحذره) إنها المرة الأخيرة.. ستصبح والياً بلا رقبة.. اخلع الشروال وبسرعة.‏

الوالي : (ببكائية يتوسل) إنه شروال الولاية.. منحني إياه سلطان البلاد مع قفطان وعباءة وعكاز، وعمامة وخاتم الولاية وثلاثة أطواخ يوم أدخلوني عليه عارياً.. قال لي: أتيتنا عارياً ونحن ألبسناك ورفعنا مقامك، ونحن نستردها وقت نشاء.. حافظ على العمامة وخاتم الولاية والشروال.. الشروال مفهوم.. فماذا أقول له؟!.. إن لم تصدق فاسأل ميموناً؟!‏

ميمون : (يرثي لحال الوالي بالبكاء).. صدقه يا مهرج.. انظر إلى وجهه.. وعينيه وجسده ويديه ورجليه.. (الوالي يدخل في حالة قريبة من الهذيان)..‏

المهرج : (لميمون).. أنت هنا لتشهد لا لتدافع.. أنصحك بأن تنصح مولاك بخلع الشروال وأنت من سيساعده على خلعه.. (بانفعال) مفهوم.. الوقت يمضي.. هيا.‏

(يبدأ الوالي بخلع الثياب بمساعدة ميمون.. بالوقت ذاته يبدأ المهرج بجمعها قطعة.. قطعة، والوالي ينظر إليه بجنون)‏

الوالي : (بانفعال).. الشروال فقط؟!!.. أنت حددت ذلك!!.. وهذا وعد!!‏

المهرج : (يهز رأسه ثم يبتسم).. وأنا رجعت عنه.. ومن الذي يضمن لي أن يكون لديك أكثر من شروال؟..‏

الوالي : أنا..؟!‏

المهرج : (غير مبال) هذا حكي.. (يمسك بإصبع الملك يتأمل الخاتم) والخاتم أيضاً.‏

(الوالي وقد أصبح عارياً إلا من السروال الداخلي)..‏

الوالي : الخاتم!!.. إلا الخاتم.. اقتلني قبل أن تأخذه!!‏

المهرج : (يحز الخنجر على رقبة الوالي).. وأنا جاهز.. توكلنا على الله‏

الوالي : (يصرخ).. لا..!! توقف (يدفع الخاتم) هو.. لك..‏

المهرج : اسمع أيها الوالي: سأخرج من هذا المكان بسلام وسأختفي.. إياك ثم إياك إزعاجي بعسسك و(سرخفيتك).. وإلا‏

(يلتفت نحو ميمون) هل تشهد على ما سمعت ورأيت يا ميمون؟‏

ميمون : (يهز رأسه).. نعم ولم لا؟!‏

(المهرج يجهز نفسه للخروج.. يهدد الوالي)‏

المهرج : أقسم لو لعبت معي.. سألعب معك لعبة القط والفأر.. إني أحذرك.‏

(يخرج المهرج بعد أن يضع القناع على وجهه ومعه أشياء الوالي.. الوالي وقد بدا عصبياً يرتجف.. يتحرك بين زوايا وأقطار القاعة جيئة وذهاباً بينما ميمون يراقبه بحذر وترقب..)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244