ثلاث مسرحيات من طاجيكستان - ترجمة وتقديم:د.غسان مرتضى - نذر الله نزار

مسرح - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:39 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الخامس

(من جديد فناء بيت حسين، ثمة أريكة مغطاة بسجادة تجلس عليها امرأة بين يديها طفل لُف رأسه بضماد، ويقعد مريضان على الأرض عند الحائط بعيداً بعض الشيء ينتظران العيادة).‏

الأول : (متابعاً حديثه) عندما أرسل الخان نصر الخاطبين كي يخطبوا أخت السلطان، رأى السلطان أن كنوز الدنيا كلها قليلة على أخته، أما الآن فنحن من يدفع بدمه ثمن ذلك.‏

الثاني : أتعتقد أن الخان نصر سينتصر في الحرب؟‏

الأول : من أين لي أن أعرف؟ كل شيء بيده سبحانه تعالى. (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون(.‏

الثاني : ولكن، إذا وصل جنود الخان نصر إلى بخارى فسوف نفقد كل شيء في رفة عين.‏

الأول : هذه هي الحياة! الأول يزرع، والثاني يسقي، ويرعى والثالث يقول: "هذا حقلي".‏

الثاني : اسكتْ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قد يخلّصنا الله من هذه البلوى على كل حال...‏

الأول : (متهكماً) تأملْ، تأملَْ! قيل منذ زمان: "ما ابتلعته فهو لك، وما تمضغه ليس معروفاً لمن هو"، سيأتون ويأخذون كل شيء، بل سيقول بعضهم: "لن آخذ شيئاً، ضعه في جيبي بنفسك".‏

الثاني : إذاً أنت خائف؟‏

الأول : وممَ أخاف؟ أنا مجرد ناسخ للقرآن، والخان نصر على ما يقال شديد الإيمان.‏

الثاني : (ناظراً إلى محدثه باستغراب)، ما هذا الذي تمسح به يديك؟‏

الأول : الشمع كي لا تفقد أصابعي مرونتها، أتظن أن من السهل نسخ القرآن مرة كل أسبوعين. (يريه منحنياً كيف ينسخ).‏

الثاني : يبدو أنك تربح كثيراً من عملك هذا.‏

الأول : لا، لا أربح كثيراً من المال، وقد مرضت كثيراً من جرّاء ذلك، عرضت نفسي على هذا (يشير برأسه إلى البيت)، فوصف لي، أتعرف ما وصف لي؟ أمرني أن أسافر راكباً على الجمل إلى "كرمين"، ثم أعود. في البداية أصابتني الدهشة، ما فائدة ركوب الجمال؟! متى كان الأطباء يصفون مثل هذه الوصفات؟...‏

الثاني : وماذا، هل سافرت؟‏

الأول : طبعاً سافرت ذهاباً وإياباً، وقضيت أسبوعاً كاملاً أهتز على ظهر الجمل. ثم أمرني بعد ذلك أن أمشي سبعة آلاف خطوة كل يوم وهكذا حتى ينقضي شهر كامل أعود إليه بعده.‏

الثاني : وماذا هل ساعدك ذلك؟ ما المرض الذي تعاني منه؟‏

الأول : آه، لا تسأل... لكن، تصور تحسنت كثيراً، كثيراً جداً...‏

الثاني : أما أنا فمريض بـ......‏

(ينفتح الباب الداخلي وتخرج سيتوره حاملة رزمة أوراق ومحبرة تضعها على الطاولة).‏

سيتوره : (للمرأة التي تحمل طفلاً). سيفرغ من عمله عما قريب، وسيستقبلك. (تضع يدها على رأس الطفل). سيعطيك عمك الطبيب الآن دواءً نافعاً...‏

(يُفتح الباب من جديد، ويظهر رجل طرح عباءته على كتفيه، ثم يظهر خلفه حسين مرتدياً ثوباً أبيض واضعاً قبعة بيضاء مدورة على رأسه).‏

حسين : تأخرت في العلاج يا محترم، لكن لا بأس فالتقرح عندك ليس خطراً وسنعالجه... أمي!...‏

(سيتوره جالسة خلف الطاولة متهيئة للكتابة).‏

(يملي عليها). أكسيد الرصاص مع زيت الزيتون، ثم الكحل ومسحوق النحاس وزنك أبيض ومسحوق الفضة وشبّة ودم الغزال، كل نوع بقدر محدود يعادل سدس مقدار أكسيد الرصاص يخلط هذه المكونات معاً، (يملي، وقد توجه بحديثه إلى المريض)، تمسح التقرح مرة كل ثلاثة أيام، (يضع خاتمه على الوصفة ويعطيها للمريض). اذهب إلى دكان العطار أبي الخير، وسوف يحضّر لك المرهم بنفسه.‏

المريض: أشكركم شكراً جزيلاً، يا سيدي الطبيب. (يخرج حافظة نقوده القماشية كي يدفع الأجر).‏

حسين : الأجر ثلاثة دراهم بعد الشفاء، راجعني بعد أسبوع كي أفحصك، مع السلامة، وعافاك الله. (في إثره) لا تنس! عليك ألا تأكل حتى الشبع! إياك ثم إياك أن تأكل حتى الشبع. لقد قال الطبيب الروماني "غالين" منذ ألف سنة: "من ينهض عن المائدة وهو يشعر أنه لم يشبع سيبقى طوال حياته بصحة جيدة".‏

المريض: ليمد الله في عمرك حتى المئة سنة.‏

حسين : (لأمه مشيراً إلى الفناء)، ألم يبق غيرهم؟...‏

سيتوره : أنت مستعجل إلى مكان ما اليوم أيضاً؟‏

حسين : نعم يا أمي مستعجل. (للمرأة التي تحمل طفلاً). تفضلي. (تدخل المرأة مع الولد في إثر حسين إلى الغرفة).‏

المريض الثاني: أسمعت؟ لا تأكل حتى الشبع!‏

المريض الأول: ويجب هذا على جميع المرضى بغض النظر عن مرضهم. قال لي: الأكل حتى الشبع ضار ولا يجوز.‏

الثاني : وماذا فعلت؟‏

الأول : وماذا يمكن أن أفعل؟ كان عليَّ أن أعيش نصف جائع.‏

الثاني : لا، لا، لن أوافق على هذا إطلاقاً. (ينهض)، إذا لم نأكل حتى الشبع فلماذا نعيش؟! سأذهب إلى طبيب آخر أذكى وأكبر سناً... (يخرج).‏

الأول : (يغمز النظارة بعينه) ينقسم الناس إلى نوعين: نوع يأكل كي يعيش ونوع يعيش كي يأكل... هذا (يشير بالاتجاه الذي سار فيه المريض الثاني)، هذا كما ترون ينتمي إلى النوع الثاني.‏

(سيتوره تغطي وجهها بطرف خمارها، تقوم ببعض الواجبات المنـزلية، تختفي وتظهر من جديد. يخرج حسين في النهاية من الغرفة برفقة المرأة والطفل).‏

حسين : ادهني جفني الولد بهذا المرهم، واسقيه عصير الجزر، أو التفاح كي تتلين أمعاؤه، والأفضل أن تسقيه منقوع اللبلاب البري.‏

المرأة : حسناً سيدي الطبيب، أشكركم شكراً جزيلاً. (تخرج).‏

حسين : (للمريض) كيف أصبحت صحتك؟‏

المريض: أفضل،أفضل بكثير يا حضرة الطبيب.‏

حسين : هذا حسن، استمر بالعلاج وافعل كل ما طلبته منك.‏

المريض: (شاكياً) سبعة آلاف خطوة كل يوم، وفوقها جائع... اسمحوا لي أن أستريح قليلاً من هذا العلاج.‏

حسين : اصبر قليلاً... راجعني بعد أسبوع وبعد المراجعة سنتخذ القرار (يدفعه نحو الباب الخارجي)، اصبر قليلاً. (يعود إلى الشرفة. يرتدي عباءته ويضع عمامته).‏

سيتوره : ألا تأكل شيئاً ما؟ لقد طبخت الرز مع المرق.‏

حسين : لا يا أمي، سآكل عندما أعود....‏

(يلتقي عند الباب برجل متوسط العمر ذي لحية سوداء): سعيد برؤيتكم أيها المحترم!...‏

العروضي: (ينظر خلفه خائفاً ويتحدث بصوت مرتجف) أما أنا فتصوروا- لست سعيداً بلقائكم، لكن ما العمل؟‏

حسين : (مستعجلاً) مم تشتكي؟‏

العروضي: (متنهداً) ليته كان مرضاً! الأمر أسوأ، أسوأ بكثير! (يخرج من عبّه كتاباً ويناوله لحسين) كما ترى، كتاب "المجموع"، الذي وضعته لي. أنا مضطر لإعادته لك أمام الشهود. هاهو، ها هو سيأتي إلى هنا.‏

حسين : عمن تتحدث؟ من سيأتي؟‏

العروضي: مريد الشيخ أبي طاهر، لكنه عرّج على بيت الشيخ قليلاً... يجب عليَّ ألا أعيد لكم الكتاب فقط، بل يجب أن أندم وأتوب، وألعن الكتاب والساعة التي طلبت فيها منكم أن تصنفوه لي... بهذه الحالة فقط سأسامَح ولن أُطرد من الجامع.‏

حسين : أستغفر الله العظيم! لماذا كل هذا؟‏

العروضي: كنت - لطيبة قلبي- قد تفاخرت مرة أ مام أبي طاهر بأن لديَّ هذا الكتاب... فأرسل إليَّ أحد مريديه، وطلبه مني بحجة أنه يريد أن يقرأه ويستفيد منه و....‏

حسين : أنا على عجلة من أمري، تحدّث باختصار.‏

العروضي: وهكذا... واليوم عند صلاة الفجر في الجامع عرض أبو طاهر الكتاب على المصلين، وقال: "هذا هو الكفر عينه، صنّفه حسين بن عبد الله أبو علي، وقد قرأه هذا المرتد وأعطاه للآخرين كي يقرؤوه. إن هذا المرتد يدنس بيت الله، يجب أن نطرده من هنا". هل كان ليخطر في ذهني أن حبي للعلوم سيوصلني إلى هذه المصائب؟! (يلتفت خلفه). هاهو ذا الشاهد... (يظهر الأفطس في الباب). أعيد إليكم كتاب الكفر هذا، فقد كاد يحرفني عن سبيل الدين القويم! وألعن اليوم الذي طلبت فيه منكم أن تصنّفوه لي! وأعلن ندمي وتوبتي، لقد كنت أعمى، وأشكر مولانا الشيخ أبا طاهر شكراً جزيلاً لأنه كشف الحقيقة أمام عينيّ، وبيّن لي خطئي، ومكّن الإيمان الصحيح في قلبي، ولن أقرأ من الآن فصاعداً أي كتاب سوى القرآن الكريم.‏

الأفطس : السلام عليكم. (للعروضي) أنت في الحقيقة مسلم مؤمن تخاف الله، هذا مالم أشك فيه في يوم من الأيام وسوف أنقل لحضرة الشيخ كل ما سمعته منك الآن.... (لحسين) أما أنت فقد أمرني الشيخ أن أنقل لك الكلمات التالية: "كان يجب عليَّ –قال الشيخ- أن أطعم النار كتابك، لكن هذا قد يملأ قلبك حقداً وغيظاً، ويجعلك تتشبث بأخطائك، وتسعى نحو خطايا وآثام جديدة، فهمت لماذا أعتني بك حتى الآن؟ لأنك ما زلت فتى يافعاً، وأريد منك أن تتحول عن دربك، وتحرق كتابك بنفسك!... فكر بعمق فيما أقول، وأعلنْ عن ندمك وتوبتك، وامتنع إلى الأبد عن الكتابة والتأليف، واكتفِ بمعالجة المرضى وشفائهم بإذن الله، واشكر ربك العلي القدير". هذه كلمات الشيخ فما ردك كي أنقله له؟‏

حسين : قل له إنني سأفكر... وإذا ما مرض حضرته فإنني مستعد لتقديم الخدمات... أماه، أعيدي النقود لهذا السيد المحترم. (يذهب العروضي دون أن يودع أحداً وعلى وجهه علامات الاستياء، ويختفي خلفه الأفطس. يناول حسين الكتاب لأمه) خبئيه، سيعود لأخذ النقود بالطبع... أعيدي له أربعين درهماً.‏

سيتوره : حسناً يا بني.‏

حسين : (ينظر إلى السماء) آن لي أن أذهب... سيحين وقت صلاة الظهر عما قريب.‏

سيتوره : ماذا بك يا حسين؟ لليوم الثالث على التوالي أنت مستعجل دائماً؟‏

(يبتسم لها حسين ويلوّح بيده وهو يخرج. تعود سيتوره إلى البيت متنهدة. يدخل العروضي إلى الفناء راكضاً يلهث وينظر خلفه مرتعباً من أن يكون أحد قد رآه).‏

العروضي: سيدتي المحترمة!..‏

سيتوره : (ملتفتة) آه، هذا أنت؟ لقد أخفتني، الآن، الآن (تتجه إلى داخل البيت).‏

العروضي: (بيأس) أيعقل أن يكون حسين قد خرج؟‏

سيتوره : نعم، سأعيد لك أربعين درهماً.‏

العروضي: تريثي قليلاً يا سيدتي. (تتوقف، ويلتفت هو نحو الباب الخارجي من جديد، ثم يبدأ حديثه بصوت مخنوق) على الكتف الأيسر لكل منا يجلس الشيطان، ويجلس على الكتف الأيمن الرحمن. يقول الشيطان للإنسان: "افعل هذا وستكون من الرابحين". وعندما يصغي إليه الإنسان ويذعن لأوامره، يقول له الرحمن: "لماذا فعلت هذا؟ أنت ضال". الشيطان يأمرني أن أفعل ما لا يقبله الرحمن، والرحمن يأمرني أن أتوب عن خطئي... أعيدي لي الكتاب من فضلك...(تقف سيتوره ذاهلة مدهوشة). لا تخافي لن أحرقه إنني بحاجة إليه. (يتناول الكتاب من سيتوره ويخبئه في عبِّه ويخرج مسرعاً).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244