|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:39 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المشهد السادس (بيت الحكمة، شاغاني وأناهيد). شاغاني : ما الذي حدث لك يا مولاتي؟ أكاد لا أعرفك! أحادثك هنا، وأنت تحلقين هناك، بعيداً، كأنني في وادٍ، وأنتِ في واد آخر... أصبحت مثل ليلى التي تبحث في الصحارى عن مجنونها، أريدك أن تعرفي أن خزنة السلطان الحقيقية موجودة هنا! (تفتح الصندوق الخشبي الملون وتخرج منه صندوقاً صغيرا). أناهيد : أليس ثمة كتاب قديم جداًهنا؟ شاغاني : نعم، لو كنتُ سلطان بخارى لوضعت نصف الجيش هنا كي يحرس هذه الكتب، (تخرج من الصندوق الثاني صندوقاً صغيراً جداً) هنا ثمة كتاب كُتب قبل الإسلام، أهداني إياه الفردوسي العظيم، وأنا أعطيك هذا الكتاب الآن كي تقرئيه، فقد علّمتك لغة "الفيستو"(1)، أما أنا فسأذهب إلى المسجد كي أصلي ركعتين تكفيراً عن ذنوبي.... لكن احذري أن يعلم أحد ما بأمر هذا الكتاب، لأن أبا طاهر وجماعته يتربصون بي شراً، عدا عن أنهم يتهمونني بالزندقة وعبادة النار. (يصل صوت المؤذن ضعيفاً. يسكت شاغاني وأناهيد ريثما ينتهي الأذان، ينهض شاغاني فيرتدي عباءته ويضع عمامته ويتجه نحو الباب الخارجي.). أغلقي الباب جيداً يا أميرة، واقرئي ريثما أعود من الصلاة، ولا تسمحي لأحد بالدخول. (يذهب، وتغلق أناهيد الباب بالمزلاج، ثم تضع الكتاب على الطاولة دون أن تفتحه، وتنصت إنصات من يترقب شيئاً مهماً، يُقرع الباب قرعاً متفقاً عليه. تركض أناهيد نحو الباب، وتُدخل حسين الذي يسألها إشارة: "هل خرج؟". فتهز رأسها بالإيجاب). حسين : مرحباً يا أناهيد! بارك الله بالمؤذن الذي يدعو إلى الصلاة، فصوته وحده قادر على إخراج معلمنا الحبيب من بيت الحكمة. أناهيد : ما أسعدني برؤيتك يا حسين! لكنني اليوم خائفة ولا أدري لماذا؟.. ثمة هواجس تقلقني... كما أن المعلم أعطاني كتاباً يمجد "آهورا مزدا"(2) فزاد ذلك من قلقي. حسين : (ويأخذ الكتاب ويفتحه) إنه كتاب مهم. أناهيد : (بدهشة) أيُعقل أن تكون أنت أيضاً من أولائك الكفرة الذين يؤمنون بـ"آهورا مزدا" ويقدّسون النار؟!... حسين : العياذ بالله، فأنا مسلم أومن بالله الواحد عز وجل، لكن الله عندي ليس مجرد صانع يبدع في مصنعه السماوي، ويخلق الحي والجماد، وليس مجرد رقيب يجلس في الأعلى يراقب أعمالنا، الله هو العقل الأول الكلي التام القدرة، وقد تحدث أرسطو طاليس عن هذا منذ زمن بعيد. الأرض وكل ما عليها موجودة منذ الأزل، والله العظيم خلق الناس ووهبهم العقل، أو بالأصح خصهم ببعضٍ من عقله الكلي كي يستطيعوا معرفة ما يحيط بهم. (يبتسم) لكنه حَرَمَ بعض الناس العقل بسبب آثامهم، هنا في بخارى، واحدٌ من هؤلاء إنه أحد رجال الدين المتزمتين، دفعني مرةً بعصاه قائلاً لي: "زنديق كافر"، وعندما ابتعد خطرت في ذهني هذه الأبيات: يا مَنْ تسرّع في قذفي وتكفيري هلاَّ دخلتَ إلى قلبي ووجداني أنا الفريدُ على الأيامِ منزلةً وليـس ثمـة إيمانٌ كإيماني إن كنتَ تحسبُ أن الكفرَ من شيمي فليس من مسلم بعدي بأزمانِ أناهيد : ما أجمل هذا الكلام! لكنني أرى أنك بدأت تعتد بنفسك. "أنا الفريد على الأيام". من الشائق أن أعرف عن أي شيء يتحدث هذا الكتاب، وما سر أهميته. حسين : سر أهميته أنه يتحدث عنك. أناهيد : عني أنا؟ حسين : اسمعي إذاً.. (يقرأ) "كل واحد يستطيع أن يرى أناهيد...". أناهيد : أهكذا مكتوب؟ أناهيد؟ (يناولها الكتاب فتتأكد من وجود كلمة "أناهيد"). عجباً! حسين : ما العجيب في هذا ، إن فتاة رائعة مثلك هي آلهة بالطبع. أناهيد آلهة أجدادنا القدماء، آلهة الخصب والمياه العذبة. (ينحني مبتسماً) أشكرك يا مولاتي، يا أناهيد على عودتك إلينا. لقد انتظرتك طوال حياتي.. أناهيد : لديّ فضول أن أعرف المزيد عما كُتب عني هنا. حسين : عنك يا مولاتي، عنك! سأقرأ وسترين بنفسك. (يقرأ). "يستطيع كل امرئ أن يرى أناهيد في هيئة نبيلة رائعة الجمال، ممشوقة القد، نحيلة الخصر، ترتدي ثياباً مزركشة أنيقة...". أناهيد : ما ألطف هذه الكلمات..! حسين : (يتابع القراءة) "..... تتزين بأقراطها المدورة الدقيقة الصنع....". أناهيد : لكن ليس لديَّ ـ للأسف ـ أقراط مدورة. حسين : (يتابع) ".... تزين النبيلة أناهيد جيدها بعقد من الفيروز، وتخطر بقامتها الممشوقة ونهديها البعيدين المتحفزين، لافتة إليها أنظار البشر...". أناهيد : ما أجمل أن أكون آلهة. (ضاحكة) وأين قصري؟ حسين : هناك بين النجوم بالطبع. أناهيد : هناك في الأعالي؟! سأعاني الدوار. حسين : وأنا على الأرض أبثك منها نجوايَ وتضرعي... (يقرأ) "آه يا أناهيد الطيبة، تعطفي عليَّ، ارحمي حبيبك...". أناهيد : أهذا مكتوب في الكتاب؟... حسين : أتجرّأ أن أقول هذا الكلام من عندي؟ (يريها الكتاب) أناهيد : (تقرأ) "ارحمي حبيبك.." كلمات رقيقة كأنها موسيقى. تابع القراءة من فضلك. حسين : هبي لي من لدنك مملكة واسعة، تُطهى فيها المآكل اللذيذة المختلفة، وتصهل الخيول وتقعقع العجلات، هبي لي مملكة فيها كل ماهو لذيذ وكل ما يتضوع طيباً". أناهيد : (بصوت منخفض) أهب لك هذه المملكة كلها. حسين : (متهللاً مسروراً) "... تعطفي مولاتي استجبيبي لتضرّعي وابتهالاتي، تكرّمي وانزلي من سمائك العالية إلى أرضنا". (قرع على الباب. صوت شاغاني: "هذا أنا". يختفي حسين بسرعة في غرفة مجاورة وتفتح أناهيد الباب فيدخل شاغاني). أناهيد : (محاولة إخفاء حيرتها وارتباكها) لقد عرفتكم من القرع. يا معلم، أنا هنا على الأرض مع النجوم... قرأت عن الآلهة أناهيد... (ينظر شاغاني إليها محدقاً. يلاحظ محفظة حسين التي نسيها على الطاولة. يأخذها بيده ثم يضعها من جديد. يسكت لحظة وهو يفكر). شاغاني : حسين! اخرجْ! (يظهر حسين ويقف محتاراً ينظر في الأرض. تستدير أناهيد نحو الحائط. صمت. شاغاني يكاد يبكي). كيف غفلت عن هذا؟! إن صمتكما يقول لي أكثر مما كان يمكن لكلامكما أن يقول، لا ألومكما في شيء، لقد حدث مالا تفهمانه أنتما نفساكما، إنكما الآن فراشتان ليليتان تحومان حول الضوء، وستحترقان بناره... ومن واجبي أن أقول لكما... (صمت). حسين : نعم يا معلمي إنني أسمعك. شاغاني : اسمعيني يا أناهيد أيضاً.. (لحسين) عندما كنت في مثل عمرك عملت في نيسابور كاتباً في ديوان الوزير، وكانت ابنته تتعلم الخط عن رئيس الديوان، وعندما كان ينشغل كنت أقوم أنا بتعليمها. وقد أحب كل منّا الآخر. نعم، وقعنا في الحب... وتعاهدنا على ألا يفرق بيننا إلا الموت. (يمسح دموعه) لكن الأقدار لم تكن بيدنا، فقد كُتب علينا أن لا نلتقي بعدها. زوّجوها من أحد أمراء الجرجان. أما أنا فضربوني بالعصا، ورموني في السجن لأنني مجرد ابنٍ لمؤذن في مسجد صغير، هذا جزاء الإقدام... عندما يمرض امرؤ وترتفع حرارته يأتي إليه الناس يعودونه، ويبدون قلقهم وخشيتهم على حياته، أما إذا ما احترق قلب عاشق سنوات طويلة بنار الحب فلن يأبه به أحد، ولن يعوده أحد، ولن يخاف أحد على حياته... لقد فهمت واقتنعت أن الحب الحقيقي لا يحدث في حياة الإنسان إلا مرة واحدة!... وهكذا قضيت ليالي الحزن والكمد الطويلة، كنت حياً يحسد الأموات، وكدت أموت وقتها فعلاً لولا الفردوسي الذي أرسلني إلى هنا، وكلفني بمهمة أصبحت شغلي الشاغل طوال حياتي، مهمة جمع الكتب وحفظها بعد أن سلمت من نيران أعداء العلم، ومنذ ذلك الوقت أنا هنا وحدي. (صمت. يهز رأسه). حسين : (يلمس كتف معلمه بلطف) معلمي! شاغاني : لم أقل كل شيء بعد، يا ولديّ، يحزنني أن أقول لكما إن أحلامكما لن يتاح لها أن تتحقق، كنت أتمنى أكثر مما تتمنيان أن أراكما.. لكن تجربتي التي عشتها ستتكرر وستعيشانها أيضاً، صدّقا إن أردتما أولا تصدّقا، لكنني أكرر وأقول: "الإنسان يحب في حياته مرة واحدة، وبعض الناس لا يعرفون الحب إطلاقاً". ماذا تستطيع أن تأمل يا حسين؟ سوف يتسلح الشر، ويقف ضدك، وستحيق بك المصائب من كل جهة، والمصيبة الكبرى – ستتذكر كلماتي في يوم من الأيام- أنّه لن يكون لك بيت، ولن تسمع ضحك أطفالك، أنت محكوم عليك بالترحال مدى حياتك وحيداً وحيداً. (تُسمع فجأة دعسات أقدام بعيدة. ضجيج. صراخ. أحدهم يضرب الباب بقوة). صوت : حسين، حسين! (يفتح شاغاني الباب. يقف عند العتبة خرّم). خرّم : حسين هنا؟ حسين : ماذا حدث؟ خرّم : مصيبة، إنها مصيبة كبيرة! لقد التف جيش الخان نصر ليلاً حول جيشنا، واستطاع أن يقتحم المدينة على نحو مفاجئ. أناهيد : ماذا تقول؟ خرّم : نعم، ظهر جيش الخان نصر فجأةً في ضواحي بخارى، واستطاع أن يقتحم المدينة بسرعة عبر بوابة "نوبهار". أناهيد : ويلتاه، ويلتاه يا أخي المسكين! (تركض نائحة عبر الباب الداخلي. دعسات أرجل. ضجيج. صراخ واضح). خرّم : بسرعة يا حسين! حسين : هيا يا معلمي، سوف أخبئك في بيتي. شاغاني : (يهز رأسه) بيتي هنا. (يعانق حسين العجوز، ويمشي نحو الباب). شاغاني : حسين! (يلتفت حسين) يجب أن أقول... منذ زمن بعيد أفكر بهذا... هذه الفتن الدائمة والحروب... هذه الأحداث المتسارعة... إذا ما حدث شيء لبيت الحكمة... حسين : يجب ألا نقنط من رحمة الله. شاغاني : لم تسمعني حتى النهاية يا حسين. عندما رأيت بعيني، وتأكدت أنك تحفظ عن ظهر قلب كتب المكتبة كلها، اطمأن قلبي وقلت في نفسي: "سينقذ تلميذي حسين مكتبة بيت الحكمة إذا حدث لها شيء لا سمح الله... نعم، سيعيدها إلى الوجود إذا ما حدث لها شيء. حسين : هذا ليس ممكناً يا معلمي. شاغاني : لماذا؟ حسين : يجب أن أعيش حياتي عشرات المرات، حتى أعيد كتابة كل ما حفظته. شاغاني : لماذا كل ما حفظته؟ أليس من الممكن أن تكتب من كل ما حفظت ماهو مهم فقط في كل علم من العلوم؛ تكتب كتاباً في الفلك وآخر في الماورائيات، وغيره في الحساب... لماذا تبتسم؟ لقد وضعت لأبي بكر برقي واحداً وعشرين كتاباً لخصت فيها العلوم كلها، ألا يمكن أن تعرض هذه العلوم بشيء من التفصيل؟ أظن أنه ممكن. حسين : نعم، يبدو أنه ممكن... ولكنْ لماذا نفكر بالمصائب فقط؟ استبشروا بالخير تجدوه. شاغاني : يبدو أنك نسيت كلمات أبي طاهر، أما هو فلم ينسها، والآن عندما سيصبح الخان نصر في بخارى سيُقْدِم مع تلامذته على إحراق بيت الحكمة لا محالة. حسين : لكن الله لم يحرمه العقل نهائياً حتى يلوث يده بعمل آثم كهذا. شاغاني : وإذا لوّث يده؟! يجب أن تقسم لي أنه إذا ما حلت بنا هذه البلية، لا قدر الله، فسوف تقوم أنت ببعث هذه المكتبة من جديد، عاهدْني أن تهب حياتك للمعرفة والعلوم! هذا هو الشيء الوحيد الذي أطلبه منك. حسين : أقسم يا معلمي وأعاهدك! فليرحمنا الله جميعاً. (يعانق العجوز من جديد، ثم يخرج، لكنه يظهر من جديد عند العتبة، ويشير بعينيه نحو الباب المزخرف، إلى المكان الذي دخلت إليه أناهيد). شاغاني : لا تقلق يا بنيّ، سوف أخبئها وأساعدها، ليكن الله معك، وليتلطف بك. (يختفي حسين وراء الباب). المشهد السابع (فناء بيت حسين من جديد. الوقت صباحاً) سيتوره : ما العمل؟ هل أخفي السجاد؟ أم نأخذه ونذهب إلى قريتنا "أفشانه" إلى عند أخي؟ لماذا لا تجيب يا حسين؟ ألا تسمعني؟ حسين : (يفكر بما يخصه) نعم، بالطبع إلى "أفشانه"، إلى بيت الخال... أمي! سأذهب إلى شاغاني، لابد أنها ستأتي إلى هناك. (يضع رداءه على كتفيه، ويضع عمامته. يدخل شمس راكضاً). شمس : حسين، ماذا حدث؟ ماذا حدث؟ تُنهب الحوانيت في السوق وتُحرق البيوت... يجدر بك أن تهرب من بخارى! حسين : لماذا أهرب؟ ليس لدينا من الأملاك الثمينة ما يمكن أن يطمع به العسكر. شمس : بل لديك ماهو أخطر! لديك كتب وهذا أسوأ، أسوأ بكثير! لقد بدؤوا منذ الليل ينفذون أوامر الخان نصر بالقبض على أصحاب البدع.. ألم تسمع بذلك؟ يبدو أنك لا تعرف أن جنود الخان قد اقتحموا بيت عبيد وأحرقوا كل ما وجدوه عنده من كتب! يقال كان بينها كتابك... هل وضعت كتاباً في الموسيقى؟ حسين : نعم، أنهيت كتابته منذ أيام فقط. شمس : هو إذاً أحرقوه أيضاً... هيّا اهرب يا حسين ما دامت الفرصة سانحة! أما أنا فأمي تنتظرني... سأذهب... وفقك الله يا حسين (يخرج راكضاً). (الأضواء تُظهر من بعيد الدخان والحرائق وهالات اللهيب). سيتوره : حريق! على ما يبدو في القلعة. حسين : (ينظر) رحماك يا رب، أيعقل هذا؟! أليس بيت الحكمة ما يحترق؟ (يركض نحو الباب الخارجي). سيتوره : انتظر يا حسين، هناك الآن ينتشر جنود الخان في كل مكان. (يخرج حسين راكضاً دون أن يلتفت حوله. تقفز سيتوره نحو الباب الخارجي وتصرخ: "حسين!.." ثم تغلق الباب بهدوء وتعود. وقبل أن تدخل البيت ينفتح الباب الخارجي من جديد ويدخل خرّم راكضاً). خرّم : (قلقاً ومهتاجاً) حسين! بيت الحكمة يحترق. (لسيتوره) أين حسين؟ سيتوره : إنه هناك. خرّم : لقد أحرقوه. أحرقه السفلة الأنذال. سيتوره : وأين شاغاني؟ خرّم : هو... (يبكي) احترق. حاول بعضهم أن ينقذه، لكنه رفض وهو يصرخ: "لا أريد أن أعيش ما دامت الكتب قد احترقت..!" لقد احترق معها (يخطو نحو الباب الخارجي) أخبري حسين بالأمر. أما أنا... فلم أذهب إلى بيتي منذ الصباح، سأذهب إلى هناك، من المحتمل أن يكونوا نهبوه. سيتوره : (تمشي خلفه) ماذا حدث للسلطان ألا تعرف؟ خرّم : السلطان؟ أوَ لم تسمعي؟ لقد حلت به وبأقربائه مصيبة كبيرة، وقعوا في الأسر جميعاً. سيتوره : (مرتعبة) في الأسر؟ خرّم : لم يستطع أن يختفي منهم إلا أخت السلطان الشابة أناهيد كما يقال. الخان نفسه مهتم بأمرها، وقد أمر جنوده أن يبحثوا عنها في كل مكان. (تبدأ سيتوره بالبكاء والعويل). خرّم : سأذهب إلى بيتي (يخرج راكضاً من الفناء). (لا تستطيع سيتوره لشدة قلقها أن تجد لنفسها مكاناً تجلس فيه، تروح وتجيء، تحاول أن تفعل شيئاً، تنقل الكرسي من مكانه ثم تعيده... تركض نحو الباب الخارجي وبينما تصل إلى منتصف الفناء ترفع رأسها لترى الحرائق التي أخذت تنطفئ. ثم تدخل إلى البيت، ثم تخرج قافزة وتركض نحو الباب الخارجي... عندها تظهر في الباب الخارجي امرأة عجوز مغطاة من رأسها حتى قدميها برداء رث مرقع، وقد غطت وجهها بخمار، مثقب من ناحية الوجه). سيتوره : أتريدين الطبيب؟ (ترفع المرأة خمارها بيدها. تعرفها سيتوره، إنها الأميرة أناهيد). أناهيد : السلام عليكم، حسين في البيت؟ سيتوره : مولاتي الأميرة، عزيزتي (تنحني أمامها، ثم تعانقها وتبكي) أية بلوى! أية مصيبة حلّت بأهلنا؟! تفضلي، سيعود حسين عما قريب. أناهيد : (تتوقف) ليس موجوداً؟ إذاً سأذهب... (تمشي متوجهة نحو الخارج). سيتوره : أين تذهبين مولاتي الأميرة؟ أعرف كل شيء عنك... أعرف أنهم يبحثون عنك... ولن أتركك تذهبين إلى أي مكان! أناهيد : الأفضل أن أنتظر هناك... (تتابع سيرها نحو الباب الخارجي). سيتوره : لا، لا، لن يسامحني حسين على ذلك أبداً! سوف أخبئك... أناهيد : إذا وجدوني هنا سيحرقون البيت، ويمكن أن... (يتحشرج صوتها) يمكنهم أن يفعلوا كل شيء. سيتوره : لا تخافي، لا تخافي، لن يفعلوا شيئاً. سأغلق الباب الخارجي. (تركض نحو الباب الخارجي، لكن يظهر عند الباب أبو طاهر واثنان من مريديه). أبو طاهر: في وجه من تنوين إغلاق الباب، أيتها السيدة المحترمة؟ (تصمت سيتوره منـزعجة. تنـزل أناهيد خمارها على وجهها، دون أن ينتبه إليها الشيخ أبو طاهر الذي يدخل برفقة مرافقيه) أتينا نزور حسين. سيتوره : ليس موجوداً. لقد رحل. أبو طاهر: (ضاحكاً) رحل إذن؟ (يضرب الأرض بعصاه، فيدخل المريدان إلى الغرف الداخلية). سيتوره : نعم، رحل، تلقى دعوة من شاه خوارزم، فقد حضر البارحة مبعوثوه وأخذوه معهم ولن يعود قبل شهر. أبو طاهر: (يتابع ضحكه بسخرية) إذاً رحل ليلاً؟ ومن برأيك أحرق بيت الحكمة؟ سيتوره : ماذا تقصد بقولك "من؟"؟ أبو طاهر: لقد ربيتِ ولداً سيئاً يا سيدة... زنديقاً وكافراً. ارتكب إثماً لا يغفر، أحرق المكتبة العظيمة. سيتوره : ماذا؟ هل جننت يا شيخ، أم أصابك مسّ ما؟ أبو طاهر: نعم هو من أحرقها، أنا أعرف، ويعرف كثيرون ذلك. وغداً –ستذكرين ما أقول- ستعرف ذلك بخارى كلها، أحرق المكتبة كي لا يطلع أحد على العلوم التي يعرفها هو. سيتوره : (بسخط) يبدو أنك تخلط بين ابني حسين وواحد غيره... كيف يمكن أن يحرق المكتبة ما دام قد سافر ليلاً؟ أبو طاهر: (بلهجة واعظة) هذا يعني أنه أحرقها ثم سافر. (يخرج مريدا أبي طاهر من الغرف الداخلية راكضين) المريد الأحول : فتشنا البيت كله يا حضرة الشيخ.. ليس موجوداً. أبو طاهر: طار السهم من القوس إذاً ولم يعد بالإمكان فعل شيء... لا بأس فلنذهب (يمشي نحو الباب الخارجي ويلتفت نحو سيتوره) قد يختبئ من الناس ولكن أين يفر من الله؟ (يخرج مع مريديه، وتغلق سيتوره البوابة وراءهم ثم تنهار على الأرض خائرة القوى. تركض أناهيد نحوها كي تساعدها). سيتوره : لا، لا عليك... (تنهض بصعوبة وتمشي نحو الداخل متكئة على الأميرة) المهم ألا يقع بين أيديهم في الطريق. أناهيد : سترك يا رب! سيتوره : (ترتمي على السرير الخشبي وتضع يدها على صدرها متألمة) لا بأس، سأتحسن بعد قليل... لقد حضّر لي ابني دواءً. (تتناول قرصاً صغيراً ملفوفاً بطرف المنديل. وتركض أناهيد نحو الداخل وتحضر لها كأس ماء). أناهيد : ملأتها من الجرة الموضوعة بجانب الباب. سيتوره : (بشفتيها فقط) شكراً. أناهيد : أنت أم حقيقية. سيتوره : آوي، ماذا أكون أنا؟ أذهبت تحضرين الماء من أجلي؟! لقد أصبحت مصيبتي ومصيبتك واحدة... ثقي بي أيتها الأميرة، لم يحرق حسين المكتبة. أناهيد : نعم، أنا أعرف. على ما يبدو أحرقها هذا العجوز اللعين وتلامذته القذرون. سيتوره : إنها مصيبة كبيرة لحسين، لقد احترق معلمه. (تجلس أناهيد فجأة على الكرسي وتبكي) ماذا بك، يا سيدتي؟ لماذا تبكين؟ أناهيد : (تبتلع دموعها) لم يكن شاغاني معلمه فقط بل مُعلّمي أنا أيضاً. سيتوره : (معانقة الأميرة) سوف أخبئك الآن في مكان لا يستطيع أحد أن... أناهيد : لا ضرورة لذلك... فحجاب مرضعتي العتيق هو أفضل مخبأ. (يطرق أحدهم الباب الخارجي). سيتوره : (للأميرة) إنه حسين. صوت حسين: أماه! سيتوره : ها أنذا آتية. (تعود لها قوتها فجأة وتركض نحو الباب الخارجي. تُدخل ابنها. تستر أناهيد وجهها المبلل بالدموع بالحجاب ويدخل حسين كئيباً). حسين : مرحباً. سيتوره : (ملتفتة نحو الباب الخارجي) ألم يرك أحداً؟ حسين : ماذا حدث؟ سيتوره : جـاء اليوم ليلاً مبعوثو شاه خوارزم وسافرتَ معهم فوراً. ما رأيك؟ هذا ما قلته لهم. حسين : لمن قلتِ؟ سيتوره : يريدون اتهامك بإحراق بيت الحكمة. يجب عليك أن تهرب. حسين : يجب عليّ ألا أفعل شيئاً. (ينظر نحو العجوز) أجئتِ لمراجعتي؟ سيتوره : نعم، نعم (تركض نحو الأميرة وترفع الحجاب الذي يخبئ وجهها الباكي). حسين : أناهيد! (يهرع نحوها) الحمد لله أنك أتيت إلى هنا. أناهيد : (بصوت يكاد لا يُسمع) لقد هربت ليلاً. حسين : لماذا لم تأتي إلى هنا مباشرة؟ أناهيد : كان شيئاً رهيباً... عتمة والجنود في كل مكان... كل الطرقات مغلقة والحركة مستحيلة لذا اضطررت أن أختبئ بين القبور. حسين : في المقبرة؟! أناهيد : (تهز رأسها وتتابع) ساعدني شاغاني على الهرب من القصر... أما هو... (تنتحب من جديد). حسين : أعرف، أعرف... (يأخذ يدها بين يديه). (تنظر سيتوره إليهما ثم تدخل إلى البيت). حسين : يا لعبث الأقدار! أناهيد : إنها لا ترحم. حسين : البارحة كان يقول: "أنت محكوم عليك بالترحال مدى حياتك وحيداً وحيداً". واليوم نحن معاً وهو غير موجود. أناهيد : نعم، البارحة فقط كان يخاطبنا: "وَلَدَيّ" (تنهمر دموعها من جديد). حسين : نعم، "ولديّ". (يصمتان. تبكي أناهيد وهي ترتجف. ينهض في ذاكرتها –كما لو أنه صوت بعيد- صوت شاغاني الخفيض. ينبعث الصوت من آلة تسجيل). صوت شاغاني: يا ولديّ، يحزنني أن أقول لكما إن أحلامكما لن يتاح لها أن تتحقق، كنت أتمنى أكثر منكما أن أراكما... حسين : (مرتعشاً) يجب عليك أن تهربي يا أناهيد! عليك ألا تضيعي دقيقة واحدة. أناهيد : لا، بل أنت من يجب عليه أن يهرب يا حسين. حسين : إذاً، فلنهرب معاً. أناهيد : إلى أين؟ حسين : قالت أمي.. إلى عند أحدهم في خوارزم، لا أدري، خوارزم على ما يبدو. أناهيد : نعم، نعم، إلى عند شاه خوارزم، أظن أنه لن يرفض إيوائي. فقد كان صديقاً لأبي، وما زال صديقاً لإخوتي. سيتوره : (تنبههما بسعالها وتخرج) حسين! أرى أن عليكما أن تهربا معاً أما أنا فسأذهب إلى أخي في "أفشانه". يجب علينا ألا نضيع الوقت. (صوت أبواق). حسين : إنه المنادي. (تتوقف الأبواق ويظهر صوت المنادي مسموعاً على نحو جيد على الرغم من أنه ليس قريباً). صوت المنادي: يأمر الخان العظيم نصر إيلك وفقه الله وسدد خطاه بما يلي: "إذا لم تعد الأميرة إلى القصر حتى وقت أذان الظهر فإن الأمير أبا الملك وأخاه أبا إبراهيم سوف يُقتلان..." أكرر: "إذا لم تعد الأميرة أناهيد إلى القصر قبل أذان الظهر فإن أخويها الأميرين سيُقتلان". (يختفي صوت المنادي، تستوي أناهيد واقفة وتنظر إلى حسين). أناهيد : يجب أن أذهب. حسين : لكن... (متأثراً بنظراتها. يكف عن متابعة الحديث، ويحني رأسه). أناهيد : يجب أن أنقذ أخويّ. حسين : (يكاد صوته لا يُسمع) أفهم. أناهيد : وأنت عليك أن تهرب. حسين : (بيأس) ما قيمة ذلك؟! (يرفع نظره نحوها) لن أستطيع بدونك. أناهيد : (بمهابة) يجب أن تنقذ مكتبة بيت الحكمة، يجب أن تنقذها، إنها في رأسك كلها. لا أطلب منك هذا وحدي بل أوصاك المعلم بذلك أيضاً. هناك في خوارزم ستستطيع فعل ذلك. (تصدح أبواق المنادين البعيدة من جديد، وتأتي أصواتهم لكن الكلمات غير واضحة). أناهيد : (تنظر إلى الشمس) يجب أن أصل إلى القصر قبل أن يؤذن المؤذن. وداعاً يا حسين! (تمد إليه يديها كلتيهما. يمسكهما ولا يفلتهما). حسين : (بصوت خفيض) وداعاً... (تحرر أناهيد يديها وتمشي نحو الباب الخارجي بخطوات سريعة. تقف عند الباب وتلتفت. يركض حسين نحوها). أناهيد : (بهدوء) أحبك يا حسين، أحبك. وسأبقى محافظة على حبّك مدى الحياة ومهما فعلت بي الأقدار. (تسدل على وجهها الحجاب وتذهب). حسين : (بصوت حزين) سأخلص لك مدى الحياة يا أناهيد. سيتوره : (تقترب من ابنها من خلفه) ما أروعها! (تقول شيئاً ما أيضاً، نكتشفه من حركاتها، تستعجل ابنها، فقد حان وقت رحيله. لكننا لا نسمع صوتها –مثلنا مثل حسين- بل نسمع صوتاً آخر). صوت أناهيد: أحبك يا حسين، أحبك. صوت شاغاني: "أنت محكوم عليك بالترحال مدى حياتك وحيداً وحيداً". (صوت أناهيد من جديد: "أحبك... أحبك..."). (ستارة) (يخرج عمر الخيام من وراء الستارة) عمر الخيام: لو كان لي كالله في الفلكِ يدٌ لـم أُبقِ للأفـلاكِ من آثارِ وخلقتُ أفلاكاً تدورُ مكانَها وتسيرُ حسبَ مشيئةِ الأحرارِ. (1) هو الكتاب المقدس عند الفرس القدماء (المترجم). (2) هو إله الخير عند الفرس القدماء (المترجم). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |