ثلاث مسرحيات من طاجيكستان - ترجمة وتقديم:د.غسان مرتضى - نذر الله نزار

مسرح - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:39 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الأول

(مدينة بخارى. بلاط إسماعيل الساماني. يبدو عرش مهيب وسط قاعة القصر الكبرى حيث تجري الجلسات والاجتماعات واللقاءات ومراسم استقبال الوفود. يدخل الجيهانـي والسيدة الأم من بابين متقابلين وتدخل بعدهما الجارية ريحان).‏

الجَيهاني: لقد أبلغت أمر مولاي الأمير إلى أهل الديوان، وجاء رسول يبشرنا بأن الأمير قادم من "أفشنه" إلى "بخارى".‏

الأم : أظن أنه قد وصل الساعة إلى مشارف المدينة، لكن هل تعلم الحاشية بذلك؟‏

الجَيهاني: أجل، سيدتي. لقد أوعزنا بنشر الخبر حال وصول الرسول.‏

(تتعالى أصوات الطبول والأبواق من القريب والبعيد. وتظهر سيده بانو منشرحة الصدر)‏

سيده بانو: سيدتي الأم، صوت الطبول هذا يبشر بقدوم أميرنا...‏

الأم : امضي إلى الخدم وانقلي لهم أمري بأن يعدّوا مائدة فاخرة فالأمير قادم من سفر طويل..‏

الجيهاني: (يناولها لفافة) هذه الرسالة من ديوان المُلك، وصلته من إحدى قبائل البادية.‏

الأم : من أية قبيلة؟‏

الجيهاني : من قبيلة "أوغروغ خان".‏

الأم : أيطلبون فيها مراعيَ لهم أم محلاً للتجارة؟ أذكر أننا تلقينا رسالة منهم قبل خمسة أشهر.‏

الجيهاني: إن نجل "أوغروغ خان" الأكبر في طريقه إلى بخارى على رأس قافلة.‏

الأم : ماذا كان اسم ابن الخان هذا؟ أظن أنه في العام المنصرم كان في صحبة أبيه أوقا.. أوغا.. ما أصعبَ لفظ هذه الأسماء.‏

الجيهاني: (ينظر في الرسالة) اسم ابن الخان هذا "أوقطاي". هو الذي جاء في حينه بصحبة "أوغروغ خان" و "أغولمش".‏

(يتعالى صوت الطبول أكثر فأكثر. يعتري ثلاثتهم اضطراب).‏

الأم : هيا نستقبل الأمير خارج القصر. (ملتفتة إلى الجارية ريحان) أما أنتِ فابقي هنا.‏

(ينصرفان وصوت الطبول يزداد ارتفاعاً. وتلوح بانو).‏

بانو : (للجارية ريحان في فرح) الأمير قادم.. الأمير.. لِمَ تنظرين إليّ هكذا، هل لباسي غير لائق؟.. (تقهقه).‏

الجارية : (تقترب منها متبرمة) همم.. هوو.. (تلمس ملابسها بإيماء مشيرة إلى الباب).‏

بانو : ها.. لم يعجبك هذا أيتها الجارية‍! أنت ذكية لا مثيل لك! سأمضي لأبدل ملابسي (تدخل مقصورتها فرحة، بينا تعاين الجارية ريحان مجلس الأمير بإمعان، وتمسح الكرسي بمنديلها. يزداد صوت الطبول اقتراباً).‏

الجارية : (تلمس الكرسي بيمينها ثم تمسح بها عينيها قائلة بإيماء) هوو.. همم.. آهوررا.. هوو.. همم..‏

صوت : الأمير قادم.. مولانا أمير البلاد..‏

(يدخل من البوابة الرئيسية جنديان متمنطقان بالرماح والأجراس مسرعين، ويأخذ كل منهما مكانه خلف الكرسي، وتنظر الجارية ريحان إلى البوابة بفارغ الصبر ثم تسير نحو الزاوية. يظهر الأمير إسماعيل السامانـي، ومن ورائه الجيهاني وقائد الجيش بازوان يتبعهم السيدة الأم وأبو الفضل البلعمي وأبو منصور كيشي ويقفون صفاً عن يمين الكرسي. ينظر إسماعيل السامانـي إلى الجمع نظرة متجهمة، ثم يجلس على الكرسي بينا يقف الجيهانـي عن يمينه ويتجه بازوان إلى أسفل الكرسي).‏

إسماعيل الساماني: أيها الجيهاني، قل لي: ألم أكن أعفيتُ أهل بخارى منذ بضعة أعوام من الخراج الباهظ؟ تكلم، لماذا لم ينفّذ أمري حتى الآن؟‏

الجيهاني: (متقدماً قليلاً) أيتجرأ أحد على التقاعس في تنفيذ أمر مولانا الأمير؟! اعذرني سيدي فأنا لم أدرك فحوى ما تشير إليه.‏

إسماعيل الساماني: ماذا يقول أمين ديوان الأعشار أبو منصور كيشي بهذا الخصوص؟‏

أبو منصور: (متقدماً) عبدك الوفي وخادمك المخلص هذا يستحق أشد العقاب.. إني أردت أن.. آهٍ، إن لساني يلتصق بحلقي.‏

إسماعيل الساماني: (مبتسماً ابتسامة خبيثة) من الطبيعي أن يلتصق اللسان بالحلق من كثرة ما ابتلع من الحلوى، هيا تكلم يا أبا منصور، ماذا تريد أن تقول؟‏

أبو منصور: أريد أن يتطلع مولاي بعد كل عودة من رحلته إلى "بايكند" أو "شافركوم" أو أرباض بخارى إلى ما أنجزه خادمه الحقير هذا (مشيراً إلى نفسه) من أعمال مفيدة، وأن يطمئن إلى أنّ عبده الضعيف المقصر يضم إلى بيت المال كل ما وجده ليكون العسكر شباع العيون مضاة السيوف.‏

إسماعيل الساماني: (باستهزاء) أيستطيع الضعيف المقصر أن يفعل شيئاً مفيداً وجديراً بالتقدير؟ وأنت ماذا تقول، أيها الجيهاني؟‏

الجيهاني: أرجو الصفح عني يا مولاي الأمير! لم يكن عبدك هذا برفقة الموكب في هذه الرحلة، ولم أدرك بالضبط ما يعنيه أمين ديوان الأعشار.‏

إسماعيل الساماني: (ملتفتاً إلى بازوان) وما رأيك أنت يا قائد الجيش؟‏

بازوان : لقد أبلغت مولاي في هذه الرحلة أن العسكر لم يعودوا بحاجة إلى خراج قليل يُجبى من قضاء "ورخشه".‏

إسماعيل الساماني: أسمعت يا أبا منصور؟‏

أبو منصور: كنت أريد أن.. أرمم سور "ورخشه" الكبير، ولاسيما تلك الأماكن التي تمرّ بجانبها المواكب الأميرية، عسى أن تغمر البهجة قلب مولاي كلما اتجه إلى بخارى.. كما أردت أن أضمن بهذا الخراج نفقات الجيش..‏

الأم : أمورك عجيبة يا أبا منصور، ألم يكن أميرنا قبل أربعة أعوام قد أعلن أمام الجمهور عن إيقاف الجباية لترميم سور "ورخشه"؟!‏

أبو منصور: بلى، ولكني.. أردت أن أقول..‏

إسماعيل الساماني: (ينتصب بجدية) لم أعد أقبل دعواك هذه عن "ورخشه" لقد أمرت قبل أربعة أعوام ألا يؤخذ خراج من أهل بخارى إطلاقاً لترميم سور "ورخشه". ولترميم أسوار "مرو" و"أبيفورد" و "نسا". أما نفقات الجيش، فلتضمن على حساب عوائد الولاية وأملاك الديوان. كما قلت إنني ما دمت حياً فأنا سور لبخارى. وأمرنا هذا واجب على الجميع. قل يا أبا منصور وكرر!‏

أبو منصور: (مقترباً من الكرسي): فليقطع الله لساني إن لم أقل مراراً وتكراراً إن مولاي الأمير مادام حياً فهو السور الحامي لبخارى، وهو الشمس الساطعة في جميع أنحاء البلاد، وهو الظل الظليل على رؤوس الفقراء جميعاً، وليقطع الله لساني إن لم أقل ذلك مراراً وتكراراً.‏

(تنظر الأم إلى إسماعيل الساماني ممتعضة).‏

إسماعيل الساماني: أما الآن فانطلق يا أبا منصور، وأعدْ إلى الناس ما أخذْتَه من أموالهم، وكرر هناك ما قلتَه هنا.‏

أبو منصور: (يتراجع منحني الرأس) يشهد سبحانه وتعالى أن مولاي الأمير ما دام حياً فهو سور لورخشه وسور لبخارى.‏

إسماعيل الساماني: (مبتسماً) أراك قد توغلت في جلدي، حتى غدا إخراجك منه مستحيلاً. اذهبْ! (يخرج أبو منصور كيشي من البلاط).‏

الأم : لقد عدتَ من رحلة بعيدة.. ألا تشتهي الطعام؟ المائدة جاهزة.‏

الجيهاني: هل يأذن لنا مولانا الأمير بالانصراف، حتى ينفض مولانا عنه غبار السبيل، ويلقي عن كاهله عناء السفر الطويل، وسنحضر ثانية عندما يأمرنا بذلك، أما أبو الفضل البلعمي فلديه رسالة هامة يريد أن يعرضها على مولانا.‏

إسماعيل الساماني: (ملتفتاً إلى البلعمي): ماذا لديك يا صاحب ديوان المُلك؟ تقدم يا أبا الفضل.‏

البلعمي : مولاي الأمير، وصلتنا رسالة من قبيلة "أورغروغ خان" صباح هذا اليوم..‏

إسماعيل الساماني: أوغروغ خان؟ أهو سيد قوم "قرلوق" أم "يغما"؟‏

الأم : تلقينا رسالة منهم قبل خمسة أشهر يطلبون فيها المراعي..‏

(يسلّم الجيهاني الرسالة لإسماعيل الساماني).‏

إسماعيل الساماني: لقد تذكرت، إنه هو "أوغروغ خان" الذي جاء برفقة "أوغولمش" للقائنا في العام الماضي في أثناء إقامتنا في "إسفيجاب" و"طراز". لديه مشروع تجاري ينوي تنفيذه في كل من "اسروشنه" و"سمرقند" و"بخارى". وقد أوعزت آنذاك إلى ديوان الملك بإمكانية تلبية هذا الطلب شريطة أن تكون حدود البلاد طوال السنة في مأمن من أذى هذه القبيلة الرحالة.‏

الجيهاني: أجل يا مولاي، كان أمرك على هذا النحو.‏

بازوان : مولاي، إن حدود البلاد، ولله الحمد، في مأمن منذ خمسة أعوام بعدما أحرزنا بفضل الله وشجاعة مولاي الأمير وبطولاته انتصاراً ساحقاً على هذه القبيلة الرحالة في "طراز" و"طلس".‏

(تقع عين الأم على بانو التي كانت تهم بتقديم كأس من ماء الورد على صحن كبير مطلي بالذهب).‏

الأم : يا بانو، قدّمي كأساً من ماء الورد.‏

(تقترب بانو من الأمير باحترام ورشاقة ويتناول الأمير ماء الورد مُنحّياً أنظاره عنها، في حين ترفع بانو عينيها محدقة إليه بنهم).‏

إسماعيل الساماني: أظن أن القافلة قد تكون وصلت إلى مشارف بخارى..‏

الجيهاني: أجل يا مولاي، كنا قد بعثنا بمن يستقبل القافلة.‏

الأم : (منتبهة إلى حالة بانو) يا بانو، نحن نريد ماء الورد أيضاً.‏

(تقدم بانو ماء الورد لكل من الأم والجيهاني والبلعمي وبازوان وعندما تهمّ بالانصراف يسقط الصحن من يديها محدثاً رنيناً يجلب إليه انتباه الجميع).‏

إسماعيل الساماني: لعمري إن هذا الرنين ليدعوني إلى اليقظة..‏

(تلتقط الجارية ريحان الصحن على عجل وتعطيه لبانو، وتنصرف الأم والجارية ريحان وبانو إلى الحريم وإذا بصوت الطبول يُسمع من بعيد).‏

الجيهاني: مولاي، لقد وصلت قافلة "أوغروغ خان" إلى عتبة البلاط. أيستقبل القافلة صاحب ديوان المُلك؟‏

البلعمي : أتسمح يا مولاي أن أقوم بالواجب.‏

(يأذن إسماعيل الساماني له بالانصراف بإيماءة من رأسه، فيخرج البلعمي مسرعاً. وترجع بانو لأخذ الكؤوس، وتأتي الأم وبيدها رداء مطرز بالذهب وتلبسه إياه).‏

الأم : (لإسماعيل الساماني في لطف)أراك لا تبالي بجاريتك بانو يا ولدي، أرجوك ألا تعاملها بجفاء.‏

إسماعيل الساماني: أماه، أتكون معاملة الأمراء لجواريهم على غير ذلك؟!‏

الأم : (هازة رأسها بعدم الرضى): نعم، لكن الأمر هنا مغاير تماماً لما كنت أقصده.‏

إسماعيل الساماني: (في شيء من الضحك): كانت تلك نصيحة الأم فأذعنّا لها. (آخذاً مأخذ الجد): الآن سنستقبل الضيوف..‏

(ترجع الأم والجارية ريحان إلى مكانهما الأول، وبإشارة من الأمير يتجه بازوان ومعه حارسان إلى المدخل الرئيسي انتظاراً لقدوم الوفد. يتعالى صوت الطبول. يجلس إسماعيل الساماني متناولاً عصاه المزركشة. وعند المدخل يظهر الحارسان وبازوان يتوسطهم أوقطاي وشقيقته خاتوناي. يقف الحارسان في مكانهما المعتاد خلف كرسي الأمير تحت رنين الأجراس. يرافق بازوان والبلعمي الضيفين إلى مقدم الكرسي ثم يرجع كل منهما إلى المكان المخصص له. وبعد أداء السلام يسحب أوقطاي من نطاقه المزركش رسالة ليناولها الأمير إلا أن بازوان يمنعه ويأخذ الرسالة من يده، ويسلمها بنفسه إلى الأمير في احترام).‏

أوقطاي : (يحني رأسه في تواضع) أيها الأمير الهمام الضرغام ومالك ما وراء النهر المقدام! تقبل تحياتنا واحتراماتنا أنا وشقيقتي "خاتوناي" بمناسبة تشرفنا بلقائك وإتاحة الفرصة لنا لتقبيل مواطئ قدميك. قبل البدء بالحديث كان بودي أن تستمع إلى تحيات أبي "أوغروغ خان" التي سجلها لسموكم في رسالته هذه.‏

إسماعيل الساماني: (في كبرياء يليق به) نحن، أمير ما وراء النهر، نقول: إن أولاد السيد الشهير "أوغروغ خان" سوف يجدون في هذا المقام السامي كل الحفاوة والإكرام، وإن كل من يقدم إلى هذا البلد السعيد منفتح القلب متهلل الوجه سوف تتكلل أعماله بالنجاح. وسنسمع ما تنطوي عليه هذه الرسالة (يفتح الرسالة ويمرر نظره بها ثم يناولها البلعمي) اقرأ!‏

البلعمي : بسم الله الرحمن الرحيم. من سيد قوم يغما "أوغروغ خان" الذي اعتنق الإسلام إلى أمير ما وراء النهر الأعظم، أسأل الله ربنا وربكم أن ينزل الأمن والطمأنينة على دار الملك السامية المقام، ويشاطرني هذا الرجاء كل من سيد قوم شيكيل "بغراخان" وسيد قوم قرلوق "أوغولمش"، وأرجو أن يعلم مولانا الأمير الضرغام أنني ترسيخاً للثقة والتفاهم بيننا وبينكم قد صممت على إرسال ابنتي العزيزة "خاتوناي" لخدمتكم، وسواء علينا إن كنتم تَعِزُّونها أم تذلونها. كما أنني أرجو حسن اهتمام سموكم بأقوام يغما وقرلوق وشيكيل والتكرم بالسماح بفتح طرق تجارية تؤدي بهم إلى أسواق "فرغانة" و"بخارى" و"سمرقند" و"شغانيان" و"رشتان" و"حُلبك" و"ختلان". ونحن من جانبنا على استعداد لتقديم أية خدمة يراها سمو أمير بخارى سائلين المولى القدير أن يديم نعمته على بلادكم ويجعلكم معززاً منصوراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. خان بلاد يغما "أوغروغ خان". (يرد البلعمي الرسالة إلى إسماعيل الساماني).‏

إسماعيل الساماني: ما رأي الوزير بهذه الرسالة؟‏

الجيهاني: مولاي، لو أذنت بأن يأخذ ابن الخان ورجال القافلة قسطاً من راحتهم في دار الضيافة حتى ننظر فيما ترجوه هذه الرسالة من مولانا.‏

(ينـزل الأمير من الكرسي، ويقف قبال خاتوناي. تنظر خاتوناي إليه نظرة ومودة، ثم تنحني لتقبل ذيل ردائه، لكن الأمير يمسك بذراعها في لطف، ويرفع قامتها في رقة شيئاً فشيئاً. أما بانو التي كانت تشاهد هذا المنظر، فتضع رأسها على كتف الجارية ريحان وأثر الكآبة بادٍ على وجهها).‏

إسماعيل الساماني: ما اسم ابنة الخان يا ترى؟‏

أوقطاي : اسمها "خاتوناي" مولاي.‏

إسماعيل الساماني: (ملتفتاً إلى الأم) ماذا تقول الأم، أنقبلها أم نردها؟‏

الأم : بنيّ، ما دمت تستشير الأم فإني أقول إن سيد قوم يغما "أورغوغ خان" قد أهدى ابنته الوحيدة لآل سامان تعبيراً عن تقديره واحترامه، ومن دخل عتبة هذه الدار صافي القلب نقي المشاعر فإنه لن يلقى منا إلا المحبة والعطف.‏

إسماعيل الساماني: (مختلساً النظر إلى قامة خاتوناي) إن أمر الأم واجب علينا.. هم، م، أما صورتها فلا عيب فيها، وأما سريرتها فعلمها عند الله (يعود إلى مجلسه ثانية).‏

الجيهاني: هل يأذن مولانا لنا بالذهاب إلى دار الضيافة؟‏

(تخرج خاتوناي برفقة الأم والجارية ريحان وبانو. ينصرف من الباب الآخر أوقطاي برفقة البلعمي. ينهض إسماعيل الساماني من مجلسه، ويذرع القاعة جيئة وذهاباً وهو مستغرق في التفكير).‏

إسماعيل الساماني: (مستوقفاً الجيهاني) ماذا تستشف من تحركات "أوغروغ خان" و"أغولمش" هذه أيها الوزير؟‏

الجيهاني: أرى أن أهل تلك الأقاليم قد ضاقوا ذرعاً بحالهم المزري فالشتاء طويل والصيف قصير، وهم يفتقرون إلى المراعي فضلاً عن حاجتهم الماسة إلى الأقاليم الدافئة والأسواق التجارية.‏

(يحضر أبو الفضل البلعمي وأبو منصور).‏

إسماعيل الساماني: وأنت ما رأيك يا قائد الجيش؟‏

بازوان : لقد أدرك الوزير أهداف قبائل البادية إدراكاً جيداً، أظن أنهم يريدون التقرب من مولاي الأمير بصلة الرحم ثم..‏

إسماعيل الساماني: (ساخطاً) يا بازوان، إنك ما زلت تجهل طبيعة أميرك!‏

بازوان : (جاثياً على ركبته اليمنى) فداك روحي وجسدي يا مولاي! كنت ولا أزال أؤمن بأميري وأخلص له الخدمة، إن ما في قلبي يلفظه لساني فحسب..‏

إسماعيل الساماني: تكلم يا بازوان!‏

بازوان : ما دمت حدثتك عن صلة الرحم، فإني أظن أنها من أقرب الوسائل للوصول إلى مآربهم، فشتاؤهم الطويل القارس يجعلهم يلجؤون إلى مناطق الدفء والخصوبة حيث سعة المراعي لأغنامهم والأسواق الرابحة لتجارتهم. لذا فإنني لا أرحب بتغلغلهم في عمق ما وراء النهر بالطرق التجارية.‏

إسماعيل الساماني: وما هو موقف صاحب ديوان المُلك؟‏

البلعمي : إن علم مولاي يحيط بكل شيء، وأنا بدوري أظن أن دخولهم البلاد في الوقت الحاضر غير جائز، إذ يوجد بينهم من يتجسس أو يستطلع أوضاع البلاد وأهلها، وعلى هذا الأساس أرى أن نكتفي بإعطائهم فرصة التجارة بشمال البلاد فقط.‏

إسماعيل الساماني: (يخطو مفكراً) ما الذي حمله لنا أمين ديوان الأعشار أبو منصور كيشي من سور "ورخشه"؟‏

أبو منصور: (منحنياً) لقد أعدت الأموال التي جمعتها لترميم سور "ورخشه" إلى أصحابها وقلت للصغير والكبير أن لا يبحثوا في هذا السور الأخرس عن حماية لهم! فإن الله سيرعاهم وسيحميهم ظله الأمين مولاي ما دامت هذه الحياة قائمة..‏

إسماعيل الساماني: (يبتسم ملوياً وجهه عن الحضور) وماهو ردك على طلب قبائل البادية؟‏

أبو منصور: مولاي، إنك صاحب الرأي والتدبير. وإن أردت أن تسمع عبدك الذليل فأقول: إنه ينبغي لمولاي أن يستحوذ على قلوب القبائل الرحّل بعطفه وكرمه، وأن يوجه ضربات سيفه القاضية إلى البلدان العظيمة المعادية لنا بدلاً من قبائل "يغما" و"شيكيل"، وإن أرادت هذه القبائل أن تتعلم التجارة عندنا فهذا لعمري عمل مفيد، كما أنني أرى..‏

إسماعيل الساماني: (مقاطعاً أبا منصور) أعرف طباع هذه الأقوام وفعالهم معرفة جيدة، إذا ما رأوا يداً طولى تلّوح فوق رؤوسهم امتنعوا مدة عن التطاول على قرانا ومدننا. فقد جاءتنا هداياهم بعد انتصاراتنا الكبرى في "طراز" ووادي "طلس"، ولم يفعلوا ذلك إلا خوفاً وتحسباً من اعتزامي فتح بلاد "قرلوق" و"شيكيل" لأُنهي بذلك غارات النهب والسلب التي تمارسها بين حين وآخر هذه القبائل الرّحل في المناطق الشمالية لما وراء النهر. (ملتفتاً إلى الجيهاني) هذا ما أفكر فيه، أيها الوزير.‏

الجيهاني: نعم يا مولاي، كنت تعتزم فتح تلك الأقاليم قبل حلول موسم الأمطار والثلوج.‏

إسماعيل الساماني: فلما علمت بغداد بنيتنا هذه حرّضت علينا أمير خراسان، فاضطررت إلى تأجيل فكرة فتح الشمال تحسباً للاعتداء على بخارى من الجنوب.. (يعود إلى مجلسه وبصوت آمر) هذا هو جوابي وأمري! رتبوا لهم أماكن للتجارة في بلاد "طراز" و "اسفيجاب" و"كاسان" و"اخسيكات" و "أوزجند". أما في سمرقند وبخارى وجنوب البلاد فلا. (إلى الجيهاني) أيها الوزير، أعدْ منشورنا إلى ديوان الملك قبل عودة القافلة إلى بلدها. (للحضور) انصرفوا الآن. سنجتمع بعد صلاة العشاء إن شاء الله.‏

(ينصرف الجيهاني، وأبو الفضل البلعمي ومعهما أبو منصور كيشي، إلا إنه يتوقف فجأة ويلتفت إلى الأمير مخرجاً من جيبه خاتماً متلألئاً).‏

أبو منصور: يا سيدي وسندي! قد سمعت حكيماً يقول: "إذا لم تستطع التعبير عن حبك باللسان فعبّر عنه بالهدايا"..‏

إسماعيل الساماني: (في شيء من الضحك) إنك داهية في مثل هذه الأمور يا أبا منصور. تعال! امكث، يا بازوان!‏

(يرجع بازوان ويقدم أبو منصور الخاتم لإسماعيل الساماني في احترام).‏

أبو منصور: أنا شاكر على تحقيق أمنيتي هذه الساعة. إنه ذهب خالص مع العقيق اليمني.‏

إسماعيل الساماني: (معايناً الخاتم) بالتأكيد، بالتأكيد، تعال إليّ يا قائد الجيش. إن ديوان الأعشار يؤمّن دوماً نفقات العسكر، أما هذا فاعتبره مكرمة منه (يدخل الخاتم في إصبع بازوان ثم يشير إلى الحارسين بالاقتراب) عليك أن تحضر خاتمين آخرين لهذين الحارسين أيضاً فإنهما يستحقان ذلك. أما الآن فاذهبا لتعودا إليَّ بعد العشاء.‏

(يخرج أبو منصور مبتسماً ابتسامة خجولة يعقبه بازوان. ويتجه إسماعيل الساماني إلى الداخل بينما يقف الحارسان عند طرفي الباب. ثم يظهر أوقطاي وخاتوناي).‏

أوقطاي : (متلفتاً إلى أرجاء القاعة) تذكري جيداً ما أمرك به أبونا، عليك التقرب من إسماعيل الساماني، أظن أنه قابلك باحتفاء.‏

خاتوناي: وجدت حديثه معي دافئاً، أما نظراته فكانت باردة، فما الحيلة؟..‏

أوقطاي : سيساعدنا رجل من رجال حاشيته إضافة إلى أشخاص آخرين تربطهم علاقة سرية بأبينا.‏

خاتوناي: وكيف أعرف هذا الرجل؟‏

أوقطاي : تعرفينه بكل بساطة، سيمرر يده على شاربيه غير مرة.‏

خاتوناي: أهذه عادته؟..‏

أوقطاي : لا، بل سيفعل ذلك للتعارف فقط، انبتهى يا خاتوناي! عندما تعرفينه تقربي منه، وتصرّفي حسب تعليماته.‏

خاتوناي : فهمت، لا تقلقْ عليّ يا أوقطاي!‏

أوقطاي : دبري الأمور بحنكة وحذر، زيدي من علمك بإسلامهم وتقاليدهم فوق ما علّمنا أستاذنا السمرقندي ليؤثروك بالحب والاحترام، فنحن ما زلنا نجهل مراسيم حاشية الأمير وسلوكها.‏

خاتوناي: سوف أستفيد من أم الأمير أيضاً.‏

أوقطاي : (مستطرداً) لقد ضيّق آل السامان علينا ميدان السطوة والصولة، وإذا كان الأمير حكم اليوم في "طراز" و"طلس" فلا يستبعد أن يشن غداً هجوماً ليستولي على بلادنا. (يمد يده إلى مقبض السيف غاضباً): آه، إن هذا السيف لم يشهد المعركة والدماء بعد! أنا من قوم يغما.. وشيمتي الإغارة.. الإغارة!‏

خاتوناي: (في اضطراب) على رسلك يا أوقطاي! أخشى أن يبلغ صراخك مسامعهم، هيا نمض، إنهم في انتظاري.‏

(ينصرفان: وتدخل الأم من الباب الآخر برفقة بانو والجارية ريحان).‏

الأم : (لبانو) كما تعلمين، جيء بك كجارية إلى هذا البلاط، لكني أمرت أفراد الحاشية أن يعتبروك بنتاً من بناتنا، وأفهمتهم أنني سأكون شاكرة إذا ما اتخذك الأمير زوجاً له، لأنك من أسرة شريفة أيضاً.‏

بانو : سامحيني يا سيدتي الأم، لا حيلة لي في الأمر فقد أحببته من كل قلبي، لكنّه يعرض عني وعن مكالمتي، وقد رأيته يميل إلى خاتوناي بدلاً مني..‏

الأم : يا ريحان، ادعي خاتوناي إلينا! (تركض الجارية ريحان صوب الحريم). أنت يا بانو، من أسرة يعقوب بن ليث الصفّار تغمده الله برحمته.. لقد كان عزيزاً على الأسرة السامانية.. واعلمي أن مملكة القلب لا تفتح إلا بالود والحسنى.. وليس بالقسر وحدّ السيف!‏

بانو : إنك عالمة بكل شيء يا سيدتي الأم، ولم يبق لي ما أقوله، سأفعل كل ما تأمرينني به.‏

(تحضر الجارية ريحان وخاتوناي، وتخف خاتوناي إلى تقبيل يد الأم ثم تتراجع في انحناءة واطئة).‏

الأم : دعوتكما أنت وبانو لأعطيكما إرشادات حول ما يتوجب عليكما فعله في مجلس الأمير، وفي أثناء مراسم استقبال الوفود، ويجب أن تكونا رهن إشارتي دائماً.‏

الجارية : (متقدمة) أمما.. هوو.. أمم..‏

الأم : (ضاحكة) صدقت يا ريحان! في بعض الأحيان قد تأمركما هي بدلاً مني، لأنها تعرف كل ما يجب فعله.‏

الجارية : هوو.. أمما..‏

الأم : لا تستاءا منها، ولا تسيئا إليها، واعلما أنها تخدم هذه الدار بإخلاص وأمانة منذ ثلاثين سنة.‏

بانو : عرفت ذلك منذ الوهلة الأولى لقدومي.‏

الأم : كلامي هذا يخص ابنة الخان خاتوناي أكثر مما يخصك أنت، حتى لا تظنيها مجرد جارية.‏

خاتوناي: سمعاً وطاعة يا سيدتي الأم!‏

الأم : إن عشيرتنا نحن تنحدر من البرامكة وملوك "ختلان" الذين يُعرفون بعراقة الأصل وسمو الأخلاق.‏

(يتعالى صوت الطبول ثانية. تنصرف النساء، ويظهر من المدخل الرئيسي شقيق الأمير يعقوب الساماني ونجله أحمد بن إسماعيل. تقف الجارية ريحان بين أيديهما، وتحني رأسها احتراماً واحتفاءً بهما، ثم تتوارى مسرعة).‏

يعقوب : (في استهزاء) كلما دخلت هذه الدار استقبلني الصم والبكم، عجبي من أخي الأمير كيف أوسع مجالاً في بلاطه لمثل هؤلاء.‏

أحمد : لا تسخط على أبي، فإن الأم الكبرى هي التي آثرت هذه الجارية بالحب والاحترام و..‏

يعقوب : وكيف لا أسخط على أخي (أبي إبراهيم) وقد كثرت الشكاوى من تصرفاته، ألم تر كيف انتقد رسول الخليفة تصرفاته أمس، وكيف تحدث المبعوث الخراساني عن غطرسته وعناده، ثم إنك تعلم أن أمير خراسان عمرو بن الليث يضمر له العداء.‏

أحمد : أخشى أن يغضب أبي من حدة كلامك، ويقصينا عن نفسه.‏

يعقوب : اعلم يا أحمد، أنك وارث الملك بعد أبيك، وإن إزالة الكدر والغبار اليوم، ستكفل لك غداً سهولة الدرب ونجاح العمل، وأن يد بغداد سوف تلاطفك إن شاء الله..‏

(تحضر الأم والجارية ريحان ويتقدم يعقوب وأحمد ويقبلان ذيل فستان الأم).‏

الأم : (ماسحة رأسيهما) البارحة رأيتك في منامي يا يعقوب، كنت تدور حولي ثائراً كالأسد دونما هدوء. (لأحمد) أما أنت فأقلقني غيابك الطويل، وبت أستفسر أباك في أمرك..‏

أحمد : عفواً، يا جدتي الحبيبة إن طال غيابي عن الدار، لكنني كنت استأذنت أبي بالسفر إلى ولايات "الشاش" و"ختلان" و"سمرقند".‏

يعقوب : أمي! أراك، ولله الحمد، على ما عهدناك من النضارة والقوة. وكيف حال أخي الأمير؟‏

الأم : الحمد لله، إنه في أتم صحة وسعادة، ويمسك بزمام الملك بقوة واقتدار، وقد علم بوصولكما وسيأتي قريباً.‏

(يدخل إسماعيل الساماني يتقدمه الحارسان المسلحان اللذان يتخذان مكانهما خلف الكرسي بينما يتجه يعقوب وأحمد نحو الأمير للمصافحة).‏

إسماعيل الساماني: (محدقاً إلى ملامح أحمد فترة) أرى أن الشمس قد طابت لك وراقت.‏

أحمد : لأنها كانت تحمل إليّ في كل إشراقة تحيات أبي وأشواقه، وتدفئ جسمي وروحي بحرارة أشعتها الساطعة.‏

إسماعيل الساماني: (ملتفتاً إلى يعقوب) كيف وجدت الأوضاع بولاية "الشاش"، وهل أخمدتَ نار الفتنة في القرى الأربع المنتفضة؟‏

يعقوب : أجل يا أخي، سحقت رؤوس العصاة والمفسدين، وأصلحت الأمر، وأعدت للناس الطمأنينة والأمن في العمل والمعيشة..‏

(يدخل أبو الفضل البلعمي وأوقطاي، والجيهاني وبازوان وأبو منصور كيشي، من جانبين متقابلين وتحضر إثرهم على عتبة الباب بانو وخاتوناي. يتجه الأمير نحو مجلسه، ويدعو الجيهاني إليه، ويتهامس معه. يأخذ أوقطاي شقيقته خاتوناي إلى زاوية).‏

أوقطاي : انتبهي جيداً، يا أختاه، اقتربي ممن يمرر يده على شاربيه ليرشدك في الأمر، اغتنمي الفرصة بدهاء فأنا عائد إليهم.‏

خاتوناي: امض مطمئن البال يا أخي، ودعني أراقبهم عن كثب.‏

(يعود أوقطاي إلى محله، وتلقي خاتوناي نظرة فاحصة على الحضور، وإذا بالجيهاني والبلعمي وأبي منصور يمررون أيديهم بشواربهم واحداً تلو الآخر. وتذهل خاتوناي من رؤية هذا المشهد.. وبإشارة من الأم تأتي بانو وخاتوناي بماء الورد).‏

يعقوب : (متناولاً الكأس من صحن خاتوناي، ومحدقاً إليها: أرى وصيفة جديدة في البلاط؟!‏

الأم : هذا أوغروغ خان قد أرسل ابنته لخدمة هذه الدار تقديراً واحتراماً للأمير وتعبيراً عن حسن نواياه. (مشيرة إلى أوقطاي) وهذا شقيقها ابن الخان أوقطاي.‏

يعقوب : سيلقى ابن الخان كل احترام وتكريم في هذه الدار.‏

الأم : اشربوا ماء الورد.‏

أوقطاي : (مشيراً إلى كأس بيده) ما أطيب ماء الورد هذا! إنني لم أذق مثله من قبل.‏

الأم : إن من المشروب ألواناً ولكن ماء الورد لا مثيل له.‏

أوقطاي : (مستدعياً خاتوناي) هل عرفتِ صديقنا من بينهم؟‏

خاتوناي: ثمة ثلاثة مرروا أيديهم بشواربهم.‏

أوقطاي : ها.. ثلاثة تقولين؟ لا ترهقي نفسك بعد الآن، إنه رجل موثوق به فقد أجزل له أبونا بفراء السمور والثعالب.‏

(يبتعد الجيهاني عن الأمير جانباً ويطفق الكل يلتفت إليه).‏

إسماعيل الساماني: غداً ستغادر بخارى قافلة "أوغروغ خان" عائدة إلى بلدها، وقد اتخذنا بخصوص آل "يغما" القرار التالي: (للجيهاني) تفضل أيها الوزير!‏

الجيهاني: (متقدماً) رسالة الأمير إسماعيل الساماني المعظّم إلى أمير "يغما" أوغروغ خان.‏

(يقرأ) بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين.‏

أما بعد: فقد وصل نجلكم الكريم ورجال قافلته إلى مدينة بخارى حرسها الله، وقدّم إلينا باسمكم فرائض الطاعة والولاء. وبعد أن اطلعنا على رسالتكم، ارتأينا ألا نقيم في الوقت الحاضر أسواقاً تجارية لأقوام "يغما" و "شيكيل" وذلك نظراً لما تتعرض له ثغورنا الشمالية من محاولات الإغارة والاعتداء من قبل القبائل الرُّحل. لكننا قررنا أن نلبي رغبتهم، ونتيح لهم فرصة التجارة في بلاد "طراز" و"إسفيجاب" و "كاسان" و"أخسيكات" و "أوزجند" على أن يدفعوا الضرائب المترتبة على ذلك. كما قررنا أن نستبقي ابنتكم لتقيم في بلاطنا مدة نزولاً عند رغبتكم، وتوثيقاً للعلاقات الأسرية بيننا وبينكم. حفظكم الله وأهلكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمير بلاد ما وراء النهر إسماعيل الساماني، (يعيد الجيهاني الكتاب إلى الأمير في احترام).‏

إسماعيل الساماني: (مخاطباً أوقطاي) أبلغ سلامنا إلى "أوغروغ خان" المعظم.‏

أوقطاي : (مكتئباً) على السمع والطاعة.‏

يعقوب : هذه فاتحة مباركة لما ينتظرنا من الأعمال الجسيمة (ملقياً على أبي منصور نظرة ذات معنى) سيتحقق ذلك كلّه بمشيئة الله.‏

أبو منصور: (متقدماً) لا حدود لكرم أميري ورحابة صدره ونحن خدم هذا المقام العالي جميعاً نؤمن بخطورة كل أمر يقدم عليه مولاي لمصلحة البلاد. أعتقد أنه من صلاح الأمر أن نجعل الجار البعيد صديقاً قريباً يُعتمد عليه..‏

البلعمي : أعتقد كل الاعتقاد أن مولاي الأمير بسداد رأيه وحسن تدبيره هذا سوف يحمي مدن الشمال وقراه من اعتداءاتهم مدةً طويلة بإذن الله. مولاي، أول أمس وصل رسول خليفة بغداد الذي كان في طريقه من "مرو" إلى "بخارى". وقد بعثت بمندوبنا ليرافقه إلى الديوان لنعرف هدف زيارته هذه..‏

إسماعيل الساماني: اذهبْ يا أبا الفضل. (ينصرف البلعمي) أقيموا حفل تكريم على شرف ابن الخان ورجال قافلته!‏

الأم : سبق أن أمر الوزير بالإعداد لذلك في قصر رخشان.‏

الجيهاني: مولاي، أستأذنك بالذهاب إلى قصر رخشان.‏

إسماعيل الساماني: آذن للجميع بالذهاب إلى هناك، وأنا قادم بعد قليل أيضاً. (ملتفتاً إلى يعقوب وأحمد) امكثا قليلاً لنمضي معاً.‏

(ينصرف الجيهاني وأبو منصور كيشي وأوقطاي وبازوان، وتقف بانو وخاتوناي والجارية ريحان بعيداً بعض الشيء عن عتبة الباب).‏

الأم : يا بنيّ، كنتَ قد طلبت الأسبوع الماضي أخاك يعقوب. (ملتفتة إلى يعقوب) تكلم يا يعقوب، ما الذي يجعلك تزورنا غبّاً؟ إن أمرك هذا لعجيب يا بنيّ!..‏

يعقوب : (محتدماً غيظاً) إذا كان أمري عجيباً للأم، فلا يبقى لي إلا فصل الرأس عن جسمي بهذا الخنجر (يمد يده إلى الخنجر).‏

إسماعيل الساماني: على رسلك يا أخي!‏

الأم : إن كنت قلت قولي هذا بحدة، فلكي تنظر أنت وأخوك إلى ما يجري حولكما، وتعرفا من أين يأتيكما النور ومن أين يأتي الظلام.‏

إسماعيل الساماني: إن كلام الأم في مصلحتنا يا يعقوب! (يأخذ الخنجر من يد يعقوب وينظر إليه: أردتَ أن يخلصلك هذا الخنجر من اللوم، وأن تدّعي أنّ لك قلب أسد. قل يا يعقوب!‏

يعقوب : أقول يا مولاي: إنني لم أكن حتى هذه اللحظة أعرضت عن طاعتك. ولكن لماذا أنت تدس أصابعك في..‏

إسماعيل الساماني: أدس أصابعي عابثاً بذنب الليث، أليس كذلك؟‏

يعقوب : بلى، بذنب الليث!‏

إسماعيل الساماني: هل تقصد بالليث يعقوبَ؟‏

يعقوب : لا، يا مولاي! إنما الليث هو خليفة المسلمين المعتضد بالله. فما إعراضك اليوم عن طاعته وأنت عامله على ما وراء النهر؟ إنك تظلمنا بقدر ما تظلم نفسك. ألا تلاحظ أن عَمْراً بن الليث الصفار بجحافله رهن إشارته؟‏

أحمد : وعسكر أبي لا يقل عنه بأساً، ولكن الذي يعذب الضمير هو أن لغتنا الفارسية أخذت تحل محل لغة النبي (صلى الله عليه وسلم) في المراسلات الديوانية والتعليم.. ودعْ عنك نشرها بين الخواص والعوام.‏

إسماعيل الساماني: قل لي يا يعقوب، أهذا مصدر ظلمي لكما؟‏

يعقوب : يا أبا إبراهـ.. (مستدركاً) يا أميري، أنت رجل في غاية الحكمة والذكاء، فلماذا لا تحفظنا نحن وحاشيتك من غضب الخليفة وبطشه؟‏

الأم : صارحْنا يا يعقوب، هل تقصد أن الخليفة ينوي محاربة إسماعيل أو إقصاءه عن الملك؟‏

يعقوب : لست متيقناً، ولكن بقلبي مزاعم تقول..‏

إسماعيل الساماني: دع المزاعم جانباً، لقد سمعت بأنك طردت أبا إسحق المروزي من محفل الشعراء في الشاش لأنه قال شعراً بالفارسية، وآذيته إيذاءً شديداً. فهل أصبحت تنكر لغتك الفارسية؟‏

يعقوب : مولاي، لم أفعل به شيئاً سوى أن قلت له أن ينشد شعراً بالعربية ثم بالفارسية..‏

إسماعيل الساماني: يا أخي وابني، اعلما، والله على ما أقول شهيد، أن كل ما حققته في أرض الشقاق والنفاق هذه كنت حققته بالإيمان وعمل المعروف. وما فتحت بلداً إلا بهداية كتاب الله وسنة رسوله الأكرم. واعلما أن مواطن الأقوام الرحّل بالشمال لم تطأها يوماً من الأيام حوافر خيل قتيبة بن مسلم ولا لمَعَ فوق رؤوس أهلها سيف علي بن أبي طالب. لقد جعلت كلام الله الشريف والسنة النبوية فرض عين لأهل كل بلدة من البلاد التي فتحتها. أعني أنني جاهدت في سبيل إعلاء كلمة الله وتوسيع أرض الإسلام..‏

أحمد : لم نكن نقصد هذا يا أبتاه..‏

إسماعيل الساماني: لا أدري لماذا تشككان في إخلاصي للإسلام واللغة العربية. أتظنان أن حبي ورعايتي للغتنا الأم التي تجري في عروقنا ممزوجة بلبن الأم الطاهر، وتدور على ألسنتنا معسولةً بأريج الزهور وحلاوة الشهد، يقلل من مدى احترامي وحبي للغة القرآن الكريم؟! إننا نحن هنا في بخارى نعتز بلغتنا الأم، ومن حقنا أن نعتز بها، لأنها رمز من رموز عزتنا وقوتنا، وهذا لا يتعارض مع الإسلام، ولا أظن أنه يغضب الخليفة.. على كل حال دعانا من هذا وانطلقا إلى قصر رخشان...‏

يعقوب : يا أبا إبراهيم، أنوي في سفرتي القادمة أن أصطحب أحمد معي ليتلقى دروساً في حسن التدبير والسياسة، وكي يساعدني في أموري.‏

إسماعيل الساماني: اذهبا الآن، سننظر في الأمر فيما بعد.‏

(يجلس الأمير على الكرسي متعباً. وبإشارة من الأم ينصرف يعقوب وأحمد. وتحضر الجارية ريحان وبانو وخاتوناي بين يدي الأمير ويشرعن في ملاطفته وتدليك ظهره وكتفيه. وإذا بأبي منصور يدخل القاعة دون أن يشعر به أحد ويقف إزاء الأمير من بعيد ممرراً يده بشاربيه من حين لآخر دون أن تعبأ به خاتوناي، وهي تواصل تدليك الأمير مثلما تفعل ذلك بانو).‏

بانو : (في رقة ولطف) مولاي، سأزيل عنك التعب لتجد نفسك في غمرة سعادة لا تنتهي..‏

(يفتح إسماعيل الساماني عينيه وإذا به يلحظ أبا منصور واقفاً قبالته).‏

إسماعيل الساماني: ما الذي جاء بك إلى هنا يا أبا منصور؟!‏

أبو منصور: (في وداعة) مولاي، لو أذنت، جمعت جمهوراً يقف بمحاذاة طريق قافلة أوقطاي ليطلق هتافات: "عاش أميرنا المفدّى!" و "مكّن الله سلطانه وعمّر ملكه!" حتى تنقل القافلة خبر هذه البهجة إلى القبائل الرحالة.‏

(يبتسم الأمير قليلاً، ثم يغمض عينيه ثانية).‏

إسماعيل الساماني: يصعب كفك عن شيء. فافعل ما تشاء، يا أبا منصور (يغفو).‏

(يسرع أبو منصور نحو الباب مبتهجاً).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244