ثلاث مسرحيات من طاجيكستان - ترجمة وتقديم:د.غسان مرتضى - نذر الله نزار

مسرح - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:40 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثالث

(بلاط الأمير إسماعيل الساماني. المنظر الذي كان في المشهد السابق نفسه. يقف بجوار الكرسي الجيهاني والبلعمي وأبو منصور يتجاذبون فيما بينهم أطراف الحديث في شيء من القلق والاضطراب).‏

الجيهاني: لا، هذا التدبير لا يجدي نفعاً.‏

أبو منصور: في تقديري سيجدينا هذا التدبير نفعاً يا وزيرنا الأعظم.‏

البلعمي : يا أبا منصور، إن لما وراء النهر وأميره بأساً لا مثيل لـه، فلماذا نذعن لشروط عمرو بن الليث؟‏

الجيهاني: إذعاننا لمطالبه اليوم لن يحفظ سيادة ما وراء النهر في الغد، بل سيحط من قدرنا، وسيجعل القبائل تتطاول علينا. (لأبي منصور في حدة) يا أبا منصور، ما هذه الترهات التي تدور في رأسك؟ إنها فكرة باطلة ستزعج مولانا الأمير، فلا تبح بها أمامه إطلاقاً.‏

أبو منصور: أيها الوزير الأعظم، إن الهدنة مع العدو من شأنها أن تحقن الدماء وتنجينا، لا قدّر الله، من الهزيمة.‏

البلعمي : أتقول: من الهزيمة؟ إن قائد جيشنا بازوان أكثر فطنة وأشد بأساً من القائد الخراساني محمد بن بشر.‏

أبو منصور: إن حسن التدبير هو عدم المواجهة...‏

(يدخل الحارسان المسلحان من المدخل الرئيسي، ويقفان في مكانهما المعتاد خلف الكرسي، وبعد برهة يظهر إسماعيل الساماني بصحبة نجله أحمد. ثم يدخل قائد الجيش بازوان مرتدياً لباسه الحربي الكامل).‏

إسماعيل الساماني: (واقفاً أمام الكرسي ومفكراً) كنت في المعسكر. يستعدون للقتال.‏

الجيهاني: مولاي الأمير، بأي حجم يقدّرون عسكر عمرو بن الليث؟‏

بازوان : إنه يفوقنا بالمشاة.‏

إسماعيل الساماني: فرساننا أكثر من فرسانه، لكن مشاتنا أقل عدداً حسبما يقال. (لبازوان) مر، ليأتوا بلوح المعركة.‏

بازوان (نحو الباب) هاتوا لوح المعركة!‏

(يدخل غلامان يحملان لوحاً مزخرفاً كبيراً مربع القوائم عليه تماثيل خشبية صغيرة تمثل فرساناً وبيادق، فيضعانه بسرعة قرب مجلس الأمير إسماعيل الساماني. ينظم بازوان التماثيل واضعاً بعضها قبالة الآخر، بينما يظل الأمير محدقاً إلى ذلك المشهد).‏

إسماعيل الساماني: اعمل نهر جيحون وسطهم، (يُخرج بازوان من داخل اللوح حبلاً رفيعاً جاعلاً إياه النهر وسط رقعة اللوح) علينا أن نتجاوز الشكوك بالتفكير السليم. (محدقاً برهة إلى مشهد المعركة) أرى أن نبدأ المعركة على بُعْدِ أربعة فراسخ أو خمسة من هذا المكان حتى نسد طريق الضغط علينا من ذاك الجانب.‏

(يبتعد الأمير عنهم بعض الشيء مستغرقاً في التفكير. ويبقى بازوان محدقاً إلى اللوح، وهو يغيّر مواضع التماثيل من شكل إلى آخر. وينتهز أبو منصور الفرصة فيقترب من الأمير).‏

أبو منصور: (ملتفتاً حوله في حذر) مولاي الأمير، ثمة خواطر مُرّة تعذبني، ولن أكون عبدك الذي رهن نفسه فداءً لبلاطك ما لم أبحْ بها.‏

إسماعيل الساماني: قل يا أبا منصور! فنحن نقبل كل ما ينبع من القلب. (محدقاً إليه بإمعان) ما لي أراك مضطرب الحال مشوّش الخاطر، أأنت مريض يا أبا منصور؟‏

أبو منصور: أجل، مولاي، مريض وممزق القلب، إن عدواً يطرق الساعة أبواب البلاد فهل يليق بعبدك هذا الوفي أن يختبئ خلف الباب؟ أبداً، فإن أبا منصور أجدر بأن يفتح الأبواب في وجه العدو على مصاريعها ليقول قولة قاصمة يخزي بها الصفّاريين.‏

إسماعيل الساماني: أفصحْ يا أبا منصور!‏

أبو منصور: مولاي الأمير، إذا أردت أن ينتهي الأمر بنا بلا حرب فأرجو منك أن تقلدني وزارة الديوان.‏

إسماعيل الساماني: (محدقاً إليه بحيرة) أجئت تطلب منصب الجيهاني؟‏

أبو منصور: نعم يا مولاي!..‏

إسماعيل الساماني: (مستطلعاً) قل لي يا أبا منصور، إذا ما قلدتك هذا المنصب فما الذي ستفعله؟‏

أبو منصور: (متجرئاً) إن الصفاريين وخليفة بغداد يكنّون لعائلتنا احتراماً فائقاً، وإذا ما التقيت بعمرو بن الليث وأنا وزير، فسوف يصغي إليّ بكل اهتمام، ويمتنع عن حربنا. هذا ما أطمع إليه يا مولاي الأمير! ومن سديد الرأي أن نجهز قافلة إلى جيحون بهدايا فاخرة مع الغلمان والجواري. ولأننا إن أحسنّا إليه قولاً وعملاً وعرضنا عليه حسن نوايانا فلن يبقى أمامه إلا الجنوح إلى الصلح..‏

إسماعيل الساماني: هدايا فاخرة مع الغلمان والجواري.. يعني أنك تحسبه الأقوى؟!‏

أبو منصور: بالتأكيد يا مولاي الأمير! يقال إن لأمير خراسان عسكراً يفوق عسكرنا عَدداً وعُدّةً..‏

إسماعيل الساماني : (غاضباً) اذهبْ وجهّزْ مؤونة العسكر! إنما القوي ذلك الأمير الذي ليس بجانبه جبان مثلك يا أبا منصور. اذهب إلى المعسكر!‏

أبو منصور: (يتراجع بظهره إعظاماً) أنا ذاهب يا مولاي وسأفعل ما تأمر به..‏

يعود الأمير إلى لوح المعركة.‏

بازوان : مولاي الأمير، إن أردنا القتال في الجانب الآخر لنهر جيحون (مشيراً بيده) فإننا نحتاج إلى عدد أكبر من المشاة..‏

إسماعيل الساماني: (ممعناً النظر) فكرة معقولة.. ولكن طلائع جيش عمرو بن الليث قد تكون فوق هذا الموقع لمحاولة عبور النهر. (مشيراً إلى نجله أحمد) أما أنت يا بنيّ، فستبقى مع مجموعة فرسانك في كمين من جانب النهر هذا لتتصدى لهم، وتمنعهم من العبور والهجوم على بخارى.‏

أحمد : ولكن يا أبي، ما العمل إن كانوا يفوقونا عدداً؟‏

البلعمي : إن سيد قوم الغوز "قتلوخان" على رأس أربعمئة فارس رهن إشارة أميري.‏

أحمد : فمُرْ يا أبي، أن يكون هؤلاء الأربعمئة تحت إمرتي أنا.‏

إسماعيل الساماني: (مغيّراً مواقع بضعة تماثيل على اللوح) سيرسل عمرو بن الليث قائده محمد بن بشر إلى هذا الموضع. (ملتفتاً إلى بازوان) خبئْ في هذه القرية فرساناً مقاتلين لتوجيه ضربة مباغتة من الجانب.‏

بازوان : مولاي الأمير، إن التدبير الآخر الذي استحسنته أمس من شأنه أن يضمن التفوق لنا، ينبغي علينا حشد العسكر في أسافل نهر جيحون لملاحقة العدو، وأظن أن خوض المعركة هنا سيكون بعون الله في مصلحتنا أيضاً.‏

إسماعيل الساماني: لا بأس بذلك.‏

البلعمي : سنوجّه رسلاً إلى هناك ليجمعوا أهل الرساتيق(1) دعماً لعسكرنا. كما أننا دعونا أهالي الأرباض للتجمع في ساحة بخارى الكبرى عند الظهيرة، فهم قوة رافدة للعسكر لا بأس بها.‏

إسماعيل الساماني: سنأمر بتعبئتهم للحرب ورد العدوان إذن. (لنجله أحمد): فليبق هؤلاء الأربعمئة فارس من قبيلة الغوز في مواقعهم لتأمين ثغورنا من احتمال إغارة القبائل الأخرى. ولا ضرورة لانخراطهم في كتيبتك. وقد بعثت بكتاب إلى يعقوب وطلبت منه استنفار عسكره في "الشاش" و"أسروشنه" لحماية ثغورنا الشمالية، كما أمرته بإرسال ألفي نبّال إلى بخارى.‏

بازوان : مولاي الأمير، قبل فترة وصل إلى بخارى ما يزيد على ألفي نبّال.‏

إسماعيل الساماني: أمرت أخانا أسداً بأخذ عسكره إلى ضفة جيحون، وإرسال سرايا مقاتلين من سمرقند إلى بخارى لنستطيع بذلك حشد جيش قوي. (للبلعمي والجيهاني) اذهبا إلى الساحة الكبرى، سأحضر إلى هناك بعد قليل.‏

(ينصرف البلعمي والجيهاني فوراً. تأتي بانو بكأس من ماء الورد وتلتفت إلى إسماعيل الساماني بكل احترام. تحضر الأم والجارية ريحان وخاتوناي).‏

بانو : ماء الورد هذا مفعم بحبنا ودعائنا ليرجع مولانا الأمير من معركته منصوراً مكللاً بالصلح.‏

إسماعيل الساماني: (رافعاً الكأس) ترى لمن سيكون دعاؤك هذا في المعركة يا ترى؟‏

بانو : أتمنى اصطلاحكما لا اقتتالكما، يا مولاي.‏

إسماعيل الساماني: (في بسمة يخالطها الشك) اليوم (يرد الكأس ممتنعاً عن الشرب) بيني وبين عمك حرب. أصدقيني القول يا جارية، ما الذي يدور بخلدك من الأفكار؟‏

الأم : (مقتربة) لا تسمّها جارية، يا بنيّ! إنها تقاسي الساعة ما تقاسيه، لكنها لا تحمل في قلبها أية ضغينة على آلنا.‏

بانو : (مبتعدة عن الأمير) ما الحيلة يا سيدتي الأم؟ أنا بنت يعقوب بن الليث، وليس عمرو بن الليث. فلا تظنني عدوة هذه الدار يا أميري.. (يغصّها البكاء).‏

الأم : اذهبي إلى مقصورتك يا بانو‍!‏

(ما إن همت سيده بانو بالانصراف حتى انتزعت خاتوناي من يدها الصحن وهرعت نحو الأمير. تخرج بانو باكية. يدخل أبو منصور).‏

خاتوناي: (في غنج) مولاي الأمير، أنا بنت السيد الضرغام (أوغروغ خان) الذي أرسلني لخدمة هذا المقام العالي في صدق وإخلاص، فاشربْ ماء الورد هذا هنيئاً، ليكون بشارة بنصر مولاي على الصفاريين.‏

إسماعيل الساماني: (متناولاً ماء الورد) إن في حديثك نبرات صدق ولطف. أؤصدّقها أم لا؟‏

(تضع خاتوناي الصحن على الأرض، وتنتزع بلباقة الخنجر من وسط أحمد الساماني).‏

خاتوناي: مولاي الأمير، إن لم تصدّقني مزقت قلبي إرباً، ليكون ذلك خير دليل على صدقي وإخلاصي، وفألاً بانتصار أميري.‏

إسماعيل الساماني: دعي عنك الخنجر يا حسناء! إن الله يعلم بأنني لم أقدم على حرب عمرو بن الليث، إنما هو الذي أقدم، فكلٌ يُجزى بعمله. (يأخذ بازوان الخنجر من يدها ويرده إلى أحمد الساماني) إن عاطفتك هذه ستلهمني في إحراز النصر المؤزر.‏

خاتوناي : إنها لسعادة لست أبتغي سواها من هذا الفلك الدوار يا أميري.‏

إسماعيل الساماني : (يمسك الأمير بيد خاتوناي ناظراً إليها بإمعان) أرى في عمق عينيك أثراً من الوفاء والعاطفة الجياشة. فعلّميني العوم في بحر عينيك يا حسناء.‏

أحمد : (ناظراً إليهما بحدة) يا أبتي، يا أميري! ما لك تبحث عن العاطفة في عيون تركية؟ الساعة تتراءى أمام عيني نظرات أمي الشجية، رحمها الله. فكم كانت أماً حنوناً و ودوداً. (يجري نحو الباب حزيناً).‏

إسماعيل الساماني : إن شكواك هذه لتزيد أشجاناً على أشجاني. فقد مضى على رحيلها خمس سنوات وأنا أرعى ذكراها، وأناجيها في كل حال من أحوالي.‏

(تجثو الجارية ريحان أمام قدمي أحمد الساماني قابضة على طرف ردائه).‏

الجارية : هوو.. أممما.. هوو..‏

الأم : ها قد عبّرت الجارية ريحان عما بقلبي من داء، حفظكما الله، ورعاكما فيما ينتظركما من طريق خطرة ومعركة حاسمة، فليس من الصواب أن تسلكا هذه الطريق بالحقد دون الود.‏

إسماعيل الساماني : أجل، الود هو الغالب فيّ وليس الحقد، أماه! (يحتسي ماء الورد إلى آخره، ثم يرد الكأس إلى خاتوناي ملتفتاً إلى أحمد): تعال يا بنيّ، إن لي وللأم شأناً يعنيك.‏

(ينصرف إسماعيل الساماني برفقة نجله وأمه إلى الداخل. ويبقى في القاعة بازوان وأبو منصور كيشي والجارية ريحان وخاتوناي. تقدم خاتوناي ماء الورد لأبي منصور الذي يمرر يده بشاربيه بنظرة معبرة، ثم يتناول الكأس).‏

أبو منصور: كان ابن الخان أوقطاي قد طلب إليّ أن أنفرد بك كلما سنحت الفرصة.‏

خاتوناي : (في تحفظ) ألاحظ أن الجميع هنا يمررون أيديهم بشواربهم.‏

أبو منصور: هذه هي عادتهم جميعاً ما عداي.‏

خاتوناي : (مشيرة إلى الجارية ريحان) عليّ الحذر من صاحبة الجلاجل هذه، إنها لا تكفّ عن مراقبتي.‏

أبو منصور : (معيداً الكأس) اذهبي يا بنة الخان، سألقاك فيما بعد.‏

(تدنو خاتوناي بدلال من بازوان وتقدم له ماء الورد).‏

خاتوناي: أيطيب لك مشروبنا يا أسد الأسود؟‏

بازوان : (متناولاً الكأس) طاب ما أتى من هذا المقام العالي.‏

خاتوناي : أدعو الله ليعيد صاحب السيف الماضي من المعركة منصوراً مرفوع الرأس.‏

بازوان : إن دعاء الرحّل ليس يجدي نفعاً، يابنة الخان!‏

خاتوناي: قولك هذا يجرح مشاعري، أيها الفارس!‏

بازوان : لا بالأمس أَلمَّ قومك بالمجوسية، ولا اليوم يفقهون في الإسلام..‏

خاتوناي : لقد أسلمنا يا نسر النسور، (آخذة الكأس الفارغة من يد بازوان) إنني كنت قد رأيتك في حلمي قبل أن آتي إلى هنا، غداً سيزداد شأنك عظمة.‏

بازوان : يا إلهي، كيف تصورتِني في حلمك، وأنت لم تريني قط؟‏

خاتوناي : بصورتك هذه الماثلة أمام عينيّ، أيها الفارس، دبّر فرصة لأقص عليك قصة حلمي.‏

بازوان : أنا ماضٍ إلى المعركة، وليس ثمة فرصة لذلك.‏

خاتوناي : بعد عودتك سأنتظرك في خلوة..‏

(تقترب الجارية ريحان من خاتوناي في عتاب).‏

الجارية : همما.. هوو..‏

خاتوناي : (في شيء من الارتباك) دعوت الله أن ينصر مولاي وقائد جيشه، وأن يعيدهما سالمين غانمين.‏

الجارية : (مشيرة نحو الباب) هوو.. همم..‏

خاتوناي : (متمتمة) ليته يحين ذلك اليوم الذي أتخلص فيه منك، يا خرساء!‏

(تنصرف خاتوناي إلى الحريم برفقة الجارية ريحان).‏

أبو منصور : (في ارتياح) ستنال ابنة الخان بلطفها رضى أفراد الأسرة جميعهم.‏

بازوان : (مستغرقاً في التفكير) نعم، بلطفها ستنال الرضى. (مستدركاً) إنها تدعو الله لنعود من هذه المعركة مكللين بالنصر.‏

أبو منصور : أجل، فليصاحبك دعاء هذه الحسناء. قل لي يا بازوان، أتستصعب مواجهة عمرو بن الليث؟ يقال إن عسكره كثيرو العدد.‏

بازوان : (محدقاً إلى لوح المعركة ومغيراً مواضع التماثيل) سنواجه صعوبة في هذه المعركة.. يقال إن قائد جيشه محمد بن بشر شديد الدهاء في الحرب.‏

أبو منصور : (مشيراً إلى بازوان) ليس قائد جيش أميري أقل دهاء منه. أتمنى لك النصر.‏

(يخرج من الباب الداخلي إسماعيل الساماني والأم وأحمد الساماني. تتبعهم بانو وخاتوناي والجارية ريحان. وقد ارتدى الأمير ونجله ثياباً مزردة وتبدو الأم حزينة).‏

إسماعيل الساماني : ادعي الله أن ينصرنا، يا أماه (يجثو على ركبتيه ويقبل ذيل فستانها).‏

الأم : (رافعة كلتا يديها إلى السماء) اللهم، هب لنا من لدنك رحمة، واحفظنا من غضبك الذي أنزلته على مَن قبلنا، وانصرنا على أعدائنا، وعلى القوم الظالمين، آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.‏

(يردد الجميع "آمين" وهم يمررون أيديهم على وجوههم).‏

إسماعيل الساماني : فلنذهب الآن إلى الساحة الكبرى. (مخاطباً بازوان) أما أنت فاذهب إلى المعسكر وانتظرني هناك. هيا.. (ينصرفون ويتقدمهم الحارسان، وإذا بإسماعيل الساماني يلتفت إلى ورائه ويلقي نظرة خاطفة على بانو وخاتوناي، فتنحنيان إعظاماً، وتنحني الجارية ريحان أيضاً، ثم ترفع خاتوناي نظرها إلى الأمير مبتسمة ابتسامة لطيفة، ويخطو الأمير خطوة نحو الأم).‏

لا عليك يا أماه، انفضي عنك غبار الهم والغم، إن دعاءك وابتهالك إلى الله عز وجل هما درعي المنيع في ساحة المعركة.‏

الأم : إنما همي وغمي على أن كليكما مقدِم على الاختصام والاقتتال شاهراً السيف في وجه الآخر وأنتما من أبناء أرض واحدة وملّةٍ واحدة..‏

(تخرج سيده بانو منتحبة).‏

إسماعيل الساماني : ماذا أقول يا أمي، لقد أرسلت بغداد عَمْراً بن الليث الصفار في ثوب شيطاني لحربنا. (غاضباً) فلنذهب لننزع عنه هذا الثوب الشيطاني ونمزقه. لنذهب!!‏

(يخرج إسماعيل الساماني يتبعه أحمد وبازوان مسرعين. يتعالى صوت الطبول. بينما تودعهم الأم والجارية ريحان وخاتوناي إلى الباب ثم يقفن يترقبن من ورائهم. تقبل بانو وبيدها مبخرة، وتدور بها حول مجلس الأمير منتحبة بصوت عال).‏

بانو : اللهم، رب العرش العظيم، أصلح بينهما واجعل سداً دون الحرب والدمار!‏

الأم : (مشيرة إلى الجارية ريحان لتأخذ المبخرة من يد بانو) يا بانو، مالك تنتحبين حزناً وكرباً؟ أما سمعت أن عَمراً هو الذي جاء لحربنا ولم نذهب نحن إليه؟ إلى الله ترجع الأمور..‏

بانو : يا سيدتي الأم، ماذا يمكنني أن أفعل، فقد تملّك الحزن والألم قلبي؟‏

الأم : دعي عنك هذه الأوهام! ليس لك ذنب، تعالي لنصلي، ونبتهل إلى الله.. (تنصرف الأم إلى الحريم. أما خانونـاي فتعترض طريق بانو).‏

خاتوناي : (في مكر) مالك من حيلة يا بانو، لو أني كنت مكانك لتركت هذه الدار، نعم، ليس أمامك حلّ آخر!‏

(تنصرفان بينما تبقى الجارية ريحان تدور حول الكرسي).‏

الجارية : (بصوت عال) ها.. امم.. هوو..!‏

(يدخل أبو منصور كيشي، ويختبئ عند رؤية الجارية ريحان، إلا أنها تفطن لقدومه وتنصرف إلى الحريم متجاهلة).‏

أبو منصور: (واقفاً قبالة الكرسي) يا رب، نوّلني مبتغاي، فإن الفرصة مؤاتية لبلوغ المنى، ما الذي ينقصني عن الجياهنة والبلاعمة(2) حتى يُسدّ الباب في وجهي؟ فلا تتركني حائراً على عتبة مرادي يا رب!‏

(تظهر خاتوناي وتقترب منه في حذر).‏

خاتوناي : (تسعل بصوت خافت) من ذا الذي تناجيه؟‏

أبو منصور : (منتبهاً) إن نجواي وأحلامي تصطدم دوماً بركائز هذا المقام، يا أميرة.‏

خاتوناي : إنما الأحلام تنمو وتعطي ثمارها إن سقيتها بماء العمل.‏

أبو منصور : صدقت.‏

خاتوناي : أيّ نبأ تحمله من أبي؟‏

أبو منصور : أرسلت إليه أمسِ مكتوباً مع رسولين لأخبره بأن الفرصة مؤاتية.‏

خاتوناي : إن بين الأقوام الرحّل وعمرو بن الليث قطيعة، وأظن أن أبي يفكر في شأن غير هذا، إلا أن يعقوب الساماني يقف بجيشه العرمرم بالمرصاد على الحدود يحول دون ذلك.‏

أبو منصور: كم بودي أن أجمع بين يعقوب وأغروغ خان، لكنَّ شخصين هنا يسدان علينا الطريق.‏

خاتوناي: من هما هذان الشخصان؟‏

أبو منصور: السيدة الأم والوزير يسوّدان صورتي أمام الأمير دائماً.‏

خاتوناي: (ضاحكة) ربما سواد أفعالك هو السبب.‏

أبو منصور: أنت فقط تستطيعين تسهيل أمري وأمر أبيك، يا حسناء.‏

(تدخل الأم صحبة الجارية ريحان دون أن يعبأا بهما.)‏

خاتوناي: أأستطيع أنا فقط؟‏

أبو منصور: أجل يا بنة الخان. (ناظراً إليها في جد) عليك أن تدسّي السم القاتل في كأسيهما.‏

خاتوناي: (صارخة) لا، لا!..‏

الأم: (متقدمة) ماذا دهاك يا أبا منصور، لماذا تؤذي الفتاة؟‏

أبو منصور: (متمالكاً نفسه) يا سيدتي الأم! فوجئت بها هنا، فقلت لها إنني أدعو الله أن يعود مولانا الأمير مكللاً بالنصر، أما إذا انهزمت جيوشنا، لا سمح الله، فسأقتل نفسي. فأفزعت كلماتي هذه ابنة الخان فصرخت مستنكرة..‏

خاتوناي: نعم يا سيدتي الأم، إنني أستنكر سماع هذا. (تجري مسرعة إلى الحريم).‏

الجارية: (ممتعضة مستنكرة) همم.. هوو..‏

الأم: أرى الجارية تظن بك سوءاً، يا أبا منصور؟‏

أبو منصور: إن ظن الأصم والأبكم باطل يا سيدتي الأم! وإن حشمة هذا المقام لتستند على أمثالنا نحن، وليس على جوارٍ ما لهن آذان تسمع ولا ألسنة تنطق.‏

(1) رساتيق: مفردها رُستاق ويعني القرية.‏

(2) يعني الجيهانين والبلعميين وهم من الأسرْ العريقة التي توارثت الوزارة أبناءً عن آباء في العهد الساماني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244