ثلاث مسرحيات من طاجيكستان - ترجمة وتقديم:د.غسان مرتضى - نذر الله نزار

مسرح - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:40 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد التاسع

(بلاط الأمير إسماعيل الساماني. مبخرة أسفل الكرسي تدخن. تبدو الأم والجارية ريحان راكعتين تصلّيان. وبعد إكمال الصلاة والابتهال إلى الله تنهضان فتحملان المبخرة إلى الحريم. من المدخل الرئيسي يقبل أبو منصور كيشي وأوقطاي.)‏

أوقطاي : أريدك أن تحضر خاتوناي إلى هنا.‏

أبو منصور : سأحضرها بعد الجلسة مع الأمير إن شاء الله.‏

أوقطاي : ما هو الوضع في ساح المعركة؟‏

أبو منصور : ما تزال رحى الحرب دائرة منذ سبعة أيام في بلخ حيث تحولت ساحة الوغى إلى بركة من الدماء وأكوام من جثث القتلى.‏

أوقطاي : كنت أرى مشاهد هذه الحرب الطاحنة في أحلامي وأتمناها أن تجري على أرض الواقع.‏

أبو منصور : ما لي أرى سيدي أغروغ خان ملتهياً عن تطاحن الأميرين هذا، لقد أبلغته أن الفرصة سانحة لإرسال العسكر إلى "إسفيجاب".‏

أوقطاي : على حد قول الأب، ليس هذا في مصلحتنا إطلاقاً، فقد قطعنا عهداً للأمير إسماعيل الساماني بالامتناع عن بلبلة الأوضاع في الثغور الشمالية ليفتح لنا الطريق إلى كلِّ من سمرقند وبخارى ومرو وبلخ.‏

أبو منصور : لو قُلِّدتُ الوزارة لكنت استطعت أن أقدم لسيدي الخان كل خدمة يطلبها مني.‏

أوقطاي : أرجو أن يتحقق لك ذلك. (آخذاً مأخذ الجد ومغتاظاً) لِمَ تركتَ شقيقتي خاتوناي لحالها ولم تساعدها في مهمتها؟‏

أبو منصور : على العكس، لقد حاولت مراراً، لكنها تعلقت ببازوان سراً عني.‏

(تلوح خاتوناي من بعيد وهي تختلس السمع إلى حديثهما.)‏

أوقطاي : كان لي حديث مطول مع خاتوناي استشففت من خلاله أنها قد ذرت على مهب الريح كل أحلامنا وخططنا.‏

خاتوناي: أرجو الصفح عني، يا أوقطاي، إن ما فعلته كان بأمر القلب..‏

أوقطاي : (صائحاً صيحة مفزعة) لقد جئت إلى هذه الدار بأمر الأب وليس بأمر القلب! (يمد يده إلى الخنجر) آه، لا أستطيع أن أطيح برأسك هنا.. فقد أمرك الأب بالتقرب من الأمير، وليس من كلب يحرس بابه.‏

خاتوناي: (راكعة بين قدميه) سامحني، يا أخي! إنني لم أستطع أن أستميل قلب الأمير فقد كانت الأم تتصدى لذلك.. أما بازوان فقد فتنني بجماله الساحر وقلبه المفعم بالحب..‏

أوقطاي : كفاك قصصاً غرامية، هيا، استعدي للرحيل!‏

أبو منصور : هيا، يا خاتوناي، ساعدكِ الله.‏

(تجري خاتوناي نحو الحريم مطيعة. ويتعالى صوت الطبول ونفير الأبواق. ومن المدخل الرئيسي يقبل أبو الفضل البلعمي ويعقوب الساماني، فتخرج من الحريم الأم والجارية ريحان وبانو لاستقبالهما. يسرع يعقوب نحو الأم ويقبّل ذيل فستانها.)‏

الأم : كم يومٍ عشتُ بين النار والطوفان! قل يا بني، أي نبأ تحمله لنا؟‏

يعقوب : (ملوياً أنظاره عنها) أماه، كنت مع عسكري في كمين في "الشاش" و"أسروشنه" بأمر الأمير إسماعيل. وإن حرباً طاحنة تجري الآن في بلخ فنقلت قسماً من عسكري إلى "بايكند" منتظراً أمر الأمير.‏

الأم : أما لديك خبر من ساح المعارك يوضح لنا حقيقة الحال؟‏

يعقوب : بلى، لقد بلغني أن عمراً بن الليث حاول مساء الأمس عبور نهر جيحون بغية الهجوم على "بخارى"، إلا أن الأمير تصدى له ونقل ساحة الوغى إلى "بلخ".‏

أبو منصور : إننا ننتظر بفارغ الصبر انتصار مولانا الأمير يا سيدتي الأم، ما علينا أن نخاف هجوم عمرو بن الليث على "بخارى"، لأن يعقوب يقف له بالمرصاد.‏

البلعمي : ما لك تتوقع الهجوم على "بخارى"، يا أبا منصور؟ إن أميرنا لن يسمح بذلك.‏

(يقبل الجيهاني مهموماً مضطرب الحال.)‏

الأم : يا ويلي، ما لي أراك بهذه الحال؟..‏

الجيهاني: (مترنحاً) إليّ بقطرة ماء.. (يقعد على الأرض) إليّ بقطرة ماء تشفي عليل القلب..‏

الأم : (لبانو) الماء!‏

(تجيء بانو بالماء مسرعة فيتناوله الجيهاني، ويعبّه عباً.)‏

البلعمي : يا أبا عبد الله، ماذا وراءك؟‏

الأم : ما خبر الأمير، أيها الجيهاني؟ أسرعْ، قل، وإلا سينفجر قلبي.‏

الجيهاني: لله الحمد، لم يُصب أميري بمكروه، إنه على قيد الحياة..‏

الأم : يا ظالم.. (تستند إلى الجارية ريحان).‏

يعقوب : (في قلق) ما الأمر، يا وزير البلاط؟‏

الجيهاني: الساعة سيصل الأمير إلى بخارى فيقص عليكم قصة هزيمة..‏

يعقوب : أية هزيمة تعني؟‏

البلعمي : صارحنا يا أبا عبد الله، بالله عليك، من ذا الذي منيَ بالهزيمة؟‏

أبو منصور : (متهلل الوجه) أعميان وطرشان نحن حتى لا نفهم ما يعنيه الوزير؟ إنه يعني هزيمة الأمير إسماعيل.‏

الأم : يا ويلي، لا تقل هذا، إنني لا أصدق..‏

يعقوب : (مخاطباً البلعمي) لا بد من تدبير شيء ما، يا أبا الفضل!‏

أبو منصور : (باسماً) أنا الأحق بالتدبير، وليس البلعمي.‏

البلعمي : (مخاطباً يعقوب) أرى أن تعسكر في "بايكند"، وتأمر بأن تُسحب فلول الجيش من "الشاش" و"أسروشنه" إلى "بخارى"، لنتمكن من سد طريق "بايكند" و"الدبوسية".‏

أبو منصور : أيها البلعمي، إن ما تقوله يستغرق أياماً. هذا وإن عسكر يعقوب بعدده القليل لا يستطيع الصمود أمام عسكر يفوقه أضعافاً وأظن أن عمراً بن الليث سيقتحم بخارى عما قريب. (ليعقوب) كن إلى جانبي يا يعقوب، لندبر طريقة تحفظ لنا دار الملك.‏

(يتردد يعقوب الساماني وهو ينظر تارة إلى أبي منصور وتارة أخرى إلى البلعمي.)‏

الأم : هيا، استنفروا أهل "بخارى"، وأغلقوا جميع الأبواب! (للجيهاني) تعال معي حتى ندبر صلاح الأمر..‏

(من المدخل الرئيسي يقبل الأمير إسماعيل الساماني برفقة الحارسين وهو يبدو مهموماً محسوراً.)‏

البلعمي : (مسرعاً إليه) كيف الوضع، يا مولاي الأمير؟‏

الأم : (ترتمي بنفسها بين ذراعيه وقد أجهشت بالبكاء) يا ولدي، ما هذه الهزيمة التي ابتلينا بها؟ (فجأة تأخذ مأخذ الجد) لا، لا.. إن بني سامان لم يموتوا بعد! فارفعوا سيوفكم واستنفروا أهل "بخارى" دفاعاً عن ملككم وكرامتكم!‏

إسماعيل الساماني: أماه، إن الأمر ليقتضي تدبيراً آخر. (يجلس على كرسي الملك، ويطرق برأسه مغموماً) أيها الحشم، لقد باغتني عمرو بن الليث هذه المرة وطوّق جيشي وهزمه. (يتعالى نحيب الجارية ريحان وبانو وخاتوناي) إن عمراً بن الليث قادم إلى بخارى الساعة. قولوا لي ما التدبير؟‏

البلعمي : (في جد وحسم) أدام الله ملك أميري! سنغلق الأبواب ونحشد أهل بخارى في الساحة الكبرى ونأخذ أهبتنا للتصدي.‏

(يهم بالانصراف.)‏

أبو منصور : امكث هنا، أيها البلعمي. سأدبر صلاح الأمر أنا هذه المرة. (بلهجة آمرة) إن الأمير إسماعيل قد خسر العسكر القوي، وركّع بلاد ما وراء النهر. لذا فإنه لم يعد أهلاً للملك بعد الآن. (بصوت عال) فليعش الأمير يعقوب الساماني، فليعش! (يأخذه من يده ويأتي به إلى الكرسي مخاطباً إسماعيل) عليك الآن تسليم الملك ليعقوب الساماني، حتى أدبر معه طريق الخلاص.‏

(ينهض إسماعيل الساماني من مجلسه وينـزوي جانباً بينما يبقى يعقوب متردداً بعض الوقت.)‏

الأم : يا أبا منصور، إنه لا يجوز لك الحكم في هذه الدار، ولن يقبل يعقوب الجلوس في مجلس أخيه.‏

البلعمي : إن "بخارى" صامدة لا تُقهر، وإسماعيل الساماني هو أميرنا ولا نقبل عنه بديلاً!‏

أبو منصور : يا يعقوب، اجلس على الكرسي، وامسكْ بزمام الملك! إنك ولي العهد وأخوك ليس أحق منك بالملك. (يجلس يعقوب على الكرسي متردداً وهو يتلفت حواليه) سيكون مولاك هذا أبو منصور كيشي وزيراً للبلاط ليخلص لك الطاعة والولاء. (يجثو على ركبتيه ويقبل ذيل ردائه) عاش الأمير يعقوب!‏

البلعمي : (ملتفتاً إلى الجيهاني والأمير إسماعيل الساماني) يا أبا عبد الله، يا مولاي الأمير، ما لكما تلتزمان الصمت، وتحتملان مثل هذه الإهانات؟‏

إسماعيل الساماني: ما جزاء المقهور إلا هذا..‏

أبو منصور : (مخاطباً بانو) تعالي إلى هنا لنكرمك حتى يتيقن أمير خراسان حال قدومه إلى "بخارى" من أنك حللت بيننا معززة مكرمة على خلاف ما جعلك إسماعيل جارية له تُهان وتُذل.‏

بانو : تعز عليّ سيدتي الأم وتعزّ عليّ هذه الدار. فمن يأكل الملح لا يكسر المملحة.‏

(تقبل ذيل فستان الأم، وتقف إلى جنبها قائمة.)‏

أبو منصور : (مخاطباً أوقطاي) يابن الخان، تعال إلى جنبنا مع شقيقتك خاتوناي. إننا سنلبي جميع طلبات سيد قوم البادية أغروغ خان.‏

(يأخذ أوقطاي بيد خاتوناي ليتقرب منهما، إلا أنها تفلت يدها، وتتجه نحو الأمير إسماعيل الساماني، وتنحني له إعظاماً، ثم تقف إلى جنب الأم.)‏

أوقطاي : (حائراً) كوني معنا يا أختاه!‏

خاتوناي: ما لي شأن بأبي منصور هذا.‏

أبو منصور : اسمعوا ما أقول.. إنني قبل أن يأتي أمير خراسان عمرو بن الليث لحرب ما وراء النهر كنت قد بعثت له برسالة تشرح له الوضع بإسهاب، قلت فيها إن الفرصة سانحة لتحطيم عسكر إسماعيل، وكما ترون فقد أفادته رسالتي في إحراز النصر، فاعلموا أنني منذ الساعة سأصبح أميراً لبلاد ما وراء النهر إن أراد عمرو بن الليث ذلك.‏

يعقوب : (مستغرباً) تصبح أميراً لبلاد ما وراء النهر؟‏

أبو منصور : إن أراد ذلك عمرو بن الليث..‏

يعقوب : ومن أنت وما أصلك حتى تكون جديراً بالملك؟!‏

أبو منصور : (ساخطاً) أتشك في أصالتي، يا يعقوب؟! كان أبي يكرر على الدوام أن أسرتنا تنحدر من أصل شريف هو أحق من غيره بالولاية والإمارة ولكن آل سامان سدوا الطريق دوننا، وآثروا الجياهنة والبلاعمة بالود والعزة في حين أن بغداد عرفت أسرتي قبل أن تعرفهم.‏

الأم : ويحك يا أبا منصور! لقد جعلناك من خواص هذه الدار ومقربيها، فجئت تطمع في أن نقلدك منصب الوزير والآن.. يا ويلنا.. أعززنا عدواً جاءنا في ثوب الصديق..‏

الجيهاني: (لإسماعيل الساماني) مولاي الأمير، لقد ثبت ما كلمتك فيه.‏

إسماعيل الساماني: ذكّرني بما كلمتني فيه..‏

الجيهاني: من يطمع في ملكك يحاول إقصاء الأصدقاء عنك، ولكي يحقق مآربه وأطماعه، يتظاهر بالصدق وهو الكاذب، ويتظاهر بالولاء وهو المنافق، ويتظاهر بالعهد وهو الخائن في أول فرصة تتاح له.‏

إسماعيل الساماني: ها.. قد تذكرت..‏

أبو منصور : يا يعقوب، ما لك لا تأمر إسماعيل بأن يبايعك؟ ألا ترى نفسك جديراً بالملك؟‏

يعقوب : (في جد) يا أخي، إن الحظ مدبر عنك. فعليك أن تنصاع لما يقول أبو منصور.‏

(يقترب إسماعيل الساماني منه منصاعاً خاضعاً.)‏

البلعمي : (صارخاً) لا، يا مولاي! لِمَ البيعة ما دام عمرو بن الليث لم يدخل بخارى بعد؟‏

الأم : نعم يا بني، إنه لم يتفرق شملنا بعد وإن كنا خسرنا الحرب.‏

إسماعيل الساماني: (متجهاً إلى مجلسه) هذا هو حال الملك. وإذا دخل عمرو بن الليث "بخارى" منتصراً فسوف يُجلِس أبا منصور على عرش الملك.‏

يعقوب : أجل، هذا حال الملك...‏

أبو منصور : (آمراً الحارسين) احتجزا الأمير إسماعيل والجيهاني والبلعمي لنزجهم في السجن بعد قدوم عمرو بن الليث!‏

(يضع أحد الحارسين سلاحه على الأرض مطيعاً ويجري الثاني مجرداً سيفه نحو أبي منصور ويعقوب الساماني.)‏

إسماعيل الساماني: مكانك، يا حارس! (يعود الحارس إلى مكانه) تفضلْ يا وزير البلاط، بما لديك..‏

(يشير الجيهاني إلى المدخل الرئيسي، ويتعالى من البعيد والقريب صوت الطبول ونفير الأبواق.)‏

الجيهاني: (لأبي منصور) يا مغفل، يابن الزنا! انظرْ من النافذة إلى الساحة الكبرى!‏

(يندفع أبو منصور إلى النافذة ليرى ما يجري خارج البلاط حيث تُسمع هتافات "عاش الأمير!".. "بوركت يا أميرنا بالنصر!".. ويقبل بازوان جذلاً.)‏

بازوان : (جاثياً على ركبتيه) عاش أميرنا الذي لا يُقهر!‏

البلعمي : (حائراً) أهذا حلم أراه أم يقظة؟‏

الأم : (ناظرة إلى إسماعيل الساماني في عدم الثقة) لقد أعياني هذا الأمر، يا ولدي العزيز. يا رب..‏

إسماعيل الساماني: (مقترباً من يعقوب) يا أخي يعقوب! لا يمكن أن يكون للملك أميران يجلسان على العرش في وقت واحد.‏

(ينهض يعقوب الساماني من الكرسي ذاهلاً خامل القوى، ويدير رأسه إلى أبي منصور الذي أطرق صامتاً، فيجري نحوه ممتشقاً سيفه إلا أن الحارس يعترض طريقه.)‏

يعقوب : (مخاطباً أبا منصور) ما الذي فعلته بي، يا لئيم؟‏

إسماعيل الساماني: (لبازوان) كيف حال الأسرى؟‏

بازوان : أنزلنا الأسرى في أربعة أربضة وأطعمناهم كما أمرت. وقد طلب عمرو بن الليث لقاء مولاي الأمير.‏

إسماعيل الساماني: خذوا عمراً بن الليث وحشمه إلى الحمام، ثم آتونا بهم بعد أن ينالوا قسطاً من الراحة.‏

(ينصرف بازوان.)‏

الأم : (هي ما زالت مستغربة) قل لي يا بني، أكل هذا حقيقة أم لعبة تدبرها؟‏

البلعمي : مولاي الأمير الفاتح، إن الحيرة ما زالت تعتريني.‏

إسماعيل الساماني: (باسماً) فليقصّ وزير البلاط ما جرى.‏

الجيهاني: لا تؤاخذوني إن كنت سبباً لتنفيذ هذا المشهد الذي أثبت لنا من هو صديق هذه الدار ومن هو عدوها..‏

أبو منصور: يا ويلي! (يتهاوى على الأرض) من الآن يحسبون الصديق عدواً.‏

إسماعيل الساماني: (مخاطباً أبا منصور) أيها الحاقد! كنت تريد الإساءة للبلعمي وبازوان. (يخرج من جيبه المنديل وفيه إصبع بازوان المقطوعة مع الخاتم مستعرضاً) لقد برر بازوان نفسه بهذا العمل. ولله الحمد، زال ظل الظن عن أبي الفضل البلعمي أيضاً.‏

(يتقدم البلعمي من الأمير ويقبل الأرض بين يديه، ويقترب الأمير من خاتوناي وبانو ويحدق إليهما برهة من الوقت.)‏

الأم : بوركت يا بنيّ، لقد غسلت غبار الهم من قلبي.‏

إسماعيل الساماني: (مشيراً إلى خاتوناي وبانو) إنهما تستحقان هذا البلاط.‏

خاتوناي: (تتقدم إعظاماً للأمير) بوركت بالنصر على عمرو بن الليث يا أميري! إن سمح لي مولاي المظفر أعلنت ما بأعماق قلبي.‏

إسماعيل الساماني: تفضلي..‏

خاتوناي: كنت صبية عمري سبع سنوات أو ثمانٍ يربيني ويعلمني الحكمة والأدب أستاذ من "سمرقند" جاء به أبي إلى البادية، وهو كثيراً ما كان يقص علينا أنا وشقيقي القصص عن حضارة بلده الأسطوري وشهامة أهله، ذات مرة سألته: "ما السر في وسامة وجوهكم وجمال عيونكم السود؟" فضحك الأستاذ وقال: "نحن أهل ورزرود(1) يسموننا عرب ما وراء النهر، عُرفنا بهذه الصورة". فلما بلغت من العمر ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً سافرت في صحبة أبي وقوافل التجار إلى سمرقند وبخارى وفرغانة ومدن أخرى في بلادكم فأعجبت بجمال طبيعتها وكرم أهلها وتمنيت آنذاك أن يتزوجني فارس من أبناء هذا البلد المعطاء حتى أنجب أولاداً لهم الصورة نفسها والجمال نفسه. فحسبي هذه الأمنية..‏

أوقطاي : (مقاطعاً إياها) أنسيت أصلك يا خاتوناي؟ احفظي لسانك!‏

خاتوناي: (مستطردة) إن ما رأيته هنا من رحابة الصدر وسمو الأخلاق يسلب العقول ويسحر القلوب، فكان بودي أن أهدي قلبي لمولاي الأمير، لكن الحظ لم يبتسم لي، فلم يبق للقلب سوى أن يتعلق ببازوان، وإن كان ذلك إثماً فـ..‏

إسماعيل الساماني: سنحقق أمنيتك هذه. (ملتفتاً إلى بانو) لقد وجدت معدنك صافياً يناسب النزول في قلبي. (للأم) ألبسيها ملابس فاخرة، يا أماه! ولنقم أعياد النصر والعرس معاً..‏

سيده بانو: (تجثو وعيناها تذرفان دموع الفرح) الحمد لله الذي استجاب لدعائي وصلواتي، ووهب لي سعادة الدنيا.‏

الأم : مبارك هذا الفرح!‏

(يردد الجميع "مبارك، مبارك!".)‏

إسماعيل الساماني: (يعود إلى مجلسه ويأخذ مأخذ الجد) لن نبدي الحقد والبغضاء على أخينا يعقوب وأبي منصور. فلنبتهج بالنصر أولاً، ثم سننظر في الأمر إن شاء الله.‏

أبو منصور: (مقبلاً الأرض بين يدي الأمير ومتمسكاً بذيل ردائه) يا مولاي العظيم، يا فاتح البلدان والأقاليم..‏

إسماعيل الساماني: (في صرامة) انهضْ أيها الخسيس! لقد أعطى الله أمثالك لساناً يعلن وقلباً يضمر. لقد أخفضنا لك جناح الذل من الرحمة. (للبلعمي) أحضروا عَمْراً بن الليث وقائد جيشه إلى هنا.‏

(ينصرف البلعمي، وبإشارة من الأم تأتي بانو والجارية ريحان برداء مزركش، وتضعانه على كتفي الأمير. يصطفُّ أهل الحاشية، وبعد لحظة يظهر في المدخل الرئيسي أحمد وبازوان والبلعمي يتبعهم عمرو بن الليث ومحمد بن بشر وهما يسلمان على الأمير إجلالاً ثم يقفان إزاءه وقد بدت عليهما علائم القلق والاضطراب.)‏

إسماعيل الساماني: أنرد عليك السلام أم نقابلك باللعنة، يا عمرو بن الليث؟‏

عمرو بن الليث: إنما يستحق اللعنة أمير الأمس وأسير اليوم.‏

إسماعيل الساماني: (لمحمد بن بشر) يا قائد، أخرجت نفسك من الأسر حتى تُوقِع فيه أمير خراسان؟!‏

محمد بن بشر: (يجثو على ركبتيه إعظاماً) خرجت من ظنون الأمس لأدخل يقين اليوم، أيها الأمير إسماعيل! إنك والله لقائد عظيم قد سطّر أروع البطولات والمآثر.‏

عمرو بن الليث: (في أسىً) لقد ملكت عسكراً جراراً كان بإمكانه بسط سطوته من بخارى إلى مشارف الهند والصين ولكن هذه السطوة التطمت كالأمواج بجلمود صخر نصبه عسكر الأمير إسماعيل وتلاشت هباءً.‏

إسماعيل الساماني: تكلم، يا محمد بن بشر، هل رددناك إلى أميرك في ثوب السلام كي ترجع إلينا لابساً ثوب الحرب؟!‏

محمد بن بشر: أيها الأمير إسماعيل، كنت حسبت هزيمتي الأولى من باب المصادفة فقررت أن أسترد الاعتبار وأحفظ ماء الوجه.‏

إسماعيل الساماني: إن وقوعك في الأسر ثانية لن يزيدك إلا خزياً وعاراً.‏

محمد بن بشر: أصبت، أيها الأمير. لقد أيقنت هذه المرة أن هزيمتي الأولى لم تكن مصادفة بل أمراً واقعاً وأن لبلاد الأمير إسماعيل وعسكره قوة لا يُعلى عليها.‏

أبو منصور : (بصوت عال) عاش أميرنا الماضي إسماعيل بن أحمد!..‏

(يلقي الأمير عليه نظرة عتاب تلزمه الصمت.)‏

عمرو بن الليث: لم أر ولم أسمع بأمير قط يحتفي بأعدائه ويخلع عليهم. إن هذا الأمر يثير حيرتي أكثر مما تثيرها الهزيمة التي منيتُ بها في الحرب.‏

إسماعيل الساماني: أننهي الناس لينتهوا عن المنكر ونأمرهم بأن يأتمروا بالمعروف وننسى أنفسنا؟.. أولم تسمع بأنني لما فتحت بلدة طراز ووادي طلس أطلقت سراح عشرة آلاف أسير من الأتراك، ورددتهم إلى أوطانهم حتى يتأكدوا من قوتي وعدلي ويعترفوا بجميلي؟‏

عمرو بن الليث: إن العدل يُكتب له الخلود بالسيف الماضي والحكم القاضي..‏

البلعمي : (متقدماً بضع خطوات) سمعتُ حكيماً يقول إن من رفع سيفاً بالظلم أُنزلتْ سيوف العقاب على رأسه. فإن هذه الحدائق الغنّاء التي تراها إنما تستقي الماء من منهل عدل الأمير إسماعيل.‏

الأم : أجل، قيل إن يوماً من عدل الملك أفضل من عبادة ستين سنة.‏

إسماعيل الساماني: يا أمير، ما الذي غرّك حتى تحمست لحرب الأمير إسماعيل؟‏

عمرو بن الليث: (بعد فترة من الصمت) أحفظ حكمة تقول: "إن أردت أن يعظم شأنك فزدْ من أعدائك."‏

إسماعيل الساماني: بئس ما حفظت، أيها الأمير! فإنه ليس من الحكمة أن يجور الجار على جاره ويقتحم داره بحثاً عن عدو له، لا سيما عندما يكون هذا الجار من أبناء جلدته.‏

عمرو بن الليث: (في تهكم) أيها الأمير إسماعيل، ما لي حيلة سوى أن أقول الحق ولو كان مراً، فلو لم آت لحربك اليوم لكنت جئت لحربي غداً لتغزو خراسان.‏

إسماعيل الساماني: لأغزو خراسان؟‏

عمرو بن الليث: أجل، إن هذا ينبع من إجماع الجميع على أنك عُرفتَ كفاتح البلدان وجار قوي السلطان. فالتخوف من عدوانك المباغت هو الذي دفعني إلى حربك، فضلاً عن كتابك الذي كان يهددني..‏

إسماعيل الساماني: كتبت كتاباً لأمنعك من هدم بيوت النار وقمع الناس وإكراههم على الإسلام.‏

عمرو بن الليث: لقد نفذت أمر الخليفة.‏

إسماعيل الساماني: أمرك الخليفة أن تدعوهم إلى الإسلام بالدعوة والموعظة الحسنة وليس بالإكراه والقتل والذبح.‏

عمرو بن الليث: أيها الأمير إسماعيل، أعتقد أنني وقعت في أمر لا تُحمد عقباه فعندي كنوز وثروات طائلة أتركها لك لتنتفع منها في إعمار الملك وتقوية العسكر وكسب الشهرة.‏

إسماعيل الساماني: (في ابتسامة صفراء) تلك الكنوز والثروات الطائلة التي تتكرم بها هي من أموال المساكين واليتامى سلبتها بحد السيف. أما أنا فقد طارت شهرتي بالفتوحات وليس بالسلب والنهب، وزهدت في الدنيا لنيل الآخرة. (يعود إلى مجلسه وبصوت آمر) خذوا عمراً بن الليث والقائد محمد بن بشر إلى السرادق وأكرموهما.‏

محمد بن بشر: أيها الأمير، ما الداعي لإكرام من أثقله الجرم؟‏

عمرو بن الليث: (محزوناً) القتل هو جزاؤنا وليست الملاطفة.‏

إسماعيل الساماني: نحن لا نتعطش إلى سفك الدماء. فخذا راحتكما في السرادق. غداً سنصدر حكمنا إن شاء الله.‏

(يقاد عمرو بن الليث ومحمد بن بشر إلى الخارج.)‏

البلعمي : ما هو الحكم فيهما غداً، يا مولانا؟‏

إسماعيل الساماني: سنبعث بهما إلى بغداد عن طريق سيستان.‏

الجيهاني: مولاي الأمير، لمَ عن طريق سيستان؟‏

إسماعيل الساماني: حتى نعرض على أهلها أن هذا هو مصير من يثور ويتطاول على ملكنا.‏

أحمد : بارك الله فيك يا أبي!‏

أبو منصور: سبحانه تعالى أنعم على أميرنا..‏

إسماعيل الساماني: (رافعاً يده بإشارة السكوت) يا أبا منصور، حجبنا عنك الثقة فبقاؤك في بلاطنا منذ الآن غير مرغوب فيه. انصرفْ إلى بلدك كيش، وانتظر هناك حكمنا العادل. هيا! (يعرض عنه وجهه).‏

أبو منصور: أمرك يا مولاي العادل (يخرج بظهره).‏

إسماعيل الساماني: (ليعقوب) امكثْ هنا لنتشاور في أمرك.‏

الأم : إنه بحاجة إلى النصح والعظة..‏

إسماعيل الساماني: ما العمل يا أماه، إذا كانت الأيام تأتينا بما لم نتزود له. فرب عبد نصوح خير من أخ جموح. (ملتفتاً إلى الجيهاني) يا وزير البلاط، فليحضر الشعراء والأدباء والمغنون إلى قصر رخشان لنقيم سبعة أيام تباعاً أعياداً وأفراحاً بمناسبة انتصاراتنا ونكرّمهم لأن تكريم هؤلاء من جليل الأعمال. هيا لنذهبْ!..‏

(ينصرف الجميع، ويتعالى صوت الطبول ونفير الأبواق تتخلله هتافات: "عاش أميرنا المنتصر إسماعيل!"، "المجد لإسماعيل أمير خراسان وما وراء النهر!" وهي تعلو تارةً وتخفت تارةً أخرى.)‏

(1)- ورزرود: تعني بالفارسية القديمة ما وراء النهر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244