ثلاث مسرحيات من طاجيكستان - ترجمة وتقديم:د.غسان مرتضى - نذر الله نزار

مسرح - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:40 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الأول

أبطال المسرحية:‏

لَيْ (ليلى)‏

مج (مجنون)‏

ظالم‏

عنيد‏

خائف‏

طالب العلم‏

(تجري الأحداث في الزمن المقبل)‏

(ظلام. نتبين أبطال المسرحية من خلال ضوء السراج الذي يسلّط عليهم من حين لآخر وهم يلعبون بكرة في ملابس عصرية يرتدونها. ويتواصل اللعب في حماس متزايد يتقاذف الأبطال الكرة فيما بينهم تارة بالأيدي والأقدام وتارة أخرى بالرؤوس والأجسام. وتملأ المسرح أصوات شتى تندمج مع كلمات الخطباء على المنابر وأصوات ضحك وبكاء وأزيز رصاص وهدير مدافع وموسيقى قديمة وحديثة وأذان مؤذن. وتتصاعد أصوات اللاعبين أكثر فظاظة ورعباً).‏

-إليّ!‏

-ناولْني الكرة!‏

-حوّلها إليّ!‏

صوت المؤذن: حان وقت عبادتكم، يا ناس!‏

(يستمر صوت الضحك والبكاء بالارتفاع).‏

-إليّ بالكرة، إليّ!!‏

صوت المؤذن: الله أكبر، الله أكبر!‏

(يزداد اللعب سرعة وحماساً، يتخلله الضحك والنحيب في الوقت نفسه).‏

-إليّ!! إليّ!!‏

صوت المؤذن: الله أكبر، الله أكبر!‏

(ثمة شابة تبرز من بين اللاعبين وقد وقعت الكرة على يدها وهي ترفعها فوق رأسها وفجأةً.. تجمد مكانها.. وإذا هي جمجمة نلمحها على ضوء السراج. فيفر الجميع).‏

الشابة : آ.. آ..!!‏

(ثمة أصوات تخص الطوفان والزلزال والرعد والبرق تختلط بصوت الشابة. ثم تهدأ الأصوات في أعماق الظلام. وتسود فترة من الصمت. ثم تعلو نهقة حمار يعقبها صوت إنسيٍّ هائل.‏

يعود النور إلى المسرح ونرى آثار الخراب والدمار التي خلفتها كارثة الكون الكبرى على وجه الأرض. ثمة بقعة صغيرة من الأرض سلمت من الكارثة، فيها عين ماء وبعض الخضار وشجرة تفاح تتدلى على منحدر جبلي يمسكها جذر من جذورها من الانقطاع والسقوط. ترقد تحت الشجرة شابة اسمها (لَيْ). ويحضر شاب تبدو عليه علائم الفزع الشديد وهو يصدر صوتاً يشبه نهيق الحمار، ويئن من شدة الألم والوجع بصوت مرتفع. واسمه (مَج) وهو يبحث عن مكان ينجيه من سوء الأقدار).‏

مج : هيعا.. هيعا.. هيعا..‏

(يزداد فزعاً من رؤية شابة راقدة تحت الشجرة، فيحاول أن يلوذ بالفرار إلا أن قدميه لا تطاوعانه، فيبقى يتراكض إلى الأمام حيناً وإلى الوراء حيناً آخر، ثم يخرُّ على الأرض منهك القوى. ويوقظ صوت الشاب الشابة من سباتها، فتدنو منه ومصاصتها معلقة على عنقها).‏

لي : يا إلهي، أيّ صوت هذا؟ لم أسمع مثله منذ أن عرفت نفسي. لا هو صوت الطيور ولا صوت الدوابّ، لكنه جميل يأنسه القلب.‏

مج : هيعا.. هيعا‏

لي : لم يسبق أن رأيت مكروهاً من أصحاب الأصوات حتى الآن.. مهما يكن فلا بد أن ألزم الحذر من هذا الصوت العجيب. (تلتقط عصاً) أخشى أن.‏

مج : هيعا!.. هيعا!.. (يتسمر في مكانه مندهشاً).‏

لي : يا إلهي! إن هذا المخلوق يشبهني تماماً.‏

مج : (يائساً) هيعا..‏

لي : يبدو أنه لن يمسني بسوء (ترمي العصا جانباً وتدنو منه).‏

مج : (مغمض العينين) هيعا..‏

لي : ما أجمله صوتاً. أهو حيّ؟‏

(تجس بيدها قلب (مج) فيهرب (مج) منها مذعوراً فتجفل (لي) وتتراجع إلى الخلف ثم تتمالك نفسها، ثم يعودان ويقفان وجهاً لوجه كخصمين).‏

مج : معاذ الله!‏

لي : أتنطق مثلما أنطق أنا؟‏

مج : هيعا.. لا تقتربي مني!‏

لي : هل تخاف؟‏

مج : هيعا.‏

لي : ممن؟‏

مج : منك.‏

لي : لماذا؟‏

مج : لأنك ستأكلينني.‏

لي : أنا؟! (تخطو خطوة نحوه).‏

مج : هيعا! هيعا! ابتعدي عني!‏

لي : لا تخفْ..‏

مج : لا تقتربي! إنك "هيعا" ذاتها. تريدين أكلي بالخداع. إنك بلاء لآخر الزمان!‏

لي : جبان! كيف سآكلك وأنا أصغر منك؟‏

مج : إن للبلاء ضروباً من الخدع حتى ولو كان صغيراً.‏

لي : قف، اسمعْ ما أقول‏

مج : حذارِ من البلاء!‏

لي : قف..‏

مج : أبداً! دعيني.‏

(يهم (مج) بالفرار، وإذا بشهيق يُسمع من قريب فيلتصق كلٌّ منهما بالآخر فزعاً)‏

لي : يا ساتر!‏

مج : يا ساتر!‏

لي : يا إلهي، كم يعجبني سماع مثل هذه الأصوات.‏

مج : يا إلهي، متى سيأكلني هذا البلاء، يا ترى؟‏

لي : إن نظراته كالشمس تشع نوراً، إنه يهدئ روعي كلما نظرتُ إليه، وكأنني رأيته في مكان ما من قبل.‏

مج : ما لي قوة حتى أهرب منها.‏

لي : لله الحمد، كنت فرداً فأصبحنا اثنين.‏

مج : لا، بل إن فيّ قوة ما، ولكن لماذا لا أستطيع الإفلات منها؟ ربما هي سحرتني. ها.. لقد سحرتني. فلا مفر منها. يا ويلتاه.‏

لي : شكراً لله كثيراً.‏

مج : واأسفاه.. متى ستأكلينني؟ تكاد تطلع روحي.‏

لي : يا لك من مجنون! (تلمس رأسه مداعبة) أما ترى أن الله قد أرسلك لأجلي حتى لا أكون وحيدة. إنك تشبهني تماماً. إنك هبة الله وظله.‏

مج : ها؟‏

لي : لا تخفْ مني بعد الآن.‏

مج : كيف؟‏

لي : ها هو ذا الماء.. والأرض.. والتفاح.. سأعطيكه كله لقاء أن تبقى معي صديقاً وخليلاً ورّباً تملكني، فلا تخفْ مني بعد الآن.‏

مج : لستُ أصدّق. هيعا.‏

لي : أفّ.. لا تخفْ.‏

مج : هيعا..‏

لي : يا إلهي..‏

مج : هيعـ.. ما هذا؟! (يشير إلى مصاصة معلقة على عنقها).‏

لي : هذه مصاصتي سأعطيكها أيضاً. (تضع المصاصة في فمه) اهدأْ فقط.‏

مج : آ-آ.. مم.. (يمصها باشتهاء).‏

لي : هل أعجبتْك؟‏

مج : همم..‏

لي : إذن، فأنت مثلي فعلاً.‏

مج : همم..‏

لي : وأرسلك الله إليّ.‏

مج : همم..‏

لي : ستكون صاحبي وخليلي.‏

مج : همم..‏

لي : ولن تسئ إليّ أبداً؟‏

مج : لا.‏

لي : ولن تخاف مني؟‏

مج : لا.‏

لي : ولن تتركني في وحدتي؟‏

مج : لا.‏

لي : أبداً؟‏

مج : أبداً.‏

لي : لنحلفْ!‏

مج : لنحلفْ!‏

لي : ألف شكر.‏

مج : (يتحول كلامه إلى الشعر)‏

يضرب قلبي ضرباتٍ.. ضرباتْ.‏

لي : ينطق خلّي كلماتٍ.. كلماتْ.‏

مج : عذبة الثغر واللسان!‏

لي : بمليح القول ينبسان! (يرقصان فرحاً ومرحاً ويمسك كل منهما بيدي الآخر).‏

مج : مئة شكر على أنك معي.‏

لي : بل ألف شكر على أنك معي!‏

مج : أنت قلبي.‏

لي : أنت روحي.‏

مج : أنت أحلى وردة في الفلَواتِ.‏

أنت أغلى كلّ شيءٍ في حياتي.‏

لي : أنت للداءِ دواءٌ قد هواك الـ‏

قلبُ من أولى اللحظاتِ.‏

مج : أسكرَ القلبَ شذى هذي المُدامْ.‏

لي : وإليك مال قلبي المُستهامْ.‏

(يقبل عليهما شاب آخر اسمه (ظالم). يبدو أن أصوات الفرح والمرح هي التي جاءت به إلى هنا. فيطيل النظر إليهما بحسرة، وهو على أهبة الانقضاض عليهما في أية لحظة).‏

مج : رحتُ أجوب الوديانْ‏

أجمع ورداً وريحانْ‏

فما وجدتُ ورداً‏

أجملَ من حبيبي الولهانْ.‏

لي : أسكرَ القلبَ شذاكْ‏

مج : إن قلبي قد هواكْ‏

(يتقاربان وكل منهما فاتح ذراعيه لعناق الآخر. وإذا بـ (ظالم) يصرخ صرخة، ثم يهرع نحوهما مهاجماً إلا أنه يتعثر بحجر ويسقط)‏

ظالم : لا.. آ.. !!‏

لي : من هذا؟‏

مج : بلاء آخر.‏

لي : لا، إنه مثلي ومثلك.‏

مج : إنه يختلف عنا اختلافاً حتى ولو أشبهنا. تمطر عيناه ناراً ودماء. إنه لا يشبهنا.‏

لي : على العكس، عيناه جميلتان، إنه مخلوق حيّ.‏

مج : مع الأسف.. لا أدري..‏

لي : لماذا سكت؟‏

مج : سكوته أولى، إنه سيكون بلاءً على رأسي.‏

لي : لماذا؟‏

مج : لا أدري. إن هواجس في قلبي تنبّهني.‏

لي : هيا، نساعده.‏

مج : حسناً، ليس لنا حيلة أخرى.‏

لي : ما بك، يا مخلوق الله؟‏

ظالم : هل أنا نائم أم يقظان؟ أتنطقين مثلما أنطق أنا؟‏

لي : نعم.‏

ظالم : إذن، فأنتما مثلي أنا؟‏

لي : نعم.‏

ظالم : أيوجد أحد غيركما هنا؟‏

لي : نحن اثنان لا ثالث لنا.‏

ظالم : وثمة ماء وتفاح هنا أيضاً.‏

لي : نعم. هل أنت جائع؟ أتريد ماء أم تفاحاً؟‏

ظالم : نعم، أريد ماء وتفاحاً. أعطيني.‏

لي : أعطه تفاحة، وأنا سأحمل إليه شربة ماء بكفيّ.‏

مج : حسناً.‏

(يعطيه (مج) تفاحة وتأتي (لي) بشربة ماء).‏

ظالم : جميل. ولكننا ثلاثة.‏

لي : إنه جميل للغاية! فقد كنت فرداً فأصبحنا اثنين. أما الآن فنحن ثلاثة.‏

ظالم : ها.. إيه.. إن رجلي توجعني.‏

مج : ها.. حقاً إنه لجميل. ولن نخشى شيئاً بعد الآن، بل إنه في مقدور ثلاثتنا التغلب على أيّ بلاءٍ يداهمنا.‏

ظالم : عبثاً تفرحان.‏

مج : لماذا؟‏

ظالم : لقد انكسرت رجلي أثناء السقوط، انظرْ إنني أعرج، ولن أستطيع المشي بعد الآن.‏

لي : لا بأس بها. سوف تُشفى.‏

ظالم : لا يمكنني الذهاب برجلي المكسورة إلى مكان آخر، وكل ما حولنا خراب وأرض جدباء.‏

لي : ابقَ معنا.‏

ظالم : هذا غير ممكن.‏

لي : لماذا؟‏

ظالم : إن ما هو موجود هنا لا يكفينا جميعاً وسينفد هذا الماء عما قريب.. والتفاح.. وخضار الأرض أيضاً.‏

لي : أحقاً سينفد ذلك كله؟‏

مج : نعم، هذا صحيح.‏

ظالم : لهذا السبب يتحتم على واحد منا أن يرحل.‏

لي : لا، لا ضرورة للرحيل فإنه سيكفينا جميعاً. لأن هذه الشجرة أعجوبة لا تنتهي ثمارها بالأكل.‏

ظالم : لا تخادعي نفسكِ، إنها ستنتهي.‏

مج : آسف، إن ما يقوله صحيح.‏

ظالم : على واحد منا أن يرحل.‏

لي : إلى أين؟ إنني وجدتُ هنا منذ أن عرفت نفسي. أثمة شِعب آخر؟‏

مج : مع الأسف ليس ثمة مكان عامر سوى هذا، والباقي كله خراب وظلمات وعراء تحفّ به المخاطر والأهوال.‏

ظالم : الظاهر أن هذا الشِعبْ ملك هذه الفتاة، فهي إذن ستبقى فيه، أما أنا فقد كسرت رجلي بسببكما وإن رحلت فسأكون طعمة لبلاءٍ ما حتماً، وأما أنت فسليم الجسم ولا يبقى إلا أن ترحل.‏

لي : إلى أين يرحل؟‏

ظالم : إلى هناك، حيث الهاوية.‏

لي : لا! لن أدعك ترحل.‏

ظالم : دعيه يرحل!‏

مج : حسناً. أنا راحل من أجل حبيبة قلبي ومن أجلك أنت، فاسعد بالبقاء هنا.‏

لي : قف! إذن فأنا ذاهبة معك.‏

ظالم : هذا أحسن. إيه، قفي! ما هذه التي علّقتِها في عنقك؟ أين رأيتُها يا ترى؟‏

لي : ماذا تقول؟‏

ظالم : هذه التي تعلقينها في عنقك.‏

لي : إنها مصاصتي، التذكار الوحيد من أبويّ.‏

ظالم : أعطينيها. فقد كان لي لعبة مثلها تماماً.‏

لي : لا، إنها أعز ما لديّ، ولن أقدّمها إلى أحد.‏

ظالم : أعطيني المصاصة!‏

لي : لا. خذ ما تشاء.. الماء.. التفاح.. (تهم بالانصراف).‏

ظالم : قفي! (يُسقط (لي) أرضاً ويحاول أخذ المصاصة عنوةً) سآخذها شئتِ ذلك أم أبيت.‏

لي : آ.. آ.. آ!‏

مج : (راجعاً) أرجوك، لا تؤذها.‏

ظالم : اغربْ عن وجهي!‏

مج : دعها وشأنها، إنها لم تمسسك بسوء.‏

ظالم : (يدع (لي) لحالها ويضرب على رأس (مج) بعصاً التقطها من الأرض) اغربْ عن وجهي!‏

مج : آ.. آه!‏

لي : يا ظالم!‏

(يحدث الأنين صدىً، ويُقبل من طرفين متقابلين رجلان كبيرا السن، وقد بدت على وجهيهما علائم الحيرة. هما (عنيد) و (خائف).‏

عنيد : من هنا؟‏

خائف : أسمع أنين فتاة.‏

عنيد : أسمع صوتاً قريباً من القلب.‏

ظالم : آها! ظهر أنكم كثرة، لا بأس، ما دمتم تريدون الحرب فلنتحارب. هيا!‏

(ينقضُّ على (عنيد) و(خائف) اللذين يلتزمان موقفاً دفاعياً في بادئ الأمر، ثم ينتقلان إلى الهجوم، ويُسقطان (ظالم) أرضاً).‏

عنيد : امسكه! إنه صيدي.‏

خائف : بل هو من نصيبي.‏

عنيد : لا! ابعدْ عني!‏

(يختصمان تاركين (ظالم) لحاله. ويوقع (عنيد) خصمه (خائف) على الأرض ويرفع عصاه فوق رأسه مهدداً بالضرب. ينتهز (ظالم) الفرصة، فيرفع عصاه فوق رأس (عنيد) بينما يلتقط (مج) حجراً ليضرب به (ظالم). وفي هذه الأثناء يعلو صوت طالب العلم).‏

صوت طالب العلم: حان وقت عبادتكم، يا ناس! قوموا للصلاة!‏

الجميع : صوت من هذا؟‏

صوت طالب العلم: الله أكبر، الله أكبر!‏

(يرمي الجميع عصيَّهم، ويلتصق بعض منهم بالبعض الآخر من شدة الخوف. وتتفرد (لي) عنهم وتتجه نحو كومة من الصخور، ثم تركع ساجدة وتصلي صلاة تختلف عن الصلاة المألوفة، فيقلدها الجميع دونما اختيار).‏

صوت طالب العلم: احفظ عبادك من شر عبادك يا ربّ!‏

لي : آمين.‏

ظالم : ما هذه المصيبة الجديدة؟‏

عنيد : ثمة خواطر تدور في ذهني لا أستطيع بيانها.‏

لي : لا أدري. إن هذا الصوت يخرج بين الحين والآخر من تلك الصخور وكلما سمعته شعرت بالسكينة والراحة.‏

عنيد : لعل أحداً ما بين الصخور.‏

ظالم : سحقاً له!‏

مج : علينا أن نزيح الصخور لننظر إليه.‏

ظالم : لا.‏

خائف : لا لزوم له.‏

عنيد : بل، من اللازم. ساعدوني.‏

مج : حسناً. هيا يا جماعة!‏

ظالم : أنا.. رجلي مكسورة.‏

خائف : أنا خائف.‏

(يبدأ (لي وعنيد ومج) بسحب الصخور).‏

عنيد : على رسلك. ها هي الصخرة الأخيرة.‏

لي : كأن شِعباً صغيراً هنا.‏

مج : هكذا.. أما الآن فابتعدوا.‏

(يتضح أن خلف الصخور حُجرةً قد سقط أحد جدرانها وتسده الصخور، وأن شاباً راكعاً فيها يسجد، وهو طالب العلم).‏

طالب العلم: يا ربّ، أصبحت أرى النور ثانيةً، ويا لها من فرحة اللقاء ببني آدم! إنهم أبناء جلدتي، تعالوا أعانقكم وأقبّل مفارق رؤوسكم ومواطئ أقدامكم!‏

الجميع : فرّوا، يا جماعة!‏

(يجفل الجميع، ويتراجعون ملتصقين بعضهم ببعض، ويخرج طالب العلم من الحجرة حائراً، ويقترب منهم في رعب وفزع، ثم يتمالك نفسه وينظر إليهم مبتسماً، وبعد ذلك يتلفت حواليه، فيصرخ صرخة دون إرادته).‏

طالب العلم: يا ربّ! إذن، فكل ما قرأته في الكتب حقيقة؟!‏

خائف : إن هذا البلاء سيهلكنا جميعاً.‏

طالب العلم: مهلكم، يا جماعة! لا تخافوا مني! فإني مثلكم من حيارى هذا العالم الفاني وخلق العالم الثالث.‏

عنيد : العالم الثالث؟‏

طالب العلم: يا أحبائي، منذ أربعين يوماً كان هنا عالم جميل مكتظّ بالناس وكنتُ فيه منشغلاً بتحصيل العلم، لم أكن مجتهداً، لكنني لم أكن كسولاً. وذات ليلة رأيت في حلمي شيخاً مليح الوجه قال لي: "انزوِ الليلة في حجرة، واعتكف فيها أربعين يوماً بلياليها مطالعاً الكتب القديمة فسوف ترى مظاهر العالم الثالث" فتعجبت من كلام الشيخ هذا، وشرعت أنفذ ما أوصاني به، فوجدت في الكتب ما ينبئني بفناء العالم الثاني وحدوث العالم الثالث الذي يعيش فيه خمسة أشخاص وأنا سادسهم. أما الباقون فقد طواهم الأجل المحتوم، واختارنا الله أهلاً لعالمه الجديد.‏

عنيد : فمن نكون نحن؟‏

طالب العلم: أنتم بشر أيضاً من بني آدم وحواء وممن احتفظ بهم الله من عالمه الثاني. أفلا تعلمون؟.. أفلا تذكرون؟‏

(يستغرق الجميع في التفكير, وقد اعترتهم مشاعر الرقة والاستعطاف في آن واحد).‏

عنيد : لست أذكر.‏

طالب العلم: ألا تذكرون أسماءكم؟‏

ظالم : الأسماء؟ ما هي الأسماء؟‏

طالب العلم: كان لكم أقارب ومعارف ينادونكم بأسماء، هيا تذكروها.‏

(يعود الجميع إلى التفكير ثانية).‏

لي : أذكر مقطعاً من اسمي وهو (لي)، ولا أدري أهو أوله أم آخره.‏

طالب العلم: إذن، فاسمك الكامل هو (ليلى).‏

مج : لقد تذكرت أنا الآخر بعضاً من اسمي وهو (مج).‏

طالب العلم: كان ذلك لقباً. أظن أنه (مجنون).‏

ظالم : أنا لا أقدر أن أتذكر اسمي.‏

خائف : وأنا أيضاً.‏

عنيد : لا، لست أذكر.‏

طالب العلم: كنتم من وجهاء مدينتنا، ها.. بدأت أتذكر.. آه.. ما أضعف ذاكرتي أنا أيضاً.. ها.. فقد تذكرت ألقابكم.‏

عنيد : أية ألقاب هي؟‏

طالب العلم: لقبك أنت (عنيد). أما أنت فكنت تلقّب بـ (ظالم). وأما أنت فلسبب ما كان الناس يطلقون عليك اسم (خائف). وهل تعلمون ما كان جزاؤكم وعقابكم في تلك الدنيا؟‏

الجميع : (بعد برهة من التفكير) لا.‏

طالب العلم: هذا خير لكم، لأن ماضيكم ما عاد يعذب ضمائركم، وستدخلون العالم الجديد غير محمّلين أوزار المعاصي والآثام، فعليكم منذ الآن اجتناب الخطايا لكي لا تعرضوا العالم الثالث للهلاك، ألستم ورثة هذا العالم الجديد، وأنتم أقارب تربط بينكم صلة الرحم؟‏

عنيد : كيف نكون أقارب؟‏

طالب العلم: ألا تعرفون؟ أنت يا (عنيد)، أبٌ لـ (مجنون).‏

مج : أبي أنا؟‏

طالب العلم: أما أنت يا ليلى، فبنت (خائف).‏

لي : يا إلهي! هل لي أب؟‏

طالب العلم: يا عنيد، ألم تتذكر كيف كانت تداعب أخاك الصغير (خائف)، وتهز أرجوحته؟‏

عنيد : ألديَّ أخ أصغر؟‏

طالب العلم: أنتما يا ليلى ومجنون، كنتما شابين متحابين، ولكنّ الكثيرين حالوا دون تحقيق سعادتكما، أما الآن فكل الظروف متوفرة لديكما التناسل والتكاثر.‏

ظالم : (مقاطعاً كلامه) فمن أكون أنا؟‏

طالب العلم: أنت..‏

ظالم : هيا، قل لي بسرعة، من أنا؟‏

طالب العلم: ها قد تذكرت. أنت أيضاً من أقارب هذه الجماعة، أنت ابن خالة (مجنون) وعزيز عليهم.‏

ظالم : الحمد لله. كدتَ تحسبني غريباً بينهم.‏

طالب العلم: كونوا رحماء فيما بينكم، وتعاونوا تعاونَ بنيان واحد يشد بعضه بعضاً.‏

عنيد : فمن تكون أنت؟‏

طالب العلم: أنا.. على قدر ما أذكر.. كان لجدي صلة رحم بكم. فنحن جميعنا أقارب.‏

عنيد : لماذا إذاً تختلف عنا بحسن البيان ورجاحة العقل؟‏

طالب العلم: لست أدري. لعل ذلك بسبب طلبي للعلم، وانتفاعي بما جمعته ذرة فذرة من علوم الدين والدنيا، وتراث الأمم والملل، واأسفاه، فما أكثر ما ضاع من علمي بعلة النسيان!‏

مج : إذن، فقد أرسلك الله إلينا نبيَّاً لترشدنا.‏

طالب العلم: لا أدري.‏

عنيد : قل لنا ما الذي يجب أن نفعله؟‏

طالب العلم: همم.. عليكم أن تعيشوا.‏

عنيد : ولكن.. كيف نعيش؟‏

طالب العلم: أنتم مخيرون.‏

خائف : نخشى أن نختار ما ليس بصحيح.‏

طالب العلم: ممم.. ها تذكرت شيئاً، يا لها من ذاكرة تكاد تخونني.. عليكم أن تعيشوا بحسن الظن وحسن القول وحسن العمل، وأن تحببوا بعضكم إلى بعض هذه الفضائل الثلاث. فإن الله قد أبقى هذا الوادي مستقراً لكم، وما عليكم إلا أن تقدّروا ذلك حق تقديره، وتحافظوا على ملكوت السماء وناسوت الأرض.‏

الجميع : حسناً.‏

طالب العلم: أنتم الآن فقراء، والعالم الثالث أكثر منكم فقراً، فجدّوا في سبيل سعادتكم وسعادة أهليكم.‏

عنيد : وكيف يمكن ذلك؟‏

طالب العلم: سأمضي إلى حجرتي للتفكير والتأمل، عسى أن يلهمني الله ما يعالج مشكلتكم.‏

الجميع : حسناً. أما نحن فسنبقى هنا لنلعب ونمرح.‏

طالب العلم: (يمضي نحو حجرته وفجأة يهتف غير متمالك نفسه) يا إلهي! احفظْ عبادك من شر عبادك!‏

مج : حتّامَ نحيبُنا بدمعٍ جارِ‏

من جور الزمن والفلَك الدوّارِ‏

ما أطول ما نطوي الليالي الليلاء‏

ما أبعد ما نصل إلى الأسحارِ.‏

(يتحلقون في دائرة ويرقصون).‏

طالب العلم: يا رب! ما هي حكمتك في إبقاء هؤلاء الخمسة؟ ألم يكن ثمة خلق آخرون أحق بالعالم الثالث؟ هذا (ظالم) ألم يكن ذلك الملك الأخير الذي أحرق معارضيه في نيران غضبه؟ وهذا (خائف) ألم يكن ذلك الجبان الذي خان وطنه لقاء بضعة قروش، وأهدى ابنته الوحيدة للملك حتى يحصل على منصب يحقق به أطماعه الدنسة؟ وهذه (لي) ألم تكن هي التي لم تثر ضد من أرغموها على الزواج ممن لا تحبه؟ وهذا (مج) ألم يكن ذلك العاشق الذي تنازل عن عشقه لصالح الملك وخذل أباه المحكوم بالقتل وباع كرامته طمعاً في الشهرة؟ وهذا (عنيد) ألم يكن ذلك الذي تسبب بعناده وغطرسته بإراقة الدماء البريئة، ولم يحثّ الناس على الإطاحة بحكم الطاغوت؟ نعم، هؤلاء جميعاً كانوا سبباً لشيوع الفساد الذي أدى إلى فناء العالم الثاني، وها هم يرثون اليوم العالم الثالث بدلاً من عبادك الصالحين، وها هم يرقصون اليوم ويمرحون ناسين متناسين ما اقترفوه من معاصٍ، وما ارتكبوه من ذنوب لا تغفر، يرقصون ويمرحون ناسين متناسين ما دبروه من مكائد ودسائس لهلاك الآخرين. يا رب! احفظْ عبادك من شر عبادك!‏

مج : وما من أعزَّ سروراً حقيقَةْ‏

إذا ما صديقٌ يلاقي صديقَهْ‏

وما من أمرّ على القلب شيئاً‏

إذا ما حبيبٌ يفارق حبيبَه.‏

الجميع : أحسنت!‏

خائف : هذا اللقاء جميل، ولكن التفاح أجمل. (يقترب من شجرة التفاح).‏

ظالم : إلى أين أنت ذاهب؟ قف!‏

خائف : لماذا؟‏

ظالم : لا تقرب الشجرة!‏

خائف : أريد أن آكل تفاحة.‏

ظالم : من منكم يريد أن يأكل أيضاً؟‏

عنيد : أنا.‏

مج : أنا.‏

ظالم : وأنا أيضاً أريد.‏

خائف : فليأكل من يريد.‏

ظالم : سينفد التفاح إن أكلناه كلنا، وأنتم تعلمون أن ما من مأكل سواه في هذا العالم.‏

خائف : فما العمل إذن؟‏

الجميع : ما العمل؟‏

خائف : الحل بسيط يجب أن يأكل التفاح واحد منا فقط.‏

الجميع : أجل.‏

عنيد : ومن هو هذا الواحد؟‏

ظالم : الأكثر ذكاءً واستحقاقاً. وهو..‏

مج : وهي (لي) لأن المكان مكانها، وما نحن إلا ضيوف غرباء عندها.‏

الجميع : فكرة معقولة.‏

لي : شكراً.‏

(فترة صمت وكل واحد يتمتم في نفسه).‏

ظالم : مع الأسف، لم تسعفني حيلتي.‏

خائف : هذه الفتاة.. ليت الله يقبض روحها، حتى يكون التفاح من نصيبي.‏

عنيد : ما السر في أن المالك يملك على حساب الآخرين؟ لا، هذا ظلم.‏

مج : كل هذا جميل، ولكن ماذا سنفعل إذا ما نفد هذا التفاح وانتهى هذا الماء؟‏

ظالم : لن ينفد التفاح إن كان ملك يدي.‏

خائف : يجب أن يكون التفاح ملك يدي أنا.‏

عنيد : لا بد للحق أن ينتصر‍! هذا التفاح يجب أن يكون ملك يدي أنا.‏

مج : يا إلهي! افعل ما في جبروتك حتى تملّكني هذا التفاح كلّه.‏

لي : لا ضرورة للخلاف، لنأكل التفاح سويةً، وإن نفد فلا خوف علينا، ولا نحن نحزن. (في نفسها) كيف لا أحزن؟ فما الذي سآكله إن انتهى التفاح؟‏

ظالم : إنها صادقة فيما تقول. تعالوا نأكل التفاح وإن نفد فسندبر علاجاً آخر. ولكن لنمرح قليلاً قبل الأكل.‏

الجميع : لنمرح!‏

عنيد : ولكن كيف؟‏

ظالم : (إلى جانب) أعرف كيف أدبر حيلة أخدعهم بها. (للجميع) هل تعلمون أن المرح يحصل من اللعب، هيا نلعب!‏

عنيد : نلعب؟ وما هو اللعب؟‏

ظالم : أما تعرف اللعب؟ سأعلمك إياه.‏

خائف : نحن بحاجة إلى لعب يملّك الفائز التفاح.‏

عنيد : ما الفائدة من اللعب بعدما يكون التفاح قد نفد.‏

مج : اللعب جميل، ولكن التفاح أجمل.‏

لي : اللعب جميل مع التفاح.‏

عنيد : إما اللعب وإمّا التفاح.‏

ظالم : اللعب!‏

عنيد : التفاح!‏

ظالم : (يواجهه متحدياً) اللعب!‏

عنيد : لا! التفاح أولاً!‏

طالب العلم: يا رب! احفظْ عبادك من شر عبادك حتى لا يقتل الأخ أخاه! حتى لا يكونوا سبباً لدمار العالم الثالث! آمين!‏

مج : تعالوا نلعب قليلاً ثم نأكل التفاح.‏

عنيد : أف.. أيّ لعب هذا؟‏

ظالم : سأعلمكم لعبة الملك(1). إنها على النحو التالي: هذه خشبة نرميها تباعاً إذا وقعت على رأسها فملك، وإذا وقعت على جنبها فوزير، وإذا وقعت على ظهرها فصوفي، وإذا وقعت على بطنها فسارق. فمن يصبح ملكاً يملك كل شيء –الماء والتفاح والأرض والناس، ويصدر حكماً بمعاقبة السارق ينفذه الوزير، هل أنتم موافقون؟‏

الجميع : موافقون.‏

ظالم : إذن، فلنبدأ! (يرمي القرعة) اللهم، اجعلني ملكاً!‏

مج : ماذا حصل؟‏

ظالم : هذا..‏

عنيد سارق؟ سارق! هيا القوا القبض عليه!‏

ظالم : لا، إنها كانت قرعة تجريبية حتى أعلمكم اللعب.‏

عنيد : لا، لقد بدأنا اللعبة فعلاً، ألم تكن أنت مَنْ باشر بها؟‏

ظالم : افهموني يا جماعة! إن اللعبة لم تبدأ بعد، هيا ارم أنت.‏

عنيد : لقد سئمت من هذه المظالم كلها.‏

خائف : هيا نبدأ من جديد، أنا الأول: يا ملك! (يرمي) أصبحت وزيراً!‏

الجميع : وزير! حسن.‏

مج : يا ملك! (يرمي) صوفي!‏

عنيد : أكيد، سأكون أنا الملك. عاقبة هذه الدنيا العدل. (يرمي) ملك؟ انظروا إنه ملك!‏

الجميع : أصبح ملكاً! تهانينا!‏

لي : أما أنا فلا فرق عندي أيّاً كان الأمر. (ترمي) صوفي!‏

الجميع : رائع!‏

ظالم : أما الآن فجاء دوري. اللهم توكلت عليك، وأنت نعم الوكيل! (يرمي) إيه..‏

عنيد : سارق!‏

الجميع : السارق! القوا القبض على السارق! عاقبوه!‏

ظالم : مهلكم! إنهم يسامحون السارق في المرة الأولى.‏

عنيد : سكوت! اجلدوا المجرم أربعين جلدة!‏

مج : لعلنا نعفو عنه هذه المرة؟‏

عنيد : لا! يجب أن ينال السارق عقاباً يستحقه! ولو نال جميع المجرمين عقابهم في حينه لما تخرّب العالم، فالجرم جرم سواء أكان أولاً أم آخراً!‏

ظالم : هذه لعبة، أليس كذلك؟‏

عنيد : بلى، إنها لعبة، ولكن الملك ليس بلعبة، حتى ولو جاء عن طريق اللعب، والمجرم كذلك! إن لم نكن نعاقبه على جرمه الأول فسيبقى يقترف جرائم جديدة، وهكذا إلى ما لا نهاية، لن ندعه يقدم على السرقة ثانيةً! فاجلدوه على جرمه الأول أربعين جلدة! أربعين، لا أقل ولا أكثر!‏

(يرجع طالب العلم إليهم).‏

طالب العلم: قفوا! فكّوا يديه! (يفك يديه).‏

عنيد : لمَ تفك يديه؟‏

طالب العلم: علينا جميعاً أن نفكر في أمر مستقبلنا.‏

عنيد : يجب أن يعاقبَ المجرم وأنت تفك يديه؟‏

طالب العلم: اكظموا الغيظ، لأن خراب العالم سببه الغيظ، أما جزاء كل نفس فعند الله وحده، ولا يحق لأحد منا أن ينوب عنه في تحديد هذا الجزاء.‏

ظالم : ما العمل إذن؟‏

طالب العلم: حسبما استنبطت من الكتب التي طالعتها ينبغي علينا أن نضع في البدء قانوناً لمجتمعنا البشري نتمسك به جميعاً ونتخذ عهوداً ومواثيق بعدم الخروج عنه.‏

ظالم : يا لها من مصيبة أخرى! تُرى، ماذا يعني هذا القانون الذي تريد أن تفرضه علينا؟‏

طالب العلم: يعني القانون مجموعة من الثوابت والقواعد التي تنظم الحياة الإنسانية وتضمن العدل والسعادة في المجتمع.‏

عنيد : هذا جيد، ولكن قل لي: من أين جئت بهذا القانون؟‏

طالب العلم: إنه حصيلة تجارب الأيام الماضية، وعلينا أن نأخذ به في حياتنا اليومية.‏

الجميع : وكيف نأخذ به؟‏

طالب العلم: بحسن الظن وحسن القول وحسن العمل. أما الآن فلنقسم على ذلك.‏

الجميع : حسناً.‏

طالب العلم: أنا من فقراء هذا العالم الفقير، وأحلف بألاّ أزيده فقراً بأطماعي وأهوائي.‏

الجميع : أنا من فقراء هذا العالم الفقير، وأحلف بألاّ أزيده فقراً بأطماعي وأهوائي.‏

طالب العلم: وأقهر نفسي الأمّارة، وأقتنع بما كسبت يميني بالكدّ، ولا أطمع في حق الآخرين، ولا أدع نفسي تكون سبب هلاك الناس وهلاكي.‏

الجميع : وأقهر نفسي الأمّارة وأقنع بما كسبت يميني بالكدّ، ولا أطمع في حق الآخرين، ولا أدع نفسي تكون سبب هلاك الناس وهلاكي.‏

طالب العلم: ولا أقتل، ولا أزني، ولا أسرق، ولا آتي بشهادة الزور، وأحب لغيري ما أحب لنفسي.‏

الجميع : ولا أقتل، ولا أزني، ولا أسرق، ولا آتي بشهادة الزور، وأحب لغيري ما أحب لنفسي.‏

طالب العلم: هذا قانون العالم الثالث، وأقسم أن أتمسك به.‏

الجميع : هذا قانون العالم الثالث، وأقسم أن أتمسك به.‏

طالب العلم: وإن نكثت بقسمي فليعاقبني الله أشد العقاب.‏

الجميع : وإن نكثت بقسمي فليعاقبني الله أشد العقاب.‏

طالب العلم: أحسنتم! أما الآن فاعملوا بما أقسمتم عليه، واتقوا الله حتى لا يحق عليكم من شديد عقابه.‏

عنيد : وكيف يكون عقاب الله؟‏

طالب العلم: إن عقاب الله متنوع وغير متناهٍ، وعلى قدر ما أذكر من الكتب المقدسة أن هذا العقاب ينزل على المفسدين على شكل فزع وهلع وأسقام ويومئذ تصبح السماء كشواظٍ من نار، وتكون الأرض كالنحاس المصهور والجبال كالعهن المنفوش، نأكل ولا نشبع فحينئذ يمسي الأخ يأكل لحم أخيه، والآباء يأكلون لحوم أبنائهم ولا يشبعون.‏

عنيد : هل يستطيع الله أن يجزينا إذا ما احترمنا القانون وعملنا به؟‏

طالب العلم: نعم، سيجزيكم الله، إذا كنتم أهل وفاق واتفاق، تصلحون ذات بينكم، حينئذ ينزل الله عليكم نعمة وبركة، ويرسل الرياح والأمطار، ويجعل لكم في الأرض معاشاً تتمتعون به.‏

لي : إذن، بعد كل هذه العهود والمواثيق يجب أن نعمل عملاً ما يجنّبنا الخطأ.‏

طالب العلم: إنما العمل يبدأ من حسن النوايا، فاسعوا إلى ما فيه فلاح، واجتنبوا ما فيه خسران ومضرة. (ينصرف).‏

(فترة صمت، ثم يبدأ كل واحد يناجي نفسه).‏

صوت ظالم: يا رب! اجعلني وحدي مالكاً لهذا الماء والتفاح!‏

صوت عنيد: يا رب! اقبض أرواح هؤلاء العاصين جميعاً حتى أتفرد بنعمتك في ظل شجرة التفاح هذه!‏

صوت خائف: يا إلهي! هب لي رحمة من لدنك من دون الآخرين حتى لا أموت جوعاً!‏

صوت مج: يا رب! لماذا جئت بـ (ظالم) إلى هنا؟ اقبض روحه قبل أن يقبض أرواح أهل الأرض أجمعين!‏

صوت لي: اللهم، زدنا تفاحاً وماءً حتى نشبع جميعاً!‏

عنيد : أنواصل لعبة الملك؟‏

طالب العلم: لكم ما تشاؤون، ولكن ينبغي عليكم أن تزاولوا شغلاً ما.‏

ظالم : أيّ شغل؟‏

طالب العلم: أمهلوني حتى أتذكر.‏

عنيد : هيا، شغّل ذاكرتك.‏

طالب العلم: يجب أن يعمل الجميع.‏

ظالم : كيف نعمل؟‏

طالب العلم: لا، يجب أن أفكر في هذا الموضوع تفكيراً عميقاً حتى أتلافى نشوب النزاع فيما بينكم، لأن النزاعات كلها قد يكون مصدرها التقسيم الظالم للعمل.‏

عنيد : دعْ عنك هذا جانباً، وجرّب حظك فيما نلعب.‏

طالب العلم: أعتذر، عليّ التفكير في الموضوع.‏

عنيد : حسناً. امضِ إلى ما تفكر فيه.‏

طالب العلم: اللهم، لا تجعلْ أمر بني آدم بأيدي بني آدم! (يمضي مسرعاً).‏

عنيد : هيا، نتابع اللعب. كنت أنا الملك، وأنت السارق..‏

ظالم : انتهت تلك اللعبة، سنرمي القرعة من جديد.‏

عنيد : لا! إنها لم تنتهِ بعد.‏

ظالم : ما الفرق؟ إنها مجرد لعبة.‏

خائف : هيا يا جماعة، نرمي من جديد!‏

عنيد : ولكن لا ظلمَ في اللعب!‏

مج : لا تغضبْ، إنها مجرد لعبة نتسلى بها.‏

(يبدؤون رمي القرعة من جديد، ولكن هذه المرة أكثر حماساً وجدية).‏

خائف : أنا الصوفي.‏

مج : أنا الملك!‏

عنيد : أنا الوزير.‏

لي : أنا الصوفي.‏

ظالم : أنا! .. أف..‏

الجميع : السارق! السارق!!‏

ظالم : هذا.. حصل خطأ.‏

عنيد : لا! هذه المرة لا أمان للسارق!‏

الجميع : لا أمان!‏

عنيد : ما هي عقوبة السارق، مولاي الملك؟‏

مج : (هامساً في أذن ظالم) كنتَ تدّعي أن مصاصتها لك. إن عدلتَ عن دعواك هذه أعطيناك الأمان.‏

ظالم : لا، لن أفعل.‏

مج : اعدلْ عن طلب المصاصة!‏

ظالم : أبداً!‏

مج : وإلا أمرت بالعقاب الشديد!‏

ظالم : فليكن ما يكون!‏

عنيد : مولاي الملك، إن الجمهور في انتظار الحكم! كم جلدة تأمرنا بجلده؟‏

مج : عشر جلدات! فلتنفذها (لي).‏

ظالم : لمَ عشر بالذات؟ على أية ذنوب؟‏

مج : لتفهّمك (لي) نفسها!‏

عنيد : نفذي حكم الملك، يا بنيتي!‏

لي : حسناً (تبدأ تجلد ظالم بالسوط)‏

عنيد : واحد!‏

ظالم : على أيّ ذنب هذا؟‏

لي : هذا لقاء المصاصة! (تضرب).‏

عنيد : إثنان.‏

ظالم : وهذا على أيّ ذنب؟‏

لي : هذا لقاء تعذيب آلاف الأبرياء الذين لقوا حتفهم مكبّلين في السجون والمعتقلات. هذا عقابك!‏

عنيد : ثلاثة!‏

الجميع : (في فرح) أحسنت! أقوى، أقوى!‏

ظالم : إنه يؤلمني!‏

لي : هكذا كان يتألم أولئك الذين ذبحتَهم بيدك، لتبني منائر من جماجم رؤوسهم.‏

الجميع : أحسنتِ! أربعة!‏

لي : هذا لقاء انتهاكك أعراض البنات!‏

الجميع : خمسة!‏

ظالم : ما لي ذنب! ما عندي خبر بهذه الأمور! عودي إلى رشدك، إنك تلفقين أشياء لا أساس لها.‏

مج : أكل هذا ذنب حقاً؟‏

خائف : أصدقاً تقولين؟ عبيد.. سجون.. منائر من الجماجم.. انتهاك أعراض..‏

لي : هذه مجرد لعبة نتسلى بها.‏

ظالم : مهما يكن، فإنه يجب أن أعرف ذنوبي بالتحديد، وإلا ما وافقت على اللعب.‏

لي : إن ملايين الناس الذين نفيتهم إلى (سيبيريا)(2) قد ماتوا معذبين تحت رحمة الزمهرير دون أن يعرفوا الذنب الذي ارتكبوه.‏

الجميع : أجل! ستة!‏

لي : هذا لقاء أمرك بإعدام كبار العلماء!‏

ظالم : أيّ علماء؟‏

لي : كوبرنيكوس! غاليليه!‏

الجميع : سبعة!‏

لي : هذا لقاء تعذيبك وتشريدك عظام الحكماء وفحول الشعراء!‏

ظالم : فمن يكون هؤلاء الحكماء والشعراء؟‏

لي : الحكيم أبو القاسم الفردوسي.. الحكيم أبو علي بن سينا.. الشاعر بدر الدين الهلالي..‏

الجميع : ثمانية!‏

ظالم : آه.. سأموت!‏

لي : إنك لم تكن تسمع أنين آلاف الشباب والشيوخ، النساء والأطفال الأبرياء الذين زجَّ بهم حكمك الظالم في غياهب السجون، وقد كان أخي واحداً منهم. (تضرب) تسعة!‏

خائف : (ماسحاً دموعه) الويل لك يا ملعون!‏

لي : والآخر كان ابنك أنت!‏

عنيد : ها.. يا فلذة كبدي!‏

(ينتحب الجميع مرغمين. موسيقى عجيبة)‏

ظالم : أأنتم صاحون أم سكارى، يا ناس؟! ما هذا الهراء الذي تطلقونه ملء أفواهكم؟!‏

لي : أما هذه الضربة الأخيرة فإنها لقاء طمعك الشديد في الحكم واستيلائك عليه بالمكر والحيل متوسلاً حيناً بالدين وحيناً آخر بالحزب، تتحكم بمصائر الناس بالظلم والعسف. كفى، يا ظالم! عشرة!‏

الجميع : أحسنتِ! لقد أخذتِ بثأر أسلافنا جميعاً‏

ظالم : صبراً! سأردّ الصاع صاعين وسأريكم ما بمقدوري عندما يأتي دوري!‏

لي : ألم نقل إنها مجرد لعبة؟‏

ظالم : بلى، سآخذ ثأري عن طريق اللعبة.‏

عنيد : لنتابع اللعبة، فقد أعجبتني كثيراً.‏

خائف : أنا الوزير.‏

عنيد : أنا الصوفي.‏

ظالم : أنا.. الملك! Ura (3) لقد حان دوري!‏

عنيد : وأين الوزير؟!..‏

ظالم : (لا يدعه يكمل كلامه) Ura.. أنا الملك! هنئوا الملك الجديد!‏

الجميع : تهانينا! تهانينا!‏

عنيد : لمَ التهاني؟ الخشبة وقعت على وزير لا على ملك!‏

ظالم : أيها الأصدقاء! سيداتي سادتي! Ladies and gentlemen هذا انتصار لنا جميعاً! لقد تحررنا من العبودية والتبعية! فلنغنِّ نشيد الحرية!‏

عيند : أيّ نشيد؟‏

ظالم : يا مج، أنشدنا نشيد الحرية، فأكافئك بتفاحة كبيرة!‏

مج : حسناً. (يغني ويصاحبه الآخرون)‏

أيها المضطهدون! أيها المعذبون!‏

حان وقت الحريةْ!‏

أيها الفقراء المعدمون!‏

قد أتى فجر الهناء‏

فلتزفّوا بشراه للبريةْ!‏

إلامَ الحزن والكرب، فاهنؤوا عيشاً!‏

وكفى ظلماً وجوراً! فتعال، أيها العدل!‏

نحكمِ الدنيا سويَةْ!(4)‏

(يعتلي (ظالم) العرش في مهابة، ويجلس على أكبر صخرة، بينما يلتف حوله الآخرون مطلقين تهاليل الفرح والسعادة).‏

ظالم : أما الآن فسأريكم من هو الملك وكيف تكون المملكة! اسمعوا وعوا! من الآن فصاعداً أنا الملك الوحيد لهذا التفاح والماء والأرض لا ينازعني أحد. اتركوني وحدي عشر دقائق أفكر فيما يجب أن أعمل.‏

الجميع : سمعاً وطاعة. (ينصرفون).‏

(ستار)‏

(1) لعبة معروفة لدى الأطفال في طاجيكستان يستعملون فيها الكعب وهو مفصل بين الفخذ والكراع من الأطراف الخلفية للمواشي (المترجم).‏

(2) منطقة في روسيا معروفة بشتائها القارس كانت منفىً للمعارضين والمعتقلين السياسيين في العهد السوفييتي وقبله (المترجم).‏

(3) كلمة روسية تعبر عن الفرح والحماس. وعادة تستعملها الجيوش عند انتقالها إلى الهجوم المعاكس (المترجم)‏

(4) هذا النشيد كتبه الأديب الطاجيكي المخضرم صدر الدين عيني، وهو من أشهر الأناشيد التي كانت تُغنى إبان الثورة البلشفية وإقامة السلطة السوفيتية في إمارة بخارى (المترجم).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244