عرس الشام و أشباح سـيناء - د.خالد محيي الدين البرادعي

مسرحيتان شعريتان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:41 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الشيخ :

حَقَّاً.. كانَ طريقُ الدمِ في أرضِ الشامِ طويلاً‏

أطولَ مِن بُعْدِ الشمسِ‏

وهذا الليلُ طويلٌ‏

والإنسانُ لهُ وجهانْ‏

وجهٌ للحبِّ ووجهٌ للطغْيانْ‏

والحَبْلُ بكفِّ السلطانِ طويلْ‏

(يضاء المكان.. كبزوغ الفجر. مع انتشار الضوء تظهر سيدة جميلة ومهيبة تنظر حولها بذعر. تتقدم من الشيخ الصامت المحدق إلى الأفق. تغني بلهجة حزينة. خلال زمن الأغنية يظهر سبعة رجال من أماكن متفرقة من بين الجمع الموجود في المكان. يظهرون تباعاً.. وكأنهم يستجيبون لغنائها)‏

السيدة : (غناء)‏

عَفْو الذي غاصَتْ بهِ الكُتُبُ‏

وسمَتْ إلى أجفانِهِ السُّحُبُ‏

وتشكَّلَتْ بيديهِ ملحمَةٌ‏

والصبحُ مِن عينيهِ- يختضبُ‏

(يظهر الرجلان الأول والثاني ويتقدمان نحوها)‏

وطَوى بساطَ الليل فانفردَتْ‏

طَوْعاً أمامَ جَوادهِ الحُجُبُ‏

هل أمحلَتْ قَهراً مواسِمُهُ‏

وتكسَّرَتْ في دارِهِ القُضُبُ؟‏

(يظهر الرجلان الثالث والرابع ويتقدمان نحوها)‏

لو جاءَ يسأَلُ: أينَ سُنْبلَتي؟‏

وحُداءُ قافِلتي؟‏

وصَباحُ مَلْحَمَتي؟‏

وجُموحُ أشْرِعَتي؟‏

أيُجيبُهُ الطاغوتُ والكَذِبُ؟‏

(يظهر الرجال الخامس والسادس والسابع. يشكلون مع رفقائهم الباقين ما يشبه القوس أمام السيدة. يغنون بصوت واحد)‏

أنُجيبُه؟ سنجيبُ:‏

لا الطاغوتُ.. لا الكَذِبُ‏

لكنَّها مِنْ بَعْدِ صَحْوَتِها‏

مالَتْ بِها الحِقَبُ‏

فتَناثَرَتْ والريحُ تَحْتَطِبُ‏

(تختفي السيدة وهي تنظر إلى الشيخ نظرة حزينة. الرجال السبعة يقتربون من الشيخ ينشدون معا)‏

اشهَدْ ما دمتَ الشاهِدْ‏

اشهَدْ يا شيخَ العُشاقْ‏

إنّا جئنا.. نكتبُ سَطْراً‏

ونُجدِّدُ خضرةَ هذي الأوْراقْ‏

الشيخ :‏

ماذا أسمعُ في الليلِ المبسوطٍ على الشامْ؟‏

السبعة : (غناء)‏

تَسمَعُ خُطُواتِ الشامْ‏

توقِظُ أكْبادَ بَنيها‏

الشيخ :‏

ماذا أبصِرُ‏

في الزمنِ المشدودِ كما وتَرٌ في قُطْبَينْ؟‏

السبعة : (غناء)‏

تُبصرُ سِرّاً مِن أسرارِ الشامْ‏

زَغْرَدَ بعدَ الصمتِ دَماً‏

وحَمامَ الشّامْ‏

وبِدايَةَ صُبحِ الشامْ‏

وجراحاً دافِقةً تغسِلُ صَمْتَ الشامْ‏

الشيخ :‏

لكنَّ الدربَ طويلْ‏

والليلَ طَويلْ‏

والسيفَ على الأَعْناقِ طَويلْ‏

والظلمةُ تطمسُ شَمْعاتٍ شاخَتْ‏

لم تصمدْ لجُنونِ الريحِ ذوائِبُها‏

(يظهر من وراء الرجال. جمال باشا السفاح يحمل سيفاً ضخماً)‏

السفاح :‏

كَثُرَ الصَّخَبُ.. ومولانا مُتْعَبْ‏

كُفُّوا عَن ثَرْثَرةٍ أرَّقتِ الليلْ‏

والدمُ يشتاقُ إلى الدَّمْ‏

الشامُ بِحُجْرةِ مَوْلانا هادِئَةٌ‏

تحلمُ.. تحلمُ.. فَدَعوها نائِمَةً‏

والحلمُ القادِمُ أعذَبْ‏

الرجال السبعة: (غناء)‏

الدمُ يشتاقُ إلى الدمِ‏

وأتَيْنا تَوّاقينَ لإيقاظِ الشامْ‏

مِنْ غُرْبَتها.. مِنْ كابوسٍ يِغْشاها‏

مِنْ عتمِ الخَدَرِ المُبْهَمْ‏

السفاح :‏

السيفُ معي‏

والحَبْلُ.. وبابُ السجنِ‏

ومِفْتاحُ الليلِ ومِفْتاحُ الضَّحْوَهْ‏

السبعة :‏

نَعلمُ.. نَعلمْ‏

السفاح :‏

والموتُ يحومُ بدائِرةِ تصغُرْ‏

لا يرجعُ.. لا يتردَّدُ. لا يَندَمْ‏

السبعة : (غناء)‏

مَعنا أبصارٌ تَتحفَّزُ للرؤيَهْ‏

مَعَنا أعناقٌ أطوَلُ وأشَدّْ‏

مَعنا أحلامٌ خُضْرٌ تتمدَّدُ.. تَتَجدَّدْ‏

السفاح : يصرخ"‏

كلماتٌ في غيرِ مَواقعِها‏

وصِفاتٌ لا يتَّسعُ العصرُ لَها‏

يا سَيْفي‏

يا سيْفَ المَوْلى هل تُغْمَدْ؟‏

يا.. سَيْفي‏

يا..‏

(يظلم المكان تدريجياً يختفي الرجال السبعة والسفاح في لحظة واحدة. تضاء على الخلفية سبع مشانق تهزها الريح. يتنهد الشيخ بألم. تظهر السيدة.. تنظر إلى المشانق وتغني بصوت حزين حنون)‏

السيدة : (غناء)‏

لم تَغبْ شمسُ الهَوى‏

لا تقلَقي يا شامُ، والعُمرُ طَويلْ‏

ونجومُ المَنحِ في أعطافِكِ الخُضرِ تَنامْ‏

وحَمامُ الفرَحِ الآتي على الآتي‏

غِناءٌ وارتعاشٌ وهَديلْ‏

كلما أسقَط سيفٌ عُنُقا‏

نضجَتْ عَشرُ عذارى في الظَّلامْ‏

ونَما طِفْلٌ.. وغنَّى في حِمَى المجدِ إمامْ‏

(يظهر من بين الجمع أربعة عشر رجلاً يتحلقون حول السيدة)‏

الأربعة عشر: (غناء)‏

مَنْ مِنّا. مَنْ مِنْهُمْ. يا مَوْلاتي؟‏

في عَصرِ الطغيانِ إمامْ؟‏

مَنْ مِنّا لَمَسَ النعسُ مآقيهِ‏

وغابَتْ عَن جَفنيهِ الرُّؤيَهْ‏

مَنْ مِنّا.. لم يَمْسَسْهُ الوَجَعُ‏

ومَنْ مِنّا‏

لا تَخْضَرُّ الأحلامُ بذاكرَتِهْ‏

مَنْ يا مَوْلاتي.. نامْ؟‏

السيدة : (تخاطب الشيخ.. غناء)‏

الكُلُّ يُجيبون فكيفَ إذَنْ‏

عاشَ الموتُ إلى الآنْ‏

الكُلُّ حُضورٌ‏

والأَعينُ تتفتَّحُ كالأَقمارِ‏

بظِلِّ المشنقَةِ‏

بظلِّ المئذنَةِ‏

بظلِّ الناقوسْ‏

مِنْ حَوْلِ الطاغوتِ‏

لتَقْطَعَ بالضوءِ الأخضرِ كَفَّ السجانْ‏

الأربعة عشر: (غناء)‏

يا مَوْلاتي‏

مَعَنا أدواتُ الصحوَهْ‏

مَعنا الزّادُ لنصلَ إلى الذروَهْ‏

الْغَدُ.. طفلٌ في أيدينا‏

وأتَيْنا نفلحُ أرضَ الضَّحْوَهْ‏

السيدة : (غناء)‏

الحزنُ تَواصَلَ‏

حتى سَدَّ خَصاصَ الفَرحِ عليهم‏

حتى أطفأَ عينَ البسمَهْ‏

واليَأسُ مِن المَجْهولْ‏

يفردُ في كل الأنحاءِ جناحيْهْ‏

حتى اغتالَ الشِّعرَ وأغلَقَ بابَ الكِلْمَهْ‏

(تغيب السيدة.. بينما تتقدم المجموعة لتقابل الشيخ)‏

الأربعة عشر: (غناء)‏

مَنْ قالَ.. أجِبْنا يا شيخَ العُشاقْ‏

أنَّ المشتاقَةَ يائِسَةٌ مِنْ لُقْيا المُشتاقْ‏

أبْصَرْنا.. ولَمَسْنا‏

بِعُيونٍ لا تُخطئُ صيدَ الرُّؤْيا‏

أنَّا.. صِدِّيقونَ تخيَّرْنا اللُّقْيا‏

الدَّمُ حَنَّ إلى الدمِ والصبحُ قَريبْ‏

نُبصرُهُ.. نلمَسُهُ بعيونِ نَبِيِّينَ‏

فهل كَذَبَتْ لِنَبِيٍّ رُؤْيا؟‏

أصْدِقْنا يا شيخَ العُشّاقْ‏

وارْشُدْنا‏

فَالمُشتاقُ يحنُّ إلى المُشتاقْ‏

والأَشْواقُ تُحَمْحِمُ فينا‏

هَل تَقرأ لُغَةَ الأعْماقْ؟‏

الشيخ :‏

قلتُ لَهم.. وسَمعتُم‏

إنَّ الدربَ الْتَفَّ كشَرْنَقَةٍ حَوْلَ الأعْناقْ‏

والليلُ.. أرى الليلَ طَويلاً جدّاً‏

والسيْفُ تجاوَزَ قاماتِ العُشّاقْ‏

الأربعة عشر: (غناء)‏

يا شيخَ العُشاقْ‏

السيفُ يَذوبْ‏

والليلُ بعَرْشِ السُّلطانِ يَذوبْ‏

ودَمُ الصدِّيقين يَذوبْ‏

يتجوَّلُ. يتجَوَّلُ حتى يَتَحَوَّلَ‏

وَرْداً وسَنابِلَ وشِفاها‏

وبَساتينَ مِنَ الأفْراحْ‏

ومَشاعِلَ تتألُّقُ حتى تحرقَ ثوبَ الليلْ‏

وتُشكِّلُ للإنسانِ القادِمِ ألْفَ جَناحْ‏

الشيخ : (دون الالتفات إلى الأربعة عشر.)‏

يا أَرضاً حَمْقى‏

ستَظلِّينَ ببحرِ دَمٍ دَوَّارْ‏

نائِمَةً أوْ غَرْقى‏

تلِدينَ جُيوشَ السفاحينَ‏

وراءَ قُلوبِ الشُّهداءْ‏

يا أَرضاً حَمْقاءْ‏

كيفَ تُطيقينَ بلا رَدٍّ‏

تَأتأةَ الطفلِ وأحْلام العذراءْ‏

والحُبَّ وسيفَ القاتلِ والوَرْدْ‏

والتَّزوريرَ ومَن في جُعبتهم‏

للإعمارِ نِداءْ‏

ولِذَبْحِ العُصْفورِ نِداءْ‏

يا أرضاً حَمْقاءْ‏

(خلال إنشاد الشيخ يغيب الرجال الأربعة عشر. يظهر السفاح شاهراً سيفاً ضخماَ.. يتجول في المكان كأنه يبحث عنهم.. يغيب مسرعا. يظلم المكان تظهر على الخلفية أربع عشرة مشنقة، تهزها الريح. تقترب أصوات معركة حقيقية. يتبين فيها صوت إطلاق المدافع. وصليل السيوف. وهدير دبابات. وصهيل خيول وعويل نسوة وصراخ أطفال. واستغاثات. تظهر السيدة بثياب سود تغطي كامل جسدها تقترب من الشيخ)‏

السيدة : (غناء)‏

السُّنونو‏

ألصقَتْ أجنحةَ الليلِ بِها‏

والعصافيرُ مِنَ النومِ تَخافْ‏

والدروبُ العَربيَّهْ‏

شرَّدتْ رُوّادَها‏

في الريحِ في البَحرِ وأطْرافِ الصَّحارى‏

هل تُرى‏

يُدركُ طُرَّاقُ الشِّعابِ اللولبيَّهْ‏

واحَةً تجمعهُم بعدَ مَتاهاتِ الطُّوافْ‏

وفُصولٍ مِنْ جَفافْ؟‏

الشيخ :‏

اسأَليهم.. أنا شاهِدْ‏

اسأليهم عَلَّ فيهم‏

مُبصَراً يَكْتشِفُ الدربَ كرائِدْ‏

السيدة : (غناء)‏

يا دُروباً نَسيَتْ طُرَّاقَها‏

أوْ ضَيَّعَتهم اُنْظُري‏

إنَّ خُيولَ الطاغِيَهْ‏

تنشرُ الرعبَ صَهيلاً‏

فهل ارْتاحَ فُؤادُ الطاغيَهْ؟‏

يا دُروباً‏

اسمَعيهم.. مَلأوا الدنيا عَويلاً‏

وعَبيدُ الطاغيَهْ‏

جُندُهُ والحاشيَهْ‏

كالسَّكاكينِ بأرضِ الحُبِّ‏

أرضِ الوَرْدِ‏

أرضِ الشعرِ والطيِّبِ‏

وما أبْقَتْ سَكاكينُ البطانَهْ‏

نَخْلَةً أوْ أُقْحُوانَهْ‏

فَمتى يا صبحُ تَغْشاهُمْ‏

لتَلْقاهُمْ.. كأعْجازِ النخيلِ الخاوِيَهْ؟‏

(تغيب السيدة بانكسار. يظل الشيخ محملقاً بالفراغ)‏

الشيخ :‏

وكَما يفترسُ الوحشُ الوُحوشْ‏

قَتَلَ الجبّارُ جَبّاراً.. وشِدْقُ الهاوِيَهْ‏

ظلَّ مفتوحاً كما بابُ الجَحيمْ‏

فلماذا؟‏

رُبَّما.. يَهْوي بهِ‏

بعدَ حينٍ.. طاغيَهْ‏

(تظهر الجوقة بعد صمت الشيخ.. تواجه الجمع.. وتنشد)‏

الجوقة :‏

يُقطَعُ الحَبْلُ.. وتَرْتاحُ السيوفْ‏

وتَنامُ المشنقَهْ‏

وتَفِرُّ الخمرُ من ذاكِرَةِ الدِّنِّ‏

وتنهارُ الدروبُ الضيِّقَهْ‏

ثم تُطوى كتبُ التزويرِ‏

تَذْروها رياحُ المُقْبِلينْ‏

قِشَّةً مُحْتَرِقَهْ‏

ويَسيلُ الصبحُ مَزْهُوّاً ومَفْتوناً‏

على خَطْوِ الشهيدْ‏

مُحرِقاً مَنْ أحرقَهْ‏

وتَزيحُ النومَ عَن كاهِلِها‏

أمَّةٌ مُختنِقَهْ‏

لتصوغَ الكونَ حُباً وعَطاءْ‏

وتُعيدُ السيرةَ المُؤْتَلِقَهْ‏

(تغيب الجوقة. ويحملق الشيخ بالفراغ. يظهر السفاح جمال باشا. يتلفت بغرور. تظهر وراءه سيدتان إحداهما ترتدي ملابس عثمانية تقليدية. والأخرى ترتدي زياً فرنسياً وتعتمر قبعة عسكرية. تقفان عن يمين ويسار السفاح. يخلع السفاح بزته التركية لتأخذها السيدة الأولى وتغيب. تقدم السيدة الثانية بزة جنرال فرنسي للسفاح وتساعده على ارتدائها. تغيب السيدة الثانية. يتبختر جيئة وذهابا. كمن يستعرض زيا.. يتقدم من الشيخ)‏

السفاح : أتُدَوِّنُ ما تشهدُهُ؟ أُنظُرْ‏

إني ألبسُ ما يطلبُهُ هذا العَصْرْ‏

الشيخ :‏

مِنْ قبلِكَ قومٌ فَعَلوا ما تَفْعَلْ‏

ثم انْدَثروا.. هل أنتَ بمعزِلْ؟‏

السفاح :‏

لكنِّي الابنُ الشَّرْعيُّ لِهذي الرِّحلَهْ‏

الشيخ :‏

وحِصانُ رِهانٍ في هذي الجَوْلَهْ‏

وأنا الشاهِدُ.. أكتبُ ما أنظُرْ‏

السفاح :‏

سأظلُّ حُضوراً يَتوهَّجُ كالخِنْجَرْ‏

في حَضرةِ هذا العصرِ الأخْضَرْ‏

الشيخ :‏

أَتْعبْتَ القَومْ‏

وسَرَقْتَ النومْ‏

وحَجبتَ الغَيمْ‏

لكنَّكَ ما زلتَ كما جئْتْ‏

سَطلاً من ماءٍ. وكياناً مِنْ طينْ‏

لنْ تحصدَ ماءَ البحرْ‏

إنْ تذبَحْ كلًّ السبَّاحينْ‏

لن تلجُمَ زغرَدَةَ الفَجْرْ‏

إنْ تخنقْ كلَّ السَّهرانينْ‏

انزلْ عن كاهلِكَ إذَنْ‏

أحْمالَ الحِقْدْ‏

وازرَعْ في أرضِ اْلعُشّاقِ‏

اللهفَةَ والسُّنبُلَ والوَرْدْ‏

إنكَ تعجزُ عَنْ بَلْعِ طَعامِ الفقراءِ‏

فدعْهُ لَهُم‏

تعجزُ عنْ شُربِ مياهِ الغيمِ ولو عشتَ قُرونا‏

فاتركْ ماءَ الغيمِ لَهُمْ‏

لا تقدِرُ أنْ تَلتحِفَ بأغطيةِ الأمْنْ‏

ما دُمتَ مُحاطاً بالسيافينْ‏

ما جَدْوى السيفِ بأرضٍ‏

تتكلمُ لُغةَ الحُبِّ‏

وما جَدْوى النارْ‏

في بُسْتانٍ يسكنُهُ طِفْل وحَمامَهْ؟‏

السفاح :‏

لا تُتعِبْ ذاكِرَتَكْ‏

فأنا موجودٌ قَبلَكْ‏

وقديمٌ مثلَكْ‏

السيفُ معي ظَمآنٌ‏

يحصدُ مَن يَلقاهُ‏

ويبلعُ ما يلقاهْ‏

لكنْ ماذا أفعَلْ؟‏

الشيخ :‏

ارجعْ حيثُ أتيتَ‏

أو أقتلْ نفسَكْ‏

والدنيا ستظَلُّ هيَ الدنيا‏

إنْ كُنتَ وإنْ لم تَكُ أنتْ‏

السفاح :‏

مسكينٌ يا شَيْخْ‏

اشهدْ لا غَيرْ‏

واتركْ ذاكِرَتَكْ‏

إنكَ لا تحسنُ عَرْضَ دفاتِرها‏

كيفَ تُكَلِّمُ مَنْ لم يصنعْ نفسَهْ‏

وتُحاوِرُ مَن لم ينسُجْ حِسَّهْ‏

ذلكَ دَوْري فاشهَدْ‏

هذا قَدَري وأنا أُتقِنُهُ‏

وأنا آتٍ أسْقي غَرْسَهْ‏

الشيخ :‏

لكنَّكَ أنتَ الآنْ‏

كَوْنٌ وكيانْ‏

يتميَّزُ فيهِ الخَلْقُ وينطقُ فيهِ الإنسانْ‏

كُنْ ذاكَ السامِقَ بِبناءِ الإنسانْ‏

السفاح :‏

مَنْ أخبرَكَ بأني مَنْ تتَحدَّثُ عَنْهُ؟‏

الشيخ :‏

أنا.. وأنا أشهدُ هذا البُنْيانْ‏

وأنا أتلمَّسُ خطوَكَ مُنْذُ زَمانْ‏

السفاح :‏

أنتَ بلا ذاكرةٍ. وبلا رُؤيَهْ‏

والأفضلُ أنْ تَبقى الشاهِدْ‏

الشيخ :‏

أشهدُ ما أنظرهُ الآنْ‏

وإذا نامَتْ ذاكرتي‏

تنْزعُ ثوباً أثقلَهُ الدمْ‏

لتنامَ بثوبٍ منسوجٍ مِنْ دَمْ‏

السفاح :‏

ذلكَ.. ما يطلبهُ الدورُ الآتي‏

والفَصْلُ التالي‏

الشيخ :‏

ستظلُّ الملْعونَ أمامي‏

وبِذاكِرَتي‏

السفاح :‏

جزءٌ مِنْ دَوْري أنْ تَلْعَنَني‏

يا شيخُ اعذُرْني‏

وتكوَّمْ بهدوءِ النومِ ودَعْني‏

(تظهر السيدة بثيابها السود. تمشي بهدوء حزين. تقف بين الشيخ وبين السفاح. تنظر إلى السفاح طويلا)‏

السيدة : (غناء)‏

ظَننْتَ.. أمْ وهمْتَ‏

أنَّ الشمسَ تستريحُ في عَينيْكْ‏

وتنعسُ الدنيا على يَديكْ‏

وأنَّ من غَيَّبْتَهم‏

في ظِلِّ زيزفونَهْ‏

عَنْ حَمْلِ دفترِ الحُبِّ‏

وعن أُغنيةٍ ما كُتِبَتْ‏

ظَننتَهم قد أصْبحوا لديكْ؟‏

وأنَّ مَنْ نزعتَ مِنْ عُروقهِ الحَياةْ‏

أضافَها إليكْ؟‏

نسيتَ أنْ تموتَ أمْ نَسيتْ‏

أنَّ الفَناءَ مُقبلٌ عليكْ؟‏

وأنَّ لُغةَ الأطفالْ‏

وحُرْقَةَ العَذارى‏

وقلَقَ الطيورْ‏

وغُربةَ الرِّجالْ‏

تَصَبَّبَتْ جميعُها عليكْ‏

السفاح : (بازدراء إلى السيدة)‏

ليسَ بدَوْري‏

أنْ أُغضِبَ هذي السيدةَ فيا شَيخْ‏

دَوِّنْ ما تَسمعُ واشهدْ‏

إني لا أتجاوَزُ دَوْري‏

السيدة : (غناء)‏

العُشاقُ.. وحَبّاتُ الرملِ وغَزْلُ الغيمْ‏

ذَرّاتٌ مني.. أجزاءٌ لا تُنزَعُ عَنّي‏

وعُروقُ الشهداءْ‏

اسمَعْها كيفَ تُغَنّي‏

السفاح :‏

ليسَ بدَوْري ترجمةُ جُنونٍ‏

أسمعُهُ يُقلقُ أوْ يُغضِبُ‏

مَنْ رَسَموا دَوْري‏

كُفِّي يا امرأةً عنّي‏

كُفّي.. عّنِّي‏

السيدة : (غناء)‏

هل تَفهمُ الرياحْ‏

وَشْوَشَةَ الزَّهرِ‏

ويفهمُ الإعصارُ لُغَةَ الفَراشَهْ؟‏

لكنها أَوْرِدَةُ الشهيدِ يا سَفّاحْ‏

حَبْلٌ.. وأنتَ في شِباكِهِ مُطَوَّقٌ‏

وكلُّ ما عليكْ‏

أَنْ تتركَ السكينْ‏

لأنَّها نارٌ براحَتيْكْ‏

وجَمْرةٌ بمقلتَيكْ‏

كَمَّ مَرَّ مِنْ أماميَ مثلُكَ يا سَفَّاحْ‏

ما واحِدٌ أَلْقى تحيةً عليكْ‏

(ينظر السفاح حوله بازدراء. يتلمس قبضة مسدسه، يمشي بخطوات عسكرية متزنة ترافقها موسيقي عسكرية، يتكلم دون أن ينظر إلى أحد).‏

السفاح :‏

لا سيْفَ ولا سكّينَ ولا خنجَرْ‏

في هذي الحُلَّةِ خَلْقٌ أَكْبَرْ‏

آلاتُ الموتِ اختنقَتْ‏

وأَنا‏

في العَصْرِ المُقْبل حُلْمٌ أَخْضَرْ‏

فمتى تَعرفُ هذي السيدةُ وهذا الشاهِدْ‏

أَنيّ أَحْملُ أشكالَ الناسِ إلى الناسْ‏

والبذَر المتنهَّدَ للميلادْ‏

وثياباً للعصرِ العُرْيانْ‏

(يلتفت نحو السيدة والشيخ)‏

أُصمتْ يا شيخُ‏

وأنتِ اللابسةُ الحُزْنَ اختاري الصَّمتْ‏

وعلى الناسِ جميع الناسْ‏

أَنْ يتفيُّوا بظلالِ الصمتْ‏

جئتُ إليكم‏

ومَعي خبزٌ وحَريرْ‏

ونجومٌ تضحكُ في الأَعراسْ‏

ومَصابيحٌ تَرقصُ‏

تحتَ الأجنحةِ المَيْتَةِ كي تُحيْيها‏

كيفَ نسيتُمْ‏

أنَّ الماضي صحراءٌ لا أَطْرافَ لَها‏

وتغرَّبْتُمْ‏

وضَللتم عن أنفسكم بسكينَتِها‏

(يلتفت إلى الخلف.. تسمع طلقات رصاص بطيئة.. تتسارع يتبعها صراخ أطفال واستغاثات نسوة. تتمازج فيها زغردة وغناء، يعود السفاح لمقابلة الشيخ).‏

قُلْ يا شيخُ لَهمْ‏

أنْ يلتزموا الصمتْ‏

ناديهم يا شيخْ‏

بَلِّغهم أنْ يلتزموا الصمتَ أَوِ الموتْ‏

أَوْ ما نعرفُهُ بالصمتِ المُقْفَلْ‏

إني أَعملْ‏

وبهذا الصَّخَبِ أُشَلّْ‏

أَنْسى ما جئتُ لأصنعَهُ‏

في أرضِ الزَّمن المُقْبِلْ‏

إنَّ ضجيجَ الناسِ حَريقٌ يأكلُ أَعماقي‏

قُلْ يا شيخُ لهم‏

إنَّ الصمتَ حياةٌ، وخيارٌ أَفْضَلْ‏

الشيخ :‏

أَنسيتَ بأني الشاهِدْ‏

لا أَفْعلُ بلْ أكتبُ ما يُفْعَلْ‏

أَنْقُلُ ما يَفعلُهُ الناسُ وما تَفْعَلْ‏

السفاح :‏

تَملِكُ أنْ تَتدخَّلْ‏

قُلْ للناسِ جَميعاً‏

إنَّ الشامْ‏

تتَّسعُ لَنا.. ولَهُمْ‏

ولكلِّ الصَّبَواتِ الحُلْوَهْ‏

إرفَعْ صوتَكَ في أَنْحاءِ البُسْتانْ‏

قُلْ للحُرّاسِ وللسَّقائينْ‏

إني ضيفٌ أَحملُ شتلَةَ وَرْدٍ وبُذوراً‏

تنبتُ مختلفَ الأَلْوانْ‏

الشيخ :‏

لا أَمْلِكُ حتى‏

أَنْ أَقتلَ أوْ أُقتلْ‏

السفاح :‏

أَنْذِرْهم‏

قد تنقلِبُ الوردةُ خِنجَرْ‏

وبذورُ الحُبِّ تصيرُ رَصاصا‏

يَغضبُ حتى يَتفجَّرْ‏

(يشتد إطلاق الرصاص من كل الاتجاهات. تنداح الزغاريد والاستغاثات والعويل. يظهر الشهيد مغطى بقماش أبيض، يتقدم من السفاح. يهزه من كتفيه)‏

الشهيد : (غناء)‏

قامَةُ السفاحِ تَبْقى قامَةً‏

مالها غَيْرُ امتدادٍ ليدينْ‏

مَرةً تقتلني بالسيفِ أَوْ بالمشنقَهْ‏

أَوْ بكلتا الحالَتينْ‏

وأنا أملكُ أنْ أَحْيا بقتلي مَرَّتينْ‏

يومَ واجَهْتُ مَصيري بَطلاً‏

ثم.. يومَ انتزَعَ الصبحُ دَمي‏

يَزْرَعُهُ في حِقبتَينْ‏

حقبةٍ تحيا بوهجِ الذاكرَهْ‏

والتي يحملَها المُقبلُ أَطفالاً بملءِ الراحتينْ‏

السفاح : (بلهجة الخائف فاقد الاتزان)‏

أنتَ في الموتِ مُسافِرْ‏

مِنْ ِسنينْ‏

كيفَ غادرتَ المَقابِرْ‏

وظلامَ المَيِّتينْ؟‏

(يدور حول الشهيد)‏

وأنا.. علَّقْتُ هذا الرأسَ بالأمسِ‏

بِحَبْل المشنقَهْ‏

قُلتُ للسلطانِ: هذا الرأسُ كافِرْ‏

ومُكابِرْ‏

فَطَوى عمرَكَ مثلَ الْورَقَهْ‏

الشهيد : (غناء)‏

لم تكُنْ أنتَ ولا السلطانُ‏

إلا تَوْأَمَينْ‏

في رَمادِ الحقبةِ المُحترِقَهْ‏

(يسارع السفاح لإشهار مسدسه. يصوبه نحو وجه الشهيد. يختفي الشهيد. يظهر مكانه الشيخ صالح العلي الذي ينظر إلى الشيخ بغضب. تتراخى يد السفاح على المسدس.. يصاب بالذهول للحظات)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244