عرس الشام و أشباح سـيناء - د.خالد محيي الدين البرادعي

مسرحيتان شعريتان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:41 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

يوسف العظمة:

دعيهِ يا سيدتي‏

يبكِ عليَّ حُرْقُةَ وَأَسَفا‏

ألا يرى الشاهدُ ما يُحزِنُهُ؟‏

دعيهِ‏

يَغسلِ السُّكونَ بالدمعِ‏

ويلقي حَملَهُ المُرْتَجِفا‏

السيدة : (غناء)‏

(بعد أن تبهت بظهور يوسف العظمة تدور حوله، تلامِسهُ غير مصدقة وهو ينظر إليها).‏

ماكانَ للشهيدْ‏

يا يوسُفُ أَنْ يَعُودْ‏

إنْ كانَ مِنْ سَمائِهِ‏

أو كانَ من عليائِهِ‏

غاضِبَاً مستأنِفا‏

العاشِقُ الشهيدْ‏

يعطي دماءً ووميضاً وكَفى‏

ما الأَمرُ يا مَنْ زُفَّ للأَعالي‏

وخَلَّدَ الخُلودَ لَمَّا أَشْرَفا؟‏

يوسف العظمة:‏

جئتُ أطمئنُ الشيخَ‏

رجعتُ كَيْ أُنادي‏

إِنَّني عرفْتُ ما يعرفُهُ الشيخُ‏

وأَيَّ سترٍ كَشَفَا؟‏

فكفكفِ الدموعَ يا حَبيبي‏

فإنَّ دَمْعَكَ الدافِئَ بَعْدَ قَتْلي‏

يغمرُني مهابَةً وشَرَفا‏

أنا قُتِلْتُ مرتينْ‏

مَرَّةً‏

قَتَلني أَهْليَ مِنْ وَرائي‏

ومرَّةً‏

مَزَّقَني الطاغوتُ لما عَصَفا‏

يا سَيِّدَ العُشّاقْ‏

أَفْرِدْ لكل خائِنٍ صَحيفَةً‏

إذا نَسَجْتَ للشهيدِ الصُّحُفا‏

الشيخ :‏

أوقدتَ يا يوسُفُ مِنْ جَديدْ‏

مِصْباحَ عُقْبَةَ بِنْ نافِعٍ‏

وخالِدِ بنِ الوَليدْ‏

وقبلَ ميسلونَ قد عَرَفْتَ‏

كيفَ انصهَرَ الطاغوتُ في حِطّينْ‏

وكيفَ ذَوَّبَ الدَّمْعُ الحَديدْ‏

لانَتِ الأَقدارُ بينَ الْجَدِّ والْحَفيدْ‏

يوسُفُ أَيُّها العاشِقُ قد أَتيتْ‏

لتصفَعَ الحديدَ باللَّحْمِ وتَسْقي‏

حَلُماً زرعَهُ صلاحُ الدينِ مِنْ جَديدْ‏

(يغيب يوسف العظمة. تودعه السيدة بنظرات حزينة وتغيب وراءه. تظهر الجوقة.. وأثناء غنائها تظهر على الخلفية فظائع الاستعمار الفرنسي في دمشق).‏

الجوقة : (غناء)‏

ثانيةً‏

يختلطُ الأمواتُ في الأَحياءْ‏

وخَلْفَ كل بَطَلٍ‏

بطانَةُ أَغْبياءْ‏

وزُمرَةٌ مِنْ كَهَنَهُ‏

ترسمُ صورَةَ الفَتحِ على الشّفاهْ‏

وأَضلعٍ تَسْري مع الطغيانِ في الْخَفاءْ‏

وكانَ سَيْفُ الطاغيَهْ‏

يُطفئُ أيَّ شمعةٍ يَنتظرُ المقهورُ مِنْ ورائِها‏

إطلالَةَ الصَّباحْ‏

وابتعَدَ الصباحُ عَن مَسارِهِ‏

وتحتَ جُنحِ الليلْ‏

كانَ يصيحُ الطاغيَهْ‏

(يظهر السفاح –بثيابِ الجنرال الفرنسي- يقترب من الشيخ، وتظهر السيدة من زاوية معتمة وتقف مكانها).‏

السفاح :‏

ما دُمتَ مُعَلِّمَهُمْ‏

والمعروفَ لديهم أَنَّكَ شيخُ العُشاقْ‏

والواقِفُ في رُؤيتهم‏

بينَ الذكرى والأَشواقْ‏

أَخبرهم يا شيخْ‏

أَني حُمِّلْتُ إليهمِ‏

أكمامَ الوردِ وأَغصانَ الفرحِ وأَحمالَ الضوءْ‏

أَخبرْهم‏

أني ما جئتُ أُقاتِلُهم‏

بل جئتُ المُنقِذَ والمُشتاقْ‏

الشيخ :‏

الإِنْسانُ كما أَعرفُهُ وأنا الشاهِدُ‏

إنسانانِ بقَدٍّ واحِدْ‏

الأَوُّلُ وَجُهٌ للآخَرْ‏

فاحذَرْ يا ولدي منكْ‏

وليحذَرْ وجهُكَ من وجهِكْ‏

السفاح :‏

ماذا قلت أَجبْني؟‏

أَفْهمْني يا شيخَ العُشّاقْ‏

لا تُغْرِقني في تَرجَمةِ غُموضِكْ‏

الشيخ :‏

إنْ تحرقْ هذا الثوبَ‏

وتُبعِدْ هذا النيشانْ‏

تَعرفْ ماذا قُلتُ‏

وما في الإنسانِ مِنَ الإنسانْ‏

ماذا يُجدي القتلُ وماذا يُجدي التَّجوْيعْ‏

بَلْ.. ماذا تَعْني أنتَ بمقياس الأَزْمانْ‏

إِرجعْ عن غَيِّكَ يا وَلَدي‏

أَلْقِ السيفَ ونزوتَهُ في بئرٍ للنسيانْ‏

السفاح :‏

ثُرْنا.. ونهَضْنا يا شَيخَ العشاقْ‏

مِن أجلِ الرَّغَدِ وأجلِ السِّلْمِ وأجلِ الإنْسانْ‏

ولنا وَجْهٌ.. وَجْهٌ.. لا وَجْهانْ‏

الشيخ :‏

يا ولدي‏

لحظةَ جئتَ إلى الدنيا‏

كنتَ المخلوقَ الطيِّبْ‏

وكتبتَ بدفترِك الأَولِ‏

زهراً وسحابَهْ‏

ورسمتَ العصفورَ واِسْمَ الإنسانْ‏

وحلمتَ بأنكَ تَمشي تَمشي‏

ترفَعُ حَجراً مصقولاً‏

وتَراهُ بموقعِهِ في البُنْيانْ‏

السفاح :‏

مازالَ مَعي ذاكَ الدفترُ يا شيخَ العشاقْ‏

الشيخ :‏

لا يا ولدي‏

أمْسى الدفترُ كومَةَ قِشٌ‏

مُحيتْ أَحرفُهُ واسْتَلقى كالْجثَّهْ‏

بينَ بَريقِ السيفِ وبَيْنَ حَريرِ العرشْ‏

واحترَقتْ فيكَ رؤى الإنسانْ‏

بِلَهيبِ البزَّةِ والنيشانْ‏

وتحوَّلتَ إلى طاغيةٍ‏

ثارَ على طاغيةٍ شابتْ في الليلِ أَظافِرُهُ‏

ثُرْتَ عليهْ‏

وتحوَّلْتَ إليهْ‏

الكرهُ هوَ الكرهُ تَقاسَمَهُ الاثنانْ‏

لسْتَ وحيداً يا ولدي في هذي الدوّامَهْ‏

اُنظرْ للخَلفِ..‏

تَرَ الطاغوتَ الثاني‏

ينسجُ من ثوبِ الطاغوتِ السابق بَزَّتَهُ‏

وعليها الإظفَرُ والحَرْبَهْ‏

الَنَّوْلُ هو النَّولْ‏

والخيطُ هو الخيطُ وإنْ بُدِّلَتِ الأَلوانْ‏

اِذهبْ يا ولدي‏

وابحثْ في ذاتِك عن بَعضِ الإنسانْ‏

السفاح :‏

تَطردُني يا شيخُ إذنْ‏

وأنا جئتُ لأَسالَ شَيْخي‏

كيف تكونُ خُطايَ لأُنقِذَ أهلَ الشامْ‏

الشيخ :‏

مِمَّنْ تُنقذُ أهلَ الشامِ وهذي الشامْ‏

يَتركُها ذئبٌ ويباكِرها ذئْبٌ‏

ليمزِّقَ رِقَّتَها ذِئْبانْ؟‏

السفاح :‏

خَطأٌ في التقويمْ‏

خَطأٌ في الحُكمِ وخطأٌ في الرؤيَهْ‏

الشيخ :‏

إخلَعْ هذي الأَوسمَةَ وراقِبْ ما يَجري‏

تجدِ المذبوحَ على العَرشْ‏

منسوجاً من قامَةِ ذابِحِهِ‏

فدعِ الغيَّ.. وغادِرْ هذي الشّامْ‏

واتركها للمولودينَ بها‏

(تتوهج الخلفية بلهيب معركة جديدة.إطلاق رصاص، صهيل خيل، صرخات استغاثة تصدر من سيدة بلهجة أهل جبل العرب. بعد لحظات يظهر من الخلفية سلطان الأطرش. ينظر إلى السفاح بعدوانية. يتمشى بكبرياء ويغيب بين الجمع. السفاح يراقبه. ويعود لمخاطبة الشيخ).‏

السفاح :‏

اُنظرْ يا شيخَ العشاقْ‏

واسمَعْ أَبناءَكْ‏

ليس لهم إلا لُغَةٌ هي لغةُ السيفْ‏

سلطان الأطرش: (يظهر بسرعة.. تخيف السفاح)‏

لُغةٌ بائدةٌ لُغَةُ السيفْ‏

بادت بأوامِرَ طاغِيَةٍ‏

غَلَّفها باللغةِ الأَسرعْ‏

أَتَراني أحملُ سيفاً، أم أحملُ موتاً‏

أنتَ صنعتَ قوائِمَهُ‏

ليسابِقَ خَطْوَ الضوءْ‏

السفاح :‏

لكنْ. مَنْ أَنتْ؟‏

مِنْ أيِّ جهاتِ الدنيا جِئْتْ؟‏

سلطان الأطرش:‏

مِن إحدى واحاتِ الشامِ أَتيتْ‏

تسألُ عن اسمي‏

حسناً اسمي سُلْطانُ الأَطْرشْ‏

هل أعجبكَ الاسمْ؟‏

اِسْتبدلْهُ إذا شئْتْ‏

قُلْ عني الثائِرَ. قُلْ عني الفادِيَ سُلطانْ‏

المُتَوضِّيءَ بالقَهرِ‏

المغَسْولَ بحوضِ الثأرِ‏

الصاعِدَ مِنْ بينِ شُقوقِ البُركانْ‏

جئتُ لأوقفَ زحفَ الموتِ الآتي‏

وأُقلِّمَ أَظْفارَ الطُّغيانْ‏

السفاح :‏

لَوْ تُلْقى حِمْلَ الموتْ‏

عن كاهِلِكَ المُتْعَبْ‏

وتُنادي مَنْ تعلَمُ مِنْ أَهلِكْ‏

إِنَّ الآتينَ إليهم مِنْ خلفِ جبالِ النورْ‏

وبِحارِ الرحمَهْ‏

حَمَلوا آلاتِ الموتِ ليَحْموهم‏

مِن بطشِ ذئابِ الليلْ‏

وشياطينِ الظُّلْمَهْ‏

سلطان الأطرش:‏

مازالَ الليلُ كما كانْ‏

والظلمةُ تُستَبدَلُ بالظُّلمَهْ‏

والقاتِلُ يُستبدَلُ بالقاتِلِ‏

منذُ وَطأْتم أرضَ الشامْ‏

لَعَنَتْكُمْ نسوتُها وحجارَتُها‏

ودماءُ الشهداءِ الطَوَّافَهْ‏

بعيونِ أَزقَّتِها‏

البطشُ بأَيديكم‏

والموتُ يُسافر تَحتَ أَصابعكم‏

وتُنادونَ صَباحَ مَساءْ:‏

يا أهلَ الشامِ.. سَلامْ‏

(يفترق كل من السفاح وسلطان الأطرش باتجاهين متعاكسين. تظهر السيدة. تقف أمام الشيخ)‏

السيدة : (غناء)‏

يَقْتفي هذا المُغَني أَثَراً‏

يَتَراءى فوقَ آفاقِ الرَّجاءْ‏

أَشعَلَ الأيامَ كي يحضنَهُ‏

وهو يَجري في عُروقِ الشهداءْ‏

قالت الأيامُ: أَنْهكْتَ قُوانا‏

فَترقَّقْ بالخُطى‏

أَتعبتَ أهلَكْ‏

والذي يقلقني –إسْمَعْ-‏

دُعاءُ البُسَطاءْ‏

إنَّ جندَ الطاغِيَهْ‏

وسيوفَ الطاغيَهْ‏

فَجَّرَتْ في الشامِ شَلاّلَ دِماءْ‏

وأرى مِنْ حَولهِ جيشَ ذِئابْ‏

كلما تَلْعَقْهُ تَزْدَدْ شَرَها‏

وبُذورُ الشرِّ لا تنبِتُ إلا شجراً للشَّرِ‏

فيه ثَمرٌ للضُّعَفاءْ‏

(يظهر الشهيد ليقف في مواجهة السيدة والشيخ. خلال تواجده أمامهما. تبدو الخلفية هادئة).‏

الشهيد : (غناء).‏

سَيِّدَ العُشاقْ‏

إني ساهِرٌ وحديَ في عصرِ العَراءْ‏

المصابيحُ بقبري انطفأَتْ‏

وحَفيفُ الموتِ صَدَّاحٌ بليلِ الشهداءْ‏

ما الذي يحدثُ يا شيخُ تُرى‏

نَسيَ الأهلُ مُريدهم‏

إنَّنا في حضرةِ الموتِ.. بَقايا غُرَباءْ‏

إنَّ للشامِ هَوىً‏

عاجَلَنا.. فَهوَيْنا‏

كالفَراشاتِ. على ضِحكةٍ جُمْرُهْ‏

إنْ يكنْ عصرُ الهَوى‏

أُطفِئَتْ شمعاتُهُ‏

فلماذا نحنُ مُتْنا‏

ولماذا كُلُّنا يحرسُ قبْرَهْ‏

ولماذا نَسِيَ الجرحُ نَزيفَهْ‏

ولماذا أَظلَمَ النادي أَمامَ النُّدَماءْ؟‏

(يختفي الشهيد. وتغيب السيدة. يظل الشيخ محدقا إلى الخلفية. يظلم المكان تدريجيا. تظهر الجوقة.)‏

الجوقة : (غناء).‏

شَرَّدَ الطاغيُةُ العُشّاقَ في شَتَّى الْجِهاتْ‏

بينَ مَشْنوقٍ بحَبْلِ الذَّاكِرَهْ‏

ومُريدٍ تاهَ في ليلِ الشَّتاتْ‏

وفَتيلٍ سائِلٍ شِرْيانَهُ‏

أيُّ سكّينٍ على جسمِ الغَريبْ‏

زَرَعَتْ أَظفارَها في الخاصِرَهْ‏

وإمامٌ يَتَشهَّى لحظةَ العِشقِ‏

بظِلِّ الذكرياتْ‏

ومِياهُ الصمتِ تَنْسابُ على كل الصُّوَرْ‏

واختفَتْ نَجمةُ عُشّاقِ السَّهَرْ‏

واستَحى مِنْ غَيْبَةِ العشقِ القَمَرْ‏

هل دَليلُ الدربِ ماتْ؟‏

والشآمُ اعتكفَتْ في خِدْرِها‏

بينَ رجاءٍ وانتظارٍ وحَذَرْ؟‏

ينهضُ الناسُ على صُبحِ الوعيدْ‏

وينامونَ على ليلِ الوَعيدْ‏

أَحْرَقوا أَحلامُهمْ‏

خَوفاً عليها مِنْ وشاياتِ القَدَرْ‏

(تظهر السيدة قبل نهاية الأغنية. ومع ظهور السيدة تشتد الإضاءة على الخلفية. الخلفيه بيضاء. تقف السيدة أمام الشيخ. تغيب الجوقة).‏

السيدة : (غناء)‏

سيدَ العُشاقِ‏

هل نامَ الزَّمانْ؟‏

سيدَ العشاقِ‏

هل خانَ الشهيدْ‏

دَمَهُ؟. حتى اخْتَفَى الْجُرْحُ‏

بظلِّ السيفْ‏

كُلُّ شيءٍ صامِتٌ كالموتِ‏

لا قُبلةُ حُبٍّ‏

لا صَدى صَوْتٍ‏

ولا هُدْبٌ تُوافيهِ ارتعاشَهْ‏

ما الذي جَدَّ على العمر؟ أجبْ يا سيدَ العُشّاقِ‏

فاسْتخَذْى ولانْ‏

وجنودُ الطاغيَهْ‏

صادَروا شَبّابَةَ الراعي. ومَوَّالَ الحَيارى‏

خَنَقوا تَأْتَأَةَ الأَطفالِ.. آهاتِ الأَيامى‏

وَوميضَ المَوعدِ السابحِ ليلاً‏

تحتَ أجفانِ العَذارى‏

الشيخ : (وهو يحملق بوجه السيدة)‏

مُفزعٌ يا امرأةً ما تُبْصرينْ‏

ومَضَتْ عَشْرُ سِنينْ‏

لم تكنْ في الشامِ.. ليلاً.. أوْنَهارا‏

أَنتِ مثلي يا امرأَهْ‏

تَلْمَسينَ الماءَ في المَجْرى‏

ولكنْ تجهلينَ السِّرَّ في أَعْماقهِ المُختَبِئَهْ‏

(تبتعد السيدة عن الشيخ... تتلفت في كل الجهات. بينما يظهر أبناء وبنات الشهداء يقومون بأداء رقصة تعبيرية وهم بشكل دائرة حول السيدة.. يغنون):‏

الشامُ.. الشامْ‏

الشامُ هي الشامْ‏

لم تُهْمِلْ دفعَ الظُّلمِ‏

وإنْ تُمْهِلْهُ الأَيامْ‏

كانتْ في عشرِ سنينْ‏

تَزرعُ صامِتَةً‏

وتُضَمِّدُ جُرْحاً‏

وتُصَمِّمُ فَرَحاً‏

وتُنَميّنا.. نحنُ غِراسُ الشَّهداءْ‏

وتظَلُّ الشامُ هيَ الشّامْ‏

نَبْعاً للضوءِ وبُسْتاناً للأَحْلامْ‏

لا أَحَدٌ.. لا أَحَدٌ.. يعرفُ صَبْرَ الشّامْ‏

إلاّ العُشاقُ.. الشهداءْ‏

والرُّهْبانُ بهَيْكلَهِا‏

نحنُ قَرَأْنا‏

ما كَتَبَتْه دِماءُ العُشاقْ‏

في دَفترِها‏

تَرْجَمْنا.. تَرَجَمْنا‏

ما نَمْنَمَهُ جَفْنُ شَهيدٍ‏

فوقَ نُجوم الشامْ‏

وحَفظْنا‏

ما لمْ ترسمْهُ الأَقْلامْ‏

السيدة : (نغني بفرح)‏

أَنتُم؟‏

مَنْ عَلَّمَكُمْ‏

أَسْرارَ العشقِ ومَنْ‏

كشَفَ لكم‏

أَبْرادَ العشقِ فَأبْصرتم‏

قلبَ الشامْ؟‏

أبناء وبنات الشهداء: (غناء)‏

أَنَسيتِ بأنّا أبناءُ الشهداءْ‏

وبَناتُ الشهداءْ‏

وبأنا‏

عَلَّمَنا ضَوْءُ الدَّمْ‏

أَنْ تَخترقَ مآقينا أَيَّ خَفاءْ‏

(يتفرق أبناء وبنات الشهداء في كل الاتجاهات. والسيدة توزع نظراتها الباسمة عليهم ثم تختفي وهي تحاول اللحاق بهم. يظهر السفاح بلباس الجنرال الفرنسي يتقدم بخطوات عسكرية نحو الشيخ. يقف أمامه).‏

السفاح :‏

يا شيخَ العشاقْ‏

إنَّ السلطانَ الباسِطَ فَوْقَ الدُّنْيا راحتَهُ‏

شَمَّ دُخانَ مُؤامَرةٍ تُنْسَجُ في الليلِ‏

تُحاكُ على أَرضِ الشامْ‏

قد تُقْلِقُ راحتَهُ‏

يا شيخَ العشاقْ‏

الشيخ :‏

في الزَّمَنِ.. الزَّمَنِ.. وليس الليلْ‏

أَخطأتَ الرؤيَةَ والتعبيرْ‏

إنَّ زماناً يمشي يا وَلدي‏

فوقَ وتحتَ أظافيرِ التَّفجيرْ‏

في ظِلِّ القُنبلَةِ وظلِّ الخنجَرْ‏

هُوَ زَمَنٌ أَجمعهُ ليلْ‏

السفاح :‏

قُلْ للناسِ هُنا يا شيخَ العشاقْ‏

إني أحملُ خاتَمَ سُلطانٍ لا يُقْهَرْ‏

الشيخ :‏

تُخطِئْ يا ولدي إنْ تَنسَ بأَنَّكَ‏

تحملُ خاتَمَ سلطانٍ مَدْحورٍ مَقْهورْ‏

مَرَّغَ هيبتهُ في طينِ القَهرْ‏

سلطانٌ آخَره‏

سلسلةٌ تلكَ يجَرُّ الإنسانُ مخَازيها‏

والطاغوتُ أَوِ الطغيانْ‏

أَسماكٌ في بحر الظُّلُماتِ‏

الأكبرُ منها يفترِسُ الأَصْغَرْ‏

السفاح : (بلهجة عسكرية صاخبة)‏

لا أَعرفُ يا شيخَ العُشّاقْ‏

ماذا تَزرعُ في تُربَةِ ذاكرتِكْ‏

مِنْ نَبْتٍ لا رائِحَةَ لَهُ‏

مِنْ عُشبٍ لا يَنفَعْ‏

بَلِّغْ أهلَ الشامْ‏

الصِّبيةَ والنسوة والشبّانْ‏

ورجالَ الدينِ‏

شيوخاً كانوا أَوْ رُهبانْ‏

إنا نُنذرُهمِ.. ننُذرُهُمْ‏

مَنْ شوهِدَ يوقِدُ ضَوْءاً.. يُقْتَلْ‏

مَنْ شوهِدَ يرسُمُ حُلُماً‏

في النومِ أوِ اليقْظَةِ... يُقتَلْ‏

مَنْ شوهِدَ يحصدُ سنبلَةً... يُقتلْ‏

مَنْ شوهدَ يحملُ سكيناً... يُقتَلْ‏

مَنْ شوهِدَ يلفظُ مفردَةً‏

غامِضَةً مُبْهَمةً لا نَفهمُها... يُقْتَلْ‏

يا شيخَ العشاقْ‏

بلِّغْ أَهلَ الشامْ‏

أنا جئْنا نَحميهم في عصرِ سَلامْ‏

لا يَقْهرُنا مَنْ لم يؤمِنْ بسلامٍ نحملُهُ‏

لكنْ يُقتَلْ‏

(يغيب السفاح بخطى عسكرية مرعبة. بعد غيابه. تظهر على الخلفية مجسمات لمخلفات الحرب الكونية الثابتة. التدمير، الخراب. التشويه. التصحر. وتظهر الجوقة).‏

الجوقة : (عناء).‏

هل تَصمتُ الشَّآَمْ؟‏

هل نَسيَتْ‏

ماذا يُحاكُ في عَباءَةِ الظلامْ‏

أَم إنها غائبةٌ في قَهْرِها‏

تُهرِّبُ الأَفراحَ حتى شاطِئِ المنَامْ؟‏

وإنها مُبعدةٌ عما يدورُ في الخَفاءِ والعلانِيَهْ‏

ما بينَ هذه الطاغيَهْ‏

وبينَ ذاكَ الطاغيَهْ‏

أم يرسمُ المجهولُ ما يجهلُهُ العُشاقْ‏

ويكتبُ الآتي على دفاتِر الآفاقْ‏

إنَّ الذي يدورُ حولَ الشامْ‏

لُغزٌ عَصيٌّ لا يَرى أعماقَهُ التَّأْويلْ‏

تجهلُه الأَكبادُ مثلما‏

تَجهلُهُ الأَحْداقْ‏

(تستمر مشاهد ويلات الحرب. تصمت الجوقة. ويستمر الشيخ بالتحديق إلى المشهد)‏

الشيخ :‏

كانَ الغُموضُ مُطبقاً أَجفانَهُ‏

والموتُ سَيِّدُ الأَشْياءْ‏

وقامَةُ السفاحْ‏

أَطولُ مِنْ مَساحَةِ الأَمْداءْ‏

ودخَلَ العالَمُ مِنْ بوابَةٍ تُفْضي إلى الفَناءْ‏

ولا أَرى العالَم مِنْ نافذَةٍ‏

وليسَ حولي مَنْ يُتَرجمُ الصمتَ إلى نِداءْ‏

في كل رُكنٍ مِنْ جِهاتِ الكوْنْ‏

طاغيةٌ يحرسُهُ سَفّاحْ‏

وكُلُّ طاغوتٍ يُجرِّبُ الطغيانَ بالغَرابَهْ‏

وأوغَلَ العالَمُ في البُعْدِ وفي الغَرابَهْ‏

لا ضوءَ. لا اختيارَ. لا استجابَهْ‏

وكل ما أنشأهُ الإنسانُ في وجودِهِ‏

يَنَامُ في دائرةٍ ضَيِّقَةٍ مَلْساءْ‏

(تظهر السيدة بثيابها السود. تقترب من الشيخ)‏

السيدة : (غناء).‏

تَعِبْتَ أَمْ أَتْعبوكْ‏

يا سيدَ العُشّاقْ؟‏

تُشهدُ أَمْ زَوَّروكْ‏

بحبرِ هذا النِّفاقْ؟‏

الشيخ :‏

ماذا يَقولُ الحزَينْ‏

في مأتَمِ الأَشْواقْ‏

السيدة : (غناء)‏

أَمبصرٌ يا ترى؟‏

ما يكتُبُ الآتي وما تحملُ أيامُهُ‏

يا سيدَ العُشاقْ؟‏

الشيخ : (بحزن)‏

ضَلَّتْ به رُؤْيَتي‏

والسَّفَرُ الحَزينْ‏

يُكوِّمُ الآمالَ في الأَوْراقْ‏

السيدة : (غناء، وكأنها تخاطب الناس)‏

وهل تَظَلُّ الشامْ‏

سَبِيَّةً، تَغمرُها دماؤُها‏

وهي تجرُّ القيدَ نحوَ القيدِ‏

نحوَ لُجَّةِ الإِظْلامْ؟‏

الشيخ :‏

حَيَّرَني القريبُ والبعيدْ‏

حيّرني أَنْ يُشْنَقَ الكونُ‏

وأَنْ يُجَرَّ الحسنُ مِنْ ذَوائِبهْ‏

بينَ صَليلِ النارِ والحَديدْ‏

ليَستريحَ في نزوتِهِ طاغِيَةٌ‏

في عرشهِ الْجَديدْ‏

ويَرفَعَ الصلاةَ للسَّلامْ‏

(يظهر السفاح.. يتلفت مذعورا. يقترب من الشيخ)‏

السفاح :‏

يا إِمامَ العاشقينْ‏

مِنْ ثَلاثينَ سَنهْ‏

نَرفعُ المصباحَ والرايَةَ والسيفَ‏

على العصفورِ والزهرةِ والطفلِ‏

على الناقوسِ والبَحرِ ورأسِ المئذَنَهْ‏

مِنْ ثلاثينَ سَنهْ‏

وتَخَفَّيْنا‏

مَعَ الأَحرفِ والأَفكارِ‏

والهمسةِ والليلِ‏

وعطرِ السوسَنَهْ‏

(فترة صمت، يحدق إليه الشيخ)‏

الشيخ :‏

ثم ماذا بعدَ هذا السَّفرِ المَجنونْ‏

بينَ الدَّم والسيفِ‏

ونَبْشِ الذكرياتِ المحُزِنَهْ؟‏

السفاح :‏

نحن مازلْنا هنا‏

نبحثُ عن شِقٍّ يُوارينا‏

وعَنْ حُبٍّ يُدارينا‏

كأَنّا فِعْلَةٌ مُسْتهَجَنَهْ‏

حاوِرِ الشامَ التي تهربُ منا‏

قل لها يا شيخُ أَسْمِعْها‏

نِداءَ العُصبَةِ المؤتَمنَهْ‏

الشيخ :‏

ما الذي يُقْنِعُها يا وَلَدي؟‏

بعد افتضاحِ الرحلةِ اللَّفاءِ‏

ما بينَ دَمٍ باسمِ السلامْ‏

وحروبٍ خائِنَهْ؟‏

هي ثَكْلى.. وجَريحْ‏

وهي كالعَنْقاءِ مُنْذُ الأَبَدِ‏

كلما أَحرقَها غازٍ‏

تَشقُّ الموتَ كالثوبِ وتُبعَثْ‏

حيةً ملْءَ البَقاءِ السرمَدِيّْ‏

إرْحَلوا عنها.. اتْرُكوها‏

هي ثكلى وجَريحْ‏

إنها أُمٌّ تُواري وَلداً هذا النهارْ‏

لتُناغي ولَدَاً صُبْحَ غَدِ‏

السفاح : (يضع يده على مقبض المسدس)‏

خطأٌ يا سيدي‏

ما كنتَ في هذا الحوارِ شاهِدا‏

ما كنتَ فيما قلتَهُ مُحايِدا‏

ما كنتَ إلاَّ..‏

وغَداً تسمعُ ما سوفَ نَقولْ‏

لِغُرورِ الشامِ في هذا الْغَدِ‏

(يغيب السفاح بخطى عسكرية ترافقها ضربات موسيقية عنيفة. تظهر الجوقة. يجمد الشيخ في صمت أثناء الغناء)‏

الجوقة : (غناء):‏

ومَشى الليلُ حافِيا‏

يَنبشُ الصمتَ والحَذَرْ‏

والليالي تلاحَمَتْ‏

ثم ذابَتْ على الشَّرَرْ‏

ويَدُ الشرِّ أَوْرقَتْ‏

قِبلَ خُضْرَةِ الشَّجرْ‏

أَيُّ سِفْرٍ تَفَتَّحَتْ‏

مُقلتاهُ على الخَبرْ‏

يومَ مولدِ الخَبَرْ‏

يَومَ مُفْجِعِ الخَبَرْ‏

(تغيب الجوقة. يعم الظلام. تتوهج الخلفية من نار القصف المدفعي. تظهر مشاهد احتلال الجيش الفرنسي مبنى البرلمان السوري عام 1945. مع إبراز الوحشية التي رافقت القصف واحتلال. تستمر الحرائق. تظهر السيدة بثيابها السود حزينة. تهز الشيخ الغارق في إطراقه وصمته)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244