عرس الشام و أشباح سـيناء - د.خالد محيي الدين البرادعي

مسرحيتان شعريتان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:41 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الصوت الجماعي:

الأَرْضُ سقتْهُمْ‏

والنيلُ بهم يَجْري‏

أَفراخُ الطيرِ تُناغيهمْ‏

والريحُ مسافِرَةٌ بأصابعهم‏

هُمْ نَحْنُ.. ونَحْنُ هُنا مَوْجودونَ‏

ومَوْجودونَ هُناكْ‏

في النَّخْلَةِ في الزهرةِ في السنبلَةِ بقطراتِ الماءْ‏

موجودونَ بأنساغِ العُشْبِ‏

وفيما يهبطُ مِنْ نَسْجِ الغَيْمَهْ‏

صاحب التاج: (وقد فقد توازنه فيصرخ)‏

أَشباحٌ.. أَشْباحٌ‏

أَشباحٌ تَتمزَّقْ‏

تتَجمَّعُ تتفَرَّقْ‏

أُبصرُها.. لا أُبصرُ شَيْئاً‏

ليستْ شَيْئاً‏

هذا وَهْمُ الماضي‏

المشوه : (مع حديثه تتلاشى الأشباح من عيني صاحب التاج)‏

أَما قلتُ.. إنَّ الشهيدَ الذي ماتْ‏

أُفْلِتَ مِنْ راحَتيكْ‏

فلا يَدُكُ الباغِيَهْ‏

ولا أَيُّ سيفٍ يذَودُ عنِ الطاغِيَهْ‏

ولا شاهِدُ الزورِ يُجْدي ولا الحاشِيَهْ‏

فهلاَّ اعترفْتْ‏

بأنَّ رِقابَ الضَّحايا تَسيرُ مَعَكْ؟‏

ولو غَمرتْكَ الكواعِبُ في القُبُلاتْ‏

ولَوْ غُصْتَ بينَ الكُئوسِ‏

ولَوْ غُصْتَ في الأرضِ‏

لو غَيَّبتْكَ مناماتُكَ الخاوِيَهْ‏

(صاحب التاج: يدور... تفعل الخمر في خلخلة وعيه. يرى عدداً من مشوهي الحرب. فيهم نساء وأطفال غارقون في الدم. يرى امرأة مصلوبة على جذع نخلة يصرخ بضيق).‏

يا رَجُلاً.. لا أَعْرفُهُ‏

يا مَقْتُولاً ينزِفُ منهُ الدَّمْ‏

يا امرأةً تعتنِقُ النخلَهْ‏

لا النخلَةُ تحملُ رُطباً‏

والمرأةُ ليست مَرْيَمْ‏

أَينَ كبيرُ كمُ؟ ومَتى.‏

عَلَّمكم هذا السِّحْرَ.. وعَصْرُ السِّحرِ مَضى؟..‏

المشوه :‏

لم يَمضِ السحرُ ولا ذابَ ولكنْ غَيَّرَ ثوبَهْ‏

صاحب التاج:‏

تصرخُ فيَجيئُ المقتولونَ.. ومَنْ لا أَعْرِفهُمُ؟‏

يَكْفِي.. يَكْفِي.. إني أَبعدتُ الناسَ عنِ الدَّمْ‏

(تختفي الأشباح. يكبر جسم المشوه ليسد الأفق).‏

المشوه :‏

أَحَقَّاً؟..‏

وبعدَ أَنْ استدعَيْتَهم مِنْ أَعالي الجِبالْ‏

وعرَّيتَ‍همْ في خواءِ الرِّمالْ‏

وعلَّقْتَهم شَفَقاً في الأُفُقْ.‏

بينَ عَكَّا.. وبينَ القَنالْ‏

تريدُ الشهيدَ وتاريخَهُ زَفَّةً حَوْلَ عَرْشِكْ؟‏

والدَّمَ جِسراً إليهْ‏

صاحب التاج:‏

متى كان للشَّبَحِ الحَقُّ.‏

في مُحاسَبَةِ الزَّارِعِ الأَمْنَ‏

والحارِسِ الناسَ‏

والباذِرِ الحَبَّ للجائِعينْ؟‏

فَمَنْ أنتَ ثانِيةً وماهُوَ اسمُكَ‏

مِنْ أينَ جئتَ وماذا تُريدْ؟‏

عليكَ الإجابَةُ. مَنْ أنتَ ما اسْمُ أبيكْ‏

فقد يتكوَّنُ بَيْني وبينَكَ شِبْهُ حِوارٍ جَديدْ‏

فإنْ لم تَكُ وَهْماً.. وكنتَ الشهيدْ‏

المشوه :‏

مغلوباً كانَ أبي يزرَعُ قمحاً للفُقراءْ‏

يَدفَعُ لقمتَهُ للسلطانِ‏

ويكتبُ أَدعيُةً للبُسطاءْ‏

ينسجُ ألبسةَ العريانينَ‏

ويحرسُ نخلتَهم في سيناءْ‏

صاحب التاج:‏

تلكَ صفاتٌ ليستَ أَسْماءً‏

وأنَا أَسأَلُ عَنْ أَسْماءْ‏

المشوه :‏

كانَ اسمَ أبي عبدُ اللهِ‏

وأُميّ عائِشَةٌ‏

بعدَ أَنْ استلْقَى السيفُ على خاصِرَتي‏

بُدِّلَتِ الأَسْماءْ‏

صارَ أبي وطَناً مَزْروعاً بالأَحْشاءْ‏

أُمي صارَتْ طَنْجَةَ أَوْ مَكَّةَ أَوْ بَغدادَ أَوْ الشَّامْ‏

أَوْ صَنعاءَ أو القاهرةَ أو البَصْرَهْ.‏

أَوْ ما شِئْتَ مِنَ الأَسْماءْ‏

صاحب التاج:‏

شَبَحٌ مَجنونٌ يَهْذي‏

وأَمامَ الأسئلةِ يَخورْ‏

يَندفِعُ أمامي كالسَّيْلِ الأَهْوَجِ‏

يحملُ أسماءَ المُدُنِ بأَجْمَعِها‏

المشوه:‏

لأَنَّني ابْنُها‏

أعصرُ العمرَ فيها، وأَسْـقي التَّرابَ الحَزينْ‏

أنا بَعْضُ أَحْجارِها وأَنْساغِ أَشْجارِها‏

أنا زَيْزَفونَةُ أَسْوارِها‏

ولمّا دَعَتْني انحنيْتُ على رُكْبَتَيْهْا‏

وفتَّحْتُ أبوابَ قَلبْي لَدَيْها‏

وقَطَّرْتُ أَوْرِدَتي في يَدَيْها‏

صاحب التاج:‏

أَغِثْنِي بصِدْقِ جَوابْ‏

ولو مَرَّةً ليكونَ بِحَجْمِ السُّؤالْ‏

المشوه :‏

سأَفعلُ مِنْ أَجلِ أَنْ أتلمَّسَ نَفْسي‏

فإني تعبتُ مِنَ البَحْثِ عَنِّي‏

وعن آخرينَ نَسوني‏

كأنّيَ مُسْتَنْفِرٌ مِنْ سِنينْ‏

صاحب التاج:‏

أتعرفُ عمرَكْ؟‏

المشوه‏

بعمرِ انْتظارِ الذي جاءَ بعدَ المخَاضْ‏

سِنينَ بلا شَمْعَةٍ ضيَّعَتْ عُمْرَها‏

وأمضَيْتُها بانْتِظارِ المواليدِ والشَّمسِ‏

والأُغْنياتْ‏

فما مَرَّ شَيءٌ... ولا شيءَ آتْ‏

شَرانِقُ عُهْرٍ تَدورُ على نَفْسِها‏

تَزُجُّ الخِيانَةَ بالكِبْرياءْ‏

كَواكِبُها في التُّرابِ المُدَمَّى‏

وأَطْرافهُا في السَّماءْ‏

وكُلُّ التَّقاويمِ مَكذوبَةٌ‏

تُزَوِّرُ أَبْصارَ فُرْسانِها‏

صاحب التاج: (يفرك عينيه. يتذكر شيئاً.. يشهق دهشة).‏

توقفْ قليلاً.. فما أطولَ الحلمَ بالنائِمينْ‏

(يخرج صورة من جيبه، يقدمها إلى وجه الشبح).‏

أَتعرفُ صورَةَ مَنْ هذهِ؟‏

المشوه :‏

تَصاويرُ مَنْ بايَعُوكْ‏

فبعْتَ بطولاتِهمِ بالمزَادْ‏

وحوَّلتَ وَجْهَ الجِهَادِ النبيلْ‏

لوجْهِ ارْتِدادْ‏

صاحب التاج:‏

طَلبتُ إليكَ.. ولوْ مَرَّةً‏

أَنْ تصوغَ الإِجابَةُ دونَ زوائِدْ‏

سألتُكَ صورَةُ مَنْ هذهِ؟..‏

المشوه:‏

صورَتي... وتمهرُها بِصَمَتي‏

وتعبقُ في نَسْجِها نُكْهَتي‏

يومَ صاغَتْ ليَ السيفُ أُميِّ وأَوْحَتْ إليّْ‏

بِأَنْ أحرُسَ الحُلْمَ. والحَرْفَ. والطيرَ والأُغْنيَهْ‏

(صاحب التاج يعيد الصورة)‏

أما قلتُ مِنْ بُرهَةٍ... إنَّ هذا مَنامْ‏

تجوسُ الكَوابيسُ في عَتمتِهْ؟‏

وإني أُحاوِرُ أَشباحَ سيناءَ. لا بَطَلاً. لا شَهيداً؟‏

هو الوَهُمُ يحملُ نَحوي سرابَهْ‏

فآناً سُؤالاً... وآناً إِجابَهْ‏

السيدة : (تظهر شبه عارية من وراء النخلة تتقدم).‏

ولا شَيْءَ غيرَ التهاويمِ، إِنَّكَ مُتْعَبْ‏

شكوتَ لمَنْ عَشقتْكَ التَّعَبْ‏

وجئْنَا لننعُمَ في خلوةِ العاشِقينْ‏

بينَ دِفْءِ الشَّرابِ ووهجِ الْحَبَبْ‏

صاحب التاج: (يستجيبُ للسيدة التي تتقدم لعناقه).‏

ولاحَقَني تَعَبي تحت ظِلِّ النَّخيلْ‏

وما عدتُ أعرفُ إِنْ كنتُ‏

في خلوةِ المُتَشَهيِّ النَّقَاهَةَ أَمْ‏

حامِلاً، هَوْدَجَاً مِنْ عَويلْ‏

المشوه : (يصرخ مجدداً فيلتفت صاحب التاج. والسيدة لاصقة به. لا تسمع أو ترى شيئاً بالطبع).‏

قلتُ تَصويرَتي‏

صاحب التاج:‏

بأَوْرَاقِنا.. أَنتَ مُتَّ... يُؤَرِّخُ كُتَّابُ عَرْشِي‏

بأَنَكَ مثلُ البَقيَّةِ في شَهْرِ تشرينَ مُتّْ‏

المشوه :‏

وُلدتُ. ولدتُ... بُعِثْتْ‏

صاحب التاج:‏

قُتِلَتَ... انْتَهَيْتْ‏

المشوه :‏

ابتدأتُ.. ابْ...تَـ.. دَ.. أْ.. تُ. مَشَيْتْ‏

صاحب التاج:‏

إنَّكَ كابوسٌ... إنَّكَ حُلْمٌ شيطانِيّْ‏

ما أَبْصرُهُ وَهْمٌ... ما أسمَعُهُ وَهْمْ‏

أنتَ قتيلٌ، برصاصٍ أَوْ سَيْفٍ.. أَوْ لُغْمْ‏

لا أعرفُ إنْ كنتَ بسيناءٍ تَسْتَلْقِي‏

أَوْ في عُمِقْ النيلْ‏

أَنتَ قتيلْ‏

فارجعْ عن غَيِّكَ يا هذا الوَهْمُ‏

ولَنْ يُجْدِيكَ التَّمثيلْ‏

كيفَ يعودُ الميِّتُ كيفَ جمعْتَ شَرايينَكْ‏

وامتلأَتْ ثانِيَةً بالدَّمْ‏

والعصرُ خرابٌ. لا وَحْيَ ولا سِرَّ. ولا تَنْزِيلْ؟‏

(يضغط على عنق السيدة)‏

وهل ارتحلَتْ عَنيِّ الحُلْوَهْ؟‏

تَركَتْني للأَوهامِ بهذي الخَلْوَهْ؟‏

السيدة :‏

لا جُرأةَ تحملُني كَيْ أَرْحَلْ‏

لكنْ راقَبْتُ حَبيبي في غَفْوَتِهِ‏

أَتَرقَّبُ صَحوتَهُ الأَجْمَلْ‏

حُلْوٌ في النَّومِ وحُلْوٌ في اليَقْظَةِ‏

حُلْوٌ في كُلِّ الحالاتِ وما تَفْعَلْ‏

صاحب التاج:‏

هل نِمْتُ أَنا؟‏

أَنْساني هذا الحلمُ المرعِبُ كم نِمْتُ. ومنذُ مَتى‏

السيدة :‏

منذُ حسوتَ الكأسَ السابعَة.‏

استلقيْتَ على هذا العُشْبِ الأَخْضَرْ‏

غَطَّيْتُكَ بالقُبُلاتِ‏

بَعُدْتُ... بَعُدْتُ أنا‏

صاحب التاج: (يلامسها.. ينظر إليها بشك، يحدث نفسه،)‏

كأسٌ ثامِنَةٌ.. عُشْبٌ أَخْضَرْ‏

هل نمتُ أَنَا حَقَّاً... أَمْ أنَّ الحلوَهْ‏

تهربُ مِنْ خَجَلي... مما يقتحِمُ عليَّ الذاكرَةَ وبابَ الذاتْ؟‏

لا أعرفُ كيفَ تفكِّرُ هذي الحسناءُ اللاّهِبَةُ الشَّهْوَهْ‏

المشوه : (يظهر مجدداً أمام صاحب التاج. فيدفع السيدة إلى مسافة خطوات. ويحملق بالمشوه. غائباً عن "السيدة).‏

ليس لي قَبْرٌ أَنا آوي إِلَيْهْ‏

منذُ أَنْ خَلْخَلَتِ النَّارُ عُروقي‏

وأَنَا أصرخُ في كلِّ اتّجاهْ‏

أَهبطُ القبرَ بساحٍ مشرقيِّ‏

فَيُناديني مِنَ الغَربِ سِواهْ‏

وإِذا ما أَسْبَلَ الضوءُ جُفونَهْ‏

واحْتَوى الليلُ رُؤاهْ‏

لم تَعُدْ لي وَجهّةٌ أقصدُها‏

واستنْفَدَ الصبرُ مَداهْ‏

صاحب التاج: (يضع كفيه على أذنيه ويصرخ).‏

أَوْقِفِ النَّدْبَ وسَيْلَ الكَذِبِ‏

واتركِ التَّخْليطَ دَعْني الآنَ في لحظةِ حُبٍّ‏

أَيُّ قبرٍ يَحْتويكْ‏

المشوه : (لحظة تهرب السيدة لتختبِئ وراء النخلة).‏

كانَ لي بضعُةُ أَظْفَارٍ بكَفٍّ واحِدَهْ‏

قلتُ يَوْماً: سافِري أَيَّتُها الأَظْفارُ‏

خَلْفَ الشاهِدَهْ‏

ارْحَلِي في المُدُنِ المجهولَةِ المأْهولَةِ‏

الكُبْرَى أَوِ الصُّغْرى. ونادي:‏

(يدوي صوت كالرعد).‏

الصوت :‏

إنَّني بعضُ شَهيدٍ ضاعَ قَبْرُهْ‏

في تجاويفِ الزَّمَنْ‏

مَنْ يُعيرُ العاشِقينَ الشُّهداءَ العاشِقينْ‏

مِلْءَ كَفَّيْهِ تُراباً أَوْ بَقايا مِنْ كَفَنْ؟‏

أَوْ شَظايا نَجْمَةٍ هارِبَةٍ‏

أَوْ كِتاباً يُهْتَدي في حِفْظِهِ‏

عندما يهربُ مِنْ دَرْبِ ضَحاياهُ الْوَطَنْ؟‏

المشوه :‏

ثم عادَتْ بَعضُ أَظْفَارِي... وقالَتْ:‏

كُلَّمَا عالَجْتُ عَنْ قبرٍ غطاءَهْ‏

حَمْلَقَ الرُّعْبُ وراءَهْ‏

جلجلَتْ ضحكَةُ مَنْ فيهِ بِخُبْثٍ أَوْ بَراءَهْ‏

(يدوي صوت رجلين معاً بسمع صاحب التاج).‏

الصوت الثنائي :‏

نَحْنُ مَيْتانِ بهذا القَبْرِ‏

يا أَظْفارَ أَيْدِي الغُرَباءْ‏

مَيِّتٌ مُطبَقَةٌ أَجفانُهُ‏

والآخَرُ اخْتارَ البَقاءْ‏

جامِداً كالحَجَرِ الأَعْمى بعَتْمِ الصُّبْحِ أَوْ ضَوْءِ المَساءْ‏

المشوه :‏

قلتُ لابُدَّ مِنَ العَوْدِ لأَسْأَلْ‏

عَنْ.. أنا.. في أَيِّ مَحْمَلْ‏

ولماذا دُحْرِجَتْ قافِلَتي مِنْ غَيْرِ مشْعَلْ‏

ولماذا أَظْلَمَ الدربُ ورائي؟‏

فأَجِبْني... أَوْ أَعِدْ لي سيرَتي الأولى‏

لأَسْتُجْلي قَراري.. ثُمَّ أُقْتَلْ‏

صاحب التاج:‏

وهَلْ عادَ سِرَّاً كما تَتَوَهَّمْ؟‏

ضَريبةُ كُلِّ الحُروبِ الدِّماءْ‏

ضَريبةُ كل الحُروبِ الدِّماءْ‏

أَجبتُكَ إنْ لم تَكُنْ‏

خَيالاً.. وَوَهْمَاً.. يَدورُ بذاكِرَتِي كالهَواءْ‏

المشوه :‏

تَقولُ الحُروبْ؟‏

مُخادَعَةً حَكْتَها؟ أَمْ سَبيلَ هُروبْ‏

صاحب التاج:‏

أَجَبْتُكَ دَعْني.. وَدَعْكَ مِنَ الخَوضِ في المسألَهْ‏

فَفيضُ الكَلامِ عَقيمٌ.. يؤديِّ إلى مهزَلَهْ‏

المشوه:‏

صدقْتَ لأوَّلِ مَرَّهْ‏

هيَ المَهْزَلَهْ‏

فَفي البدءِ. قلتُ هو العُرْسُ‏

جاءَ يوزِّعُ أَفْرَاحَنا المُقبِلَهْ‏

وحَمْحَمَ مُهْرِي واندفعْتُ على ظَهْرِهِ‏

لأحرقَ في حَوْمَةِ البَأْسِ أَيَّامِيَ المُهْمَلَهْ‏

وكانَ دمي في الطريقِ منارَهَ حُبٍّ‏

لتعبرَ مِنْ ضَوْئِها القافِلَهْ‏

صاحب التاج:‏

صَحيحٌ. هو الدربُ نحوَ الخَلاصْ‏

لترقى الشهادَةُ بالأُمَّةِ المُبْعَدَهْ‏

لتكتُبَ أوراقَ تاريخها مِنْ جَديدْ‏

والشهادَةُ عندَ اشْتِباك الدُّروبْ‏

هي الضوءُ والسَّمْتُ والبوصِلَهْ‏

لماذا تَدورُ بدَوّامَةٍ مِنْ عذابٍ إذَنْ‏

وتَغرقُ في لُجَّةِ اللُّغَةِ القاتِلَهْ‏

وتسألُني ملْؤُكَ الاتِّهامْ‏

وما حَمَّلَ الحِقْدُ أَوْ أَنْزَلَهْ‏

أَتعرفُ؟ كم قلتُ للناسِ إنَّ المقاتِلَ في الأَسْئِلَهْ‏

المشوه :‏

لأَنَّ القوافِلَ شُلَّتْ خُطاها‏

ونامَ دمي في العَراءِ غَريباً‏

لأَني رأيْتُ العُصورَ مُسَطَّحَةً كُلَّها‏

ولا فَرْقَ بينَ انعطافَةِ نَصْرٍ على الخَوْفِ‏

والحقبةِ المُقْفَلَهْ‏

وأَنْتَ .. وكُلُّ ملوكِ الطوائِفِ قُلتُمْ‏

لِسرْبِ الحَمامِ وسربِ البَراعِمِ والنائمينَ على النارْ‏

إِنَّ الشَّهادَةَ فاتِحَةُ النَّصْرِ.. أَوْ فاصِلَهْ‏

بينَ عَصْرِ يَباسٍ وعَصْرِ اخْضِرارْ‏

وجئتُ لأسألَ باسمِ الذينَ يَشعُّونَ‏

بينَ القذيفَةِ والرُّمْحِ والقُنْبُلَهْ،‏

لماذا تصيرُ الشهادَةُ فاتِحَةً لاغتيالِ الرُّؤى‏

صاحب التاج:‏

توَّقفْ.. لأَنَّ الشهيدَ اخْتيارْ‏

ويتركُ حِمْلَ الهموم لِمَنْ يَتبعونَهْ‏

ولمَّا تخيرْتَ أَنْ تَفتدي الوطَنَ المُسْتَباحْ‏

مضيتَ شهيداً على هَوْدَجِ العاشِقينْ‏

المشوه:‏

ظننتُ بأني شَهيدْ‏

ويعرفُني الأَنبياءْ‏

صاحب التاج:‏

وأنتَ كذلِكَ أنتَ الشهيدُ الأَمينْ‏

المشوه :‏

بدَفتركَ الزُّورِ صرتُ كذلكْ‏

وأَمَّا هُناكْ‏

فإنَّ الملائِكَةَ استَهزأوا بسجليِّ‏

صرختُ.. صرختُ.. وقلتْ‏

أنا مِتُّ مِنْ أجلِ شَعْبٍ‏

يحاصُرُهُ الجوعُ والقَهْرُ والنومُ والأَسْلِحَهْ‏

أنكروا وَجْهِيَ المُتَشَقِّق‏

يَزْوَرُّ عَني مَلاكْ‏

وينظُرُ شَزْراً إليَّ مَلاكْ‏

رَموني بفضلاتِ أنفاسهم‏

وما أنا حَيٌّ لأَسْتَأْنِفَ العَيْشَ‏

ولا مَيِّتٌ في هُدوءِ المَقابِرْ‏

لِيهدَ أَحْولِي الهَلاكْ‏

فأَيقظْتُ أظفارِي الباقِيَهْ‏

وقلتُ لشيخِ الملائِكِةِ الساخِرينْ:‏

إليكَ بَقاياي‏

قَلْبٌ تَشَظَّى، وخاصِرَةٌ بالِيَهْ‏

وجئْتُ على هَوْدَجٍ مِنْ دِمِاءْ‏

لأَدْخُلَ في جَنَّةٍ عَالِيَهْ‏

فَقالُوا:‏

(يأتي صوت جماعي كأنه هابط من السماء.. يجعل صاحب التاج عصبياً يغلق أذنيه بكفيه ويدور كالملدوغ).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244