عرس الشام و أشباح سـيناء - د.خالد محيي الدين البرادعي

مسرحيتان شعريتان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:42 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أشـــــباح ســــيناء

* مسرحية شعرية *‏

زمان المسرحية:‏

يوم من صيف 1976‏

مكان المسرحية:‏

واحة نخيل في صحراء سيناء‏

كتبت هذه المسرحية أولاً: قصيدة حوارية في أعقاب توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. ونشرت في مجلة الموقف الأدبي. ثم أعدت النظر فيها. وكتبتها مسرحية في صيغتها النهائية.‏

(‏

(واحة نخيل في سيناء مزدانة بصورة جميلة ومتفردة. تحت نخلة وعلى مقعدين متقابلين بينهما نضدوا طيء. يظهر صاحب التاج تقابله السيدة الجميلة. صاحب التاج. يبدو بصورة محيرة فعلى رأسه تاج ملكي. ويرتدي بزة جنرال. على وسطه مسدسان وخنجر وعلى صدره عدد من الأوسمة. السيدة ترتدي ثوباً ضيقاً ومثيراً وهي بكامل زينتها. على النضد طبق واسع فضي مليء بالفواكه. زجاجات خمر منوعة –ويسكي- فودكا- نبيذ- شمبانيا- وأقداح ثمينة.‏

يبدو القلق على صاحب التاج. ينهض يتجول بقلق. يلامس المسدسين والخنجر والأوسمة بصورة آلية. السيدة تحسو كأساً من الشراب وتراقبه بدقة وحذر.‏

تملأ السيدة قدحين من زجاجتين. تتبع صاحب التاج الذي يسمع حفيف الغصون وخرير الماء. تقدم لـه الكأسين معاً. يرفض.تلح عليه بصمت. يشيح بوجهه عنها. يزداد قلقه يتحرك بعصبية أكثر. تمشي السيدة أمامه بخطوات موقعة مغرية وكأنها ترقص، تحاول إغراءه فيبعدها عنه.‏

هذا المشهد يتم بصمت تام. لكن السيدة تلح عليه بدلالها وفتنتها. يرفض).‏

السيدة :‏

أيُّ هَمٍّ شابَ هذا الظَّفَرا‏

أَوْ عَناءٍ أَتعَبَ المُنْتَصِرا؟‏

كيفَ تغشاكَ همومُ البشرِ الدُّنيا‏

وقد أَلْهَمْتَ أنتَ البَشَرا؟‏

واحداً أصبحتَ في عصركَ فَرْداً‏

والذي تَخْتارُهُ.. ما خُيِّرا‏

جئتَ إلهاماً كما لو كنتَ‏

في عصر المآسي قَدَرا‏

أولم تجتَزْ صِعابَ الدربِ‏

في السلمِ وفي الحربِ‏

وتنذرْ برؤاكَ الحَذَرا؟‏

ما رأيتُ الحزنَ ينتابُكَ مثلَ اليومِ‏

حتى يومَ خَضْتَ النيلَ‏

يومَ اجتزْتَ أعلى الطورِ‏

أو عالجتَ لَيْلاً‏

أملسَ الظُّلمةِ حتى انْفَجَرا‏

(تلتصق به مجدداً. تقدم له الكأسين، وهو ما زال في قلقه يروج ويجيء على غير هدى).‏

السيدة : (تغني وبما يشبه الرقص)‏

إشربِ الكأسينِ مولايَ‏

وعاقِرْ خمَرتينْ‏

وانْسَ أعباءَ الرَّعايا‏

وأنا أُنسيكَ لو تَرْضى‏

حكايا الحُكْم والناسَ‏

بما في جَسَدي‏

وشوشَةً.. أو شهوةً تحكي الحَكايا‏

تَعَبُ الحكمِ وعبءُ العرشِ مغسولانِ‏

إنْ تَرغبْ بماءِ الحُبِّ‏

فاغسلْ بالهَوى تلكَ الْمَرايا‏

(تعانقه. تغمره بالقبل. يضمها إليه.. تتلخص من الكأسين تحاول فك نطاقه لتنزع المسدسين والخنجر من وسطه. ينتفض بعصبية).‏

صاحِب التاج:‏

الخَنْجَرُ لا. الخَنْجَرُ لا‏

وصَديقايَ كذلِك لا‏

السيدة :‏

ساعُةُ الحبِ لها طقسٌ مُقدَّسْ‏

واصطفاءٌ وصَفاءْ‏

كَعَتيقِ الخَمرِ يا مولايَ‏

لا الخنجرُ يُجدْيها ولا صوتُ المسَّدسْ‏

صاحب التاج:‏

لن أتركَ ما يُؤْنِسُني‏

في أوقاتِ الهَمِّ وساعاتِ الوحْدَهْ‏

السيدة :‏

سيدي مِنْ أَيِّ مِنظارٍ تَرى أنكَ وحدَكْ‏

وأنا أَنْشُرُ أَفوافَ الهَوى بينَ يديكْ‏

وأُريقُ العطرَ والحُبَ عليكْ‏

منذُ أنْهيَتَ ارتطامَ الدمِ بالسيفِ‏

وآويتَ الأَساطيرَ لدَيكْ‏

وأنا والدفْءُ والعرشُ وأَحلامُ العَذارى‏

في يديكْ‏

أولم تُهملْ جميعُ الأسلحَهْ؟‏

ودَفنتَ النارَ والبارودَ واللُّغْمِ‏

وناديتَ لساعاتِ السَّلامْ؟‏

وتأَتَّتْ كَنسيمِ الصيفِ نحوَكْ؟‏

ما الذي يُبقي على خَصْرِكَ آلاتِ الدَّمارْ؟‏

وأتينا نفتحُ الدفترَ‏

كي ينمو مَنامُ الحُبِّ‏

لا أَنْ تحملَ الهَمَّ إلى حيثُ تُسافِرْ‏

أُنظرِ النخلَ يُحييّكَ‏

ويلقي ظلَّهُ الضّاحِكَ كالموجِ إليكْ‏

صاحب التاج : (ينظر إلى السيدة)‏

حَقاً الماضي ماتْ‏

لا أَخْشى شيئاً‏

لا أَخشى أَحداً‏

في زَمنٍ أُلقيَ كل سلاحٍ خارجَ بَوّاباتِهْ‏

ليصيرَ الأَمرُ لزرعِ الوردِ وشتلِ الأُغْنِيَّاتْ‏

السيدة :‏

أَنا والكأسُ مَعكْ‏

أَصْدَقُ الأَحبابِ في هذا الصَّفاءْ‏

(صاحب التاج يلامس نطاقه بهدوء ليزيح المسدسين والخنجر في هذه اللحظات يسمع –بمفرده- صوتاً قادماً من بعيد، ممزوجاً بعويل ريح، ويقترب الصوت تدريجياً لكن السيدة لا تسمع شيئاً هي تراقب صاحب التاج)‏

الصوت :‏

ريحُ الشَّتاتْ‏

غَربيةً تأتي وشرقِيَّهْ‏

كلُّ الجِهاتْ‏

مَغاوِرٌ مَفْغورَةٌ للريحْ‏

والريحُ وَحْشِيَّهْ‏

تَدَّاخَلُ الخُطى‏

تَسَّاقَطُ الأَصْواتْ‏

في كل أُغْنِيَّهْ‏

(صاحب التاج يصيخ السمع يتلفت بذعر السيدة تنظر إليه بدهشة)‏

السيدة :‏

أتطلبُ يا سيدي أَيَّ شيءْ‏

أَتبحثُ عَنْ؟. أَشِرْ لي.. لأَصْنَعْ‏

الصوت : (يقترب أكثر)‏

مَنْ دَلَّني يا سامعي نِداءَ هذا الجُرحْ‏

في الرحلةِ المواتْ‏

هل هاجَرَت داري‏

كانَت هُنا.. أَذكرُ أو هُناكْ‏

أَنستْنِيَ الأَصْواتْ‏

مكانَها‏

لا الدمْعُ. لا الغِناءُ، لا الصَّلاةُ‏

بِشافِعٍ أَو نافِعٍ والكونُ ضاقْ‏

كأَنهُ منكمِشٌ أو هارِبٌ منيّ‏

أَحمِلُها الخَمْسَ السِّنينْ‏

وأَنا في حالَةِ اخْتِناقْ‏

صاحب التاج: (بعصبية)‏

مَنْ؟‏

صَوْتُ مَنْ أَسمعُ بَعْدَ السكونْ؟‏

ومَنْ راودَتْهُ الشجاعَةُ في حَضْرتي‏

أَنْ يكونْ؟‏

السيدة : (بذهول)‏

ما قلتُ شيئاً سيدي‏

ما قلتُ غيرَ الحُبِّ كي أُنْسيكَ هَمَّكْ‏

ليسَ في خَلوتِنا مِنْ ثالِثٍ‏

ماذا تَقولْ؟‏

الصوت : (مقترباً من أذني صاحب التاج أكثر)‏

أَبحثُ عَنْ إجابَةٍ تُريحُني‏

الكَوْنُ ضاقْ‏

وأنا في حالةِ اخْتِناقْ‏

صاحب التاج:‏

يعودُ العَويلْ‏

كَفى.. يا اصْطِفاقَ الرياحْ‏

السيدة :‏

أيُّ عَويلٍ تسمعُهْ؟‏

أَيُّ رياحْ‏

صاحب التاج:‏

وأيُّ مُغَنٍّ تَخَفَىَّ‏

ليصرخَ بينَ اصطفاقِ الرياحِ‏

وأَجنحَةِ الضَّحْوةِ الصاحِيَهْ‏

الصوت :‏

دَمٌ رافِعٌ راحتيْهِ احْتِجاجاً‏

مِنَ الأرض حتى السَّماءْ‏

لئَلا يَكونَ المَسيرُ جُنوناً‏

ويُمْسي النَّهارُ اخْتِباءْ‏

صاحب التاج:‏

أرى رحلةً آمِنَهْ‏

فأيُّ دماءْ‏

لقد بَريء الجرحُ وانسدلَ السِّتْرُ‏

وجفَّتْ دموعُ الحَزانى‏

وعصرٌ جديدٌ‏

تَلوحُ براعِمُ أَثْمارِهِ في يَدي‏

يَعُدُّ على راحَتَيَّ تَقاويمَهُ‏

فمنْ قالَ.. إنَّ مؤرِّخَ عصري‏

وشاعِرَ عُمري‏

يرى أَثراً للدماءْ؟‏

السيدة : (وبدأت ترتاب بصاحب التاج)‏

أنا قلتُ.. لا أثراً للدماءْ‏

وأنتَ انتصرتَ على العصرِ يا سيدي‏

كأنكَ مِنْ أُسْرةِ الأَنْبِياءْ‏

الصوت : (كالهدير)‏

هُراءٌ.. هُراءٌ.. هُراءْ.‏

يُلوِّثُهُ الطينُ يا هارِباً‏

مِنْ ضَجيجِ الدماءْ‏

صاحب التاج:‏

يُحاورُني ذلكَ الصوتُ‏

أمْ يُحاورُ غَيْري‏

وكلُّ المنادينَ في فَتراتِ الضَّجيجِ اسْتَقالوا‏

أَنا واحدٌ أرسمُ العَصْرَ‏

أَبسُطُ للسلمِ أَرضاً وأَرفَعُ سَقْفَ السَّماءْ‏

وساريةُ الأَمنِ تخفقُ حَوْليَ‏

فاردةً ظلَّها للرَّخاءْ‏

أَظنكَ وهماً تَبدىَّ... ولكِنْ‏

السيدة :‏

أتحلمُ مولايَ في يقْظَتِكْ؟‏

لو أنكَ تَحْسو الشَّرابْ‏

لتصحُوَ مِنْ أُثرِ الوَهْمِ.. أَوْ‏

صاحب التاج: (يضم السيدة)‏

سأَحْسو الشرابَ معَكْ‏

(تقدم له كأساً فيحسو جرعات متلاحقة)‏

كأني سمعتُ صُراخاً قَريباً‏

مع الريحِ يعصفُ هل تَسْمَعينْ؟‏

السيدة :‏

يداهمُكَ الوهمُ مولايَ مِنْ تَعبِ المرحَلهْ‏

الصوت :‏

بل الجُبنَاءْ‏

بل الخانِعونَ تُخَدِّرهم صيحَةُ الزُّورِ‏

في سطوَةِ الأَقْوياءْ‏

فقلُ إننا أَغْبِياءْ‏

صاحب التاج:‏

مَنِ الأَغْبياءْ؟‏

بمَنْ يتشفَّعُ هذا الخَفِيُّ‏

أما كنتُ قلبَ السَّلامْ‏

وكانَ الْجَناحانِ اسمي وصوتَ حُضوري‏

وأَحلامُ مَنْ حُرِموا أَزهرَتْ‏

والدموعُ استَحالَتْ طُيورَ حُبارىَ‏

تَحومُ على بُقْعَةٍ‏

ضاجَعت شجرَ النارِ عشرينَ عاماً وأكثرْ‏

ولكنني..‏

عَفْوَ إِطْلالَتي مَنْ أُحاوِرْ؟‏

(يعب من كأسه.. ينظر إلى السيدة. يشعر بالخجل منها.‏

يحاول إخفاء حالته المضطربة بملامستها. يلقي المقطع التالي بهدوء كأنه يكلم نفسه):‏

أُكَلِّمُ نفسي؟ وما مِنْ أَحَدْ؟‏

مُدمِّرةٌ لحظةُ القَلَقِ الغاشِيَهْ‏

جَميلٌ إذنْ خَلْوَتي‏

فلا تبصرُ الحاشيَهْ‏

السيدة : (تقدم إليه المزيد من الخمر)‏

تخيرتَ أنتَ الرحيل –إلى جَنَّةٍ خالِيَهْ‏

وقلتَ تَعالَيْ معي.. أنتِ يا غالِيَهْ‏

وها أَنا مولايَ بينَ يديكْ‏

بأثمارِيَ الدانِيَهْ‏

الصوت : (وكأنه يصرخ في أذن صاحب التاج)‏

تَخافُ من الحاشِيَهْ؟‏

وتَهربُ مِنْ لحظَةِ القَلَقِ الغاشِيَهْ‏

صاحب التاج:‏

يَراني إذَنْ‏

وعادَ يُحاورُني ثانيَهْ‏

وما اعتدتُ عَقْدَ الحِوارِ مَع الْجِنِّ‏

فهل داهمَتْني الهمومُ الْقُدامى‏

وهاوِيةٌ تَدفعُ الهاوِيَهْ؟‏

الصوت :‏

هي الآنَ هاويَةُ الخانِعينْ‏

وأمسيتَ في قعرها قِشْرةً ذاوِيَهْ‏

تُخادِعُ نفسكَ بالسلمِ والدَّوْرُ للأَقْوِياءْ‏

فهل يهجُر السيفَ عندَ اندلاعِ السيوفِ‏

سوى خانِعٍ يُزوِّرُ أَحلامَهُ‏

يَستحلُّ الغَنائِمَ مِنْ أيِّ دربٍ تَجيئْ‏

ويُؤثِرُ في الجولَةِ الانْحِناءْ‏

صاحب التاج:‏

مَنْ اخْترقَ الخوفَ؟‏

مَنْ جاءَ يقرعُ بابَ الجُنونِ؟‏

لأنهارَ في لَحَظاتِ الصَّفاءْ؟‏

السيدة : (تهزه بعنف)‏

تُحاوِرُ مَنْ سيدي‏

حولَكَ النخلُ والعشبُ والماءْ‏

وَوحديَ بينَ يَديْكْ‏

الصوت :‏

أنا جئتُ أَنزعُ عنكَ الْجُنونْ‏

فأنتَ تكَيلُ الفَراغَ بصاعِ الفَراغْ‏

وتسدلُ حولَكَ ستْرَ الرِّواغْ‏

لئلا تَرى أيَّ ثَكلى تَنوحْ‏

وحاديةً لا تَبوحْ‏

وكوكبةً مِنْ جيادٍ تُحمحِمُ للسفرِ القُدُسِيِّ‏

أَتخدَعُ ثانِيَةً مَنْ خَدَعتَهْ؟‏

فأَيُّ صَفاءْ‏

صاحب التاج:‏

أُحاوِرُ مَنْ لستُ أُبصرُ‏

مَنْ لستُ أعرفُ مِنْ أَيْنَ جاءْ‏

أَحُلْمٌ تَقَحَّمَ عَرْشي‏

أمِ الريحُ تحفرُ في الذّاكِرَهْ‏

السيدة :‏

إذا كانَ هذا مناماً.. فَخُذْني إِليهْ‏

لنَحياهُ في لمحةٍ زاهِرَهْ‏

صاحب التاج: للسيدةُ‏

نداءٌ قَديمٌ.. وصوتٌ توغَّل أَمسِ بصوْتي‏

فأرْعَبَ صَمْتي‏

لِيُقْلِقَ أَمجادِيَ الزائِرَهْ‏

ولكنْ عَفا الصوتُ يومَ انتزعْتُ بفعلِ قَراري‏

جميعَ السيوفِ مِنَ الخاصِرَهْ‏

(لحظات هدوء يرتاح إليها يفرك عينيه يبتسم للسيدة التي تقدم المزيد من الخمر. يصدق أن ما سمعه كان شبه كابوس)‏

السيدة :‏

صحا سيدي مِنْ ضَجيجِ التوهُّمْ؟‏

صاحب التاج:‏

لم أكُنْ أسمعُ الصوتَ‏

هذا طنينُ الهدوءِ تمزِّقُهُ الخاطِرَهْ‏

توهمتُ أني سمعتُ نِداءً. عِتاباً. حُداءْ‏

تخيلتُ أَنَّ حِواراً يُغَسِّلُ أَفكارَهُ‏

أَوْ زَماناً يُنظِّفُ أَظفارَهُ‏

ليوقِظ صمتَ الرَّعايا‏

السيدة :‏

تُخوِّفُني الآنَ يا سيدي‏

متى كُنْتَ تحكْي وليسَ أَحَدْ‏

فلا قائِدٌ مِنْ أمامِكَ هَزَّ الْعقُابَ‏

ولا مِنْ وَلَدْ‏

سوى امرأةٍ عُرْيُها يوقِظُ الاِشْتِهاءْ‏

لتَنْسى هُمومَكَ في رَعَشاتِ الْغَيَدْ‏

وتجرعَ كأسَكَ مِنْ حَمْحمَاتِ الْجَسَدْ‏

(تفك أزرار إزارها يظهر أعلى ناهديها.. تنتظر.. تحاول التعري)‏

صاحب التاج:‏

ولا مِنْ أَحَدْ‏

سوى نَهِمَيْنِ لدِفءِ الْجَسَدْ‏

(تستمر السيدة ببطء في نزع ملابسها.. بينما يعود الصوت للهدير في سمع صاحب التاج الذي ينتفض)‏

الصوت :‏

إنَّها أُغْنياتُ الدِّماءْ‏

تُجاوِزُ حَجْمَ المَواثيقِ تَمسحُ وَجْهَ الصُّكُوكِ‏

وتركضُ في الطولِ والعَرضِ مثلَ الضِّياءْ‏

أتحسبُ أنكَ وحدَكَ إنْ غابَتِ الحاشِيَهْ؟‏

عروقُ الضحايا أَمامَكَ‏

مُلتفَّةٌ كالحِبالِ على قاتِليها‏

تَخورُ قليلاً وتنهضُ لَهَّابَةً بالغَضَبْ‏

تُتابِعُ ترحالَها في زَمانٍ سَيَأْتي‏

فلا شاهِدُ الزُّورِ يَبْقى ولا الطاغِيَهْ‏

ولا الصَّكُّ يفصلُ بينَ الْحِقَبْ‏

(صاحب التاج يدور كالملدوغ. يستل مسدساً وخنجراً يشهرهما في الفراغ. تنظر إليه السيدة بذهول مخيف)‏

الصوت :‏

أراكَ.. أرى الخنجرَ الذَّهبيَّ‏

يلوبُ على طِفلَةٍ وُئِدَتْ‏

أوْ قَتيلٍ تَعمَّدَ بالدمِ بينَ يديكْ‏

صاحب التاج: (يجأر بصوت مفزع)‏

لا... ليسَ وهْماً.. وليسَ بَقايا تَعَبْ‏

لغةٌ كنتُ أسمعُها في ليالي الصَّخَبْ‏

يُجوِّدُ إنشادَها خائِفٌ‏

أَو شَغوفٌ بنَثرِ الْخُطَبْ‏

فمنْ جاءَ يُحيي الْمُواتْ‏

ويعبثُ بالنارِ.. بعدَ مشيبِ اللَّهَبْ؟‏

السيدة : (بلطف)‏

تَرفَّقْ بنفسكَ مَوْلايَ‏

ليسَ يَليقُ بمثلكَ هذا الغَضَبْ‏

تَردُّ على مَنْ.. وتُحاوِرُ مَنْ؟‏

أَجِبْني بربكْ‏

صاحب التاج: (دون أن يلتفت للسيدة)‏

حَناجرُ كُلِّ المُغَنِّينَ صادَرْتُها‏

وأَحْكَمتُ نسجَ الأُمورِ‏

مِنَ الشرقِ والغَربِ‏

حتى خَصاصِ الرِّمالْ‏

وحتى انكفاءِ الكؤوسِ على نَمْنَماتِ الْحَبَبْ‏

الصوت :‏

أَيَغْفو الْجَريحُ إذا صودِرَ الْجُرحُ‏

أمْ تَسْتَقيلَ الرِّياحْ‏

أَيجتازُ عصرَ الحَرائقِ مَنْ يَنحني فوقَها أَمْ يُباحْ‏

أَتخمدُ نارُ الحروبِ إذا أطبقَ الخائِرونَ الْجفونَ‏

أَمامَ اشْتِباكِ الرِّماحْ؟‏

صاحب التاج:‏

يُحاكِمُني شَبَحٌ لستُ أبصرُ أَبعادَهُ‏

متى كان للشبحِ الحَقُّ‏

في الزحْفِ نحوَ المُباعِدِ بينَ الحُروبِ وَويلاتِها‏

ومِنْ أيِّ شقٍّ يَجيءُ وكلُّ المداخِلِ مُغلقَةٌ‏

واطمأنَّ القَلقْ‏

الصوت :‏

أَجيئُكَ مِنْ كل صَوْبٍ‏

وَوَجهتي كُلُّ الجِهاتْ‏

وصوتيَ في كل حنجرةٍ تَسْتَغيثُ‏

وقلبيَ ينبضُ في كل صَدْرٍ‏

وأنتَ تُخادعُ نفسَكَ بالتَّسْمِياتْ‏

(صاحب التاج يرى بمفرده صورة معركة حقيقية يتابعها باهتمام معزولاً عن السيدة التي بدأت تتعامل معه كما لو كان مصاباً بلوثة. أو بجنون طارئ هي خائفة وعاشقة في آن)‏

صاحب التاج:‏

اِتَّخِذْ هَيْئةً.. أَيها المُتَخَفيِّ‏

بذاكِرتي. أَوْ تَحْتَ جِلْدي‏

مَعَ الريحِ... في الضوءِ في العَتْمِ‏

اظهرْ بشكلٍ لأُبصرَهُ بأيِّ التَّصاويرِ شئْتَ‏

بِزَيِّ المُقاتِلْ‏

بصورَةِ عَبْدِ‏

(يتحول الصوت إلى إنسان يهبط من أعلى. غائم لم تتضح بعد معالمه. لا يراه إلا صاحب التاج. ويتم تحول الصوت مع إلقائه المقطع القادم)‏

الصوت :‏

أَنا قائِمٌ في المَداخِلْ‏

وقامَةُ ريحٍ تُغَذِّي ضِياءَ المَشاعِلْ‏

أَكونُ مع الصبحِ والليلِ‏

فوقَ البحارِ ولُصْقَ السَّواحِلْ‏

وأَسمعُ أُغنيةَ الحُبِّ خَجْلى‏

تُغسِّل أَجْفانَها‏

في دموعِ عَذارى القَبائِلْ‏

وأَنشرُ زَغردَةً للحَياةْ‏

يُترجمُها الغَدُ بينَ أَكُفِّ القَوابِلْ‏

صاحب التاج: (بذهول وقد بدأت معالم إنسان تتضح أمامه)‏

بَشرٌ أَنتَ. أُبصِرُ مَنْ؟‏

كأنكَ قائِدُ كوكبَةٍ‏

أَوْ أَميرُ سَرِيَّهْ‏

المشوه : (وهو الصوت الذي تبين لعيني صاحب التاج أنه مشوه)‏

قُتِلتُ بحطيِّنَ‏

قاتلتُ في القادِسيَّهْ‏

وحاورتُ سيفي بمصرَ‏

وفي القدسِ كنتُ يَدَيْ بُندقيَّهْ‏

وخبَّأْتُ عَظمي بسيناءَ. طوَّفْتُ كالخِضْرِ‏

بينَ النجومِ وبينَ الشَّظيَّهْ‏

صاحب التاج: (يرى المشوه بثياب ضابط)‏

أَمِنْ عسكري بعدَ هذا الرحيلْ؟‏

ومِنْ جُنْدِ مِصْرَ‏

وتنهضُ بعدَ فرارِ دَمِكْ؟‏

وكيفَ يقومُ مِنَ القَبرِ أَيُّ قَتيلْ‏

أَظُنكَ وهماً.. يَجيءُ إليَّ‏

وَوَسْواسُ ماضٍ طَويلْ‏

المشوه:‏

أَنا الحَيُّ أَرصدُ عصرَ الفَجيعَةِ‏

ما بينَ طنجةَ واللاذقيَّهْ‏

أنا مَنْ مَشيتُمْ على دَمهِ‏

تَمهرُ الصَّكَّ في حَرْبكَ المَسرَحيَّهْ‏

(صاحب التاج يتضايق. يصوب مسدسه نحو وجه المشوه. تحاول السيدة تهدئته. فهي لا ترى الشبح بالطبع ولا تسمعه. تتعامل مع صاحب التاج تعامل الطبيب مع مريضه)‏

السيدة :‏

مولايَ توقَّفْ لحظَهْ‏

لسنا في النومِ نطيرُ ولكنا‏

في صَحْوِ اليَقظَهْ‏

سأُهيِّئُ تمثالاً مِنْ حَجرٍ، تطلقُ نارَ مسدسِكَ عليهْ‏

واقتلْهُ سَريعاً‏

لِنُمارِسَ طَقْسَ الحُبِّ بهذي الْجَنَّهْ‏

الوحدةُ تبعَثُ رغبتَنا للحُبِّ‏

أَليسَ صَحيحاً يا مولايْ؟‏

صاحب التاج: (معزول تماماً عن السيدة)‏

سأعرفُ إنْ كُنْتَ واقِعَةً أَمْ سَراباً‏

وحَيَّاً إذا كنتَ أَمْ مَيِّتاً‏

فَلي طاقَةٌ بدأَتْ بالنَّفادْ‏

وثَغْرُ المسدسِ مُمتلئٌ بالدَّمارْ‏

المشوه :‏

دورُكَ في اللعبةِ أَنْ تكشفَ ظهرَكَ للغَزْوِ‏

وتغرسُ سيفَكَ في أَضْلاعِ بَنيكْ‏

صاحب التاج:‏

كَفى.. سَوْفَ أُطْلِقُ ناراً‏

مُكَوَّمَةً بينَ كَفيِّ وَوجْهِكْ‏

المشوه :‏

اطمئِنَّ.. فإنّي شبعْتُ مِنَ المَوتِ‏

والأَسْلِحَهْ‏

تكُفُّ يَديْها إذا اكتَشفَتْ‏

أَنَّ بينَ قتيلٍ ومَيْتٍ مواقِعَها‏

أَطلقِ النارْ‏

وغَمِّدْ بأيِّ التجاويفِ مِنْ جَسدي خِنْجَرَكْ‏

وقاتِلْ كما تَشْتَهي‏

حتى انفجارِ المسدسِ. حتى انْتِحارِ الرَّصاصْ‏

صاحب التاج: (تتراخى يداه يترك المسدس)‏

لا.. لَنْ أُقاتِلُ، ما دُمْتَ مَيْتاً.. قَـ.. تـ.. يلا‏

السيدة :‏

كما شِئْتَ مَولايَ‏

أَفضلُ ما تصنعُ الآنَ، ألاَّ تُقاتِلْ‏

وحَدِّثْ حبيبَةَ قلبِكَ عَنْ حقبةٍ تَرْتجيها‏

(تساعده على إعادة المسدس والخنجر إلى نطاقه. تقدم إليه المزيد من الخمر. يظل معزولاً عن السيدة).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244