المصري وأميرة الفرنجة - محمد أبو العلاء السلاموني

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:42 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

(المنظر السابق نفسه في النادي الليلي رواد النادي من الرجال والنساء يرقصون على موسيقى حالمة وتحت أضواء هادئة.‏

أحمد الفايز وأخوه وأخته يجلسون إلى منضدتهم وهم في حالة ترقب وقلق عقب الأحداث السابقة)‏

صفى : إلى متى سنظل نمارس تلك اللعبة..؟‏

الفايز : حتى تقتنع أميرة ميلز..‏

صفى : تقتنع بماذا..؟‏

الفايز : تقتنع بأن تجلس طوعاً أو كرهاً لتخاطب آلات التصوير.. وتتحاور مع كل الصحفيين وتعلن بإرادتها وبكامل رغبتها أن الليلة خطبتها..‏

الأخت : كيف وأنت تقول إن جيانا تداخلها الرغبة أصلاً في تلك اللعبة..‏

الفايز : مشكلة جيانا أن اللعبة تلعبها في منطقة وسطى بين العقل الظاهر والعقل الباطن..‏

الأخت : وماذا بعد..؟‏

الفايز : مهلاً.. فزمام اللعبة أصبح في أيدينا.. ولسوف نوجه دفتها نحو الهدف المرسوم..‏

صفى : ما زلت أحذر من عاقبة اللعبة يا أخي سيد عائلة الفايز.‏

الفايز : حذرك مقبول يا ابن أبي.. لكن لا يمنع هذا أن رجال الأعمال إذا ما عزموا لم يوقفهم تحذير أو تهديد.. لعبتهم تعتمد على السير على حد السيف.. إما أن يقطعهم إرباً أو يمضوا قدماً لا يمسسهم خوف ووعيد..‏

(فجأة يظهر زولاند أحد رجال الأعمال الإنجليز يرتدي القبعة الإنجليزية وعلى عينيه نظارة سوداء)‏

زولاند : هذا إن كنت بحق تحسب ضمن رجال الأعمال الشرفاء.. يا مستر فايز.‏

الفايز : (غاضباً) ويحك.. من أنت..؟‏

زولاند : أو لا تعرفني يا مغتصب محلات هارولد..‏

صفى : هذا خصمك زولاند.. من كان ينافسنا عند شراء محلات هارولد..‏

الفايز : مرحى.. ماذا يأتي بك يا زولاند وقد ضاعت منك الصفقة..؟‏

زولاند : أتظن أني أتركها لك كي تلتهم اللقمة سائغة في جوفك.. كلا.. لن أتركك لتهنأ بالصفقة يا مستر فايز.. كلا..‏

الفايز : (يرفع إصبعه محذراً) مستر ألفايز من فضلك.. أل فايز..‏

زولاند : بل اسمك فايز.. لا الفايز.. أنت أضفت أداة التعريف إلى اسمك كي تكتسب عراقة أصل مزعوم.. لكن حقيقة أمرك أنك كذاب أفاق لا تملك اسماً أو ثروة.. أنت أتيت إلى لندن شحاذاً لا تملك غير ثيابك.. وإذن من أين لك الثروة حتى تشتري محلات هارولد يا ابن حواري الأنفوشي وابن وكيع..‏

الأخت : تلك وقاحة.. لم تترك هذا الرجل يهينك في دارك يا أخي الفايز..؟‏

زولاند : مرحى.. وإذن فالسيدة شقيقتك يا مستر فايز.؟ عفواً.. يا سيدتي أنت ولا شك لديك كثير مما أعلمه عن أصل وفصل أخيك.. هذا الصعلوك الأفاق..‏

الأخت : من فضلك.. لا أسمح لك بأن تتفوه بالألفاظ الوقحة ضد أخي سيد عائلة الفايز..‏

زولاند : عفواً يا سيدتي.. ورجائي أن تستمعي إلى وجهة نظري.‏

الفايز : بل فلتسمعني أنت.. حاولت كثيراً تشويهي وسعيت حثيثاً لتسئ إلى اسمي وإلى أصلي.. لكنك لم تصل إلى شيء. ماذا تنتظر إذن..؟‏

زولاند : أخطأت يا مستر فايز.. قد أخسر صفقات نافستك فيها.. لكن هذا ليس مهماً.. فأهم الأشياء لدي الآن.. أنك ستظل طريد سؤالي هذا.. من أين لك الثروة يا ابن حواري الأنفوشي وابن وكيع.. اكشف عن مصدر ثروتك لنعرف أنك رجل الأعمال الحر.. من كسب الثروة بطريق شرعي لا شبهة فيه..‏

صفى : يا مستر زولاند.. تعلم أنا قدمنا مستندات تثبت شرعية ثروتنا في المحكمة وحكم القاضي لصالحنا.. ماذا تطلب أكثر من هذا الحكم..؟‏

رولاند : حتى إن كان الحكم لصالحكم.. ثروتكم ما زالت مشكوكاً فيها.. ودليلي أن حكومة بريطانيا لم تأخذ به.. ولم تمنح أحدكما الجنسية حتى اليوم..‏

الفايز : مهلاً يا مستر زولاند.. الجنسية سوف تجيء إلينا دون استجداء.. إن لم تأت اليوم فستأتي في الغد أو بعد الغد.. وأراهنك على هذا.. أتراهنني..؟‏

زولاند : أعرف لعبتكم هذي الليلة يا مستر فايز.. أعرف أن مؤامرة سوف تدبرها كي تخترق الحاجز نحو القصر الملكي بتزويج ابنك لجيانا أم ولي العهد.. أو ليس كذلك يا آل.. فايز. أقصد يا آل حواري الأنفوشي الصعاليك..؟‏

الأخت : يا لوقاحتك وقلة أدبك يا هذا..‏

زولاند : عفواً يا سيدتي.. أنا لا أقصد أي إساءة.. لكنني لست أقرر إلا الواقع.. فأبوكم ليس سوى ناظر مدرسة متواضعة لم يملك شيئاً قط.. وإذن من أين أتت لكم الثروة..؟‏

صفى : ماذا يدريك بأنا لم نرث الثروة عن والدنا..؟‏

زولاند : أية ثروة..؟ ماذا يملك ناظر مدرسة غير مرتبه المحدود..؟‏

صفى : قد كان لنا شركات أممها عبد الناصر في منتصف الستينات..‏

زولاند : كذب وهراء.. وسأخبركم بحقيقة هذا الأمر لأكشف عن هذا الكذب المفضوح بكل وضوح.. قد كان هنالك شركات يملكها بعض اليونانيين.. وحين صدور قرارات التأميم.. هاجر أكثرهم وانتهز بعضهم، وأنتم منهم تلك الفرصة بشراء الشركات بأبخس سعر.. كشركة دي كاسترو للسياحة وقصر اليوناني "ألبورتا" في فيكتوريا.. أنتم يا مستر فايزمن كان التأميم وسيلتكم غير المشروعة للثروة والصيد في الماء العكر المعطون.. أنتم نهازوا الفرص وسماسرة وطفيليون..‏

الفايز : رائع.. يبدو أنك أجهدت كثيراً كي تصل إلى ما أنت وصلت إليه من المعلومات يا مستر زولاند..‏

صفى : لا يا أخي الفايز.. المستر زولاند لم يتعب أبداً في هذا الأمر.. إذ أن المعلومات أتته بطريق سهل من عند شريك وصديق شخصي.. أعني مكتب أشرف علوان رئيس الجالية المصرية في لندن.. أو ليس كذلك يا مستر زولاند..‏

زولاند : وإذن أنا لم أتجن عليكم.. إذ أن الشاهد أحد منكم ويمثلكم يا مصريين..‏

الأخت : هذا عار أن يشهد مصري ضد أخيه المصري.. ويشوه سمعته ويسئ إليه إلى هذا الحد..‏

الفايز : ماذا أفعل يا أختاه وتلك هي المأساة المؤلمة لنا نحن المصريين، وفي أرض الغربة في الخارج.. واأسفاه..‏

زولاند : لا تتأسف يا مستر فايز.. إذ أنك لو كنت تخاف على إحساسك بالوطنية ما قصرت بحق بلادك.. ماذا قدمت لأهلك في مصر.. أنك تتبرع بالمليون الاسترليني لكي تنقذ طفلاً بريطانياً.. لكنك لم تتبرع لبني وطنك من فقراء ومحتاجين.. أموالك تتدفق كالسيل على كل مكان في العالم.. ودفعت الأموال الطائلة لتشتري فنادق وقصوراً واستثمارات وعقارات في لندن واسكتلندا وفرنسا وسويسرا وألمانيا واليابان وأمريكا والنمسا وهونج كونج وسنغافورة.. مع ذلك لم يتبادر إلى ذهنك أن تصنع شيئاً في وطنك مصر..‏

كانت مصر قد عرضت شركات وفنادق ومصانع للبيع وللخصخصة والاستثمار.. لكنك لم تفعل شيئاً أو حتى تسهم في شيء ينفع وطنك..‏

أو ليس عجيباً وغريباً أن يحدث هذا منك وأنت تمارس نقدك للمصريين هنا زملائك في أرض الغربة..؟‏

الأخت : كلا يا هذا.. أنا شخصياً كنت في مصر أوزع بعض معونات أخي الفايز للهيئات الخيرية بخلاف معونات ضحايا السيل جنوب الوادي وضحايا الزلزال..‏

زولاند : مدهش.. أو هذا ما قدمه أخوك الملياردير يا سيدتي.. بعض معونات لا أكثر.. أين المشروعات وأين الاستثمارات المطلوبة في بلد يحتاج التنمية كمصر.. مع ذلك.. هل تذكر يا مستر فايز لم أخذتك النخوة حتى قدمت معوناتك تلك وفي هذا الوقت وبالذات..؟ ذلك لتغطي التقرير الفاضح حين أرادت صحف بريطانيا أن تكشف أمرك للقراء وتقديمك صعلوكاً مشكوكاً في مصدر ثروته وفي أصله.. كنت تريد تعاطف أو تأييد المصريين لموقفك إزاء قضيتك المزعومة عن حقك في الجنسية..‏

الفايز : (منفعلاً) تكذب يا مستر زولاند.. تكذب كذباً إدا.. تعلم أن قرار رفض منحي الجنسية ليس قراراً موضوعياً.. وكذلك ليس له صلة بالأصل أو الثروة أو ما شابه.. فالمسألة برمتها تتعلق بالتمييز الخاضع للأغراض السياسية.. وسأرفع دعوى ضد حكومة بريطانيا وسأفضحها وأحطم مصداقيتها في الإعلام أمام الرأي العام..‏

زولاند : أعلم أنك تقدر أن تفضحها بل تسقطها كما أسقطت وزيرين بها من قبل.. يكفي أن تكشف أسلوبك في الرشوة كي تفضح بعض الوزراء ضعاف النفس فينهار كيان الحزب الحاكم حتى يسقط بطريقتك اللا أخلاقية..‏

الفايز : أتعيرني بأني أملك أن أسقط حزباً وأنصب آخر يا مستر زولاند.. ما أعظم أن أصبح في نظرك هذا العملاق الأسطوري..‏

زولاند : لا تغتر بنفسك يا مستر فايز واحذر.. فنهايتك ستأتي حتماً حين تتم الصفقة بين أميرة ميلز وولدك مستر مودي. والليلة بالذات.. فتذكر..‏

الفايز : أتهددني..؟‏

زولاند : حتى الآن أحذر.. ولتعلم أن الصفقة أخطر مما تتصور.. هي ليست شركات ومحلات تستحوذها أو مليارات تكسبها.. بل هي أمر أكبر.. أمر يتصل بفلسفة المجتمع الأوربي وفكر الغرب المتحضر.. لا فكر الشرق المتخلف والمتأخر.. فأحذر أن تجترئ بلعبتك الصبيانية.. وإلا انقلبت ضدك وعليك.. وقد أعذر من أنذر..‏

(يخرج زولاند)‏

الأخت : هذا رجل وقح للغاية..‏

صفى : يا أخي الفايز أرجوك.. لا تتمم أمر الخطبة بين جيانا ومراد..‏

الفايز : هل أثر فيك وعيد وتهديد المستر زولاند.. هذا الموتور..؟‏

صفى : تعلم أني حذرتك قبل المستر زولاند.. رأيي تعرفه وقد سبق وصارحتك به..‏

الفايز : وإذن ماذا تبغي أن نفعل..؟‏

صفى : فلنأخذ ثروتنا ونعود إلى مصر نقيم بها مشروعات واستثمارات.. الدولة في مصر الآن تناشد كل رجال الأعمال المصريين من الداخل والخارج لشراء الشركات أو المشروعات المطروحة في السوق.. فلماذا لا نسهم مثل الباقين ونخلع عنا تهمة أنا قصرّنا في حق أهالينا المصريين.. لنعد إلى الوطن المصري ويكفينا ما عانينا في الغربة من أحقاد أو تمييز وتعصب.. مصر هي الأولى.. هي مولدنا، موئلنا وعلينا أن نرجع من حيث أتينا ولنترك أمر الخطبة هذا ما دام يجر علينا الشر الملعون..‏

الفايز : حسناً.. هذا رأيك أنت.. أترى هذا رأيك أيضاً يا أختاه.. هل نتراجع عن أمر الخطبة وزواج أميرة ميلز من ولدي مراد..‏

الأخت : لا لا تتراجع يا أخي الفايز.. هذي المعركة ستحسب لك إن أتممت زواج مراد الفايز بأميرة ميلز الافرنجية.. لا تتردد أرجوك.. هذي هي فرصتنا كي نثأر من هذا الغرب المتعجرف.. من أوربا المعجبة بعظمتها وحضارتها.. من أمريكا المتغطرسة بقوتها.. هذا هو ثأر الشرق من الغرب وقد آن أوان الضرب.. قد أخذوا منا الأندلس قديماً والقدس حديثاً.. فترى هل نترك فرصتنا السانحة بأيدينا بزواج سهل يجعلنا نملك أكبر مملكة تعتبر التاج الدري وجوهرة الغرب..‏

الفايز : فليهدأ بالك جداً يا أختاه.. ما كنت لأتخلى عن تلك الفرصة مهما كان الأمر.. إذ هذا ليس بثأر الشرق فحسب.. بل ثأري أنا شخصياً.. أنا وحدي سيد عائلة الفايز صاحب فندق ريتر المشهور.. ومحلات هارولد ومتحف قصر الدوق ودوقة ولدسور.. وفي المستقبل جد أمير شرقي سيكون أخاً لولي العهد وملك بريطانيا العظمى..‏

(يسمع مارش النصر من أوبرا عايدة حيث تظهر جيانا في ملابس عايدة السمراء ذات الجدائل السوداء، ومراد في ملابس القائد راداميس ومن خلفهم عدد من الراقصين والراقصات في ملابس فرعونية زاهية ويمارسون رقصاً طقوسياً فرعونياً على موسيقى أوبرا عايدة والأصوات الأوبرالية)‏

الأخت : (مبهورة من المشهد) عايدة.. ما أجمل هذا الزي وهذي السمرة في وجهك.. (تقبلها)‏

جيانا : شكراً يا سيدتي..‏

مراد : أوليس الأفضل بشرتها البيضاء.. والشعر الذهبي.. كما كانت يا عمة..؟‏

الأخت : بل تلك السمرة أفضل.. حتى تصبح منا نحن الشرقيين.. منذ الليلة تنقطعين عن الغرب وتعتنقين تقاليد الشرق.. سوف تكونين امرأة شرقية.. سمراء البشرة وبشعر أسود مثل الليل.. وليصبح اسمك عايدة أو فاطمة وليس جيانا هذا الاسم الوثني.. وسننزع عنك تقاليد وعادات الغرب.. وسنلبسك رداء شرقياً وحجاباً رمزاً للعفة والطهر..‏

جيانا : (ضاحكة) ما هذا يا مودي.. لم يبق إلا أن تطلب أختك مني أن أختن كنساء الشرق..‏

الأخت : هذا عين الحكمة.. آه لو أن أميرة ميلز وفتيات الغرب عرفن أهمية ختن المرأة والبنت.. ما رأي أميرتنا..؟‏

جيانا : (غير مصدقة) أوجد هذا القول..؟‏

الأخت : طبعاً.. بعد ختانك سوف تصيرين امرأة هادئة النفس.. لا تشغلها الرغبة أو تحرقها الشهوة أو تقترف خطيئة.. مأساة الغرب لديكم أن المرأة جامحة الرغبة كجواد بري يحتاج لمن يكبحه ويمتلك زمامه.. وختان المرأة هو ما يعلقها ويطامن من فورتها ويروضها كي تسكن وتعود امرأة صالحة لا تخرج عن خلق أو دين..‏

جيانا : أو هذي نظرتك إلى شخصي يا سيدتي..؟‏

الأخت : أني أنصحك بأن تلتزمي بتقاليد الشرق لدينا.. ما دمت ستنتسبين إلينا..‏

جيانا : أو تلك شروط زواجي بابن أخيك يا سيدتي..؟‏

مراد : كلا.. العمة لا تعني أيَّ شروط..‏

الأخت : ولماذا لا أعني أي شروط..؟ ما أعرفه أن أميرتكَ اختارتكَ لأنك رجل شرقي يمتلك تراثاً أخلاقياً.. تسعى كي تنتمي إليه وتطرح عنها تراث سفور المرأة والعهر الغربي..‏

جيانا : (محتجة) لكني يا سيدتي امرأة محترمة.. ولست بهذا السوء..‏

الأخت : معذرة يا أميرة.. يكفينا أنك قررت التوبة والهجرة من عالمك الغربي الموبوء.. وأردت التكفير الصادق عن مجتمع السوء..‏

جيانا : أنا لم أخطئ حتى أنوي التكفير أو الهجرة.. حقاً قد أنوي أن أهجر ما لحق بقلبي وحياتي من ظلم وهوان.. فأنا امرأة مظلومة.. لكني لست امرأة خاطئة أو مخطئة أو سيئة السيرة..‏

الأخت : يا أميرة.. لا تنسي أنك خنت الزوج مع المدعو جيمس كوايت.. أنت امرأة زانية في حكم شريعتنا وعقوبته الرجم..‏

جيانا : كنت أحاول أن أنتقم لنفسي وأرد الظلم.. كان دفاعاً مشروعاً عن نفسي.. هذا حقي إن كان لديكم عدل..‏

الفايز : هذا بالفعل دفاع مشروع عن نفسك يا أميرة..‏

صفى : عفواً.. أن كان دفاعاً هذا عن نفسك.. وإذن ماذا سوف تسمين علاقتك برجل يدعى جيلبي.. وعلاقتك بأوليفرجور.. وكذلك..‏

جيانا : (بغضب) كفوا عن هذا بالله عليكم.. هل جئت إلى هنا لمحاكمتي..؟‏

مراد : (محتجاً) ما هذا يا عماه.. لست أصدق أنك تتفوه بتلك الكلمات.. وأنت كذلك يا عمة.. لم لا تتكلم يا أبت..؟‏

الفايز : عفواً يا ولدي.. أنا مندهش مثلك من هذا القول.. وكأني أسمع رأي غريمي زولاند لا رأي أخي أو أختي..‏

الأخت : تعلم يا أخي الفايز أني لا أقصد إلا الخير..‏

صفى : أو لا نملك أن نتصارح ما دمنا نركب قاربنا الواحد..؟‏

الفايز : اسمعني يا صفي.. أنا أعلم أنك لا ترغب في تلك الزيجة.. لكني لا أسمح لك بأن تفسد هذا الأمر عليّ.. ابني مراد الفايز سوف يكون له الشرف الأعظم بأن يصبح زوجاً لأميرة ميلز جيانا ابنة ايرك سبنسز.. من كان صديقاً لي سنوات العمر.. أرجو أن تفهم هذا الأمر على هذا النحو.. ودعونا من كل الأفكار العابثة وتلك الثرثرة وهذا اللغط اللا طائل منه..‏

صفى : عفواً يا أخي يا سيد عائلة الفايز.. هذا أمرك وقرارك حتى إن كان لنا رأي آخر.. فافعل ما شئت وليس لنا إلا الطاعة والسمع..‏

الأخت : وأنا أيضاً لك مني الطاعة والسمع وتنفيذ الرأي..‏

الفايز : إذن، هيا لنعد الحفل.. ونكف عن اللغو.. بعد إذن أميرتنا..‏

(ينحني الفايز لجيانا ويخرج يتبعه أخوه وأخته مراد يقترب من جيانا الحزينة)‏

مراد : (وهو يمسح دمعة على خدها) بربك لا تبتئسي من رأي العم.. هو يخشى أن نتزوج خوفاً من عاقبة الأمر.. لذلك يبحث عما يفسد ما يجمعنا من حب..‏

جيانا : اعرف ذلك.. لكني أرجو ألا يوغر صدرك ما قد قالته العمة أو ما كشف وأعلنه العم..‏

مراد : كلا.. لا لوم عليك.. فأنا أيضاً كانت لي أخطاء في الماضي وعلاقات.. من كان بلا خطأ فليرجمنا بحجر..‏

جيانا : أنا أيضاً أعلم هذا.. فعلاقاتك مع نجمات السينما الأمريكية كانت تملأ صفحات العالم..‏

مراد : وإذن فليغفر كل منا للآخر ما قد كان لنبدأ صفحة مستقبلنا بيضاء بلا سوء..‏

جيانا : كم أدعو الله لكي يتحقق لكلينا هذا المستقبل قبل فوات الوقت..؟‏

مراد : أشعر وكأن لديك الخشية من شيء..‏

جيانا : أو تعرف ماذا كان نهاية قصتنا في هذا الزي.. عايدة وراداميس..؟‏

مراد : ما أعرفه عن تلك الأوبرا أن القصة تعبير عن أسمى آيات الحب وأجمل عشق تاريخي بين أمير وأميرة..‏

جيانا : قل بين أمير وأسيرة..‏

مراد : بل بين أسير وأميرة.. إذ هي أسرته بحب أسطوري جارف.. أو ليس عجيباً أن يأسرها راداميس بالحرب فتأسره بالحب..‏

جيانا : لكنهما واأسفاه.. وقعا في خطأ لا يغفر وارتكبا ذنباً لا يعذر.. حبهما كان الجرم الأكبر في حق بلادهما.. كان خيانة.. حيث تناسى كل وطنيته من أجل الحب..‏

مراد : ومتى كانت قصص الحب المثلى ليست أخطاء وذنوباً وجرائم وخيانات عظمى.. روميو وجولييت.. أنطونيو وكليوباترا.. العادل وجوانا.. عايدة وراداميس.. هيلانة وباريس.. هذي هي قصص الحب المشهورة في التاريخ.. وهي جميعاً كانت ضد عداء الأهلين والكراهية بين شعوب تتحارب وبلاد تتناحر وصراع بين الأوطان.. ذلك أن الحب هو الأقوى دوماً.. أقوى من كل الحروب بين الشعوب.. أو نزعة حقد وصراع أو أطماع..‏

جيانا : بل قل كانت تعتبر خيانات عظمى في رأي الساسة أرباب الحرب وتجار السلطة والحكم.. ولذلك يأتي الموت على أيديهم ليخط نهاية معظم تلك القصص الرومانسية منذ بداية تاريخ الإنسان.. فلماذا نعجب من أن نهاية قصتنا ستكون على أيدي الساسة أيضاً وعلى هذا النحو..‏

مراد : لك حق في هذا.. ولذلك تحضرني قصة حب مثل حكايتنا حدثت بين الشرق وبين الغرب.. ونهايتها كانت مأساة. حيث رأى الساسة فيها جرماً في حق الوطن وحق الأهل..‏

جيانا : أعرفها.. قصة زينب بنت البكري ذات الأعوام الستة عشر.. ونابليون القائد أثناء الحملة على مصر.. قتلتها السلطات العثمانية بعد خروج الحملة بعد محاكمة ظالمة حيث تبرأ والدها منها.. مع أن القصة بدأت بمباركة أبيها لهذا الحب الرومانسي.. بين الطفلة وأمير الحرب المشهور..‏

مراد : رباه.. ما جدوى الحب إذن في هذا العالم.. إن كانت نهايته هذا الإحباط.. عالمنا هذا ليس جديراً بالحب.. هذا كون موبوء ممتلئ بالظلم.. الآن فهمت لماذا يقبل رجل في حكمة سقراط أن يتجرع سماً ويموت.. لقد أدرك، لا ريب، أن العالم يحكمه العبث المجنون.. وأن الكل هو الباطل والشر هو الأصل.. والخير هو الزائل.. وحقيقة هذا الكون مجرد قبض الريح.. والكل هراء وخواء والظلم عتل وقبيح.. ماذا يبقينا إذن في هذا العالم..؟ ماذا نأمل منه وكل الأشياء الكائنة تناصبنا عداء ليس له تبرير أو تفسير..؟ هيا يا حبي ومليكة قلبي لنعد كما جئنا.. نخلع عنا أردية مآسي التاريخ لنرتدي رداء الأمر الواقع.. ونعود كما كنا جيانا ومراد الفايز.. ولنكمل نحن مسلسل حب ومأساة الإنسان.. إذ هو مأساة واحدة تتكرر في كل زمان ومكان.. لسنا أول مأساة فيه ولن نصبح آخره.. وسيمضي العالم في رحلته المجنونة نحو المجهول بلا عقل وبغير دليل.. في يوم ما سينفجر كوكبنا الأرضي سينفجر كما انفجرت أنجم وكواكب أخرى.. وسيصبح جنس الإنسان مجرد ذكرى في الكون الأسطوري الواقع بلا حدود.. هذا إن كان الإنسان يحق له الذكرى من بعد مآسيه الدامية الكبرى..‏

(يأخذ جيانا ويخرجان من جانب بينما يظهر حارسهما الخاص والسائق من جانب آخر)‏

الحارس : يا للعنة.. ماذا عسانا نفعل والفندق مكتظ بالصحفيين وآلات التصوير وأرباب البابا راتزي والصحف الصفراء المشبوهة..‏

السائق : (يتناول كأساً) لا تشغل بالك واشرب في صحة حفل أميرتنا وابن الملياردير المصري..‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244