وداع ولقاء في بلاد الشام - الدكتورة ناديا خوست

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:46 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- نهضت نفيسة من فراشها مرتعشة القلب. هل قلبها وحده الذي ينبض في هذا السكون؟ أغصان شجرة النارنج قرب النافذة في الفوقاني ساكنة. خشب السقف، وبلاط الأرض الأبيض وإطاراته السوداء، والوسائد المطرزة، وإبريق الماء على الطاولة قرب فراشها، والمرآة المتوجة بطاووس محفور في الخشب، كلها ساكنة. التفتت إلى النافذة فرأت سماء ملأى بالنجوم. درب التبّان، ونجم القطب، والدب الأكبر، والدب الأصغر، والزهرة، كلها مستقرة! شعرت بخفقان قلبها على يدها. هل ينهض الإنسان ذات ليلة كما نهضت الآن كأنه يسمع جرسا يدقّ مناديا: انتهت حياتك! ليتأملها كما يتأمل هذه السماء الواسعة، في مثل هذا الصمت، ولينظر إليها كلها ويحيط بها كأنه يتذوقها مرة واحدة قبل أن يقول وداعا؟ وليسمع الكون ويسمعه آخر الأشواق؟ في مثل هذه البرهة فقط يستطيع الإنسان أن يشعر بأنه عاش برهة في دنيا واسعة ويدرك وقتذاك فقط أن تلك البرهة خاطفة وسريعة! فيأسى على كل مالم يتذوقه، وكل مالم ينتبه إليه، وعلى كل مالم يعمله؟

وقفت نفيسة ومشت خطوات بين سريرها وبين الطاولة كي تؤكد لنفسها أنها صاحية، وأنها ليست في برهتها الأخيرة. تناولت موقد السبيرتو. لايزال على صينية عليها فنجان مقلوب، وقطرميز صغير من البن. لايوجد سكر. لابأس! كانت لدى فاطمة أخت هذه الصينية مع موقدها! وكانت نفيسة كفاطمة تستعملها في أيام الشتاء فتحضّر لنفسها القهوة دون أن تنزل من الفوقاني إلى المطبخ في التحتاني. تستعملها في أوقات المساء الشجية عندما تستعذب تأمل المطر أو خفقة الريح على أغصان شجرة النارنج، فلاتريد أن تبتعد عن النافذة. ارتجف اللهب ووضعت فوقه دولة القهوة.‏

ما الذي أيقظها فجأة مرتعشة القلب؟ حلم؟ لا تتذكر من الحلم إلا أنها كانت تسقط وتسقط ولاتصل إلى القاع. لا تتذكر أين كانت، ولماذا هوت! منذ أيام تحاول نفيسة أن تلتقط نفسها، وأن تمسك بالمحور الذي ادعت طول عمرها أنه محور حياتها، تجري حوله تفاصيل ماعاشته ومنها زوجها ابن الكحال وابنتاها. خالد آغا؟ لم تفكر بأية محاور ودوائر وهوامش أو مراكز وقت كان يزورها. شعرت في تلك الأيام بأنها تجري مندفعة في حياتها نفسها، بحريتها السابقة نفسها، وبحماستها السابقة. مع أن أيام خالد آغا كانت سنوات صاخبة ودامية في بلدها وحياتها. استعذبت زمنا طويلا أن تستعيدها. ثم أذهلها أن تبدو لها تلك السنوات كأنها حياتها الثمينة الوحيدة. ألا يناقض هذا ما اعتمدته طول عمرها؟ هل تستطيع أن تدرك أنها لا تتنازل عن سلوكها ومسارها، منذ كانت طفلة تعلمت ماكان يتعلمه أخوها، وطوعت بطموحها أباها ولفتته إليها! أحبك خالد آغا، يانفيسة، لأنك هكذا، وهرب منك ابن الكحال لأنك هكذا، وبقيت المرغوبة والمتمناة لديه لأنك هكذا! فهل تتصورين الآن أنه كان يجب أن تكوني أخرى؟! ماالذي يقلقك إذن؟ هذا السكون الممتد؟ تضيقين بأن المدينة نائمة وأنت وحدك صاحية؟ تتذكرين الآن بنتيك اللتين عاشتا مع أبيهما، واستقبلتهما كزائرتين؟ انتفضت نفيسة وردت على نفسها. ألم تنشغل بموت صهرها، ألم تحاول أن تنقذ لابنتها بعض أملاكه من أهله في الصالحية، ألم تحتضن ابنتها في أيام حزنها؟ لا تلومي نفسك يا نفيسة! شغلك الحرير ودودة القز وشجر التوت والسوق، ولابد أنك ضيعت بها مقطعا من علاقة الأم بابنتيها وعلاقة الزوجة بزوجها والجارة بجاراتها!‏

تذكرت نفيسة زياراتها لابنتها، ولهفة أحفادها. بقيت تحمل لهم الكعك الذي أشرفت على عجنه، وأرسلته إلى الفرن في سوقساروجا ليخبز. وعبأته لهم في أكياس من الخام الناصع. والفواكه المجففة التي تشتريها لهم من سوق البزورية. مع السكر الذي يصاغ في ذلك السوق عصافير في أقفاص وزهورا وأعوادا. والفستق الحلبي واللوز المحمص بالسكر. والبندق الذي يتسلون بتقشيره. لكنهم فهموا أن لهم هداياها لا وقتها وقلبها. فهمت ابنتها الكبرى أساها من انسياقها كالنساء في الأسرة المعلقة بسعادتها وشقائها على رضا الرجل وابتسامة الطفل والصحة والطعام الطيب والسهرات اللطيفة. كانت تتابع ابنتها وهي تركض خلف أولادها، تبدل ملابسهم، وتطعمهم، وتنط إلى المطبخ خلال ذلك. وكانت تلمح ألوان ملابسها الزاهية والوردة التي تزين بها شعرها في المساء بانتظار الزوج، وحرصها على أن يكون الأولاد نائمين عندما يأتي. فتنصرف تاركة ابنتها تحضر صحون الطعام في انتظار الزوج. وتسرع عائدة إلى بيتها، حاملة غضبها وترفعها. وأنت يانفيسة، ألم تحضّري، كأية امرأة شامية، صحون الطعام لخالد آغا، وتطلقي نافورة البركة في تلك الأمسيات معه! هبت واقفة: ذلك كان خالد آغا! وأنا نفيسة! ليتها تستطيع أن ترفع ابنتيها إلى مكانها! ليتها كانت تستطيع أن تضع صهرها المتوفى مكان خالد آغا! كانت الدنيا حول البركة في تلك الأمسيات! كانت الحرب وميسلون والثورة السورية! أنت عم كنت تتحدثين مع زوجك قبل موته، وأنت عم ستتحدثين مع زوجك عندما تجدينه؟! خيل إليها أن عينيها دمعتا. لم تتمن لأي منهما مثل ذلك الزواج الذي قبلته ابنتها الاولى! ذاك زواج أبقاها في مكانها كأية امرأة في حي الصالحية أو القنوات! تلك سعادة صغيرة، وذاك شقاء صغير!‏

لكن لتعترف أن هذا الترفع أبعدها عن ابنتيها. ففي كل زيارة كانت تشعر بالخيبة. هل تستطيع أن تصارح نفسها بأنها تمنت لهما زوجين من رجال الثورة الوطنيين مثلا؟ لتذوقا الشقاء والعوز، يانفيسة؟ تضيق الأرض بالوطنيين فبعضهم في خيام نجد، وبعضهم في مصر، وبعضهم في الأردن. يعيشون بالمعونات، فهل تتمنين لابنتيك حقا العوز والحياة المضطربة؟!‏

تذكرت كلمة زوجها ابن الكحال: لاتكوني ظالمة! دعيهما تختاران ماترتاحان إليه! وخزته يومذاك بنظرتها. فقال: لاتستطيع كل شابة أن تكون مثلك يانفيسة! ردت في سخرية: وربما لاتريد ذلك!‏

هاهي تحصد هذا الأرق الذي لاتعاني منه امرأة يحيط بها أحفادها وأولادها! لاتستطيع نفيسة أن تستنجد بلهفة، ولاأن تطلب حفيدا ينام معها في هذا البيت الواسع في سوقساروجا! لاتستطيع أن تظهر ضعفا، وستبقى أسيرة قوتها! فلتفهمي الآن يانفيسة أنك صغت سجنك من حريتك وقوتك من ترفعك عن العلاقات العادية! لاحق لك حتى في كلمة آه! ولن تستطيعي صياغة مسار آخر لحياتك فالزمن الغدار أطاعك كما تطيع فرس خيّالها، لكنه الآن ينتقم منك كجمل تحمّل عنفوان صاحبه زمنا طويلا! خارج هذه الغرفة يجب ألا يبدو على وجهك خط حول الفم أو زرقة حول العينين! لاتخيبي من يؤمن بك لأنه لايستطيع أن يكون مثلك! تذكري بنتك التي جلست ذات مساء إليك وتناولت كفك وقبلتها: ماما، كم شابة تستطيع أن تقول إن لها مثل أمي؟! آه، تدرك نفيسة في هذه الليلة الساكنة أن الناس يريدون مثلا وأنبياء يتحملون عنهم، ويحملون عنهم، ويندفعون عنهم. ألأنهم يعرفون أن الحياة لاتتقدم من زمن إلى آخر بمثلهم بل بمثلنا؟‏

كفى! لو تستطيع نفيسة أن توقف هذا الحوار الجارح! صبت لنفسها فنجانا آخر من القهوة. لن تهدئها القهوة. بل تحتاج أن تمشي، أن تعبر بخطوات سريعة سوقساروجا إلى بوابة الصالحية، وتأخذ الطريق إلى المهاجرين.. لا، لا، تحتاج أن تنزل من جوزة الحدباء وتصل من البحصة إلى المرجة، وتأخذ ضفة بردى وتمشي مع النهر، وتتنفس رطوبته وعبقه المحمل برائحة المشمش. وتمشي حتى الربوة ودمر، متابعة خطوات خالد آغا على تلك الضفة! فهل تستطيع ذلك في هذا الليل؟!‏

فتحت باب غرفتها وخرجت إلى الداور في خفة اللصّ. لاتريد أن توقظ مرجانة وتتحمل قلقها عليها! فلتبق لها هذه الحرية التي تنفلت فيها من الاتزان الذي يسربلها منذ سنوات لاتعرف بدايتها! هل استمتعت نفيسة ولو مرة بجنون المحبة، أو بحزن امرأة على رجل هجرها، أو ببكاء عاشقة أرعشها الحب؟ أبدا! أبدا! يوم اكتشفت أن خادمتها حلا حامل من زوجها الأول نفضت رأسها كالعصفور وقالت له: فلتتزوجها ولترحل معها اليوم قبل الغد! ويوم تبينت أن كرامة ابن الكحال، الهائم بها، لم تتحمل أن تظهر سيدة نفسها أمام القاضي الشرعي، أحنت رأسها كممثلة وقالت له: فلنفترق! ومن ابن الكحال يانفيسة؟ الرجل الذي بقي واقفا حيث فرضت عليه أن يقف، لايتجاوز عتبة لاتريدينه أن يتجاوزها، وظل متابعا هواك خالد آغا وساهرا عليه في حنان وغيرة مكظومة، ثم مشفقا على فجيعتك ومشاركا فيها. طامرا اندفاع المحب، منتقلا إلى هدوء الصديق. بقي يوهم أهل الحارة بأنك زوجته المحترمة، ويقبل عندما يغلق الباب عليكما أن يظل على بعد مترين منك!‏

هبت نفيسة واقفة من الكرسي الذي يطل من الداور على أرض الدار: لا، لن تعود إلى ابن الكحال! لاتستطيع أن تفكر بملمس رجل حقيقي! لن تفقد طيف خالد آغا الذي يتلامح في خيالها، وأحاديثهما التي تتخيلها أو تستعيدها! اقبلي يانفيسة إذن هذه الوحدة التي أيقظتك الليلة مرتعشة وأوقفتك وسط هذا السكون الممتد إلى آخر المدينة!‏

تنهدت في راحة عندما سمعت صوت المؤذن من مئذنة الشامية، ينساب صافيا في فضاء رائق ترعشه رطوبة الفجر. مدت يدها ولمست الندى على ورق شجرة النارنج. وبدا لها، عندما رفعت نظرها إلى السماء، أنها أمضت زمنا طويلا أرقة تتفادى أن تعرف كم الساعة. أعلن المؤذن افتتاح النهار! وخيل إليها أنها سمعت بعد ذلك خشخشة أحمال القنب تنقل على الحمير إلى الفرن. انتهت هواجس الليل! وستعيدها مدينة أفاق الناس فيها، إلى مكانها الذي صاغته بحياة امتدت ستين سنة لايمكن أن تفقدها بقلق عابر أو حزن طارئ. ولاتستطيع أيضا أن تخونها بالخروج إلى نداءات الضعف الهشة، مستنجدة بمن هو دونها قوة لكنه أكثر منها سعادة. يجب أن تتحملي يانفيسة ثمن مااخترته بقرارك الحر! الوحدة في هذا العمر، ورعشة الروح من الصقيع، وفراغ الغرفة من لهفة معبأة بذكريات الحب وأهواء الشباب. هل تتحملين حنان ابنتيك لو ركضتا إليك خائفتين عليك، أم سيرعشك فيض الحنان وستخافين ظل ضعفك في عيونهما! مثلك يانفيسة يجب أن يخفي وحدته بالكبرياء، ووهن آخر العمر بالإباء، وضعفه بما تركه في ذاكرة الناس من جلال! عرفوك امرأة مستقلة، عالية القامة في عواطفها وفي أحزانها وأفراحها، كهذه المآذن التي تعلو على كل ماعداها في مدينة لاتعرفين متى بدأت ولن يعرف أحد متى تنتهي في الزمان!‏

خطر لها، مرة أخرى، أنها في ساعة تشبه الساعات التي توقظ بأجراسها الإنسان قبل الموت. استمعت إلى دقات قلبها، حركت أصابعها، أدارت رأسها إلى اليمين والشمال، رأت السماء تبيضّ وارتعش زنداها من برد الصباح. فقالت: لا! هذا ليس الشعور باقتراب الموت، بل هذه رغبة في تأمل الحياة قبل أن يملأها الناس بالصخب! وسخرت من نفسها: "ياعلى كسرتك يانفيسة، تنهضين وسط الليل لتتأملي الحياة؟ ألا يكفيك النهار"؟ مع ذلك لم تعد إلى فراشها، بل أصغت لبرد الصباح القادم من بساتين "وراء الدور"، ولتململ العصافير في الأعشاش في أشجار أرض الدار، وسمعت هديل ستيتية تعشش في سقف الداور، فتذكرت أنها لم تبلل لها الخبز اليابس أمس.‏

رتبت فراشها. لم تخرج من غرفتها يوما دون أن ترتبه. ولم تترك يوما لمرجانة أن ترتب لها خزانتها. لغيرها الظاهر فقط، مسح أرض الغرفة، ومسح الغبار عن تاج الخزانة الذي حفر عليه من طرفيه طاووسان. منذ فراقها عن ابن الكحال تركت غرفتها إلى غرفة أبويها، ونقلت ثيابها إليها. هاجرة مايمكن أن يذكرها بأنها كانت امرأة رجل يحبها وربما أحبته في ليال كثيرة. وكانت له كأية امرأة محبة، رقيقة وعذبة وصريحة. يوم أطلت على تلك الغرفة شعرت بالخجل فهربت منها وتركتها لمرجانة. ففهمت مرجانة أنها يجب أن تنظفها كل يوم عندما تكون نفيسة في أرض الدار أو خارج البيت وأن تبقي بابها مغلقا. وكم تعلمت مرجانة من أهواء نفيسة، منذ كانت زوجة ابن الكحال وكانت تتركه إلى بساتين التوت، حتى صارت تسهر معه ومع خالد آغا! وهل تستطيع مرجانة أن تنسى اليوم الذي خرجت فيه نفيسة لتبلغ خالد عن إعدام شهداء أيار! أو اليوم الذي خرج فيه خالد آغا آخر مرة من بيت نفيسة! حرست مرجانة سيدتها كأم لاكعبدة. لكنها فهمت أن نفيسة ترسم دائرة حول نفسها لاتسمح لأحد بأن يقترب منها، محتمية بوحدتها. ولذلك لم يدهشها أن تترك لها نفيسة الغرفة التي عاشت فيها مع ابن الكحال، وتكتم عنها غرفة أمها وأبيها التي انتقلت إليها منذ افترقت عن زوجها.‏

خرجت نفيسة في العصر إلى مقبرة الدحداح. زارت القبر الذي خصّ خالد نفسه به، لكن سعيدا دفن فيه. وابتسمت. كأنه مثل صارم الدين ساروجا الذي سمي باسمه الحي! خصّ نفسه بضريح إلى جانب حمام الجوزة لكن وزيره دفن فيه، ودفن هو في القدس! أو كأنه نجم الدين أيوب الذي خصّ نفسه بتربة مقابل بيت نفيسة لكنه لم يدفن فيها بل دفن فيها بعض أولاده! كأنك ياخالد آغا ورثت القدر الذي يضع مسافة بين أماني الرجال والواقع حتى في هذه المساحة الحميمة! أو كأنك تريدني في الرابع والعشرين من تموز كل سنة أن أخرج إلى ميسلون متوهمة مرة أنك مدفون قرب سبيل الماء كيلا تعطش، ومتوهمة مرة أنك مدفون قرب شجرة المسك كي تستظل بها!‏

اشترت نفيسة في ذلك اليوم قبرا قرب قبر خالد آغا الذي دفن فيه سعيد، وطلبت أن تزرع قربه شجرة رمان. قالت للرجل الذي تلقى أوامرها: وبعد ذلك نزرع خبيزة حمراء وبيضاء. عادت نفيسة من مقبرة الدحداح قبل العتمة راضية وهي تشعر بأن موتها مازال بعيدا جدا، لكنه يوم يأتي سيكون مرتبا كبيتها. راقبت في حذر البهجة التي غمرتها: لماذا؟ بعد أرق الليل؟ كم تخشى على روحها! لا، يانفيسة! تنهضين من أنقاض الثورة السورية كما تنهض مدينتك! لاتستطيع روحك السكون، ولاتستطيع ذلك المدينة! ولايستطيع ذلك أيضا الانتداب!‏

جلست مرجانة حيث أشارت إليها نفيسة. تناولت يدها: خشنة! لماذا لاتدهنينها بزيت الزيتون! فحصتها مرجانة. ليس هذا ماتريد أن تقوله نفيسة! فماذا في بالها في هذا المساء؟ قطعت نفيسة الصمت كأنها وجدت أخيرا صيغة تعبر بها: يامرجانة، عشت معي عمرا، وحقي أن أخاف عليك. سأكتب لك بيتي في الصالحية. جمدت مرجانة. ثم قفزت الدموع إلى عينيها. كأنها وجدت نفسها وحيدة في الدنيا! يقوم بها بيت نفيسة وتبدو فيه سيدة مستقلة، ولكن هل تستطيع أن تعيش دون سيدتها! اهدئي يامرجانة! اهدئي! سنعيش معا حتى يأخذ الله أمانته. أردت فقط أن أطمئن عليك!‏

هل جمعهما في ذلك الليل التفكير في الفراق الذي لايفكر فيه الأحياء عادة؟ هفّت من مرجانة رائحة الصابون عندما عانقتها نفيسة! اضطرها خوف مرجانة إلى عناق تتفاداه دائما. وتذكرت أنها لم تعانق أحدا منذ زمن بعيد. تستقبلها بنتاها كما يستقبل ضيف مهيب. وقد تقبل أحفادها لكن دون عناق. قالت وهي تبعد أسى العناق: الله يسامحك يامرجانة! هل يجب أن نكون كالناس الذين يتركون على من بعدهم أن يرتب أمورهم؟! هذا البيت حق منور وسعاد لأنه من أجدادهما. لكن بيت الصالحية لي. أنا اشتريت الأرض وبنيت البيت فيها، واخترت أن يكون قرب الساقية التي يسبح فيها الوزّ. حقي أن أهديك شيئا! امسحي دموعك! امسحيها! وافهمي أني أريد أن أطمئن عليك!‏

جلست نفيسة في ذلك المساء في صدر الليوان، مشرفة على أزهارها وشجرها وبحرتها. متسائلة هل كانت، ولو في السر عن نفسها، ترجو لمرجانة رجلا يتزوجها وتنجب منه لتطمئن عليها؟ ماأعجب أن يكون الرجل والأولاد الذين يأكلون عمر المرأة سبب اطمئنانها إلى مصيرها! لم تتزوج مرجانة فاستنجدت نفيسة بالسند الآخر: المال! ولكن ماالفرق يانفيسة بين الولاء وبين الحب، وماالفرق بينهما وبين الإلفة؟ هاهي نفيسة التي تفادت أسر الزوج والأولاد والقرابة مسؤولة عن هذه الشابة! كانت قد سمعت أذان العشاء منذ زمن طويل من مئذنة الشامية، وأصغت إلى صوت المؤذن الحلو. أيمكن أن يولد إنسان دون أهل؟ أين أهل مرجانة إذن؟ هل تعودت أن تنساهم؟ أصبحت نفيسة أهلها! ولكن لماذا تحبسين الدنيا يامرجانة في هذا البيت، وترعبك الحرية؟ يبدو أن الوحدة مخيفة، يامرجانة، و"الدنيا بلا ناس مابتنداس"!‏

-- كلفوا الشيخ تاج!‏

- رأيته! مربوع، سمين!‏

- أين رأيته؟ أنا لم أره بعد!‏

- كيف لم تره؟! يتمخطر في الطرقات بالسيارة كأنه يقول للناس تفرجوا علي!‏

فهم بهاء أن منور حكمت على الشيخ تاج حكما لن تقبل المناقشة فيه. فهل يستطيع أن يقول لها تمهلي؟ تركت بيروت كي يشترك بهاء وسعيد في الثورة السورية. وفقدت أخاها في الثورة. فهل يستطيع أن يطلب منها الحكمة لتقدر المعتدلين الذين يسعون إلى الاستقلال بالحوار مع المندوب السامي الفرنسي؟‏

اسمع يابهاء! أعرف أنك تراني أسيرة حزني على أخي! أنت أيضا حزين عليه. فلماذا تدعي لنفسك الحكمة لأنك تفحص سعي المعتدلين في حذر، وتنكر عليّ القدرة على ذلك؟‏

ضبطته مرة أخرى! فهل أنسته منور، بأيام الحب التي داوته بها من الخيبة والحزن، عقل الصديقة وحكمتها! لماذا يتمسك بالمحبّة ويستبعد الصديقة؟ كأن الفرق في العمر بينه وبينها يلح عليه في أن يبقى مسحورا بالشابة التي تنفلت منه دائما حرة، ويزيد ذلك من سحرها عليه ومن خوفه من البعد بينهما!‏

كلم نفسه أمامها. من بقي من الثوار حيا رحل إلى المنفى الذي تيسر له. لكنهم لم يتفرقوا في المكان فقط بل في الفكر. كأن الهزيمة تفرق الناس! لذلك كتب سعيد العاص مذكراته عن الثورة السورية، دارسا ومحللا، مترفعا عن الصغائر. غيورا على الدرس والعبرة كقائد عسكري، وكسياسي يفكر في المستقبل. لكن المنفى يعني حصار الرجال! من بقي هنا لايستطيع أن يسكن بل يجب أن يبحث عن أسلوب ملائم للحركة!‏

- تبرر الاتفاق مع الفرنسيين الذين حاربتهم في الثورة؟‏

- أفكر بصوت مرتفع. الخط أدق من الشعرة بين السعي إلى الاستقلال والسعي إلى أحضان المندوب السامي! لكني أميز بين من ينقل له الأخبار كواش، ومن يحاوره باسم الشعب! لاينقطع المسافرون إلى بيروت لمقابلة بونسو. لكن هاشم الأتاسي وجميل مردم وسعد الله الجابري يقيسون حركتهم. يبدو لي أن بونسو يريد علاقة تتجاوز الصدام بالسوريين.‏

كانت منور تتمسك بالعتبة التي تفصل سنة 1927 عن سنة 1928. فتسمع أصداء الثورة وهي واقفة على أنقاضها، وتجد في الأحزان العامة جمرة تعدها بثورة أكثر حظا في الانتصار. تعرف أن ذلك أملا عاما، فالطائرات والمدافع تستطيع أن تخمد ثورة جديدة، والناس لم ينهضوا بعد من الخرائب ولم يشفوا من المآتم.‏

بعد إخلاء البلد من الثوار، بحث المندوب السامي عن أسلوب جديد يحكم به البلد بسياسيين سوريين معتدلين. كلف الشيخ تاج، وقبل التحضير لانتخابات جمعية تأسيسية تضع دستورا مناسبا. فهمت منور أن السوريين سيحاولون الدخول من ثقب الإبرة. لكنها تنبأت بالنتيجة. صحيح يامنور، لااعتدال بين الاستقلال والانتداب، لكن الرجال يسعون، وهذا السعي كفاح، يكسب الناس فيه مهارات ومعرفة ويزيدون من كفاءتهم، وتكتشف فيه كل فئة مكانها وقوتها، وربما حلفاءها وأعداءها. وربما تعلّم الفرنسيين كيف يعاملون أهل البلد!‏

خيل إليها أنها تتابع أحداث سنة 1928 من جهة أخرى ليست الجهة التي ينساق فيها بهاء! هو، من الذين لايستطيعون أن يقفوا ساكنين في مكان! هي، مراقبة وحارسة باسم الغائبين، المنفيين والشهداء! تفادت أن تحاور بهاء، كي تكون صافية النظرة. زارت نفيسة وصادفت عندها نرجس، وسمعت مايقوله ابن الكحال. وتحدثت مع الصيدلي ميشيل مرات وهي تشتري مرة قطنا ومرة سبيرتو ومرة يودا ومرة مرهما أسود، رافعة له إصبعها الذي تقيح قرب الظفر من شوك الورد. واستمعت إليه وهو يعقمه ويلفه بالشاش.‏

عندما هم بهاء بأن يحدثها عن القوائم التي يحضّرها الوطنيون، قالت له: كم أشتهي الصبارة! فخفق قلبه وهبّ عن كرسيه. فأجلسته: سأحضّر شايا مع العنبر لنشربه في المشرقة! تاه وهو يتابعها. ثم خمّن أنها لاتريد أن تسمع شيئا عما يجري في البلد. واستمتع برهة برغبتها في أن يكون هو الذي يشغلها. ولم يعد راغبا في ماخيل إليه أنه حمل دفعها لتشتهي الصبارة. ألا يتمنى أن يكون دنيا لاتنتبه إلى سواها! لكنه وهو يراقبها تهمس لنفسها بنغمة أغنية من الأغاني التي كانت تستهويها في بيروت، شعر بأنها منساقة في أهوائها كأنها تبقيه على الأرض وتطير في فضائها. تفادت أن تغني بعد موت سعيد. وهذا ليس غناء بل دندنة تسجل فيها انتصارا ما. على من؟ على ماذا؟ في مثل تلك البرهة كان يزداد حبا لها ويخشى عجزه أن يكون منها ماتمناه. قال كي يدافع عنها ويهدئ نفسه: هذا طبع موروث، لاموقف مقصود! وأعجبته بلاغته!‏

حركت منور كأسه بملعقة العنبر، ورفعته له مبالغة بالعناية به. ثم حركت كأسها. فحصها بنظرته: ماذا تخفين ياشيطانتي؟ أمتعه بريق عينيها. تلعبين بي يامنور؟ بدت راضية. فلتبق كذلك! وليتبعها حتى تتعب من لعبتها. تنفست في عمق عبق الياسمين: يابهاء، يدهشني أحيانا عمر الياسمين الطويل! يبدأ في أول الصيف، ويبقى حتى أول الشتاء. ألا يملّ؟ سألها: لماذا يملّ؟ أغلقت جفنيها وتنهدت. لم تجبه. يتناول أحيانا كلمة من كلماتها ويرتجف. هل تقصد أنها يمكن أن تملّ من الحب؟ على الطاولة الصغيرة بين فنجاني الشاي صحن أزرق مليء بزهر الياسمين. فكر في طقوسها: لاتنسى مكان زهرة الفلّ قرب فنجان القهوة، أو قرب جرة الماء على طرف النافذة. ولاتنسى صحن الياسمين قرب فنجان الشاي ذي الخصر المرهف. لكنها تقول: أترك ورق الليمون في إبريق الماء لعمتي نفيسة! أحب الماء المعطر بماء الزهر!‏

نظر إليها. لماذا لايستطيع أن يمسك بهذه السعادة؟ لماذا يخاف عليها حتى وهي بين ذراعيه؟ لماذا ليس له اطمئنان الرجل الذي يعرف أنه سيأخذ زوجته متى أراد، وسيلقاها في انتظاره دائما عندما يعود من المقهى، وسيسمع دائما منها كلمات الرضا به والشكر له؟ لماذا لاتلتقي به منور إلا في برهة الوجد، وتفرض دائما طرقات طويلة من الرضا، وأياما هنيّة تبدأ منذ الفجر كي تسمح بأن يرقّ المساء؟ ابتسم لنفسه. ياسفرجل، كل عضة بغصة! التقطت منور طيف ابتسامته: خير؟ رد: اشتهيت السفرجل! فحصته بانتباه ثم ابتسمت: عندنا مربى السفرجل! وكادت تنهض فأمسك بيدها. سكنت ورأته يحدق فيها. سألته بنظرتها وبحركة من رأسها. فقال: سلامتك! ابتعدت عنه، تناولت طربوشه، لمسته بكفها كأنها تنظفه: خذ! اذهب إلى المقهى، لا إلى أصحابك! أو امش في شارع بغداد! أنا، سأزور عمتي نفيسة! وضعت الطربوش على رأسه وضحكت لأن الشرابة كانت في اتجاه أذنه. جرته من يده فأوقفته: اذهب! لم تشعر بأنه يتمنى أن يبقى إلى جانبها، مقابلها، قربها، وحتى على بعد أمتار منها! سيخرج من البيت، سيجلس في المقهى الذي كان يجلس فيه أبوه في سوقساروجا، وقد يستمع إلى رواية من روايات كركوز وعواظ تلمّح إلى الانتداب. ثم سيمشي في شارع بغداد مستحضرا أشواقه إلى منور، ليقول لها عندما يعود: نفذت اقتراحاتك كلها! طالبا رضاها، حالما بأن يشم عطر سعادتها! فإذا حدث ذلك، يجب ألا يخطئ فيسألها عما تخفيه عنه. يعرف أن ذلك سيجفلها! فهل يزور نفيسة ليصيد أطياف أسرارها!‏

- تساءل ابن الكحال أمام نفيسة: هل حمت بهاء معرفته أحمد نامي؟ وردت نفيسة عليه: لا! حمى بهاء أنه كان في الثورة دون اسمه الحقيقي! وأنه تفادى التصوير! هذا غير مألوف، فرجالنا كانوا يتباهون بأنهم يساعدون الثورة أو يشتركون فيها! لكن يبدو أن بهاء يحسب مالا نحسبه! مايزال يزور أحمد نامي، لذلك سألته: كيف تستطيع يابهاء أن تتحمل رجلا يحلم بعرش على أنقاض ثورة اشتركت فيها؟ نسيت أصحابك الذين بكيتهم؟ تكدر بهاء فندمت لأني هيجت أشجانه. قال لي جملة واحدة: يانفيسة خانم، أزور أحمد نامي لأني لم أنسهم!‏

فكرت نفيسة في بهاء بعد انصراف ابن الكحال. تساءلت هل تنضج الملامح من جيل إلى آخر، أم من أب إلى ابنه؟ انحازت نفيسة إلى بهاء لأنه يذكرها بخالد آغا. لكنها ترى فيه الآن أكثر من ذلك. قالت لنفسها: نرى نحن البرهة الحاضرة لكنه يرى ماوراءها! اندفع في الثورة وكان يمكن أن يموت فيها. لكنه بعدها أفاد من معرفته أحمد نامي وصار يزوره. لبهاء صلة بالوطنيين يتكتم عليها. لو كان يطمع في وزارة لشككت فيه. لكنه حريص على أن يبقى دائما في الظل. هذا رجل يحمي مشروعا! سألته: لماذا لاتطمع في منصب يابهاء؟ صاحبك أحمد نامي يمكن أن يؤمنه لك! فحصني بنظره: تريدين أن تحرقيني يانفيسة خانم؟ سألته: لا، لكن لماذا تبقى في الظل بين الوطنيين، وخصومهم؟ نظر إلي بملء وجهه: هذا الصراع طويل، طويل، يانفيسة خانم! يجب أن نحمي أنفسنا كي نبقى فيه أطول وقت ممكن!‏

هل تتعلم من بهاء، وهو أصغر منها؟ ابتسمت فسألها بنظرته: لماذا؟ وردت: تمنيت أن يكون خالد آغا حيا ليراك الآن! هل تولد موهبة النظرة الواسعة مع بعض الرجال، أم يكتسبونها بالتجربة؟ قال لها بهاء كأنه قرأ ماتفكر فيه: لابد من المعرفة والمعلومات كي تخمني وتقرئي ماحولك، يانفيسة خانم! موهبة الحدس عظيمة، لكنها يجب أن تؤهّل! قالت لنفسها: إذن يقصد من زيارة أحمد نامي أن يفهم مالانعرفه! سألته: لكن كيف تتحمل أحمد نامي؟ ابتسم: يبدو أن بيني وبينك حوارين في وقت واحد! يانفيسة خانم، هذا رجل مهذب ربّته الأرستقراطية. أسمع مايقوله في السياسة، لكني أحاوره بمتعة في ماعداها!‏

لم ينقطع بهاء عن زيارة أحمد نامي عندما استقال في شباط سنة 1928. كلف بونسو الشيخ تاج بوزارة موقتة تشرف على الانتخابات لمجلس تشريعي. مجلس تشريعي؟ هذا نجاح عظيم للوطنيين، يانفيسة خانم! أين العظمة، يابهاء، إذا كان جميل الإلشي وزيرا في وزارة الشيخ تاج؟ يعرف الناس أنه خائن نقل لغورو أخبار الوطنيين قبيل معركة ميسلون! يانفيسة خانم، يجب أن نسعى ليكون المجلس التشريعي للوطنيين! لكن لن تريني من زوار الشيخ تاج. فهذا رجل لاأجد معه لغة مشتركة!‏

فهمت نفيسة بهاء عندما رأت الشيخ عبد القادر الخطيب يسند الشيخ تاج منقلبا على ماضيه. صار بهاء يمر بنفيسة يوميا. فسرحت في ذكرياتها. يتكرر الأمر نفسه في شكل آخر! ألم تقربها الأحداث من خالد آغا كما تقربها الآن من ابنه؟ أخبرها بهاء: صار عبد القادر الخطيب مفتش الأوقاف! قالت: ليصرف منها لنفسه وللشيخ تاج! استمرار الماضي في حاضر الإنسان مسألة مهمة، يابهاء! فاجأته نفيسة؟ قال لمنور: عمتك توجز أمورا معقدة في بساطة! في المنعطفات الشخصية والعامة قد يفقد رجال السياسة والناس توازنهم فيخونون ماضيهم ليكسبوا مايتصورون أنهم ضيعوه أو قد يضيعونه! سألتني عمتك أيضا كيف يحشد الشيخ تاج رجال الطرق الدينية، ويلبس الفراك الاوروبي في الوقت نفسه. قلت لها: هذا تناسق الأضداد. عناصر متنافرة في الظاهر، متفقة في الحقيقة!‏

انتقمت نفيسة من الشيخ تاج بالسخرية: يسجل اسمه على أبنية لم تبن في زمنه! يقال يابهاء، إنه سيحفر اسمه على المدرسة الشامية! إذن سيصبّحك ويمسّيك، يانفيسة خانم! حدثت بهاء، فيما بعد، عن مظاهرة رجال الطرق الذين خرجوا احتفالا بشفائه، مع طبولهم وراياتهم وخيولهم: لم تعرف السراي التي تجمعوا أمامها مثل هذه الرايات من قبل! عجزت نفيسة أن تطفئ غضبها بالسخرية: هذا رجل دون قلب! أنفق على الاحتفال من المال المخصص للمرضى بالسلّ!‏

قال لها بهاء: تذكري هذه السنة، يانفيسة خانم، سنة 1928. وجرّها لتنشغل بالانتخابات التي قررت في العاشر والرابع والعشرين من نيسان. فسألته: وهؤلاء الذين استقبلوا الشيخ تاج في المدن السورية وفي دمشق؟! يبدو، يانفيسة خانم، أنه يوجد شعبان! هذا الذي يخرج إلى الشارع ليهزّ راياته للحاكم، وآخر يعرف الحقيقة ويجهر بها في بيوته! فسألته: تتهم الناس بالنفاق؟ رد: أسمّي ذلك تقية! إرث من خشية الحكام! أو وعي رفيع! نعرف مايريده الحاكم فنقدمه له ونحن نحتفظ بكلام القلب. "اليد التي لاتقدر عليها قبّلها وادع عليها بالكسر"! لكن لهؤلاء وجها واحدا أمام الأجنبي المحتل! في الانتخابات ستظهر الحقيقة! قالت له: لاتتفاءل كثيرا، يابهاء، فرجال الطرق المشعوذين سينزلون إلى الانتخابات!‏

شغلها بهاء مرة أخرى بمسألة العفو عن الوطنيين الذين اشتركوا في الثورة السورية. سعد الله الجابري، فوزي الغزي، لطفي الحفار، حسني البرازي، نسيب وفوزي البكري.. حجب العفو عن سلطان باشا الأطرش والقوتلي والشهبندر وآخرين. يقصد بهذا التمييز تقسيم الوطنيين. لكننا سنفيد ممن نال العفو! سألته: هل تشفق على ابنيّ البكري؟ نعم! صودرت حتى مزرعتهما في القابون. عاشا في قلّة. ولم يأخذا إعانات. لم يقدر لهما الوطنيون المنفيون أنهما زعيمان لهما شعبية وتاريخ! مع العفو أعيدت لهما المزرعة ونزلا في قائمة الشيخ تاج. سألته نفيسة: انفصل الماضي عن الحاضر؟! يانفيسة خانم، سعى لهما الشيخ تاج بالعفو. بينهم صحبة! يابهاء، تقود الصداقة السياسة أم تقود السياسة الصداقة؟ يانفيسة خانم، يرى الإنسلن الصافي كل شيء من خلال الوطن. لكن لنعترف بأن بين الناس علاقات قرابة وصداقة تؤثر في المواقف. نحن الشهود نحكم على الناس بمقدار قاماتهم! أنت شاهد فقط، يابهاء؟!‏

أعادته إلى بحث العواطف عندما سمعت أن الشهبندر هاجم الوطنيين المحظوظين بالعفو. سألته: غيرة، أم ضيق عقل؟ ابتسم: يزيد ذلك أن الوطنيين نزلوا مع الشيخ تاج في قائمة مشتركة. أربعة منهم وستة من جماعته. يريد الشهبندر أن يقاتل الناطور!‏

صدق تخمين نفيسة في انتخابات المرحلة الاولى. أجاب الشيخ تاج على الوطنيين الذين اتهموه بالتزوير، بمظاهرة في سوقساروجا وفي القيمرية. مشت نفيسة في أرض الدار حاملة صينية عليها فناجين القهوة: والله، والله، لو كنت وقتذاك في الحارة لسكبت على رؤوسهم من النافذة سطلا من الماء! نغصّ بالشيخ تاج في البلد، فيأتي ليتحدانا تحت نوافذنا؟! تناولت منور منها الصينية وتبينت أن القهوة انسكبت في الصحون. سألتها: صحيح، ياعمتي، أنك صرت من رجال الكتلة؟ كتم بهاء ابتسامته، وضيقت نفيسة عينيها وفحصت منور: لا، لأنهم لم يسمعوا كلامي!‏

عندما عرفت نفيسة أن مظاهرة أصحاب الشيخ تاج مرت في سوقساروجا طلبت من مرجانة أن تنظف زجاج نوافذ الفوقاني: لاتتركي على الزجاج أثرا من صراخهم! أضحك ذلك منور فقالت لبهاء: تعزّل عمتي بيتها من الهواء الذي تنفسه جماعة الشيخ تاج في الحارة! هدأ نفيسة أن فوزي الغزي نظم مظاهرة في الثاني عشر من نيسان في سوقساروجا والشاغور. قالت: هذه مظاهرة، لاتلك! سألتها منور: لكنك ياعمتي لم تري مظاهرة الشيخ تاج! لم أرها، يامنور خانم، لكن الناس رأوها! قررت أن أحتفل مع نرجس في بستان الكركة. عمتي نفيسة ترافق نرجس في نزهة مع النساء إلى بستان الكركة؟ هذا حدث كبير كالثورة السورية! قال بهاء: الحق معك، يانفيسة خانم، تدافعين عن كرامة حارتنا! يابهاء: أدافع عن كرامة الشام! سافرت، على الأقل، مع الحرير إلى بيروت وبغداد وفلسطين! أم نسينا ذلك؟‏

نزل الوطنيون في قائمة مستقلة في مرحلة الانتخابات الثانية، لكنهم أضافوا اسم الشيخ تاج. ليعزلوه عن جماعته؟ لعبة؟ من يلعب على من؟ هل تقبل، يابهاء، اللعب في الانتخابات؟ يانفيسة خانم، يبدو أن هناك مسافة بين رجل المبادئ ورجل السياسة! ألم نتحدث عن ذلك؟ نسيت؟ يعمل رجل السياسة في الممكن لحساب المبادئ. ويثبت رجل المبادئ في موقفه ولو خسر الممكن الذي قد يكسبه باللعب! يبدو أن الطرفين لازمان في الحياة! المهم أن نربح المجلس التأسيسي الذي سيضع الدستور للبلاد! اعترف بهاء لنفسه بأنه خشي أن تثمر السيارات التي أرسلها الشيخ تاج محملة بالمال تعويضا للقرى عن خسائرها في الثورة، كأنها منه وبفضله. فرجعت كما أتت، ولم تحمل رجال القرى ليصوتوا له! لكن البكري قبل طلب الشيخ تاج فأرسل قبضايات مسلحين بالعصي إلى مراكز الانتخابات اشتبكوا مع شباب الكتلة في ساحة المرجة. مع ذلك نجح سبعة من تسعة من الوطنيين في دمشق. وصوت الجميع لليهودي لنيادو. وسقط رجلان من رجال الشيخ تاج: المحاسني وشامية.‏

نادت نفيسة: يامرجانة! كادت تطلب منها: لاتفتحي الباب لأحد ولاتطلّي من النافذة لتعرفي من يطرقه! هذا موعد بهاء، فهل تقصد أن تغلق الباب دونه؟ يمر بها في هذه الأيام قبل أن يعود إلى بيته، فهل تكافئه بالهرب منه؟ لماذا ضغط الوجع قلبها فجأة، وضيّق صدرها؟ لاتريد أن تسمع كلمة عن الوزارة والانتخابات والمجالس والناس! تريد أن تبقى وحدها، وحدها! خائفة من التساؤل هل يخون هذا الزمن الأحباء الذين فقدتهم، وهل تخونهم بالحديث عن الممكن الذي يبحث عنه السياسيون! صعدت نفيسة إلى غرفتها في الفوقاني وأغلقت على نفسها الباب. هل ظنت مرجانة أن نفيسة ستنام أم خمنت أنها ستخلو إلى أطيافها؟ هاهي "سقاطة الباب" تدق! هذا بهاء، فماذا قالت له مرجانة وماذا فهم من كلامها؟ بقيت نفيسة حتى الليل في غرفتها. سمعت نفسها تتأوه وتكتم بالوسادة آهتها. شعرت بندى عينيها واكتفت بما مسحته الوسادة خوفا من أن تعترف لنفسها بأنها بكت. وبعد؟ اكتفيت يانفيسة من أطياف المحبين؟ استغفرتهم وغفروا لك خيانة الماضي بالحاضر؟‏

خمنت أن بهاء سيعود في المساء، وأنه سيفحصها بنظرة مختلسة ليطمئن عليها. فلاقته بملء عينيها كأنها تسأله: طلب خالد آغا منك أن تحرسني؟! فأغضى وهو يهز رأسه. قدّرت له قلقه عليها. فلنعد إلى أحاديثنا! قل لي، يابهاء، ماذا يستطيع 22 من أصل سبعين في الجمعية التأسيسية؟ انتظري، يانفيسة خانم! تتعلّم من بهاء الصبر؟! تكشف لنا الأحداث الناس! تفتح لنا جوانبهم التي يجهلونها في أنفسهم، هم أيضا! ألم يتفتح خالد آغا في أحداث أيار، ثم في أيام الدولة العربية، وقبيل ميسلون، حتى وصل إلى قمته؟! تعودين، يانفيسة، دائما إلى خالد آغا! نعم! في يوم افتتاح الجمعية التأسيسية فضلت نفيسة أن تختلي بنفسها على السطح. لتتذكر أنها انتظرت خالد آغا في يوم إعلان الدولة العربية، فلم يأت. هو الوحيد الذي تستطيع أن تحدثه اليوم عن هواجسها! كم يحررنا الموتى، يانفيسة! وكم يتحررون منا أيضا! لعله إذن جانب روحها الآخر! الشطر الثاني من قلبها! تتجول معه بالطول والعرض، حرّة. يبدو، يانفيسة، أن الإنسان يحتاج آخر يثق به دون حدود، آخر ينزّهه كي يستطيع أن يبوح له، ويعود إليه، ويشكو له، ويستشيره. ألذلك تضعين خالد آغا فوق جميع من عرفت! هو الميت الذي لايمكن أن يخونك، أو ألا يصدقك، أو أن يستغل شكك ووهنك! ولأنه خالد آغا، ياروحي!‏

افتتحت الجمعية التأسيسية. ماذا يفيد بونسو من الكثرة غير المتجانسة من المعتدلين؟! تتحرك مجموعة الوطنيين في تناغم وتؤثر في الأكثرية! طلب الوطنيون حل حكومة الشيخ تاج وإقالة الأربعة الذين نجحوا بالتزوير في دورة خاصة، ومنهم عبد القادر الخطيب وفوزي البكري! في تلك الضجة في السراي ضاعت الأكثرية المعتدلة. لم تتكلم. فرق الوطنيون بعضها وكسبوا بعضها. فانتخب هاشم الأتاسي رئيسا للجمعية التأسيسية، وهنانو رئيسا للجنة صياغة مسودة الدستور، ومعه ستة وعشرون عضوا أكثرهم من الوطنيين. وانتخبت الجمعية اثنين للجنة الفرعية للصياغة: فوزي الغزي، وفائز الخوري، الأستاذين في كلية الحقوق. أرأيت يانفيسة خانم؟ الجمعية التأسيسية في غير هوى الفرنسيين! فليحصد بونسو لوم الضباط على ماتورط فيه! وليلم بونسو الشيخ تاج الذي أوهمه بالمعتدلين!‏

زارت نفيسة قبر سعيد في مقبرة الدحداح، زينته بالآس، وسقته بالماء. جلست زمنا تحدث خالد آغا الغائب عن القبر الذي رتبه لنفسه. رشت بالماء الخبيزة الحمراء والبيضاء التي زرعها بيده. قالت له: لم يخنك أحد، ولم ينسك أحد، ياخالد آغا! لم ينسك أحد؟ فلتعترف بأنها أحبته في غيابه أكثر مما أحبته في حياته! هذا الحب متحرر من خشية أن يكون أكثر مما يجب أو أقل مما يجب! متحرر من خشية أن يطمعه بها أو ألا يبدو في مقامها! متحرر من مراقبة المحبوب ومراقبة المتفرجين! لايهدده جرح في برهة جنون أو جموح! ولايهدده ملل أو عتاب!‏

في أقل من شهرين، ياخالد آغا، أنجزت مسوّدة الدستور في هوى الوطنيين! كأننا في أيام الدولة العربية! مشروعهم بارلمان منتخب بحرية. ومساواة بين المواطنين. وحرية الأديان. رئيس الجمهورية مسلم لأن الأكثرية مسلمة. والمهم، ياخالد آغا: سورية وفلسطين بلاد واحدة. وللحكومة السورية الجيش، ولرئيس الجمهورية سلطة وطنية! يرضيك ذلك؟!‏

خيب بونسو نفيسة وخالد آغا! رفض المندوب السامي في الثالث من آب المواد الستة الخطرة في مسودة الدستور لأنها تناقض الانتداب! قبل الشيخ تاج حذفها. فهاجمه الوطنيون، واتهمه فخري البارودي بأنه ينفق الأموال العامة. أعلن المجلس أنه سيعرض مسودة الدستور على التصويت مادة، مادة في التاسع من آب. فحدث الصدام بين الانتداب والوطنيين. هاجمت الجرائد الفرنسية بونسو. ارتبك رجلان: الشيخ تاج وبونسو! في السابع من آب صوتت الجمعية التأسيسية على مسودة الدستور. فأعلن بونسو أنه يؤجل اجتماعاتها ثلاثة أشهر.‏

هنا دور السياسي، يانفيسة خانم! تغلي البلاد. لكن الوطنيين لايريدون أن يضيعوا ماربحوه بالسياسة. قبلوا التأجيل، لكنهم ردوا بموقف. اجتمع في حلب ستة آلاف شخص تحدث فيهم هنانو والكيلاني وفائز الخوري. وفي حماة وحمص ودمشق اجتماعات كبيرة.‏

سافر بونسو إلى فرنسا. ولحقت به جماعة الشيخ تاج. إذا أحسنّا الظن قلنا ليقترحوا دستورا مقبولا! لانستطيع أن نحسن الظن، يابهاء! "الإتاية عوجا"! أرسلت الكتلة، يانفيسة خانم، جميل مردم ليسعى للعفو عن إحسان الجابري. قالت نفيسة: سيفشل الوفدان! ولم تفاجأ بتأجيل الجمعية التأسيسية ثلاثة أشهر أخرى! يعني هذا إلغاؤها! "من يلعب مع القط يتحمل خراميشه"! لكن ماذا سنقول لخالد آغا، يابهاء؟ ابتسم. ونظر إليها. هل يتبين الآن فقط أن الموت لايقطع علاقة بين رجل وامرأة، قد تقطعها الحياة؟ أحرقته عيناه وهو ينظر إلى نفيسة. في الخامسة من العمر فقد أمه. فهل وجد الآن فقط أما، وهو يتمنى أن يكون أبا؟ تناول يدها. لم يرفعها إلى شفتيه بل انحنى وقبّلها. لم تسحب نفيسة يدها، كأنها فهمت ماأراد أن يقوله. فهزت رأسها هزة خفيفة وأبعدت نظرتها عنه. هل اعتذرت له عن هربها من لقائه إلى غرفتها؟ أم صارحته بأنها تتنسم فيه أباه؟‏

رجع بونسو من فرنسا واستدعى هاشم الأتاسي. فذهب الأتاسي إليه في بيروت يحمل نسخة من الدستور. اقترح إضافة مادة تسمح لفرنسا بمعاملة خاصة، بمعاهدة بين فرنسا وسوريا. عبثا، يانفيسة خانم! لايستطيع بونسو في كانون الثاني سنة 1929 أن يقبل ماكان يمكن أن يقبله في آب سنة 1928. هكذا أعلن موت الجمعية التأسيسية في الخامس من شباط سنة 1929 بمرسوم من المندوب السامي.‏

نقل من بيروت إلى دمشق سالومياك الماهر في المناورات. مهمته أن يفكك الكتلة الوطنية، يانفيسة خانم! وبونسو؟ هائم بالمسائل الاقتصادية! سيخترع ضرائب جديدة إذن، يابهاء! لكن المظاهرات مستمرة. تشهد أن الطموح إلى الاستقلال باق مهما غير الانتداب رجاله. هل يجهل الفرنسيون أن الناس صرخوا عندما دخل الشيخ تاج إلى المسجد الأموي: ياخائن!‏

تنهدت نفيسة: هل هذا الوقت مناسب لفتنة البراق في القدس؟!‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244