|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:46 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- منور حرة في مملكتها! لاأحد في بيتها الواسع ينشر الفوضى، ومع ذلك تفحص الغرف المغلقة على الأسرة المغطاة بملاحف الأطلس، تعيد ربط أطراف الستائر البيضاء المطرزة بالإبرة التي طرزت لها في دكاكين سوق العرائس. اختارت رسم طاووس حوله نباتات. لماذا تذكرت الطاووس عندما سألها صاحب دكان التطريز عن الرسم الذي ترغب فيه؟ ألأنها صحت في طفولتها على ستائر بيضاء تحجب من الضوء مايؤذي وتسمح بما يريح، وكانت على تلك الستائر في بيت نفيسة رسوم طواويس؟ ألأنها تفرجت وهي صغيرة على الطاووس في طرف الحديقة-البستان في بيت أم بديع، وخيل إليها أنه نظر إليها ثم فرش ذيله الملون؟ ألأنها لمست ريش الطاووس في المزهرية الفضية في صدر القاعة في بيت مكرم وسحرها ملمسه الحريري، وعندما فكت الشعيرات المتلاصقة انكسرت الريشة، ورأت تلك الدائرة الساحرة الألوان فيما بعد علامة في صفحة من القرآن؟ سقت منور الدادا والأرطاسيا وحلق المحبوب. شمت الورد. رفعت رأسها إلى شجرة الليمون. استبقت عليها حبات ليمون من الموسم الماضي لتزينها. في الحوض جذع الياسمينة التي تسلقت الدرابزين في الفوقاني وانفرشت أمام المشرقة. أما الدالية فارتفعت لتظلل السطح. كنست منور أزهار الياسمين من أرض الدار. فتحت الحنفية لينسكب ماء البحرة على أطرافها وجلست على المقعد مقابلها تتأمل رسوم جدرانها التي وضّحها الماء، وزخرفة سجادة الرخام المربعة حول البحرة. يمتعها أحيانا أن تتفرج على أرض الدار المرصوفة بالحجر الأبيض والأسود في تشكيل بديع. لاتمل ذلك أبدا! تتفقد كل يوم الزوايا التي تحبها، المشرقة التي تجلس فيها بعد العصر لتشم عبق الياسمين. الداور الذي تطل منه على أرض الدار. السطح الذي فرشته ببساط عليه طراريح لجلسة المساء تحت عريشة العنب. القاعة التي تتوسطها بحرة، وتتصدرها مرآة من الصدف فوق "قنصلية" ثمينة. ينساب الماء على زخارف من الرخام الأبيض في جدارها ويملأ بحرة نصف دائرية. وضعت منور على "اسكملتين" في طرفي القاعة أصص "راخي شعره"، وتدلت الخضرة حتى الأرض تقريبا. كانت القاعة مفروشة بطقم مطعم بالصدف، منجد بالبروكار الدمشقي. تنقلت بين الفوقاني والتحتاني. نعم، تعيش في جنة لايلمسها آب اللّهاب. فالقاعة رطبة، وأرض الدار مغمورة بالظلال. لن تصعد إلى الفوقاني إلا في المساء، وقت يلعب الهواء ويحمل برودة أول الليل إلى الغرف، ويبرّد جرات الماء على أطراف النوافذ. يخيل لمنور أن نسيم الليل هو الذي يغلق جفنيها في عذوبة النعاس. فيتركها بهاء أحيانا غافية قرب النافذة، ويظل يروح ويجيء حتى تصحو فيمسك بيدها ويقودها إلى غرفة النوم كأم حنون. فتكمل غفوتها على كتفه. ويقول لها في الصباح ضاحكا: "اخضرت" ذراعي لكني خشيت أن أتحرك! في آب، ينضج العنب على دالية السطح، فتراقبه كالدبور. أيهما يسبق الآخر إلى العناقيد الناضجة؟! مع ذلك تشتري العنب من الباعة الذين أتوا من الغوطة يحمّلون حميرهم وعرباتهم بسلال الدوماني والزيني والأسود! يفيض عنها العنب؟ تصنع منه خلا طيبا! فليكن هذا آب اللهاب، فهي تحتمي منه ببيتها وحارتها وعرائشها! يحمل لها آب الصبار الذي يصفّه على لوح من البوظ بائع وضع أمامه فرش الصبار، وخلفه تنكات الزنبق والريحان ومكنسة الجنة، وفوقه على شجرة الكينا "اللوكس". ويحمل لها التين الذي ينادي عليه البائع القادم من الغوطة في الصباح الباكر: عسل ياتين! فتستوقفه منور، وتلمس ندى الصباح على حبات التين. وتضعه على طاولة الفطور مع الجبن الأبيض الطري. تحب التين الأسود الملوكي وتحب التين الأصفر، تحب التين المزروع والتين البعل! يحمل لها بهاء من سوق علي باشا في آب الدراق اللبناني الملفوف كالمجوهرات بورق ملون، والخوخ، والدراق الزهري الشامي، والتفاح السكري الصغير. وفي المساء يمر بائع عرانيس الذرة المسلوقة يجر عربته التي نصب عليها حلّة فوق البريموس، فتستوقفه من النافذة وتنزل السلم راكضة إليه. وتعبر الممر بين الباب وأرض الدار وهي تقضم قضمة عرنوس الذرة وتحمي أصابعها من حرارته بورقته الصفراء. كم مرة تصعد منور وتنزل الدرج الحجري بين التحتاني والفوقاني، والدرج الخشبي بين الفوقاني والسطح؟ لاتعدّ المرات! تنطّ كأنها تتمنى مساحات أكثر سعة من بيتها الواسع. مساحات كبستان أبيها في حيفا، كمدى بحر حيفا وبيروت وبحيرة طبرية التي كانت تبدو من بيوتها هناك! غرفت منور من ماء البحرة بالسطل وسكبته على الأرض. تناولت سطلا آخر وسكبته في اتجاه آخر، سطلا ثالثا ورابعا وخامسا. يوم رآها بهاء من الفوقاني وهي تسكب الماء استمع مبتهجا إلى صوت الماء، وقال: كأنها تغسل الحجر لتنشر عليه الفرح! وقف ساكنا ليحفظ صورتها وهي في ثوب أزرق ابتل بعضه، وذراعاها تسبحان في الماء والهواء. شطفت الأرض مستمتعة برسوم الحجارة البيضاء والسوداء والوردية. عنيت خاصة بسجادة الرخام حول البحرة. أطلت على البحرة. نظفتها أمس! وخطر لها أن بعض سمكات حمراء ستزيد من بهجتها. سكبت منور آخر سطل من ماء البحرة على نفسها. ارتعشت من برودة الماء، لكنها سكبت سطلا آخر. وهزت رأسها لتنفض شعرها. التفت بمنشفة ومشت إلى الحمام. للماء مذاق خاص تحت السماء، قرب شجرة الليمون! كوّمت ملابسها في طشت وخرجت إلى الفوقاني لابسة برنسا دمشقيا موشى بالقصب. للغداء لديها لبنيّة مع الطرخون، ومسقعة بالزيت، وشيخ المحشي باللبن مع الرز. تحب في الصيف أطباق الألبان والخضار بالزيت. لكنها لاتتنازل عن الرز. نظرت إلى الساعة العربية والساعة الأفرنجية. ماأبعد الظهر! لماذا يمتد هذا اليوم في بطء؟ أفاقت مبكرة؟ تفيق مبكرة كل يوم! استمعت إلى الكنار الذي غرد في قفصه المعلق على شجرة الليمون. ثم امتلأ البيت بالهدوء. خطر لمنور أن تبحث عن السلحفاة في الأحواض. ووجدتها مختبئة بين أوراق البنفسج. حملت لها ورقة خس: هذا أفضل لك من قضم أوراق البنفسج! عندما دخل بهاء إلى البيت لم يسمع صوت قبقاب منور المصدّف. تحب أن تلبسه في النهار، وتحب أن تلبس خفها المشغول بالصّرما في المساء. لم يكن يفهم سبب تقسيمها النهار بين الخف والقبقاب. ويوم سألها نظرت إليه معاتبة: صوت النهار كصوت الليل؟! واحد تنط فيه كنافورة الماء، وواحد تنساب فيه كساقية الماء! ظن بهاء من صمت البيت أن منور عند نفيسة. فلم ينادها: يانوارة! سيغتسل من الحر وينتظرها حتى تعود أو ترسل له مرجانة تدعوه للغداء عند نفيسة! من وراء باب في الفوقاني سمع صوت بكاء. بكاؤها؟ فتح الباب فوجدها تغمر وجهها بقميص مبقع بالدم وتبكي في حرقة. يعرف القميص المطرز! قفزت غصة إلى حلقه ودمعت عيناه. احتضنها مع القميص وربت على ظهرها! استمرت في بكائها المحرق كأنها لم تشعر به. بعد زمن قال: يانوارة، لماذا تغضبينه؟ كان يحب ضحكتك! منذ أشهر لم يذكرا سعيدا. وهاهو يكتشف أن الميت يعيش بين الأحياء بمقدار حياتهم، بطولها وعرضها! وأن المرارة التي يخفيها الأحياء بالنسيان تتعتق في عتمته. النسيان قارب في حياة واسعة علينا أن نعبرها بهمة كيلا نغرق! النسيان واجبنا نحو الحياة! لمس كفيها وتبين أنه يستطيع أن يخلصهما من القميص، وضعه على السرير ومسح دموع منور براحته، ثم مشى بها خارج الغرفة. نزلا إلى التحتاني، أجلسها قربه وبدأ يبحث عن ماء الزهر الذي تعطر به الماء. كتمت ابتسامتها وهي تراه تائها كالغريب بين زجاجاتها. فهمت أنه يريد أن ينعشها بكأس ماء معطر. فنهضت وساعدته. رأى بياض عينيها مكدرا لكنه قدر من نظرتها أنها اجتازت العتبة إليه. عانقها وربت على شعرها الرطب: آه منك يانوارة! ماأحلاك في الغضب وفي البكاء! هل يجب أن أبقى في البيت لأحرسك من أطياف الذكريات؟! تأملها وهي تسكب اللبنية في صحنها. وبهره جمالها. في تلك البرهة غرد الكنار. فالتفتت نحوه: يشعر بالرطوبة! ألم تلاحظ، يابهو، أن العصافير لاتغرد في الحر؟! ماالذي دفعه في تلك البرهة لأن يفكر بأنها يجب أن تسافر إلى طبرية؟ بكاؤها أم صوت الكنار؟ لماذا فكر في أنها تحتاج طفلا يشغلها عن ظلال سعيد؟ لزوج مكرم سيارات تسافر بين فلسطين والشام. فلماذا لايكتب رسالة إلى شفيقة ويطلب منها أن تدعو منور إليها! ستستنتج شفيقة أنها يجب أن تستشير تورنس. هل تقربنا المصادفة من مصائرنا؟ يبدو لنا أننا نصفّ حياتنا حجرا حجرا، فتنعطف بنا مصادفة وتجعلنا نسرع فيها. ستقول منور: لولا قميص سعيد لما فكرت في الخروج من دمشق في تلك الأيام! من يسافر من دمشق وهي قائمة قاعدة، إلى فلسطين التي يسيل فيها الدم! أطل بهاء في ذلك اليوم على ماتصور أنه يراه في منور كمن يتلصص من ثقب الباب. فكر في روحها المتنوعة. قال لنفسه فيها شيء من نفيسة، وشيء من فاطمة، وشيء بعيد عنهما. وتساءل هل العمر هو الذي يستخرج من تلك العجائن روحا خاصة بصاحبها؟ وقدر الإنسان أن يعبر الحلو والمر والامتحانات ليصقل جوهرته وليرجح ويحذف من المتنوعات التي تجمعها روحه! بدت له منور في ذلك اليوم هشّة بما تخزنه من التعلق بمحبوبيها، وقوية بغضبها على القدر الذي اختارها للحزن، وبمعاييرها الصارمة بين ماتغفره ومالايغفر أبدا. أدهشته روحها الشاسعة التي تستبقيه عارفا وجاهلا بها. لكنه قال لنفسه: ماأتعسني لو عشت مع امرأة أخرى! وشعر مرة أخرى ببعدها عن نرجس. - وصل تلغراف من شفيقة: ننتظر منور. في تلك الليلة لم يهدأ بهاء. ستغيب منور عنه أسابيع وربما شهرا. كأنه يفهم الآن المحب الذي يقتل حبيبته كي يطمئن عليها ويقطع الوجد الذي يحرقه. استعاد بهاء أيام كان يسمع دقات قلبه في أذنيه وهو يقترب من البيت. وعندما تلقاه منور مشغولة بنباتاتها أو مربياتها أو صاحباتها يطمئن برهة، لكنه لايهدأ. ماتزال منور مشغولة بعالم توسعه لنفسها. يعجبه ألا تكون مشغولة به فقط، ويعذبه أنها ليست مشغولة به فقط! ثم يقول لنفسه: مشغولة بالحياة! ولعلها هي التي استبقتني حيا في حرب الترعة، فعدت كيلا أرملها في أول العمر! قالت له منور: سأتذكرك عندما نسهر قرب بحرة طبرية، وعندما نأكل سمكها. سأتذكرك عندما أسبح فيها! ابتسم: هل تزيدين غمي أم تواسينني؟ طارت منور من الفرح. دارت في أرض الدار بين شجيرات الفل رافعة ذراعيها كفراشة سعيدة. قطفت زهرة فل ورمتها في الهواء: طبرية! ركبت منور في سيارة أبي رياح، زوج مكرم. ماأيسر السفر اليوم! قال أبو رياح: لولا الحدود، يامنور خانم! وتذكر بهاء أنه استأجر ذات يوم لمنور وأختها وأخيها "بوسطة" من بيروت. كانت عربة مغلقة فيها ثلاث كراس للركاب، على نوافذها ستائر ذات أزرار. رأى بهاء وجه منور من نافذة السيارة. بدر! في البرهة التي تحركت فيها السيارة أطلقت منور بنظرتها حبها لبهاء. فتح ذراعيه وتلقاه. يامنور، تظهرين الحب كالبرق فأكاد أعشى، في برهة الرحيل! تلعبين؟ لو يستطيع أن يرحل معها! لا! يشعر بأنها تحب أن تكون بعيدة عنه أحيانا كأن القرب أسر. تفهم أن في الحب شيء من الأسر وترفضه، لتحفظ توازنها بين الانسياق في الحب، والتحفظ الذي يستبقي الحرية. ومع ذلك يتمنى أن تورث أولادها هذا الكبرياء. قال لها مرة وهي بين ذراعيه: أتمنى أن تكون لي نسخة منك، ابنة تشبهك، تستطيع أن تجعل رجلها المحبوب لاهثا يحاول أن يمسك بها! ضحكت منور ضحكتها الفضية التي سترثها منها ليلى: سعيد رغم ذلك؟ التقطت إذن عذابه وسعادته! لكن ليلى التي تمناها لاتزال بعيدة! لم تتذكر في الطريق بهاء. بل استعادت سفرها مع سعيد وسعاد من بيروت إلى حيفا. لعل تلك المرة كانت آخر مرة يسافرون فيها معا! هل تستقدم الحزن في الفلاة التي بدت فيها السماء واسعة، مزركشة بغيومها؟ سارت البوسطة يومذاك على الرمل قرب البحر. قالت: ياسعيد، يبدو أننا لن نتركك أبدا حتى وقت تتزوج! من قال إني أريد أن تتركاني يامنور؟ أريد دائما "سمّيعة"! لديك "سميعة" أفضل منا! أنسيت أنك صعدت إلى "التختة" وغنيت مع المغنين فكاد بهاء يجنّ! لم يمنعهم التعب من الفرح. بل أضحكهم أن تنط العربة! وصرخ سعيد لسائق العربة: قف، قف! لماذا؟ لنتفرج على هذه القبور المحفورة في الصخر. في صيدا نزلوا في بيت صبحي بك أباظة، قريبهم الذي يدرس اللغة الفرنسية في العازارية في بيروت. التقوا عنده بقريبيهما فؤاد وفكري أباظة اللذين نزلا في لوكندة في صيدا لأنهما عرفا أن سعيدا ومنور وسعاد قادمون من بيروت. قطعوا سفرهم هناك، ليخرجوا مع قريبيهم إلى الجبل! سهروا حتى الفجر! نصحناك يامنور أن تتزوجي في مصر فلم تقبلينا! ردت: بقيت سعاد! خذوها! احمر وجه سعاد: لن أترك أخي وخالي! غنى سعيد الأغاني المصرية. واستعاد أنه في مصر غنى في عيد الموتى مع أولاد قسيس فتصدق بعض الناس عليه. هل يحتاج السعيد ذكرى كي يضحك؟! نعم، مايزال يمكن أن يقصّوا الليلة عن كل ماحولها، عن الهموم والموت الذي فجعنا فيه، عن القلق الذي نخشى فيه أن نفقد المستقبل! همست منور لسعيد: كفى، فلننم! رد: النوم موت! ومازال الوقت مبكرا عليه! توقفوا يومذاك في صور قرب معصرة دبس الخرنوب. طعامهم معهم لكنهم يريدون القهوة والشاي. طرق العربجي بابا. قدم لهم ذلك البيت غرفة ناموا فيها، ونام العربجي في العربة. هل تبحث منور عن أيام جميلة تتذكرها لذلك تتناول تلك النزهة مع أخويها؟ أم تعود إلى أهلها؟ آه، هل ندرك ونحن نعيش أننا قد لانرافق فيما بعد الأشخاص الذين نتجول معهم، وأننا قد لانرى مثل اليوم الذي نعيشه؟ لأن أحداثا أخرى وأشخاصا آخرين ينتظرون دورهم في حياتنا. وهل كان يخطر لمنور أنها ستفقد خالها الذي دعاها إلى طبرية وأخاها؟ في عكا نزلوا في بيت أحمد أفندي الجراح. تغدوا صيادية. يفتح الناس بيوتهم للزوار. طلب الجيران أن يستضيفوا ضيوف بيت الجراح. أتوا لهم بالطعام الطيب والحلويات. واتسعت السهرة للجيران. أطربت منور تلك الحفاوة. لكن يجب أن نصل إلى طبرية! سافروا إلى حيفا، ونزلوا في بيت الحسيني. التقت بهم هناك الست شفيقة التي نزلت إلى حيفا لتصلح أسنانها عند الطبيب اسكندر الطويل. في طبرية أطباء أسنان يهود، لذلك قصدت طبيبا مسيحيا في حيفا. بهذه الأسنان صرت صبية، ياخالتي! مازال لسانك طويلا، يامنور! تنفست منور بقلبها كله تلك الرحلة بين بيروت وحيفا. وقفت في مقهى الحاج زعلان! نحاول، يامنور، أن نستعيد المدن بالأمكنة التي نعرفها بها؟ مشت ووجهها إلى البحر. بقيت واقفة زمنا في مطلها. لم تقل كلمة عندما عادت إليهما. ولم يستطع سعيد أن يقرأ على وجهها فرحا أو أسى. ولكن أليس صمتها إشارة إلى عواصف في قلبها؟ قالت: سنزور قبر أبي! هل كان سعيد يستطيع أن يحرمها من ذلك، وهو يزور قبر أبيه كلما مر بحيفا في الذهاب والإياب؟ هل شعرت منور وقتذاك بالغربة، لأنها في بيروت دون قبر أبيها؟ ألا نحب أن نحشد حولنا الأماكن والأصحاب والأهل أحياء وأمواتا لنشعر بأننا في بلدنا؟ قد لانزورهم لكنهم هناك! حتى الموتى في قبورهم يسندوننا! ولكن هل تخمن منور أنها ستفقد حتى قبر أبيها وأمها وخالها عندما تفقد حيفا وعكا وطبرية؟ انحنت سعاد لتنفض الغبار عن عقدة التفتا على حذائها. فوجدت على الأرض ليرة. هتفت: ليرة! التفتت منور إليها وابتسمت. سنتصدق بها عند قبر أبينا! استعادت سعاد حقها في الرد على منور التي انتقدت حذاءها: لولا عقدة التفتا لما وجدت ليرة! في الليل اخترع سعيد أغنيات أضحك بها منور. دلل صاحب البيت سعيدا. فصفص له اللحم والدجاج بيديه. سكب له اللبن. وقال للست شفيقة مرات: شرفت البيت ياست شفيقة! شرفت البيت! طافت منور البلاد بخيالها واستعادت أياما حلوة. وهاهي أمام بيت خالها في طبرية. تغيرت البلاد في غيابي عنها، ياخالتي! الدنيا كلها تغيرت، يامنور! ياخالتي، مددتم السجاد العجمي لجمال باشا الصغير لكنكم لم تمدوه لي! منور مازالت كما هي! أين أثر الزواج عليها؟ لاأثر حتى للأحزان! بل هناك أثر خفي يستطيع أن يلمحه الخبير بالروح! منور "جوهرت"! في أي عمر، ياخالتي، نقرر أن الشخص صار نفسه؟ لكل عمر جوهرته! ترفض منور أن تسلب فتوتها، أو طفولتها! هزت شفيقة رأسها. لاتأتي الحكمة إذا لم ندفع ثمنها. العمر فقط ثمنها! لم تظهر منور بعد الجوهرة التي قصدتها شفيقة. ولن يظهرها إلا الحزن الكبير. وقتذاك ستبدو روح منور الجميلة. نعم، ياخالتي، هكذا الأمور في هذه البلاد! لاتظهر الجوهرة إلا في أيام معينة كما تظهر النجوم في أيامها! قالت شفيقة بعد أيام: يامنور، صرت مثل الوردة! سألتها: ياخالتي، يعني لم أكن! بدت لها دمشق بعيدة، بعيدة. وأصبح بهاء لذلك أكثر جمالا. هنا لاتوجد غيرته التي أرقتها في بيروت. تذكرت فقط وجده وهو ينحني عليها متأملا وجهها الذي توهج. يستدفئ بسعادتها ويغار منها. سألتها خالتها: يامنور، سعيدة مع بهاء؟ لم تجبها فورا. احمر وجهها وضحكت ضحكتها الفضية: ياخالتي، أي بيت يستقر فيه رجل وامرأة ضيق! ظننت العكس، يامنور! وأنا مثلك، ياخالتي! لم يرسل بهاء برقية تطلبها. لكنها شعرت بأن بهاء يتضور من الشوق إليها. وهي، أتشتاق إليه؟ استمتعت بحبه وهي بعيدة عنه. للحب مع البعد مذاق آخر! تنقله معها وهي تتنقل بين الحمامات وحديقة خالها، وتستمتع بدلال خالتها. كم تحب الدنيا! كأنها تريد أن تزور كل زاوية في طبرية! شعرت بوجع الحنين إلى بهاء عندما مرت بالبيت الذي عاشت فيه معه على سور طبرية. يوم نزلت مع سعيد وسعاد إلى طبرية بقيت شهرا كاملا في بيت خالها. ثم نزلت بالقطار إلى الشام. توقفت في محطة سمخ حيث مقص القطار إلى دمشق. ومن دمشق سافرت إلى بيروت. ودعها سعيد يومذاك ضاحكا: لايزال عقل بهاء تركيا لذلك لايتحمل أن تغيبي عنه شهرا! قولي له إنك تجولت في حيفا مكشوفة الوجه كي يشرق البدر فيها! قولي له إننا سبحنا في بحرة طبرية! ولاتنسي أن تؤكدي له أننا تذكرناه! عن أي بهاء كان يتحدث سعيد يومذاك؟ عن الرجل الهائم بزوجته، الغيور عليها؟ بقي بهاء كذلك. لكن أليس له هو أيضا أن "يجوهر"؟ رأى منور فيما بعد تمشي بإشارب تظهر منه خصلات شعرها الجميل. ومشى معها فخورا بها. ظل يردد شعر ديك الجن الحمصي معجبا به. وظلت منور تعبر عن إعجابها بالشاعر واحتقارها السيد. ظلت تقول له: أحب جارية لم يرد لها الحرية! مسكين، لم يفهم أن الحرية هي فقط الطريق إلى الحب. ظلت منور تسخر من إعجاب بهاء بقصيدة ديك الجن: فيها حزن على حق لايملكه الرجال اليوم في قتل امرأة راغبة عن الحب! -عندما نزلت منور إلى طبرية كانت سعاد قد اجتازت سنوات مرّة وحلوة. وكان قد خطر لها أن تهجر زوجها، مع أنها تزوجت لتؤسس أسرة. لو استعادت تلك السنوات لتبينت كم تغير عبد الرحيم، ولأكدت ماستقوله فيما بعد لأولادها: نربي أزواجنا كما نربي أولادنا! لكنها لن تقول طوال حياتها إن الحياة معه غيّرتها! يوم توفي طفلها تركت بيتها في صفد وأتت إلى خالتها في طبرية. ردت شماتة سلفتها خضرا بالشجاعة التي أظهرتها أمامها. لكنها استدارت إلى جرحها منذ أخذ الرجال الطفل ملفوفا بشرشف أبيض ليدفنوه. أغلقت باب غرفة على نفسها ولم تفتحه لعبد الرحيم. وعندما*/ انصرف في الصباح، لبست ثيابها وقررت أن ترحل إلى خالتها في طبرية وتهجره! في تلك البرهة دخل ووقف أمامها محمر العينين من البكاء, واقترح عليها أن ينزلا إلى طبرية! وقصد أن يتركها وحدها مع شفيقة لتصب أمامها مافي قلبها. لم تجسر شفيقة على عناق سعاد. قالت لها: أنت في أول عمرك! آه، ياخالتي! تحملت الحياة في عشّ الدبابير كي أؤسس أسرة! فأفقدني عبد الرحيم الطفل! عش دبابير؟ نعم، ياخالتي، عشّ دبابير! رجال العائلة درسوا في استنبول، وتنقلوا في بلاد الدولة قضاة وقائمقاميين، واشتغلوا في الدولة العربية. لكن عقولهم عصملّية وزوجاتهم أسوأ منهم..! اسكتي ياسعاد، يرى الحزين كل شيء أسود! أنت حملت الطفل، وستحملين غيره! وافهمي أن الولد عزيز على أبيه كما هو عزيز على أمه! رأيت عيني عبد الرحيم منفوختين من البكاء! لاتجهل شفيقة حزن سعاد على طفلها! لم تعش أفراحها به غير سنة قصيرة! لامتها لتهدئها، وتركتها ترمي مافي قلبها. ياخالتي، مات فاروق بين يدي! حملته ومشيت في البيت وأنا أهدهده، فهل كنت أستطيع أن أنسيه الجوع؟ بكيت وأنا أمنعه عن قطعة خبز مد يده ليأخذها. رأيت اللوم والانكسار في عينيه. لوى رأسه في هدوء وأغمض عينيه. لم أصدق أنه مات. هل أقول لك إني تلوّيت وبكيت دون دموع؟ رجتها شفيقة: ابكي! ياخالتي، لاأستطيع أن أنسى نظرته! كان يفهمني ويلومني! ذاب أمامي! دقت على صدرها بقبضتها وانحنت على نفسها. مع ذلك كان يمسك بي وهو نائم كأني سأهرب منه! لو تستطيع شفيقة أن تلزمها بالنوم! سقتها فنجانا من اليانسون ثم فنجانا من الميرمية. ونامت معها في غرفتها. ورأتها تنهض صاحية مرات. لاشيء يشفي الروح غير الزمن ياسعاد. تحمليه حتى يمر! يوم ولد الطفل قيل طار عقل عبد الرحيم. ركع على الأرض قرب سعاد. انتبه لأول مرة إلى بياض ساقيها وتورد كعبيها. وبدا له حتى في شعرها الذي يستقيم ثم يستدير في نهاياته سحر لم ينتبه إليه. بدا له وهّاجا في ضوء آخر النهار وكأن الشمس أصبحت وسط الغرفة المطلة على جبل الجرمق. قيل، قبّل يديها وكاد يقبل قدميها! نزل إلى حيفا واشترى لها زوج مباريم، وقماشا لم يعجبها لكنها أبدت رضاها به. ووصلت منور من دمشق لتساعد أختها. حملت معها هدايا شامية، برانس ومناشف وشراشف مطرزة. السفر سهل من دمشق إلى طبرية. ركبت القطار إلى سمخ. ومن سمخ ركبب "الببّور" إلى طبرية. قالت لها سعاد: محظوظة! سألتها: لأني حرة دون أولاد؟ لو تعترف لها بأن ذلك مصيبة! بقيت منور في بيت أختها في صفد أسبوعين. غسلت الطفل ودلّلته، طبخت لسعاد طعامها واستقبلت زوارها. منعت النساء من تقبيل الطفل، ومنعت حمله. فقالت خضرا: "كأن النساء لم يلدن قبل الست سعاد"! طوال أسبوعين في صفد، لم تطلّ منور من نافذة! "لأن أهل صفد ليسوا كأهل بيروت أو دمشق. هناك مقابلنا بيت أخيه! وهناك بيت أخيه الآخر! وهناك أولاد عمه! عشيرة ماشاء الله"! استمعت منور إلى أختها ثم لامتها: أحبيهم لتكسبيهم! راقبتها سعاد عندما استقبلت خضرا. ليست مثلك، ياسعاد، لكنها أعجبتني. يبدو أنها لاتقبلك لأنك لست من بلدها، وربما كانت تتمنى لعبد الرحيم قريبة من قريباتها! أعلنت سعاد لأختها: اطمئني! لاتشغلني خضرا! أتيت لأبني أسرة وسأبنيها! أريد عشرة أولاد! وهاهو الولد الأول! صمتت منور. كادت تسألها: تعوضين عمن لايعوض؟ وأدهشها أن تشعر سعاد بمثل هذه الوحدة. ماذا أقول أنا وقد لايكون لي أبدا ولد؟ أسكتت منور نفسها بايمانها بأنها أقوى من أختها! لولا ذلك أكانت تعبر الحرب العامة وتخرج من صراخ الجياع متماسكة، وتستعيد بهاء من نساء بيروت، وتكتم كل ذلك؟ أرضعت سعاد طفلها، وراقبت تورد وجهه. احتفلت يوم صار يرى، احتفت بأول حرف نطقه، بأول مرة جلس فيها، بأول مرة انقلب فيها على جنبه. كيف جهلت قبل مولده أن في قلبها هذا الحنان! ولكن ما أكثر مااشتهت النوم! لايخطر لهذا الصغير أن ينام في الليل ويصحو في النهار، مثلنا! قالت سلفتها خضرا: ملأنا البيت أولادا ولم نحتفل بهم مثل الست سعاد! كأنها تعرف أنها لن تنجب غيره! فلتقل خضرا ماتريد! لن أغرق في قال وقيل! هذا مستنقع، والحياة المغلقة عليه بين الأهل مستنقع. اتصل بيت أهلك في حيفا، ياسعاد، بحياة البلد. وفي طبرية كانت أبواب قدري مفتوحة لرجال العرب. تنهدت سعاد: مضافة عبد الرحيم مفتوحة، أيضا، للرجال. يفتح الرجل الأبواب أو يوصدها؟ يفتح البلد أو يغلقه أيضا! خلال أفراح عبد الرحيم بابنه قال لها مرة: قد ننتقل إلى عكا ذات يوم! فشعرت بقوة العشيرة التي يصعب أن ينفك فرد منها دون مبرر تقبله! لعله يفكر بعمل في عكا. ترحب العشيرة بكل مايسجل طموحا أو صعودا من درجة إلى درجة! تعوّد عبد الرحيم ابنه، وغاب. مشغول طول النهار. متنقل بين صفد وحيفا وعكا. لم يترك الإنكليز بيتا يستريح. والناس لايسكتون على الهجرة اليهودية. لكني لاأعرف إن كان عبد يدافع عن الفلاحين في المحاكم أم ذهب ليكون مثلهم في القفص! وهل يخبرها عن اجتماعاته السرية! تكرر لنفسها كلمات منور: عبد الرحيم مثل الوطنيين السوريين الذين يتخفون بالماسونية ليجتمعوا ويخططوا المقاومة! قدرنا أن يكمل أزواجنا مابدأ به أهلنا! هل كانت منور تشجع أختها على البوح أم تواسيها! رفضت منور أن تنزل إلى حيفا. لاأريد أن أراها! لماذا يامنور؟ تبقى المدن بعدنا كما كانت قبلنا! لاتريدين أن تزوري قبر أبيك؟ لاتريد؟! بل تريد لكنها تخاف أن تسقط أمامه. لاتزال ترى أباها كما عرفته حتى اليوم الأخير وهو يطلب منها الطشت، وهي تبعد أمها عنه وتعاقبها في تلك البرهة على هجره. لن تندم أبدا على انحيازها إلى أبيها، لكنها تكتشف الآن كم تحب أمها! راقبتها شفيقة وهما تزوران قبر فاطمة في طبرية. وضعت منور غصن نخل على القبر. رمت عليه قرنفلا نبيذيا بلديا فواحا. تركت لشفيقة ظهرها، فلم تستطع أن تقرأ وجه منور الواقفة هناك مطرقة، مضمومة الفم، وجسمها يهتز إلى الأمام والخلف كأنها وسط ريح تؤرجحها. قالت شفيقة لنفسها: سلالة ملعونة لاتعرف البكاء! أبعدت منور زيارة قبر أمها حتى اليوم الأخير في إقامتها، كيلا تراها شفيقة في اليوم التالي وتخمن شعورها. ضاع ذلك في صخب سيرين ووداد وبنات الطبري. وأتى صدقي ليودع منور. كانت سعاد قد فطمت ابنها فاروق عندما مرضت. صرخت في الليل من ألم في بطنها. طلب عبد الرحيم شفيقة من طبرية فوصلت في اليوم نفسه. لايجوز أن تمرض الأم! من سيعنى بالطفل؟ قالت لها شفيقة: كان يجب أن تنتظري أن يكبر ابنك لتمرضي! تداعبينني ياخالتي، الآن؟! بطني ينفجر! تركت شفيقة الطفل في بيت أخي عبد الرحيم ونزلت مع سعاد إلى حيفا. قالت لخضرا: فليلحقنا عبد الرحيم إلى المستشفى الايطالي! انفجار الزائدة ياست شفيقة، خطر. لاندري كيف وصلت إلينا هذه الصبية سليمة! عضت سعاد طرف الشرشف من الألم. لماذا يبدو الموت ظلما؟ الموت ياخالتي رحمة! اسكتي! فكري في ابنك! عندما أفاقت سعاد تألمت. لكن هذا الألم مختلف. نجت إذن! أجبرت سعاد أسبوعا على الراحة. قالت: ياخالتي قلبي كالنار على الصغير! فكرت فيه حتى وهي تتمنى الموت من الألم. طمأنتها شفيقة: لم يزرك عبد الرحيم لأنه مشغول به! تحركت سعاد في السرير: ماأحلى الحياة بعد المرض، ياخالتي! شعرت بأنها خفيفة. للشمس التي دخلت من النافذة دفء آخر. لاشيء ولاأحد خارج هذه الغرفة غير السماء الواسعة التي تراها من النافذة وهذا الوهن العذب! أتى عبد الرحيم في نهاية الأسبوع. دفع ليرة فلسطينية عن كل يوم من إقامة شفيقة في المستشفى مع سعاد. وليرتين عن كل يوم من أيام سعاد فيه. وأربعة قروش ثمن الثلج! في صفد اكتشفت سعاد أن عبد الرحيم كان مشغولا عن الطفل. وتبينت أن عينا الصغير ملتهبتين. ياخالتي، لاحق لي في المرض؟! رفض عبد أن تأخذه إلى مستشفى هداسا. فنزلت إلى حيفا وحدها. لاتريد أحدا! فلينشغل عبد الرحيم بمضافته وسياسته! قيل لها، إلى الدكتور شيمكين! لكنها سمعت صوت قلبها. ولجأت إلى الطبيب الذي كان يداويها في طفولتها: يادكتور دوخمان، ساعدني! تغيرت ياسعاد، لكني كنت أستطيع أن أتبينك من لون عينيك! نصحها: إياك أن تداويه عند شيمكين! هذا طماع يشلح الناس أملاكهم! أرسلها إلى طبيب أرمني. روت للطبيب أن امرأة ركبت معها في السيارة نصحتها: استعملي له زهر المرّار. دقيه وانخليه بالشاش النظيف.. ابتسم الطبيب الأرمني عندما روت له ذلك: الأدوية من الأعشاب لكن يجب أن تعرفي مايستخدم منها وكيف! شفيت عينا الطفل لكن سعاد اعترفت لنفسها بأنها مقهورة وضعيفة. لم يكن لها حتى حق المرض مطمئنة! لن ترسل تلغرافا إلى منور. تعرف أن منور ستلبيها، لكن ألم تكن منور هنا منذ أشهر! كان التهاب عيني فاروق أهون عليها من الإسهال الذي لاحظت أنه أصيب به في غيابها. خافت. الزنطارية تميت الأطفال! ماذا أكل؟ ماذا أطعمته خضرا؟ من تمنى موت طفلها لتعود وحيدة دون سند ولتفسد علاقتها بزوجها؟ لو تستطيع أن تصل إلى مستشفى تورنس! قال لها عبد الرحيم: ننزل إلى طبرية في الأسبوع القادم! واستدعى بوينا ليداويه. نصحها بوينا: خذيه إلى حيفا! الآن، كوني دقيقة في الحمية! سقته ماء وسكرا فقط. كم ستلوم نفسها لأنها انتظرت أن تنزل إلى طبرية مع عبد الرحيم. وضعت طراحة على طرف النافذة العريضة وأجلسته في حضنها. مد يده إلى كعكة فأبعدتها. ورأت عتبا في عينيه لايمكن أن يعبر عنه كلام. فضمته إلى صدرها وبكت. وبدا لها أنه يفهمها. لم يعد فاروق يغرد كالعصفور عند الفجر. صار استيقاظه حزينا. هل كانت تقتله بالجوع؟ في تلك الأيام غاب عبد الرحيم ولم تسأله أين. أفاقت في الليل لتراقب تنفس طفلها وتطمئن إلى أنه مايزال حيا. أشفقت عليه لأنه صغير وعاجز لالأنه فقط ابنها. أبقته بين ذراعيها. كأنما خيل إليها أنها تعوضه بالحب عن الطعام. رأته يرتجف وسمعت على صدرها دقات قلبه. فصرخت من النافذة: نادوا عبد الرحيم من المضافة! قالت له: فاروق يموت! رد: لاتتوهمي! عندي رجال من عمان ورجال من الناصرة. نرتب احتجاجا على الهجرة اليهودية والسياسة الإنكليزية. عاد إلى المضافة وعادت إلى ابنها. لم تر سواه. ارتجف رجفة شديدة وسكن. بقيت جالسة أمامه من الساعة التاسعة حتى منتصف الليل. كان من يحبونها ومن يكرهونها نائمين. لماذا ينامون؟ فليستيقظوا ليقيموا المأتم والاحتفال! قررت: لن أبقى في صفد! دخل عبد الرحيم. سألها: كيف الولد؟ قالت: العمر لك! رد: لاتتشاءمي! قالت: المسه! ركع وبكى. تبكي؟ كيف أميز حزنك من ندمك؟ كم أكرهك ياعبد الرحيم! بكى بحرقة! فلتبك ياعبد الرحيم! لم يكن لديك وقت لننزل إلى تورنس! أنا الآن حرّة، لاورائي ولاأمامي! سأنزل إلى طبرية! ولأبدأ في طبرية من الصفر! بيت عبد السلام الطبري يرحب بي. إذا لم يعجب خالتي أن أترك زوجي سأعيش عنده! ماذا يربطها بزوجها؟! خيل إليها أن موت طفلها قصّ مابينهما. لم تتصور أن لهفته الاولى، ورحلتهما الاولى إلى حيفا، وشعوره بأنه وجد الزوجة التي تشقى معه وتسنده، ربطت أحدهما إلى الآخر. نظرت سعاد إليه وهو يبكي. ولم تشعر بالشفقة عليه. تزوجت كي تبني أسرة، وهاهي دون ولدها المحبوب! رأته ينزع شيال بنطاله ويشده على رقبته. سخرت منه بينها وبين نفسها: لاأحد ينتحر هكذا! يجب أن يكون المنتحر دون متفرجين! لكنها لاتريد له هذا الحزن! تذكرت أنه قال لها مرة: أريد أن يكون فاروق عالما أديبا واسع الثقافة مثل ابن عمي محمد الذي كان يفطر طوال شهر رمضان مع السلطان عبد الحميد! فكادت تضحك ساخرة من حلمه! ابنها يلبس جبة ويجلس كما جلس ابن عمه مع السلطان عبد الحميد؟! من حسن حظ الطفل أنه مات! بدا لها عبد الرحيم ضعيفا وخائرا فأبعدت نظرها عنه. كأنما تظهر حقيقة الرجال وقت الحزن! أردت ياسعاد أن يكون لك رجل يقف معك وقت الحاجة، لأنك دون أخ وأب؟ تفضلي! يجب أن تسندي هذا الرجل الضعيف! في تلك البرهة تبينت قدرها وفهمت أنها لم تعد تحتاج رجلا يحميها، بل هي التي ستكون كالرجل الذي يحمي ويعين. رشت وجه عبد الرحيم بالماء، بللت أنفه بالكولونيا. سندته حتى وصل إلى فراشه. وعادت إلى طفلها. حدثته عما في قلبها، وفكرت في قرارها. كانت على الحدّ بين مدينتين ومصيرين. وبدا لها أنها حيثما رحلت تزرع قبرا. توزع أحباءها على المدن! ورددت لنفسها مرات: اهدئي! أجّلي قرارك إلى وقت تكونين فيه هادئة! سمعت شخير زوجها. وبدا لها في ضوء الفجر أنها لاترتبط به بل بالبيت الذي تخشاه، بالمدينة التي تتمنى أن تبتعد عنها. مايربطنا إلى أمكنتنا، ياسعاد، أكثر متانة من الحب والكره، أكبر من العلاقة برجل معين أو طفل أو بيت! في الصباح فتحت سعاد الباب للحلاب. لا، لم نعد في حاجة إلى الحليب! ذهب الحلاب إلى بيت خضرا وقال: خذوا حليبكم وحليب الولد الذي مات، كيلا أعود به! أعطته خضرا ثمن البشارة، ولبست أحسن ثيابها وتزينت بالحلق الألماس وأتت إلى سعاد. كانت سعاد قد وضعت الطفل في الأرجوحة كأنه حيّ وجلست قربه. فاستندت خضرا إلى الأرجوحة وصارت تهزها. نهض عبد الرحيم حزينا وجلس قرب سعاد، وأمسك يدها. يعرض أمام أهله أنه يحبها، وسيظل يفعل ذلك حتى موته في دمشق. سألته: حزين؟ رد: وأنت! ردت كأنها تقول لخضرا: مات قدري وسعيد ونوري قبل فاروق! فهل نقف عند موت طفل؟ لاتحزن، سنعوضه! قالت خضرا في قهر: امرأة فهيمة! كانت سعاد مبللة بالدموع بعد دفنه. وقتئذ قدر لها أن تتبين قسوة الصغارة. زارتها امرأة مختلة العقل قالت لها: ماعليه أسف، الله يخلي أولاد سلفتك. العوض بأولادها! سألتها سعاد: من علمك هذا الكلام؟ ردت: سلفتك! الله يخلي أولادها، قالت لي روحي إلى سعاد وخذي بخاطرها وقولي لها..! تذكرت سعاد ألوان ملابس خضرا ونداءاتها وحركاتها. ظنت أنها تسجل في ذاكرتها قهرها. لم تعرف أنها ستروي ذلك فيما بعد لسيرين ووداد لتضحكهما من خضرا، وأنها ستحزن على حياتها التي دفنت تحت حجارة البيت الذي ستفقده في صفد. غضبت أم عبد الرحيم على ابنها. هذه المدللة التي كان الخدم يمشطون شعرها ويلبسونها ثيابها، وعاشت في استنبول أكثر حياتها، وتفادت أن تبدو غاضبة أو حزينة، لتبقي الرضا فقط على ملامحها، تلاحظ ماتحاط به سعاد من شماتة؟ لم تبح لها سعاد بأنها نوت أن تهجر زوجها. هي التي قالت لسعاد: ارمه لأنه لايستحقك! يترك ابنه يموت وهو جالس في المضافة؟! يدافع عن وطن؟ يدافع عن شبح! لم تقل لها إنها سحبت يدها فلم تسمح له بأن يقبّلها. لكن ياسعاد، لاتتركيه الآن في حزنه! سألتها؟ وحزني أنا؟! ردت: أنت أقوى منه! هل هذا أول الهموم التي سترمى عليها لأنها قوية؟! بعد دفن الطفل وجد عبد الرحيم سعاد مرتدية ملاءتها. فهم أنها قررت أن تتركه. فقال لها: فلننزل إلى أهلك في طبرية، ولنسترح من صفد! طوال الطريق حاول أن يلاطفها، رغم حزنه. لكنها تفادت أن يلتقي نظره بنظرها. في المساء حضرت إلى بيت شفيقة سيرين ووداد وبنات الطبري. طلب صدقي الطبري من سعاد: أريد أن تطعميني مثيل المتبل الذي حضّرته لي مرة في بيروت! هل يريد أن تستعيد معه سعيدا لينسيها موت طفلها؟ لماذا؟ لأني أريد ياسعاد، أن تشاركيني فرحي! غيرت مصير سلوى! من سلوى؟ صبية حلوة، يتيمة، سطا عليها رجل بعد موت أمها. خاف صدقي عليها. وجد لها زوجا من رجال العشائر. أمس كان زفافها وكنت مدعوا إلى مضارب العشيرة في حوران. هل أراد صدقي أن يعرض لسعاد مصائر نساء تعيسات كيلا تبالغ في حزنها، ولتفهم أن لها من يحميها من الشرور الكبرى؟ وكان يفهمها أن لها من يبوح لها! عندما حضر عبد الرحيم كان صدقي في استقباله، كمن ينتظره. يتوسط لعبد الرحيم، إذن، دون أن يعلن عن وساطته! ويفهمها أن مابينها وبين عبد الرحيم يجب أن يبقى سليما. ستشكو سعاد بعد سنوات عبد الرحيم لخالتها لكنها لن تفكر في هجره. ستقول لها: حمّلني عبد الرحيم أكثر من طاقتي! يوم مات حسن رعد الذي حارب في الثورة السورية، تركني مريضة وسافر إلى يافا. عاد وهو يبكيه. وحكى لي أن الفرنسيين صادروا أملاكه وأنه عاش مع أولاده في يافا فقيرا، فاشتغل أولاده أجراء ليحصّلوا الخبز. لم يلاحظ عبد أني فقدت الوعي. صحوت وهو يرشني بالماء. كانت حرارتي أربعين! لو كنت امرأة أخرى لكرهت السياسة والثورة! كم عمري الآن ياخالتي؟ ستربت شفيقة على كفيها: فكري في الناس تهن عليك مصيبتك! وسترفع سعاد رأسها نحو السماء، وترى نجوما لاتعد، فتتنهد. نحن أقل من نقطة من مجرة صغيرة من المجرات. ومع ذلك نسعى من كل الطرقات لنفسد هذه الحياة الصغيرة جدا التي نعيشها! ستبقي نظرها على سماء الليل ذات النجوم، وتشعر بأنها تهدأ! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |