الدفلى – ماري رشو

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:51 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الدفلى

بقيت عيناي على المسافة التي انطلق عبرها الرجل. كنت أجلس على مقعدي المعتاد. أخيط ثوب السيدة الثريّة، وأحسب الأجر الذي سأتقاضاه، بينما ألعن عمل الخياطة ومخلّفاتها. أطلت النظر والتفكير معاً. ليست المرة الأولى التي أجلس فيها هنا، وليست المرة الأولى التي أرفع رأسي أو ألقي بصري نحو تلك النقطة ذاتها. سحبت بصري ثانية. كنت متفاجئة لا أكثر. لم أكن خائفة، فهذا طبيعي، وهو ما نطلق عليه خداع بصر، أو كما يقال ألاعيب بصر. لكنه مرّ بسرعة كبيرة. كأنه يطير، فقد تزامنت رؤيته مع رفّة هدبي. لكن! كيف لم أره في السابق؟ هذا مقعدي ومن هنا أجول ببصري. التفتّ إلى الوراء. كانت الستائر مسدلة، وعلى امتداد الممشى القصير نسبياً أمكنني مشاهدة جزء من غرفة الطعام المفضية للصالون. هل هو زجاج الخزانة؟ لا أعتقد. إنه رجل حقيقي. كيف حدث ذلك؟ حدث لأن البصر أحياناً يعطي صوراً لا علاقة لها بالحقيقة. هذا ما حدث. ليس من خيال أو صورة أو تهيؤ. إنه انعكاسات لشيء ما، ربما عكسها تفكيري، أو تعبي، أو قلقي على ابنتي أو ابني.

عدت للعمل. كان الجميع نياماً. ابنتي وزوجها وابناها، ورحت أمارس هوايتي المفضّلة في أوقات الوحدة. كأن أستمع إلى المذياع أو أحاول الغناء. في الحقيقة لا أغني بصوت عال، مع أنني أهوى ذلك، فألجأ إلى غناء خافت، أو أغني في أعماقي. كان هذا أجمل ما أفعله، خاصة وأنا أحمّل الحالة حناناً وحنيناً، وأستعيد تلك الأغنيات التي أحببتها وأنا صغيرة. كانت أمي تردّدها بحنين أيضاً، وأستطيع الآن استيعاب ذلك تماماً. إنه الاستغراق الجميل ما بين الكلمة واللحن والذي عليه تقع مسؤولية تفريغ شحنات التعب والأسى والقلق، وخلق جو من الانطلاق نحو أمل موعود، فتسهل الأمور، وتبسط الحياة.‏

تذكّرت الرجل ثانية. أمعنت النظر في النقطة التي عبر منها. استطعت استعادة صورته. كان متوسط الطول، برأس صغير قليلاً. يرتدي سترة بلون بني فاتح، أما بنطاله فلم يتح لي الوقت ملاحظة لونه، ربما كان داكناً بعض الشيء، أو بنياً غامقاً. ضحكت للصورة، وعدت لعملي. كان علي إتمام الثوب واغتنام فرصة نوم الصغيرين، فقد تتغير الأمور فجأة، ويتحتّم علي ملاعبتهما، أو مشاهدة الصور المتحركة التي يحبانها.‏

شعرت بالسعادة، وأنا أستعيد الأيام الصعبة التي مررت بها. يوم مات زوجي إثر نوبة قلبية مفاجئة. شعرت بأنني صفر اليدين أمام متطلبات كثيرة، فلم نكن نملك سوى هذا البيت الكبير والمتعدّد الغرف، والذي ورثه زوجي عن أسرته. أما أنا فورثت ميولاً فنية. كنت أحب الرسم وأشعر برغبة تجتاحني بين الفينة والفينة لتصميم زيّ ما. أمّا الحاجة فكانت أم جميع الأعمال، وهذا ما جعلني ألجأ للعمل، ولفن الخياطة بالذات، أفرغ ميولي وأسدّ ثغرات الحاجة والعوز. كان أهم ما أقلقني هو رغبة ابني بالسفر لتحصيل العلم، والوقوف أمام العجز الذي سيلاحقني إثر متطلباته التي لا تنتهي وهو في بلاد الغربة.‏

شعرت بالسعادة أيضاً وأنا أتذكّر أيام العزلة والشقاء اللذين عشتهما، حين هربت ابنتي مع شاب لا يعرف معنى المسؤولية. تعتقد بأنها تحبه. لم تكن تتعدّى السادسة عشرة من عمرها آنذاك، أما هو فيكبرها بعامين، ويستطيع ممارسة هواياته السابقة، كأن يلاحق الفتيات بسيارته الخاصة، والتي ابتاعتها له أمه إثر موت أبيه، أمه التي يستنزفها باستمرار، مستغلاً حبها، فتحنو عليه بعد أن أصبح مسؤولاً عن زوجة وابن، وبعد أن تغيّر مجرى حياته بزواجه المباغت، والذي لم تكن تتوقّعه، فأصبح عاطلاً عن كل شيء، خاصة الدراسة، فتغدق عليه المال الذي يبعثره كيفما اتّفق.‏

لم تكن ابنتي سعيدة مع زوجها وأمه، لكنها لم تعلن ذلك، فقد ورثت عن أبيها مقدرة الصبر والتحمل، فعلى صغرها تميّزت بالذكاء الذي لم تجد استخدامه، وبالهدوء الجميل الذي أضاف عليها الرصانة. كنت أراقبها بذبولها وهزالها، وأصاب بالخيبة، وأقضي الساعات بالتفكير والتخطيط، فعلي إنقاذها من مصير رمت نفسها فيه في ساعة ضعف، إلى أن استفاقت امرأة لابدة في أعماقي، فثرت وهدّدت، وأعلنت وجوب الطلاق، فولدت المشاكل بسرعة فائقة. تمردّت ابنتي لأول مرة، وعادت إليّ تصطحب ابنها الأول (رافي) وفي أحشائها الآخر، وأصرّت على موقفها الذي فاجأني. لم اكن أصدّق ذلك. كانت واثقة من حبه لابنه، ومن اللحاق به وبها، وربما بالطفل القادم، وربما لإصرارها، أو لوثوق الزوج من حقيقة تمرّدها الذي فاجأ الجميع، أو الإعلان عن عودتها للدراسة. أمور كثيرة ساهمت بقرار المجيئ في ساعة غير منتظرة، لتنغمس ابنتي بمسؤولياتها المتعدّدة، خاصة وهي تنجب طفلها الثاني، وتغرق بالجديد متجاهلة الزوج الذي أصبح له وجهان، وجه للبيت وللتعامل معها، ووجه آخر يمارس فيه أحلامه. كنت على يقين من أن له عالماً آخر خارج إطار الزوجية. كانت أخباره تأتيني ببساطة، فبحكم عملي مع نساء الحي اللواتي يحترفن الثرثرة ونقل الأقاويل. استطعت تكوين فكرة عن علاقته بإحدى الفتيات العابرات، فخفت على ابنتي المطمئنة أن تصاب بالقلق ثانية، ورحت أجهد للتوصّل إلى الحقيقة، أراقبه كل صباح. أصطنع الانهماك بقطعة قماش بين يدي أو بثوب، وأسترق النظر إلى طريقته في اختيار ما سيرتديه في الصباح، أو انتقاء العطر، ثم وقفته أمام المرآة، وهو يتجاهل أصوات ابنيه أو وقوع مشادة بينهما. يصفر لحناً ويخرج، فأنادي العاملة أو أضع ما بيدي وأنهض أعاون ابنتي المنهمكة بترتيب الأسرّة، أو تحضير وجبات الطعام للصغيرين، وتكون على وجهها ملامح الطمأنينة، فيتفاقم قلقي، وأصاب بالغيرة وأقمع صوتي، عليّ مراعاة مشاعرها، فلها صفات الرهافة والحساسية، وطاقات من الحب، أشعر بالعجز أمام جمالها، وأقسم بيني وبين نفسي على إيجاد ما يردع (ظافراً) زوجها عن أفعاله القذرة، خصلة من شعرها تعادل عشرات النساء، ولا أتوانى عن نعته بأحقر الصفات، وقد يشتد انفعالي الذي أفرغه بالحب للطفلين اللذين ملأا حياتي غبطة وسروراً، فأعتقد بأنهما البديل عمّا يحدث، أو أن باستطاعتهما العيش بعيداً عن أبيهما الذي لا يعرف قدر أمهما، وعليهما في يوم ما الوقوف إلى جانبها وتعويضها بالحب والحنان، فأشعر فجأة بالغضب، وأستنفد قواي للبحث عن طريقة تعيد الأمور إلى مجاريها، وأكتشف أن الطاقة التي تعمل في أعماقي لا تعيقني عن العمل، فتخرج الأثواب جميلة أنيقة. غير أنني استعضت عن الغناء أو الاستماع إلى المذياع بالتخطيط والتفكير، فأهم ما يشغلني هو راحة ابنتي. طفلتي المدلّلة التي أحبها بجنون، وكنت ألاحظ تعاطفاً شديداً من العاملة نحوي، فتهرع لمساعدتي أو لمساعدة ابنتي في أعمال البيت أولاً، متغاضية عن أهم ما يشغلها في إتقان مهنة الخياطة، تنظّف الأرض، تجلي الصحون، أو تلاعب الطفلين، ثم تتفرّغ للعمل معي. كانت قد حفظت مجمل المواعيد، فتذكّرني متعمّدة الأسبقية في القول، هذا يوم التفصيل أو هذا يوم القياس، تقف قربي بعينين مفتوحتين. تلتقط الطريقة وكيف سأفرد القماش على الطاولة المخصّصة. أرتّب قطع (البترون) الورقية. أضع الدبابيس. أستعمل (المتر)، ثم قطعة الطبشور. أرسم على القماش، وحين أتأكد من صحة ما فعلت، أباشر بالقص، فتتناول مني كل قطعة على حدة. يكون (التسريج) قد حلّ أوانه. تبحث عن النقاط المرسومة بدقة، وتبدأ التركيب، حسب الإشارات. الخصر والصدر والأرداف، الطول والأكتاف، ثم يأتي دور الأكمام، فالياقة. كل ذلك يخضع لرغبات صاحبة الثوب، وما أشارت إليه. هكذا تصبح القطعة جاهزة من أجل إجراء (البروفة). تعلّقها على حبل مخصّص. تراقبها بإعجاب، وكأنها تفكّر بصاحبة الثوب، متى ستأتي وتراه وتبدي إعجابها به.‏

***‏

لم يستطع العمل إبعادي عن التفكير في أمور ابنتي، أو التوقف عن البحث من أجل مصالح زواجها، فالقلق يرافق أيامي، وأرجع صمتها و هزالها إلى صراع داخلي في أعماقها، لابد أنها توصّلت إلى حقائق بخصوص تصرّفات ظافر، وأرجعتها إلى علاقاته التي لم يعد يستطيع إخفاءها. فأرى نفسي غارقة في دوّامة البحث في كل ما يجري حولي. ماذا قال؟ ما الذي سيقوله؟ ما ردّة فعل ابنتي؟ هل ابتسمت؟ هل قالت شيئاً؟ كيف يعاملها؟ كيف يعامل ابنيه؟ هل يحبهما؟ هل هو مولع بهما؟ وحين يخرجان معاً أراقب طريقتهما في اللباس، هل كل منهما راض عن الآخر؟ وحين يعودان أراقب تعابير كل منهما علّي أصل إلى تفاصيل تلك الساعة التي غابا فيها عن عيني. أرتاح أحياناً أو أصاب بالخيبة. كنت أعرف ابنتي التي حفظت ردود كل فعل يصيبها، وأوقن كل مرّة من ازدياد جمالها الذي يصقله الحزن، أو يضفي عليه نوعاً من الشفافية، وأعترف بيني وبين نفسي أن ذلك ليس بسبب أنها ابنتي، فهي جميلة فعلاً ولا يحق لرجل مثل ظافر مهما أحبته أو أرادت الوفاء له، أن يجلب لعينيها مشاعر اليأس أو الأسى مطلقاً.‏

خمس سنوات وأنا أعيش القلق،ومنذ تمرّدها الأول ومجيئها للسكن معي وأنا أبحث عن خطة تعيد التوازن الحقيقي إلى حياتها. أنام وأستيقظ وأعمل دون أن تبرح ذهني، فكيف سأعيد الابتسامة إلى عينيها؟ تلك الابتسامة التي لم تفارقها قبلاً، ما زالت صغيرة. صديقاتها لم يتزوّجن إلى الآن. لم هي تعيش القلق؟ والمسؤولية؟ لم لا يعرف هذا الزوج مكانتها أو موقعها؟ لم لا يقدّر تضحيتها ووفاءها؟ لم ولم؟ وكيف أستطيع جلب الفرح واستعادة البهجة والراحة إلى حياتها. فكّرت كثيراً. كان ذلك يأخذ صحوي ونومي ودقائق يومي. لم تبق فكرة إلاّ وخطرت لي، لم أستمع إلى قصص مشابهة إلاّ وتوجّست. هاجمتني أفكار لها علاقة بالجهل، أو أنا أعتبرها كذلك، ففي قناعاتي أنها لا تمتّ إلى الحضارة، بل لها علاقة بالخرافة، لها علاقة بالتخلّف. أو ليس من يؤمن بالعرافة والغيبيات جاهلاً؟ استبعدت الفكرة تماماً. لم يقع ذلك في برنامجي، إذ أعتبر نفسي امرأة واعية وعلى درجة من الواقعية، أمور تؤهّلني للتفكير بمنطق بعيد عن الوهم. هذا كان خطّي منذ نعومة أظفاري، ولا أردي الآن لماذا أتذكّر تميماً الذي اتّهمته مراراً بالشعوذة. كنّا آنذاك في مرحلة الصبا. وكان هو يمت إلى إحدى صديقات المدرسة بصلة قرابة، فنجتمع في أوقات متباعدة، نبحث في الطالع أو فيما تقولـه الأبراج، فيجلب للجلسة جوّاً ساحراً يصحبه المزاح والنكات، يقرأ لنا الفنجان ويتباهى بالتوصّل إلى قراءة الأفكار والاطّلاع على أهم الأسرار. أذكر أنني خفت منه في إحدى المرّات، واعتقدت آنذاك بميله للشر أكثر ممّا يميل لفعل الخير، وكان هو يتبجّح مدّعياً المعرفة والفراسة والتنبؤات، ويبحث في أمور جديدة علينا، كالجن والشياطين، فأرد عليه في كل مرة:‏

-هل تؤمن بوجودهم؟‏

-طبعاً أؤمن. الأساطير اعترفت بهم، والأديان اعترفت. هم كائنات روحانية أو مخلوقات نارية، فإبليس تارة من الجن وتارة من الملائكة، وقد تنزل هذه الملائكة إلى البشر وتقيم معهم، وتنشئ علاقات تسمّى قريناً أو تابعة أو رئياً.‏

-اصمت يا تميم.‏

-ولماذا أصمت؟ اقرئي الجاحظ والثعالبي، اقرئي ابن الأثير والأصفهاني، والنويري، وقصص كثيرة ومتعدّدة، ألم تسمعي بمصارعة تأبّط شرّاً للغول؟ وزواج (الهدهاد) الملك من (عميرة) بنت ملك الجن، فجاءت الملكة بلقيس، وقصص (عامر الوادي) الذي يستنجدون به، فيعيد لهم إبلهم الضالة؟ وغيرها وغيرها؟ غير أن تلك القصص المدهشة، تنتهي مع انتهاء الجلسة التي حملت بين تفاصيلها الفكاهة واندفاعات الصبا العذبة.‏

كما تذكّرت تميماً ذلك الصباح، تذكّرت ذلك الكتاب الذي سيكون محور تفكيري أكثر من مرّة في أيام قادمة، ليس بسبب قناعتي أو إيماني المطلق بنصوصه، بل حبّاً في بتجربة قد تكون عابرة، غير أنها تبقى تجربة لا أكثر.‏

إذن لم يكن مصادفة أن تقع يدي على ذلك الكتاب، فأنا أعرف مكانه، وأكثر تفاصيله. لفت انتباهي سابقاً لتنوّع أبوابه وأبحاثه المتعدّدة، إذ ليس من علاقة بين الإنسان وجسده وعقله وصحة نفسه ووجوده بطريقة علمية أو غيبية إلاّ وبحث فيه بأسلوب ما. أذكر أنني دهشت أكثر من مرّة، وضحكت أكثر من مرّة، وتوقّفت طويلاً أيضاً أكثر من مرّة، فلم أكن لأصدّق أن الإنسان تشغله أمور كهذه. غير أن لذلك الكتاب موقع الحظوة عندي، ولعلّي أحتفظ به لأسباب عدّة، منها قدمه، فأوراقه الصفراء تكاد تتفتّت، أو لأنه فريد في نوعه من حيث المواضيع المطروحة، أما أهم الأسباب فيعود لاعتباره إرثاً عن أبي، الذي كان مولعاً بطب الأعشاب، والذي أهداه له أحد أصدقائه القدامى، وكان بطبعة قديمة قد تعود لأكثر من قرن من الزمن.‏

يحمل الكتاب عنوان (الرحمة في الطب والحكمة). أخذت أقلب صفحاته ورقة ورقة، غير أنني غيّرت رأيي فجأة وفتحت الفهرس لأقرأ الأبواب واحداً واحداً. يبحث الباب الأول في علم الطبيعة وما أودع الله فيها من حكمة. والثاني في الأخلاط الأربع، ثم باب الأمزجة، وتابعت القراءة، لتسويد الشعر، لتطويل الشعر، علاج الجرب. علاج الكلف. الرعاف. الزكام. نتن الفم. داء الثعلب. الثألول. تبييض الأسنان. البهاق. الحروق. الجرب. الباسور. الطاعون. الجوع. الحمى. العشق. المحبة. المربوط. إبطال السحر. تقوية الجماع. رد الثيب بكراً. عددت الأبواب. كانت مئتين وخمسة وثمانين باباً. انتقيت منها ما يكتب لعقد زنى الرجل وفتحت الصفحة ورحت أقرأ، وأضحك، وحين أغلقت الكتاب لم يكن في ذهني القيام بأي عمل منها، إذ هيئ لي أنها سخافة كبرى، خاصّة وأن لعقد زنى الرجل أكثر من طريقة، تتخلّلها أرقام وأسماء وكلمات تشبه الطلاسم والأحاجي، ومفردات مثل لحم ضبع أو دهن بنفسج أو أوراق دفلى وغيرها. أبحاث تشبه أحاديث تميم، ولا أدري لماذا تذكّرته وضحكت. كم سيعجبه كتاب كهذا؟ غير أنني فكّرت أكثر بمعاناة الإنسان منذ الأزل وهو يبحث عن الراحة، وعن قضايا شغلت عقله على مرّ العصور والأزمان. تذكّرت (الدريديريين) الذين عاشوا قبل خمسة وعشرين قرناً، فرصدوا الكواكب والأفلاك، ودرسوا طبيعة الغابة والأشجار وعلاقتها بالولادات، كنمو الشجرة مع نمو المولود، أو تشبيه المولود بالشجرة، ثم أشياء كثيرة لها علاقة بالعرافة والتبصير، والسحر والتنجيم، وسكب المعدن، فالإنسان عبارة عن جسد وروح ومعدن، وحين ينقص المعدن من جسم ما فيجب تعويضه بمعدن لتعود له قوّته. هذا هو الإنسان، الباحث منذ الأزل عن أسرار الكون وأسرار الماضي وكيف ينتقل وينطلق إلى آفاق المعرفة.‏

انتقلت من كتاب (الرحمة في الطب والحكمة) إلى بعض الكتب التي في حوزتي، وكأن ذلك أعادني إلى أيام بعيدة، حين شغلتني القراءة طويلاً، كنت أحب العلوم والفلسفة وما يتعلّق بالطبيعة البشرية، واكثر ما شغلني آنذاك هو البحث في الأسطورة و(الميثولوجيا)، وانتقلت إلى العبادات، والأديان، واستطعت تكوين الأفكار حول تطوّر الإنسان، وانتقاله إلى المعرفة عبر الحقيقة والتفكير الطويل بأهم قضاياه.‏

مازلت أحب القراءة وجمع الكتب التي شغلتني عنها القضايا المعيشية. نظرت طويلاً إلى مكتبتي المتواضعة، وعدت للنظر إلى الأقمشة المتراكمة. تراءت لي صورة ابني في الغربة. شعرت بالراحة. عدت ثانية لكتاب (الرحمة في الطب والحكمة) ابتسمت وأعدته إلى حيث كان.‏

***‏

لا أرى طفلاً أجمل من (رافي) بعينيه السوداوين ونظراته الذكية المتقافزة، وتعلّقه بي. كان يمكث قربي معجباً. يراقب حركة يدي وتصرّفاتي. كنت جادّة وأنا أطالبه بالابتعاد، لأنني لا أحب هذه المهنة، ولا أريدها أن تتأصّل في نفسه وعقله، مع العلم أنّ الخيّاطين الناجحين والمشهورين هم من الذكور، أنا أكرهها لأسباب تتعلّق بالحظ السيئ لمن يمتهنونها، فأكثرهم يقضي قسماً كبيراً من عمره أرملاً، أو ينعزل صاحبها اجتماعياً وفكرياً، تصبح آفاقه هذا العالم الضيّق، الأقمشة والأثواب والأحاديث التافهة، هل يليق بي هذا اللون؟ أم هذا الثوب؟ ما رأيك بهذا الزي؟ أم تفضّلين هذا؟ ما رأيك بآخر التصاميم؟ إنها دار مشهورة. أجل. أجل، وما أن ينقضي اليوم حتى يبحث عن عزلة تعيد ما أحرق من حريرات، كما يحدث لي، فأرى نفسي متقوقعة أكثر الأوقات، وانحصر خروجي من البيت للتسوّق، لوازم العمل. إبر وخيوط. أزرار ودبابيس وأقمشة، ولولا انتسابي الأخير إلى إحدى الجمعيات النسائية، لمكثت في البيت باستمرار، كنا نلتقي مرّة في مطلع كل شهر، وتحوّلت الفكرة من غاية التسلية والترفيه عن النفس، إلى لقاء مثمر، فترتّب على كل منّا دفع مبلغ من المال يجمع ذلك اليوم لتقبضه إحدانا، وأصبح للقائنا معنى نمضيه بين التسلية والمرح، فأعود إلى البيت وإلى عملي مشحونة نشاطاً ورغبة في المتابعة والاستمرار.‏

تعلّق رافي بثوبي رغبة منه في مرافقتي إلى السوق. ضغطت على كفّه الصغيرة أعده بذلك. كان أخوه يراقبنا وفي عينيه رغبة مماثلة. كان من الصعب اصطحابهما معاً، خاصّة وأن الصغير مازال يتعلّم النطق والسير. تحايلنا عليه ذلك العصر وخرجنا نهرول بنشوة. إذ تجمعنا البهجة في نزهات كهذه، وكنت أسمّيها نزهة لما تضفي علينا نحن الاثنين من فرح طفولي أحتاج إليه بين فترة وأخرى.‏

تصادف مرورنا بعد التسوق وفي طريق العودة أمام (فيللا) شدياق. كان الطريق خالياً من المارّين. شددت على كفّ رافي ورحنا نخبّ فوق الرصيف بحركات إيقاعية، ونردّد ما حفظه في مدرسة الروضة من أناشيد وأغان وأهازيج. كانت (هالصيصان) أهم ما يشغله آنذاك، ثم توقّفنا لنمثّل (جمل ماشي) ثم عدنا للركض ثانية. كانت حاجتي إلى اللعب كبيرة، وكان الفرح الغافي في أعماقي والذي هزم منذ زواج ابنتي قد وجد فرصة للتململ والظهور، واكتشفت أنني أستطيع الابتسام والغناء في كل الظروف، وأن القدرة على الاستمرار تفوق التسليم للمجريات. كانت أعماقي تتفجّر بهجة، وأرجعت ذلك لكفّ حفيدي الذي أصبحت أدين له بطفولتي المستيقظة.‏

من حديقة (فيللا) شدياق تدلّت أغصان شجرة دفلى وارفة، بأوراقها الخضراء الداكنة، التي تشبه نصل خنجر مدبب الأطراف. حضنت رافي الذي كان يتابع الغناء بلثغة جميلة وبحروف أغنية (شو حلوين؟). قبّلته وهممت بمتابعة السير. تلك اللحظة وبطريقة فجائية تذكّرت كتاب (الرحمة في الطب والحكمة) وتذكّرت باب عقد الزوج عن فعل الزنى، وفعل أوراق الدفلى ووظيفتها. ضحكت وأنا أقطف أربع أوراق – كما تقول الوصفة – وضعتها في حقيبتي وعدت إلى رافي الذي كان ينتظر بلهفة.‏

انفردت مساء مع الكتاب وأوراق الدفلى. فتحت الصفحة الخاصة بالطلب. كرّرت القراءة عشرات المرّات. حفظت الطريقة. كان عليّ نقل التفاصيل كما وردت تماماً، وهي أن يكتب على الأوراق الأربع ما يعقد عقل ظافر وفكره وذكره عن الحرام، بحق تلك الأسماء، وكانت الأسماء عبارة عن أعداد وأرقام مختلفة.‏

ربما لم أكن أعتقد بفعلها الحقيقي، فلقد نسيتها للحال، وربما كانت تجربة لها علاقة باستكشاف الحقائق، أو أن اللاشعور يلعب معي، فباستطاعتي التعلّق بالنسمة التي قد تجلب لابنتي الراحة والاطمئنان. أنهيت المهمّة وأودعت الأوراق تحت وسادة ظافر، بحيث لا تكتشف، وعدت للعمل ولحساب أجر الثوب مع تكاليفه الأخيرة، وللتفكير بهذه المهنة التي تدرّ المال دون بركة. كانت ابنتي خلال ذلك تشكو الملل، فقد تحوّلت خلال سنوات خمس إلى امرأة عجوز، تنحصر اهتماماتها بالتربية والطبخ. لقد ضاقت ذرعاً بالمكوث في البيت، أما الدراسة فمستحيلة التحقيق في ظروفها الحالية. ستبحث عن عمل. كانت تنقل رغبتها لصديقة لها على الهاتف وهي تعدّد مساوئ الزواج المبكر. كان رافي وأخوه – الذي أصبح يمشي ويتعثّر ويتكلّم ويلثغ – يصفّقان ويردّدان معاً (هالصيصان)، ويتسلّل صوتاهما عبر السمع كموسيقى عذبة. تلك اللحظة وبطريقة مباغتة، دخل ظافر منهكاً. التفت يمنة ويسرة، كأنه أضاع شيئاً. نادى زوجته ثم ابنيه وهو يتمتم بأنه اشتاق إليهم.‏

هل هي أوراق الدفلى؟ ربما، فلقد شاهدت أسبوعاً من عسل بين ابنتي وزوجها، تخلّله الحب والاهتمام والرعاية، وخلال ذلك أنهيت الثوب الأول والثاني والثالث، وجلبت للصغيرين هدايا من لعب وسكّريات. بدت الحياة الزوجية كأجمل ما في الحياة، طغت الأحلام على كل شيء. أصبحنا في أفضل حال. نغفو مع الأحلام، وننهض عليها،كان كل ما يخصّ ابنتي يضجّ بالحياة وقد تحوّلت حياتها إلى حلم يتحقّق للمرة الأولى.‏

لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد عاد كل شيء إلى سابقه، شعرت بالأسف والخيبة، وأيقنت من أنها محاولة مجدية وحالة جميلة لا نستطيع نكرانها. لكنها مؤقتة، ورحت أتأسّف على نهاية أجمل الأيام. كان صهري خلالها نعم الرجل والزوج الصالح. غير أن صفحة الحب الجميل الذي عاشته ابنتي بصمت طوي أيضاً بصمت، واكتشفنا خلال ذلك ارتياح أم ظافر، التي كانت تبدي استغرابها أمام تصرّفات ابنها الغريبة والمجهولة الأسباب.‏

***‏

مرّت الأيام ثقيلة، لا شيء فيها يستحق الذكر، عدا حركة البيت والعمل، وعدا ابنتي التي راحت من جديد تشكو الملل. لم ألمها على شعورها الذي يتفاقم مع مرور الأيام، وكأنها تجترّ نفسها. تنهض في الصباح بوجه خائب. تروح وتجيئ خلف ابنيها. تطعمهما. تلبسهما. ترتّب أشياءها. تدخل الحمام. تخرج. تمشّط شعرها. تدخل المطبخ. تعود، وعلى وجهها إمارات الاستسلام. أراقبها خفية. أشعر برغبة في التنهّد أو الغناء، فألجأ إلى خطّ الرسائل إلى ابني. أبثّه شوقي وأحكي عن همومي. كانت رسائلي تروق له فقد علّق في إحدى رسائله، على أنني لو اهتممت بصقل موهبة الشعر، لحلّقت في هذا المجال. كنت أعلم حبه للمزاح فضحكت للملاحظة، غير أن الفكرة استهوتني، فقد حاولت نقل مشاعري بعد ذلك على صفحات الورق، ورحت أخفيها عن الأعين وأعود إليها في أوقات الراحة.‏

انشغلت من جديد بمراقبة ظافر الذي عاد أسوأ ممّا كان عليه. مرّت أشهر على أسبوع العسل ذاك. تنقّل عبرها من فتاة إلى أخرى. كان يلاحقهن كمراهق صغير، قد يستجبن لـه وقد لا تحصل الاستجابة، وحين أشرت إلى سلوكه الدنيء ابتسمت أمه، وفسّرت ذلك بسبب زواجه المبكر، وتحسّرت عليه فهو لم يملأ عينيه من مباهج الحياة، لم يعشق أو يكوّن علاقات، وهذه أمور مكتوبة على الشبّان أولاً وأخيراً، اليوم أو غداً. ولابد من أن يأتي يوم يشبع فيه من اللهو ويعود لبيته وأسرته. إنه يحب زوجته، ولولا ذلك لما لحق بها إلى بيت أمها، أمه أحقّ به، ويحبّ ابنيه أيضاً، جميعنا نعرف هذا. ما الذي سأقوله لامرأة جاهلة مثلها؟ صمتّ على مضض، بينما قناعاتي تكبر بأن ابنتي لم تخلق له،وأن فرص النجاح والتفوّق كانت مهيأة لها حتماً، وأن فرصه هو لن تتبدّل في كل الأحوال والظروف.‏

أصبحت علاقات ظافر مكشوفة بالنسبة لي. عاد يتنظّف ويتعطّر وينشغل بالمرآة والهندام، فكّرت ذلك الصباح بأن أنقل له بعض مخاوفي، وأحدّثه عن هاتف من مجهول، يؤكد وجود علاقة غير نظيفة بينه وبين إحدى العاهرات، لكنه فهم اللعبة وحاول المراوغة. هذه مؤامرة مغرضة، فما كان مني سوى الإشارة إلى هزال ابنتي الذي لا أعرف له سبباً. ابتسم بمكر وحاول الهروب. استوقفته وقد تفاقم غضبي عليه، وهو العاطل عن العمل ويعيش عالة على أمه وغير أمه. ابتسم بلؤم هذه المرة وترحّم على أبيه الذي لا يشبه غيره، وهو الذي ترك ثروة لا تقدّر،وخرج وهو يدعو لأمه بطول العمر. صفق الباب وراءه بوقاحة.‏

أجبت عن أسئلة ابنتي ببراءة. لم يحدث ما يستحق الذكر. طفرت دمعتها، فبدت أجمل بشعرها المسترسل وعينيها الصافيتين، لكن الصمت حلّ بيننا. كنت أعلم أن المعادلة صعبة بين بقائها زوجة له، وبين أن تتّخذ موقفاً تطلب فيه الطلاق. أتاني يقين يومها أن التفكير بذلك أدخلها في متاهات المصير القادم، فهي في عمر ستسأل فيه عن طفلين. وعاجزة في الوقت نفسه أمام متطلّبات الحياة. لم تتعلّم. لا تحمل ما يمنحها فرص العمل، كيف ستعيلهما؟ كيف ستخطو بهما إلى الحياة؟ إنهما يحتاجان إلى المزيد، وهي لا مورد لها. ما الذي تفعله بمفردها؟ ما الذي ستقدمه لهما؟ كنت أشعر بمخاوفها، وتمنّيت لو أصرخ بملء صوتي بأنني أقدّم لها حياتي وعمري على ألاّ أرى دمعة حزن في عينيها. أكدّ وأعمل وأفني نفسي ولا أرى الأسى والشقاء يتسرّبان إلى حياتها أو حياة طفليها.‏

تدهورت العلاقة شيئاً فشيئاً بين ابنتي وزوجها، وحين أسرّت لي ذات مساء عن رغبتها في الطلاق، كانت جادّة جداً، لا أدري لماذا لم تصبني السعادة، فبقدر ما أدهشني القرار بقدر ما جلب لي شعور الخيبة. هل لأنني اكتشفت حزنها الدفين؟ أم لتقوقعها على نفسها؟ كنت أفكّر بها، فما زالت في الثالثة والعشرين من عمرها. ربما تتزوّج ثانية وربما لا. لكني أعاهد نفسي على مساعدتها باستمرار، وهذا ما جعلني أنهض في الصباح الباكر أخيط لها ثوباً خاصّاً. لاحظت كآبتها وعينيها الساهمتين. كانت تخفي أشياء أخرى، وحين استلقت قرب ابنيها سمعت هدهدة حزينة، وأغنية تشبه أغنية كنت قد حفظتها عن أمي، اغرورقت عيناي، وهربت إلى غرفتي، وتذكّرت يوم هربت معه تحت شعار الحب. أيقنت أنها ما زالت تحبه وتريده، وما فكرة الطلاق سوى رغبة في عودته الكاملة إلى حياتها.‏

أرقت تلك الليلة، بعد كل غفوة كنت أستيقظ. كانت النار تصعد إلى أسي، فأشعر بالاحتراق. أهرع إلى صنبور الماء. أغتسل. أرفع شعري بيدي وألطم فوق وجهي، وأبكي بكاء مراً. كنت على استعداد للتضحية بكل ثمين وغال فداء لراحة قلب ابنتي ونفسها.‏

أذكر تلك الليلة تماماً. قلّبت إبرة المذياع طويلاً. مررت على جميع البرامج. نهضت. استلقيت. نهضت ثانية. طفت في البيت. في المطبخ. أكلت. شربت. جئت غرفة ابنتي. استرقت النظر إليها. كانت نائمة على جنبها الأيمن وقد عقدت ذراعيها واقتربت ركبتاها، حملت الأسى وعدت إلى غرفتي. ذرفت دمعة. استلقيت على السرير، ومع انبلاج الفجر نهضت وقد تنبّهت جميع حواسي. طفت في كل مكان وأنا أحمل الدهشة. كيف انبثقت الفكرة؟ كيف حدث المخاض؟ كيف وكيف؟ ما الذي ذكّرني بأوراق الدفلى؟ كيف فاتني تفسير تلك التفاصيل؟ لماذا توقّف مفعولها بعد أسبوع فقط؟ لماذا؟ لماذا؟ وأتاني اليقين بتفكير لا يخلو من المنطق، حدث ذلك مع موت الأوراق، حين دبّ إليها التشقّق واليباس، وهذا يعني أن التجديد وارد، وقد يلزمه الاستمرار أسبوعاً وراء أسبوع. لم لا؟ سأفعل هذا ما دامت بي حياة، وأتى الصباح حاملاً التدفّق والنشاط، لأسرع إلى (فيللا) شدياق، وهناك أتتني أهم الأفكار. لم لا أقتطع غصناً كاملاً يكفي لأسابيع، كانت المحاولة صعبة وكأن الغصن يتشبّث بالجذع وبالأرض، غير أنني عدت مكلّلة بالنجاح، لأعود للّعبة من جديد.‏

قطفت أربع أوراق. عدت للكتاب والصفحة، ورحت أنقل الأرقام واحداً واحدا، أضع إصبعاً فوق كل حرف وفوق كل عدد، وأعيد القراءة والتركيز والكتابة، ثم آمر تلك الأسماء بعقد كل غرائز هذا الخائن عن الحرام. أما ما حدث فكان مدهشاً حقاً، فقد عاد ظافر على غير موعده ملهوفاً متشوّقاً. حضن طفليه وزوجته. عبّر عن شعوره كمسافر يعود بعد غياب. إنه يحبّهم كثيراً. لن يغادرهم بعد الآن. كم كان جميلاً ورائعاً؟ أصبح الدواء أمامي وبين يدي. غمرتني سعادة فجائية. فكّرت بغصن الدفلى، كان علي الاهتمام به ورعايته، وضعته في إناء مليء بالماء، ورحت أراقبه في الجيئة والذهاب.‏

ذلك المساء، وكنت أقلّب إبرة المذياع، تسلّل إلى سمعي بأن (السعي لجلب الراحة يلزمه المواجهة) فكّرت: (ربما يلزمه وضع خطط جديرة بالاهتمام)، ثم غفوت.‏

***‏

اتّسعت ابتسامة ابنتي، وعمّ السلام في البيت. تلك أيام لا تنسى. أراقب الحركة والنأمة، وهذه المملكة التي نصبّت عليها ابنتي كسيّدة أولى، لتطوي صفحة الطلاق إلى غير رجعة، وتمضي الأيام على أجمل صورة، لفت ظافر خلالها انتباه الجميع، أما أمه التي لم يعجبها ما آل إليه فقد شكّت بالأسباب، فتروح معه في حوارات طويلة، وتراقب تصرّفاته التي تسربلت بالتهذيب. كان يستيقظ منشرح الصدر. يداعب ابنيه. يشارك زوجته في المسؤوليات. يحضر الإفطار. يطعم الصغيرين. يعود. يرتّب سريره. تكون ابنتي في ذهول. إنه يهتم بثيابه. يطويها. يرتّبها. كل شيء في مكانه. لم يعد يرمي بأشيائه كيفما اتّفق، وحين يضطّر لخروج ما يطالب أسرته بمرافقته، أو يلمح إلى غياب قصير يعود على إثره متشوّقاً"، وكان مسروراً بطريقة ملفتة كما كانت ابنتي، خاصة حين فكّر للمرة الأولى بوجوب البحث عن عمل، فالمسؤوليات كثيرة وكبيرة، ويترتّب عليه الاهتمام براحة زوجته، ومستقبل أبنيه.‏

لفت انتباه العاملة ما يحدث في البيت، فعلّقت منشرحة الصدر على الزواج المثالي، الذي لم تعتقد به في يوم، ثم اكفهرّ وجهها فجأة، وراحت تتحدّث عن رغبة والدها بتزويجها، من رجل كبير في السن ويصرّ على أنه نعم الزوج، فقد أثبت ذلك في زيجاته السابقة، جميع أبنائه متزوّجون. إنه يبحث عن زوجة صغيرة، تحبه وترعاه، أما رأي أبيها فينصحها بالإنجاب منه، فثروته لا تقدّر، فربما ترث ما لا يصدّق. رفضت هي بقوة فضربها ضرباً مبرحاً. هدّدته بالهرب أو الانتحار فضربها أكثر. لكنها ستهرب حقيقة إن حاول الضغط عليها وتزويجها من هذا الكهل. ستختفي عن عيون الجميع. ستغادر كل شيء. هنا وهناك والعمل، ولن تتعلم الخياطة أيضاً، ولن تدع والدها يعرف أين هي أبداً.‏

ضحكت في وقت كنت متأثّرة ومتعاطفة معها. وعدتها بتقديم المساعدة حين الطلب. كنت صادقة معها. فهي محور الحركة في هذا البيت. تحب الصغيرين. تعيننا في العمل. تهتم بابنتي، ورحت أقدم لها النصيحة، فمصير كل فتاة هو الزواج، وسيحصل ذلك في يوم ما، فإن أتى ما هو مناسب لها فترتبط؟ وإن لم يأت لا بأس أيضاً؟ خاصة وقد تغيّر الآن كل شيء، كان الزواج ضرورة للفتاة، ويفضّل على عنوسة طويلة، أصبحت اليوم تحمي نفسها من هموم الحياة وضائقاتها، فالعمل يحل مشاكلها ويساويها بالرجل. العمل هو المردود الذي يغني عن العوز والوحدة، والأمثال كثيرة ومتعدّدة.‏

لم تبارح ابنتي تفكيري ذلك النهار، وهي التي وقعت في مصيدة الزواج، ولا تستطيع الوقوف في وجه المجهول القادم، فالاختيار الصحيح هو الحل، هو الاطمئنان، لو كانت في مكانها اللائق لما مرّت بتلك الظروف، ما الذي كان سيحصل لو لم يحدث ما حدث؟ ربما تخرّجت الآن، ربما عملت. كانت تحلم بالانتساب إلى كلية العلوم، وكنت أحلم معها أيضاً. أحلم أن يأتي ما يناسب حياتها لتكمل المشوار، بثقة وكرامة، وأعتز بها وبزوجها، ولا اضطر للتفكير بتميم وغير تميم، أو اللجوء إلى الخرافة والشعوذة والخزعبلات، ولما ركضت في الصباح أو العصر إلى (فيللا) شدياق، وجلست كاللص أكتب التعاويذ وأرسم الطلاسم، وأتعرّف على الأسماء أو آمر الخدّام، وألحق الوهم والمجهول، وحين ألتقي في مطلع كل شهر مع نسوة الجمعية. أكون في أفضل حالاتي النفسية، وقد ارتديت آخر ثوب خطته للمناسبة، فأتحدّث وأطرح الأفكار، أو أشارك في الأحاديث، وأستمع إلى المدح، فأنا في نظرهن أهم مصمّمة لأزياء العصر، من يصدّق أنني هي تلك المرأة المهووسة بجلب السعادة لابنتها، والتي استنجدت بما لا يصدّقه العقل، قطفت الدفلى وقرأت الطلاسم وكتبتها، وأمرت الخدّام أن يستجيبوا، وأن. وأن. وأن.‏

خرجت إلى الشرفة أستنشق نسمة آتية من فضاء البحر. كانت الشمس في منتصف السماء. الجو ربيعي. الجوري تفتّح عن براعم وردية حمراء، والفتنة تستعد لعطاءاتها الموعودة، مررت على النبتات الموزّعة. توقّفت عند غصن الدفلى، فوجئت بالحياة تدبّ في أسفل جذعه، وقد ظهرت له جذور قوية ومتشعبّة. ها هو يثبت وجوده. يعلن استمراره، ويتحتّم عليّ منحه الخصوصية والمكان، ليستنشق الهواء بحريّة، ويشرب الماء بعذوبة، فهو الأمل والاستمرار.‏

انهمكت بإحضار التراب والسماد. اخترت الوعاء، ولم يمض النهار حتى بدا الغصن شجيرة صغيرة، وقد ظهر لها فرع صغير وبضع وريقات نضرة لا تلفت الانتباه، فالشرفة تستوعب المزيد إلى جانب الياسمين وغيره. هكذا أصبحت شجيرة الدفلى متمّمة للاخضرار الموزّع بعناية، وانحصر دورها في جلب الاستمتاع للناظر إليها.‏

***‏

سارت جميع أمور البيت على أكمل وجه. انطلقت بعملي بشكل أوسع. أصبح لدي الوقت والهدوء والطمأنينة. تهافتت سيدات المجتمع لصنع أثوابهن الجميلة. أصبح إنتاجي أفضل وأكثر إتقاناً، فقلبي يضجّ بالفرح، وعيناي مرتاحتان، وحياتي هادئة، فنمت علاقة جميلة مع حفيديّ، خاصة رافي الذي يتسلل إلى غرفتي في الصباح الباكر، فيهمس بأنه قد حان موعد تحية العلم في التلفاز. أصطنع النوم أولاً. يشدّني من ذراعي. اصطنع المثول لأوامره. أنهض ونهرع معاً، ليقف بثقة رافعاً كفه إلى صدغه، مردّداً مفردات النشيد بتقطّع ولثغة محببة، ونتحول بعد ذلك إلى الغناء. تصدح فيروز بأغانيها المحبّبة. نغني معها ويدهش من حفظي الكلمات، وأتعمّد السرعة والأسبقية. ينقّل نظراته بيني وبينها. كانت له حافظة مدهشة وأذن موسيقية، فأستمع إليه بإعجاب إلى أن يلحق بنا أخوه الذي يقف بحياء، ثم يقترب فجأة نحوي. يلاصق ذراعي. أحضنه. يحاول رافي تجاهلنا وهو يختلس النظر إلى كلينا، فأشعر بأنها أجمل الأيام، وأكثر ما أستطيع الحلم به. هذا الاستقرار من حولي. كان الحب في نفسي يكبر ويطفو إلى ما حولي. إلى حياتي وأموري، أما أخبار ابني فكانت تأتيني تباعاً. انحصر همّه تلك الفترة بزيادة المال المخصّص له، المتطلّبات كثيرة والمصروف لا ينتهي، وهو في بلد غريب كما يقول، أما بعض زملائه فقد أتوا من بلاد الذهب. يصرفون بلا حساب ويصاب بالخجل حين يلتقي بهم، إذ لا يستطيع مجاراتهم، لذا يبتعد عنهم. كانت رسائله مليئة بالشكوى كهواتفه، وكان علي بالمقابل زيادة أوقات العمل، أو رفع الأجور. في كل الأحوال سارت الأمور على ما يرام، خاصة وأن العاملة تخطّت كثيراً من مراحل العمل، وظهرت على أعمالها بداية نضج. خمّنت تلك الفترة أن مشكلتها مع الزواج قد انتهت، واكتشفت لاحقاً أن الأمر قد تفاقم، وقد تضطر لأخذ موقف يحدّد لها الأبعاد بكاملها.‏

لمّح ظافر إلى أمرين هامين، أولهما اهتمامه بالعودة إلى الدراسة لنيل الثانوية، والمتابعة في الجامعة، وحلم يراوده بالانتساب لكلية الزراعة، كي يحقّق حلم أبيه، أما رغبته الثانية فكانت شراء بيت يسكنه مع أسرته الصغيرة، بمساندة أمه وما تركه لـه أبوه من إرث. كان قد حدّد موعد اللقاء مع السمسار. بدت البهجة على وجوه الجميع. ابنتي وابنيها. كانت الفرحة تعم البيت، ولا أدري هل كنت مبتهجة كما هم مبتهجون؟ لا بد أن يكون ذلك، فأقصى أمانيَّ هي استقرار ابنتي وسعادتها. لكن! لا أدري لماذا صدمت؟ هل لأنني تعوّدت وجودهم قربي؟ وهل يعني هذا ابتعاداً حقيقياً؟ حاولت إبعاد جميع الأجوبة، وفكّرت بشيء واحد، وهو كما قال ظافر، فقد يستدعي السكن وقتاً يتراوح بين عام أو أكثر. انتظرت عودتهم على أحر من الجمر، لأستمع ذلك المساء إلى حوارات طويلة حول مخطّطات الغرف، والوقت المخصّص لإكسائه. كنت أبحث عمّا يمدّد إقامتهم معي. فكّرت أيضاً بالمفروشات، والأثاث، وما يلزم لبيت كامل، ولسوف أتدخّل في الوقت المناسب. يجب أن تعيش ابنتي في بيت لا ينقصه شيء، غير أنني بقيت في ذهول إلى اليوم الثاني.‏

ما الذي سأفعله الآن؟ أو بعد الآن؟ هل ستنقلب حياتي؟ شعرت بغصّة، وأنا التي تعوّدت عليهم. خاصة الصغيرين، ورافي الذي يعتبرني صديقته. يمارس ذلك حين نتحادث، فيرفع الكلفة بيننا، ويعجب بنفسه وبتحقيق ذاته. نتحاور. نتناقش، ثم نغني ونلعب، وفي أوقات الفراغ يطالبني بسرد الحكايات. يغضب حين يكتشف خطأ في مسيرة الأشخاص، ويتّهمني بالكذب. يشتد التمرّد والحوار، إلى أن نصل إلى قناعة ما، فيبدو راضياً على مضض.‏

إذن ستتغير حياتي، وأرى نفسي وحيدة مع آلة الخياطة، ومع هذا الكم من الأقمشة، سأشتاق لهم، وتهطل دمعتي، ستأخذ أغنياتي طابعاً جديداً له لون الهجر والحرمان، والبعد والاغتراب. أعرف أن استقلالهم هو حق لهم. أن ينفردوا ببيت. يعيشون معاً. يحلمون معاً. ألم يكن هذا حلمي؟ يجب التوقّف عن التفكير. يجب أن ألملم دمعتي، وأسحب نفسي من أغنية قديمة كنت قد تمرّست عليها، وأمني النفس بملء عيني من أشيائهم ريثما يذهبون. سيبقون قريبين مني، ويكون باستطاعتي لقاؤهم وقتما أشاء، سأفاجئهم كل صباح، وكل ظهر، وكل مساء، أو يفاجئونني، سيكون لهم بيتان، وستبقى غرفتهم في انتظار، ولا بد من فترات يقضونها معي، كالأعياد أو أيام العطل، فيبقون ولا يرحلون.‏

تعوّدت أخيراً على فكرة مغادرتهم لي، أصبحت أشاركهم في مخطّطاتهم، وأبدي الرأي فيما يخص أحلامهم القادمة، وأقدم النصيحة تلو الأخرى، وأضع تجربتي وخبرتي في خدمة متطلّباتهم، فيمتعض ظافر أحياناً، لكني لا أعيره اهتماماً، فهذا حقي، وابنتي ستعيش في هذا البيت. ويتحتّم أن يكون على أفضل صورة، وكان باستطاعتي بعد أحاديثهم الطويلة تكوين فكرة عن مساحة البيت وأبعاده، أين تقع غرف النوم؟ غرفة رافي وأخيه، أين سيلعبان؟ أين سيأكلان؟ وكيف سيمضيان الوقت؟‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244