|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:51 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لم تغب عن ذاكرتي شجرة الدفلى التي قامت باللازم. أصبح بيننا علاقة تفاهم وود، فأحسب الأيام ساعة ساعة. يجب عدم النسيان، قد تؤثّر الدقيقة والثانية، لذا وفي اليوم السابع تبدل الأوراق الأربع بأخرى. كان عملاً ممتعاً، يفعل فعله بقوة وصمت. يقلب ظافر رأساً على عقب. يصبح رجلاً آخر. مختلفاً. يعيده إلى الحق والصواب. بعيداً عن الخطأ والخطيئة. يصبح أجمل وأنظف وأنقى. يصالحه مع نفسه ومع الآخرين. يصبح سويّاً. نافعاً. محباً ومحبوباً. كان هذا أجمل ما تقوم به وريقات الدفلى من فعل. جلست على كرسي في الشرفة. أراقب كل نبتة على حدة، ثم أقارنها بالأخرى. ترى؟! هل للفتنة من نفع ولا ندركه؟ أو هل للياسمين أو الجوري من فعل أيضاً؟ تذكّرت بـ (الدريديريين). فهل كانوا على حق؟ تنفّست بعمق وكنت أفكر بشجيرة الدفلى وفعلها المجهول، والذي توصّلت إليه عن طريق المصادفة، حين طرأت على ذهني فكرة. شعرت بذهني يعمل بأسلوب مدهش، لا يخطر على بال البسطاء. فكرة يلزمها الذكاء والحنكة والتطبيق. أعجبت بنفسي وبهذا الانبثاق الذي ولد فجأة ودون تخطيط. خفق قلبي وأنا أفكر بتطبيق ما جال في ذهني. حسبت الأيام المتبقية. أيام وأنفّذ الفكرة التي ستفعل فعلاً مجدياً، يدوم إلى آخر العمر. مرّ يومان حسبتهما دهراً. كنت أحسب حساب جميع من في البيت. العاملة وابنتي وزوجها وابنيها، خاصة أمام رافي المغرم بتقليدي، فقد استعمل المقص ذات مرة وقطّع أحد الأثواب متقمّصاً شخصيتي، وهو يردّد بأنه (التاتا)، فيتحتّم إذن التكتّم والسرية، وكانت الفكرة أن أكتب الطلسم على الأوراق الأربع بينما هي لا تزال على غصنها. ذلك سيجعل الفعل أقوى وأثبت، وربما –كما فكّرت ذلك اليوم- أطول زمناً، ثم أقطفها لمتابعة الخطة السابقة. أذكر كيف تأنّيت بنقل الحروف والكلمات بدقة، وحاولت كالعادة مراعاة الصواب وعدم الخطأ في مواقع الكلمات أو أماكن الأرقام، ولا أدري لم كنت أخاف من خطأ ما في ذلك؟ ولا أخاف من تغيير في الطريقة التي يجب أن تكتب بها؟ كما جاء في كتاب (الرحمة في الطب والحكمة)، فجئت بأسلوب جديد موقنة من أن فعله سيكون أنجع، وكانت الكتابة بينما الوريقات ما زالت –كما يقولون- على أمها. في تلك الفترة. ربما بعد دقائق. لا أدري تماماً. الآن أحسب ذلك، فعلى ما أعتقد تلك الفترة لاح لي ذلك الرجل وهو يمرّ في نهاية الممشى المؤدّي للصالون، مرتدياً سترة من لون بني فاتح، برأس صغير بعض الشيء وبنطال داكن، ربما كان بنّياً داكناً. يومذاك أرجعت ذلك لخداع البصر أو ألاعيبه. لم يخطر لي غير ذلك، ونسيته للحال، كأنني لم أر شيئاً. في تلك الفترة أيضاً حدثت أمور غريبة بعض الشيء، لم أقف عندها أيضاً، ولم أستطع تفسيرها، وربما أرجعتها إلى ظواهر في الحياة وفي الطبيعة لا تستحق الوقوف عندها طويلاً، إذ كنت أنساها للحال. في تلك الفترة أيضاً وكنت أجلس في مكاني المعتاد، وراء آلة الخياطة. رفعت رأسي فجأة. شاهدت الرجل، وكدت أطلق عليه صفة الطائر، لأنه يعبر بسرعة وكأنه لا يمشي. حدّقت قليلاً. كان قد اختفى بسرعة البصر، ثم عدت لعملي وكأن شيئاً لم يكن. لم أتحدّث أمام أحد عمّا تراءى لي، لأسباب تتعلق ببساطة الحدث، أو هذا ما هيئ لي. إذ كان اعتقادي يزيح عن ذهني كل الشكوك، وكل ما هو مخيف، فالاحتمال الأول ما زال موجوداً، خداع البصر، أو أن المرآة المتصدّرة واجهة الخزانة عكست شيئاً، يشبه الرجل الذي لاح في المرة الأولى، وكما حدث ذلك اليوم لم أنشغل بما رأيت، ربما لأنني في المرتين كنت أجلس في المكان نفسه، وأرفع رأسي بالطريقة نفسها، وأعمل العمل نفسه، أو لماذا لم أر رجلاً مختلفاً عنه في الشكل والهيئة؟ أو يرتدي لباساً مختلف اللون؟ أو لماذا لا يكون بطول مختلف؟ أو برأس مختلف؟ في كل الأحوال لم أفكر كثيراً، فقد أخذني العمل، وربما مشيت حيث عبر الرجل بعد مروره بدقائق معدودة، دون التفكير به أو بالأسباب التي جعلت ذلك المشهد يتراءى لعيني أكثر من مرة. قبل أن أغفو سمعت المذيع يختم النشرة الإخبارية بحديث حول ((الاستيطان ودوره الذي كان غائباً خلال فترات ماضية)) أدرت الإبرة أبحث عن أغنية عذبة، ورحت أفكر بمسؤولياتي الصباحية. كان موعد الجمعية الذي سيكون في بيتي يقترب، وكان علي بعض الالتزامات المهنية. نهضت أربط عقرب الساعة للاستيقاظ الباكر، ثم عدت للنوم باطمئنان شديد. *** أتاني صوت ابنتي وهي تلحق رافي، وكان يتجه نحوي مهرولاً قالت: -لا يريد الاغتسال. قاطعها بدلع قائلاً: -أريد.. لكن مع جدّتي. قلت بجدّية: -أنا مشغولة. شدّني من ذراعي مصرّاً وهو يقول: -هيا.. قومي.. أريد السباحة في الماء. قبلته ونهضت. ملأت المغطس ماء دافئاً وأنا أستمع إلى تعليقاته العذبة، فهو سيسبح في البحر، ويحب الماء الحلو. لا يحب المالح. لن يتعب من السباحة. أمه لا تدعه يلعب، هو يحب اللعب. هو يحب (التاتا). صفق بيديه فرحاً. كنت أحمله وأسقطه شيئاً فشيئاً في الماء، وأفكر بأن العمل يلاحقني، وعليه الإسراع. حين تناهى إلى سمعي خطوات في الممشى، ما بين الحمام وغرف النوم. كانت خطوات رجل يرتدي حذاء قاسياً. يقطع المكان جيئة وذهاباً. أصغيت السمع ثم عدت لحث رافي على النهوض. أصاب الآن بالدهشة، لماذا لم أقف بعض الوقت للتفكير بما يحدث؟ وكيف أمارس لعبة الدفلى وأوقن بمفعولها، ولا يمر بذهني أن ما يحدث حولي غريب الوقوع؟ هل لأنني قضيت عمراً لم أتعرّض خلاله لأمر مشابه؟ أم لأن لم تعترض حياتي تجربة لها علاقة بالغيبيات؟ أم لأن طفولتي المليئة بالخيال وأخبار الجن والأشباح، جعلتني أتخطّى مراحل الخوف التي استهلكتها بأجمعها ذات يوم؟ تلك الطفولة المليئة بالجرأة، حيث كنا نصطاف، فنتحرّك هناك بعفوية وبلا توقيت. كنا نخرج ليلاً إلى الهواء الطلق، فنلعب تحت السماء المكتظّة بالنجوم، وحين نرى كتلة ضخمة تشبه الضوء المشوب بالحمرة، وهي تلتّف حول نفسها وتسقط فوق مكان ما. نهرع للاستكشاف، وفوق شفاهنا قصص الأنبياء والقداسة، فنرى الأيام جميلة. نستمد منها الثقة، ونتلمّس في نفوسنا جمال الكون والطبيعة، ونحمل مقدرة على التصوّر والتفكير، فكل شيء ممكن وعادي في الحياة. كنت منهمكة بقطعة قماش حين تذكّرت خطوات الرجل القاسية. خطر لي سؤال ابنتي حول ذلك قلت: -هل أتى زوجك حين اغتسال رافي؟ -لا. -هل أتى أحد آخر؟ -لا.. لماذا؟ -لا لشيء.. سؤال لا غير. هذا ما حدث، وكأنّ شيئاً لم يكن. كأنني لم أر ولم أسمع، ربما اعتقدت بقدوم الصوت من مكان آخر. لم لا؟ قد يكون هذا ما فكّرت به آنذاك، فلقد نسيت كل شيء. ما رأيت قبلاً وما سمعته الآن. كأن أمراً لا علاقة له بهذا المكان، أو كأنني أرى شريطاً على التلفاز. وربما لأنني أوقن بظواهر في الحياة لها علاقة بالطبيعة أو الفلك والنجوم، أمور تحدث لا علاقة لنا بها. غير أنها تحدث لأسباب لا يدركها العقل، وقد لا يدركها العلم. كما تسقط نجمة أو يحدث كسوف، أو نتعثّر، أو ينكسر إناء أو ساق. أمور تستحق التوقّف منّا نحن البسطاء، لكنها لا تستحق التفكير الطويل، فالاهتمام بأمور كهذه لها أصحابها المختصّون. لها علماؤها الذين لا يتوقّفون عن البحث والدراسة، فما يحدث معي قد يحدث أيضاً مع غيري، فهل ستكون قضيته وشغله؟ وإن حدث هذا كيف ستكون ردّة فعل المستمع إليه؟ فإن تساءلت أمام أحد عن معنى ظهور رجل واختفائه؟ أو أصوات أقدام تعبر أروقة البيت؟ هل سينظر إليّ بعين الريبة؟ بالنسبة لي لم يكن هذا سبباً، قد أجفل من صوت أو صورة، قد يحدث هذا لثوان، ألتفت. أنتبه. أنظر. أراقب، وأعود لمتابعة أموري من جديد، وكأن شيئاً لم يكن، أو كما حدث ذلك اليوم، وكان موعد الجمعية، قمنا أنا والعاملة نلملم ما خلّفته الخياطة من قصاصات وخيوط أو أوراق، ونستعد لاستقبال الضيوف. تنقّلت بين الأثاث أراقب عملية التنظيف. أرتب. أضع اللمسات، ثم ألقيت نظرة رضا على كل شيء، واتّجهت وأنا أدير ظهري إلى الصالون لأعبر إلى غرفة عملي. توقّفت مذهولة. فشيء قوي يصدر صوت ارتطام على المنضدة. استدرت باحثة عن سبب دهشتي. وجدت الصورة التي ترتكز على مسند خلفي قد وقعت. غير أنها وقعت بطريقة مختلفة عمّا يجب، فبدل أن تسقط إلى الوراء باتجاه المسند، وهذا هو الطبيعي، فقد سقطت إلى الأمام. أذكر بأنني دهشت وأنا أمسك الصورة بين يدي. كانت بالنسبة لي صورة مقدّسة. فكّرت بالطريقة الغريبة التي سقطت بها. كان من المستحيل أن يحدث ذلك، إن لم تفعله يد ما. كلّفني التفكير بضع ثوان، وانشغلت ثانية بالاستعداد لاستقبال الضيوف. كنت قوية. كانت أعماقي محصّنة ضد الخوف والتهيؤات. ضد اللا معقول. ضد الخرافة. وهذا ما جعلني أستقبل زائراتي ببساطة امرأة تعيش الحياة برفاهية واطمئنان. لم أكن أصطنع مشاعر السعادة، فأنا أعيشها مع ابنتي وابنيها. اختلت أكثر من مرة وأنا أنادي ابنتي للتعرف بسيدات المجتمع، أو لتقديم المساعدة لي كما تفعل العاملة النشيطة، ورحت أتحدّث عن حياتها. عن زوجها الذي يحبها. عن البيت الذي أهداه لها، ولم أنس الحديث عن مشاعر الأسى التي ستحتلّني، حين سيفارقونني ذات يوم، فقد تعوّدت على وجودهم. مرّت الساعات بسرعة، تخلّلتها وجبات من طعام وأصناف حلويات، وأحاديث متشعبّة حول الأبناء وهمومهم. سئلت عن ابني ودراسته. عن آخر تصاميمي. عن أهم الألوان المقترحة للعام القادم، وكنت ألاحظ في عيون أولئك النسوة نظرات الإعجاب، إلى أن مضت الجلسة على أكمل وجه، وكانت لحظات شيّقة بقيت في ذاكرتي طويلاً. *** ذكّرتني العاملة بأن اليوم مخصص لتسليم الأثواب التي جهزت لأصحابها. كنت قد نسيت ذلك في زحمة أعمال البيت، ورحت أنادي ابنتي المنشغلة بإطعام ابنيها، وأملي عليها طريقة طبخ الخضراوات باللحم، كي أتفرّغ للعمل لوضع اللمسات الأخيرة. كانت العاملة منهمكة معي، ورحت أراقب حركتها بإمعان. هذه الفتاة موهوبة بطريقة لافتة. فكّرت بأنها لا بد أن يكون لها شأن في يوم ما، ولم أبخل عليها بنصيحتي وتجربتي الطويلة. كنت أعتقد بأن الخير والعطاء لا يذهبان سدى، فلا بد أن يرتّدا على الفاعل في يوم. كنت أفكّر بابنتي القريبة مني، وبابني الذي يعيش الغربة طوال سنوات، وربما استعان بمن يمنّ عليه بالحب والحنان. كانت المرأة تقلب الثوب بين يديها من كل جوانبه ذلك الصباح، وتعلّق على طريقتي في الخياطة. النظافة. الترتيب. من يرى عملاً من أعمالي يقسم أن لا يد لمسته، بل أكبر مصانع التصميم لن تجهزه كما هو عليه، وتساءلت هل تخرّجت من معهد أو مدرسة؟ أو هل تمرّست في معمل؟ تذكّرت نباهة العاملة التي ربما تفوقني مهارة في يوم قادم، غير أنني أجبت عن تلك التساؤلات، فأنا قد مارست المهنة منذ الصغر، عندما حكت للعبتي القماشية المفضّلة عشرات الأثواب والقمصان. غادرت المكان لأحضر كيساً لوضع الثوب فيه، وكنت أعبر بين طاولة الطعام والنافذة المطلّة على منور البناية، حين سمعت ورائي شيئاً يسقط، هيئ لي أن وزنه يعادل عشرات الكيلوغرامات. شبّهته بصندوق ضخم مليء بالكتب. التفتّ إلى موقع الصوت بدهشة. لم أر شيئاً. بقيت في مكاني وأنا أمدّ بصري فيما حولي، هنا أو هناك، فربما أرى ما سبّبه الصوت. كان من المستحيل التصديق بأن لا شيء حولي سيدلّني على الصندوق الذي سقط ورائي. درت في مكاني وعدت إلى غرفة العمل، لا أحمل صورة في ذهني عمّا حدث قبل ثوان. كانت السيدة ما زالت تقلب الثوب الجميل بيديها. ناولتني الأجر ورحلت. كانت العاملة تعلّق على بخلها. إذ لم تفكّر بمنحها هديّتها أو كما تسميه (الحلوان). نادتني ابنتي وكانت منهمكة في المطبخ، وكأنها تذكّرت شيئاً راحت تضحك وهي تحاول الحديث، فنهرتها. ما الذي يحدث؟ تكلّمي! فتكلّمت، فهي خلال الليل كانت تشعر وكأن أحداً ما يتحرك في الغرفة، وحين يجلس يكون ذلك للقراءة، كانت تستمع إلى صوت تقليب الصفحات ورقة ورقة، وكأن يداً حقيقية تفعل ذلك. سألتها إن كانت متأكدة من ذلك؟ عادت للضحك. عرفت أن ابنتي تتمتّع بالقوة وعدت إلى غرفتي. لماذا أصمت ولا أبحث في الأسباب؟ لماذا لا ينتابني الخوف؟ هل لأن لا علاج لهذه الظواهر إن وجدت حقيقة؟ كان التجاهل والنسيان حليفيّ وصديقيّ، والنهج الذي اتّبعه اللا شعور في عقلي الباطن، وأتساءل الآن: هل هو تناقض أن أؤمن بقوى غيبية تغيّر مجرى حياة كحياة ظافر؟ أو مسيرة شخص ما بطريقة جذرية وبأبسط الطرق؟ ويكون رصيدها أربع أوراق من أشجار الدفلى، فيكتب عليها أرقام وإشارات، ويطلب أو يؤمر، فلا تمرّ الدقائق حتى يلبّى النداء؟ هل هو تناقض أن أوقن بهذا ولا أوقن بأن ما يحدث حولي ليس أمراً عادياً؟ أمر لا أستطيع تفسيره. ربما لأن ما يتعلّق بالأولى له علاقة بالعلم والحساب. مثلاً. لو كتبت على خمس أوراق بدل الأربع هل ستختلف الأمور؟ أو لم حدث خطأ بين رقم 12 وكتب 14 ألا يكون الأمر مخيفاً؟ ربما لا، وربما نعم، وهذه النعم هي التي تدفعني للدقة والأمانة في نقل الوصفة، وهذا أيضاً هو السبب المباشر في أنني لم أقف أمام ما يحدث خارج تلك اللعبة، فالوصفة تقول أمراً محدّداً، وما يحدث لم يطلب مطلقاً، ولكل حادث سبب، وليس لما يحدث من أسباب توجب وقوعها، ولهذا لن أوقع نفسي في تفكير غير مجد، هذا حقي! حقي ألاّ أفكر بالحاضر، ألاّ أهتمّ به. لكن! أليس من حقي أيضاً التفكير بزمن سبق تلك الفترة؟ وهل كانت تحدث أمور شبيهة في ذلك الزمن السابق؟ لا أذكر شيئاً من هذا. وأعتقد أنها تحدث لأول مرة. أم أن أموراً أخرى كانت تشغلني آنذاك؟ أو ما الذي كان يبعدني عن التفكير بظواهر تحيط بي؟ ظواهر تستحق الاهتمام، وربما الخوف والهروب. لماذا تمر الأشياء وكأنها لم تكن؟ أو كأنها بعيدة كل البعد؟ أو كأن ما يحدث هو الصدى الآتي من مكان آخر. بيت مجاور. سطح أو شارع، وكيف أعبر فوق خطوات سبقني إليها رجل يظهر ويختفي؟ عشرات المرّات أروح وأجيئ. دون تفكير. دون تصوّر. دون استعادة لصورة أو صوت. أو. أو. خاصة وأنني لست الوحيدة في البيت التي أحسّت وسمعت. فابنتي أيضاً استمعت خلال الليل إلى صفحات كتاب تقلب أوراقه ورقة ورقة. ربما كانت المصادفة هي التي تخصّني بتلك الأمور التي كانت ستحدث حتماً إن كنت موجودة أم لا. أفكّر الآن هل كنت أشك بفعل أوراق الدفلى، ذلك الفعل الذي قلب الصورة فوق الطاولة، وأصدر تلك الأصوات، وفضّلت التجاهل واختيار ما هو في مصلحة ابنتي، ورحت أغض الطرف عن الأعراض الجانبية، كما يحدث إثر تناول بعض الأدوية؟ لا إني متأكّدة أن ذلك لم يمر في ذهني أبداً، ولست أعلم في حال الشك بذلك كيف كنت سأتصرّف؟ ربما كنت أنهيت تلك المهزلة ببساطة وكأن شيئاً لم يكن، وليحدث بعدها ما يحدث، وربما كنت تجاهلت تلك الأمور لاعتقادي ببساطتها، ما دامت لا تتعدى حدود الحركة، ولا تجلب الأذى كما كنت متأكدة منه آنذاك. *** ليس هناك أجمل من صور الطفولة، وهي تهجم على الذاكرة بعذوبة. ذلك الرصيد الذي خزّن بالجرأة، فتخطّى ما كان وهو يعبر فوق الصعب، ليترك أحلاماً غنية بالتخيّل والتصوّر والأحلام. ذخيرتي ملأى بالأحداث التي تفوق التصوّرات، ملأى بقصص فيها السندباد وألف ليلة وليلة، وحكايات كليلة ودمنة، فيها قصص الجن والعفاريت والأشباح. كان خيالي يجمح ويحلّق مع طيور (حسن الصايغ) التي تأتي مرّة في الشهر، فتخلع ريشها وتستحم، فوقع في حب الكبيرة (منار السنا)، وخطفها –كما علّمته الجنيّة التي منحته الأخوّة- لتصبح منار السنا زوجته، إلى أن اكتشفت ذات يوم ثوبها الريش وقررت الهرب. كان لديها ابنان شدّتهما إلى وسطها، وارتدت الثوب وطارت إلى أهلها، أما هو فأتته وصيتها، فإن أرادها فليلحق بها إلى جزر الواق الواق عند عشيرتها، ولاقى ما لاقاه كي يعيدها. كانت القصص تأتيني دون تخطيط. عبر القراءة أحياناً، وبطرق عفوية أحياناً أخرى، كنت أقضي في القرية أجمل الأيام، كان كل شيء رائعاً يضفي على ذلك الجمال السحر الأخّاذ، فعند مدخل القرية نبع رقراق. نروح إليه في كل وقت، هنالك نزهاتنا المميّزة. تكون النساء منهمكات بملئ الجرار بين اللعب والضحك. أذكر كم جلست على ضفاف الماء المنهمر، فوق الحصى المتعدّدة الأشكال والألوان، فيحلو لي مراقبة الوقع وصوت الخرير، وأشكال الحصى الموحية بالنظافة والتألق، أكون في ترقّب وتحفّز للاستماع إلى الأحاديث الغريبة التي تستعيدها النساء جيلاً بعد جيل، ومصادرة كل فكرة جديدة علي، أو ما يروى ويؤكّد عليه شهود عيان، ما زالوا يعيشون في قرية تتمتّع بجمال الطبيعة وعذوبتها. لم تترك في نفسي تلك القصص التي كانت ترد ببساطة الأثر السيء، ربما لاقتران الاستماع إليها ببساطة السرد، وإرجاعه إلى عوامل طبيعية عادية، تحدث في عالم له أكثر من وجه وأكثر من يقين، فبقدر ما شغلتني تلك الأمور آنذاك، بقدر ما أضفت عليّ من التوازن والموضوعية، وربما لأسلوب الراوي الذي ينهج العفوية دون تهويل، ما يبعد الخوف عن المتلقي ويقرّبه من الاستغراب الجميل، أو الفكاهة المحبّبة التي لها الوقع الطيّب والعادي. فإنهم يتحدّثون عن أشخاص لا مرئيين يظهرون أحياناً، يفكّرون ويخطّطون ويحتفلون ويتقاسمون الأعمال، ويوزّعون كيفية جلب المستحضرات، والمواد التي تصنع منها الأطعمة، والأواني اللازمة، ويصبح الاستماع أمراً عادياً، بل جذّاباً ومشوّقاً. حينذاك نعرف أن الحفل سيقام، وقد حدّد أوانه وظروفه، إذ أمليت الواجبات، هذا يحضر الطناجر من بيت فلان، والملاعق من بيت آخر، وذاك يهتم بكذا، وذاك بكذا. أما الراوي فيقسم أن الملاعق غابت عن بيت فلان عدّة ساعات، والطناجر عادت في آخر الليل، ومن بيت فلان اختفت كؤوس الماء، ثم عادت بقدرة قادر، وكان خيالي المرتبك وقلبي المتقافز يعملان بعشق لتلك الأحاديث، فأحلم بالمرور قرب الوادي الذي كان نهراً، وتحوّل مع الأيام إلى ممر لتلك الكائنات، حيث يقيمون في مكان ما احتفالاتهم ومآدبهم، وأنصت إلى أحاديثهم وأصبح الراوية لمرة واحدة، حيث سأترك خيالي عندها يعمل، ويضيف ما يستطيع من صور وأفكار. غير أن ما كان يزيد اهتمامي هو تعدّد الرواة في تلك القرية، ويزيد من اهتمامي أيضاً ذلك الإنصات لكل حرف يقولونه، ومن ثم التأكيد عليه، كأن تهتزّ الرؤوس علامة التأكيد، فتأتيني المفردات تباعاً، فهذا أمر اعتدناه، أو هو جزء من تراث القرية، أو ينبري أحدهم ليقدّم تجربته التي نراها وكأنها لا تخلو من الصدق، أو كأنه استعاد تفاصيلها أكثر من مرة، أما أنا فأكون في دهشة جميلة تساهم في صناعة التفاصيل المليئة بالاستغراب. ما الذي كان يحوّل أحاديث جلساتنا إلى ذلك المنحى من الذي يباشر بأحاديث الجن والعفاريت؟ أم أن الجميع كانوا يساهمون بذلك، فلا تمضي ليلة خالية منها، وأعتقد الآن أنني كنت أحملها معي إلى ما قبل النوم، لأصوغ منها عشرات القصص، وأعتقد أيضاً بأنها لم تحمل الخوف إلي بقدر ما حملتني إلى عالم عجائبي غريب، فقصّة الطبيب المصري صاحب الشعر الأبيض أدهشتني طويلاً، وفاقت كل ما سمعته في قرية جدي. حدث ذلك في الستّينات وكنا نجلس حولـه صامتين. لم يكن عمره يتعدّى الثلاثين، وقور الهيئة بهدوئه ورصانته. أذكره وقد بدأ حديثه بالإشارة إلى شعره الأبيض، ثم التأكيد على أن ما سيرويه هو الذي غيّر لون شعره بعد أن كان أسود فاحماً. كان من الطبيعي أن أجيد الإصغاء كما يفعل الكبار من حولي. وأتمتع بقدرة على الاستيعاب خاصة وأن ذلك الطبيب يتحدث ببساطة ويستعيد تلك الذكرى البعيدة وهو الطفل الصغير الذي تعوّد الذهاب مع أقرانه للعب عند القناطر. كانت لعبتهم المفضّلة آنذاك (الاستخباء) فيغمض أحدهم عينيه ويغيب الآخرون، كل يذهب إلى مكان ويختبئ فيه، ثم يأتي الخبر أن ينهض مغمض العينين للبحث عنهم، وفي حال اكتشف مخبأ أحدهم يعتبر معتقلاً، ويقع عليه الدور في الإغماض، ويجدّد اللعب ثانية. اختبأ هو ذلك العصر، وحين طال اختباؤه شعر في البداية بالفخر، على اعتبار أن اختياره للموقع يعد اكتشافاً هاماً في عالم اللعب، غير أن الوقت الطويل جلب له التوجّس، فخرج ليراهم يتابعون اللعب، وقد استبدلوا لعبة (الاستخباء) بـ (اسكندر) وتقضي هذه بأن يحني أحدهم ظهره ووجهه باتجاه الأرض، ويكون على الباقين القفز من فوقه تباعاً. لم يطل الوقت ليجيئ دوره. كان عليه الانحناء والقيام بالمهمة كما فعل أصدقاؤه الصغار. هو لا ينسى ذلك اليوم أبداً، وكأن تلك الحادثة تتكرّر للتو، ولا ينسى تلك اللحظات بما تحمل من رعب وخوف، فقد اكتشف وهو مطرق الرأس والأجساد تعبر فوق جسده. اكتشف أن أقدام رفاقه المتقافزين، أو أن جميع أقدام رفاقه المتقافزين تنتهي بأكعاب ماعز، فتذكّر للحال ما كان يروى من قصص عن أولئك الذين يظهرون أحياناً ويغيبون أحياناً، فنهض بكل ما أوتي من قوة وراح يركض باتجاه بيته. كان قلبه يخفق بشدة، وكان يتذكّر أكثر التفاصيل عن تشكّلهم بطرق تختلف بين مرة وأخرى، كأن بصفة بشر، أو حيوان، أو طير، وكان ما زال يركض ويركض حين لاح له رجل هرم ينظر إليه بحنان، فأسرع إليه لاهثاً، وأخذ يحدّثه عمّا رآه، وكيف خرج من مخبئه ليجد رفاقه يلعبون، فشاركهم اللعب، لكنه اكتشف وهو في غمرة بهجته، اكتشف أن أقدام أصدقائه ليست كقدميه أبداً، ربت الرجل الحنون على كتفه وهدّأ من روعه، وسأله وهو يشير إلى نهاية قدميه، هل تشبه هذه يا بني؟ اكتشف أيضاً أن لقدمي الرجل الهرم كعبي ماعز، فأطلق العنان لساقيه وشعور الموت يلاحقه، فأتى بيته وأصيب بحمّى طويلة الأمد، ليخرج منها بشعر أبيض رافقه منذ الطفولة. في طفولتي أحببت هذه القصص كثيراً. لم يكن يهمّني أن تكون حقيقة أم من صنع الخيال، وأعتقد بأنني آمنت بحقيقتها، فهذا ما أذكره، ولأنها لم تخفني آنذاك لم تترك عندي ما يسمّونه حالة مرضية، أو عقدة لا حلّ لها، أو هوساً ينغّص علي الحياة. أما لماذا تهجم على الذاكرة الآن؟ فليس التداعي، أو المقارنة، أو لأوجه الشبه بينها وبين ما يحدث حولي، فالأمور مختلفة تماماً، أذكرها لأنها وقعت، ولأنها لم تكن تعني لي شيئاً البتّة، وأعتقد أنها لو عنت لي لتغيّرت طريقتي في السرد، واختلفت التفاصيل التي ربما لم تكن لتحصل. *** نسيت كل ما حولي عدا تلك السعادة التي ترفرف علينا في البيت. نسيت الرجل الذي كان يعبر ما بين غرفة الطعام والصالون، أو ربما أنا التي لم تعره اهتماماً في الأصل. حلّ صمت على كل شيء. لم تعد من حركة، أو بلبلة، لم أكن أبحث عن تلك الأشياء أبداً، لكني الآن أتذكّر أن كل الأمور عادت إلى مجراها الطبيعي. لا صوت يأتي من دون مصدر، لا صورة، كانت الأيام تمر بسرعة، فأجد ابنتي منهمكة بتجهيز بيتها. كانت قد نسيت فكرة العمل التي شغلتها، وتعليق أم ظافر ساخرة بأن راتبها الشهري لا يعادل أجر ثوب عند أمها. أما هي فابتسمت وأكّدت حبها للعمل واعتباره جزءاً متمّماً للحياة، وجزءاً هامّاً من تحقيق الذات. كنت أعرف أنها ذات شخصية متوازنة، وما صمتها خلال السنوات الماضية سوى جزء من هذه الشخصية، فعليها الدفاع عن اختيارها إلى أن تستوي الأمور، وعليها التأني، فلا بد من عودة الزوج الذي أحبها وأرادها في يوم مضى، وأعرف أيضاً بأن العمل يتناقض مع المسؤوليات الأخرى والهامّة. لقد تبدّلت قناعاتها مؤقتّاً ريثما يكبر الصغيران، وبعد أن قرّر ظافر الاستقلالية في بيت يخصّه مع زوجته وابنيه، وربما لما طرأ على علاقتهما من جديد، ولطرح فكرة العمل من قبل الزوج الذي كان يستنكرها في السابق، وحين عاد ظهراً كان يحمل كتباً خاصة بالثانوية، ودفاتر وأقلاماً، وكان مبتهجاً وهو يحكي عن التفاصيل، وأن باستطاعته هذا العام نيل الشهادة، وأشار على زوجته أن تحذو حذوه، فالفرص متاحة لهما، والمساعدة موجودة، وكان يلمح إليّ وإلى أمه، كنت في غاية السعادة، هل سيتحقّق حلمي الذي غاب، وتعود ابنتي إلى طلب العلم من جديد؟ كم أصبحت حياتها جميلة؟ أصبح للحوار طعم وللحديث طعم، وللنقاش أيضاً طعم، فتنتابني السعادة وأنا أتلمّس أن ما بينهما أكثر من حب ووئام، فهنالك أمور يشتركان فيها باستمرار، وحياة تجمعهما ما بين الماضي والمقبل، فيحلو لي في أحيان التدخّل وإبداء الرأي، ولا أدري لماذا؟ هل لأصل إلى قناعة أكبر؟ أو للتأكد؟ يمتعض ظافر قليلاً، وأكتشف بعد ذلك أنه عمل برأيي، وذات مرة عرفت بأنه امتدحني، وهو الذي لا يحاول الجهر بهذا أمامي، يكفي أن يفعل ذلك، لقد ابتسمت في سرّي. فهل لأوراق الدفلى فعل واسع المدى والطيف؟ تذكّرت بأنني قد نسيتها، ورحت أعقد المقارنات وأسابيع النسيان، وأكتشف بأنني لم أقم بفعل الكتابة منذ أسابيع طويلة، فأحاول استرجاع تصرّفات ظافر، إنه هو كما تمنّيت أن يكون، وربما ازداد التصاقاً ببيته وأسرته، وازداد حبّاً وعرفاناً، وتصاعد تعلّقه بعمله الذي يتحدّث عنه في كل مناسبة، هل أثمرت المعالجة؟ هذا ما أعتقده وأوقن به يوماً إثر يوم، وتوصّلت أخيراً إلى أن الكتابة على الأوراق وهي ما زالت تتغذّى من الجذور والتراب، ثم يحدث فعل القطاف، له فعل أكبر وأطول وأهم. أصبحت أستيقظ على أصوات الصغيرين. رافي وأخيه. نهرع إلى التلفاز. ونحن نخب بطريقة مصطنعة، ونتضاحك، ونتسابق. من يصل أولاً؟ فأترك لهما الفرص. أصبحت مولعة بهما كثيراً. أصبح وقت انفصالهما عني قريباً، لم أحاول التفكير بذلك وكأنهما لن يفارقاني أبداً. أكرر كل صباح ما سنفعله. أملي عليهما أوامر الطاعة، فالعمل ينتظرني، الأقمشة متراكمة، والأثواب متراكمة، وعلي مضاعفة العمل لتجهيزها في موعدها، لكنهما يتضاحكان ويتدافعان، رافي يرغب بسماع فيروز، وأخوه يهوى مشاهدة الصور المتحركة، لذا قسّمت لهما الوقت. كانت نظرات رافي تتقافز مع إيقاع الموسيقى وهو يراقبني بطرف عينه. ألاحظ تقاطيعه وقد سكنتها الطمأنينة، أما الصغير فراح في بكاء. كان عليّ العودة إلى الصور المتحرّكة، جنّ رافي ودفع أخاه أرضاً. بكى هذا بقهر شديد. كانت أمهما قد استيقظت وأحضرت لهما وجبتي حليب مع الشوفان، وانتهى الأمر إلى أن راحا يأكلان بصمت، وهما مشدودان إلى برنامج الأطفال الصباحي. كانت شهيّتي مفتوحة للطعام تلك الفترة بطريقة لافتة، فأبرّر نهمي بوجوب الأكل قبل شرب القهوة، وقبل التدخين، وقبل حبوب مرض الضغط المزمن، ثم أتذرّع بالضجر، ثم بالتفكير والقلق، إلى أن ازددت سمنة، ولأنني لا أقوم بمزيد من الحركة بحكم عملي في الخياطة، فقد انصعت لأوامر الطبيب بممارسة المشي. بالنسبة لي فضّلت المشي الصباحي، فكنت أعود إلى البيت متدفّقة نشاطاً، يكون الصغيران بانتظاري على أحر من الجمر. اكتشفت عبر ممارستي للمشي أكثر مواقع الجمال في الطبيعة. كان البحر يزغرد كل صباح في مسمعي، فأطرب لرؤية الزبد المتدفّق والذي يستلقي أخيراً على الشط الهادئ، كعاشق تعب من الانتظار. راق لي الحلم والتخيّل، واستعادة ما أحفظه من شعر، وهيئ لي بأنني أستغرق في التفكير، أو أخرج ببعض الفلسفات الجميلة، التي وصفتها بالرقي. حدث هذا وكنت أستعيد ما أسمعه من أخبار في الفضائيات المتعدّدة، وما يتعرّض له كوكبنا الجميل من كوارث، بالنسبة لي أرّقتني كثيراً فكرة الزلازل، أمس واليوم، ولا أعلم لماذا تأتيني تلك الأخبار عنها؟ وهل أنا التي أتابعها؟ نحن نعيش فوق فالق يمتد من الشمال إلى الجنوب، ومذ عرفت تلك المعلومة وأنا أنتظر تحقّقها، الهاجس قضّ مضجعي، الموت المقسّط على أكثر من دفعة، فليأت الزلزال ويحقّق ذاته لينتهي الأمر، فأتأسف على هذا الكوكب الذي لم يلفت انتباهي في الماضي، كم وقفنا بدهشة أمام لوحة لا تتعدّى الصفحة، بينما قد استمدّت من عالم فسيح هو كل اللوحات، هو جميع ما رسم وكتب على مر الأزمان. لوحات حيّة. أرض وبحر. جبال وأنهار. غابات وسماء. الجمال في كل مكان، في كل جزء من هذا العالم، غير أن الفضائيات لا تتركنا نتعايش ببساطة، فتأتي تؤرِّقنا وتؤرّق الجمال فينا. بأحاديثها اللا متناهية المصادر. الزلازل. البراكين. ما يعتمل في باطن الأرض. ما يحوم حولها. المركبات. النيازك. أشياء متساقطة من الشمس، سحابات مغناطيسية. انفجارات في الغلاف الجوي. ثقب في الأوزون. كل شيء إلى زوال. الأشجار تقطع. البحر يلوّث. ترى هل ستنتهي الحياة ذات يوم؟ هل سيتوّقف كل شيء؟ فأتذكّر حفيديّ. يخفق قلبي وأشتاق إليهما. أسرع الخطا. أمر قرب أشجار الدفلى التي تقسم الشوارع، وهي تتدلّى بأوراقها الغاصّة ، وأهرع إلى البيت. أرى حفيديّ بانتظاري. أشعر بالشوق الكبير لابنتي وابنيها، وأفكر ببيتهم وباللمسات الأخيرة، وأحسب حساب مغادرتهم لي. لكن!. سأنهي مشواري كل صباح بينهم. يكونون في انتظاري. كنت أفكّر ولا أدري لم احتلّتني الكآبة. كان مشواري طويلاً ذلك الصباح. كنت أسير بسرعة وأكتشف بأن ذهني قد توقّف عند اللحظات التي ستتم فيها المغادرة، وكيف سيمر اليوم الأول؟ بنهاره وليله. ذرفت أكثر من دمعة، قرّرت العودة لأرى ابنتي وابنيها في انتظاري، كانوا حولي يتضاحكون، فقد أتاهم اعتقاد قبل قليل بأنني لم أخرج هذا الصباح لممارسة المشي، إذ كان صوتي وأنا نائمة يأتيهم عالياً من غرفتي. ردّد رافي الكلمات ببساطة (كنت تشخرين يا تاتا) ضحكت أمه وأكّدت أن ذلك حقيقة، وحين أتوا لتفقّدي اكتشفوا أنني لست في الفراش، وكان صوت الشخير قد توقّف. قلت بلا مبالاة بأن هذا ما يسمّونه خداع سمع. هل كنت قد تعوّدت على كل غريب لأطلق عليه صفة الخداع؟ فقد تجاهلت الفكرة للحال، وربما استمدّت ابنتي اطمئنانها مني، خاصة وأن ذلك ليس المرة الأولى التي تمرّ بها في أمر مشابه، وربما لأن لا علاج لمثل هذه الأمور التي لم يعرف مصدرها، ويبقى على العقل الدور الهام في نفي كل ما هو غير طبيعي في الحياة. *** تراءى لي الرجل حتى الآن سبع مرات، جميعها من تلك الزاوية، أما من أماكن أخرى، فلم يره أحد مطلقاً. تراءى لي ثلاث مرّات، ولابنة أخي مرة، وجارتي مرة، وإحدى الزبونات التي أصيبت بالدهشة، واضطّررت وأنا أسحبها من يدها لمعاينة المكان، فقد وصفته برأسه الصغير، وسترته البنية، وبنطاله الداكن. لم يكن يشابه ظافراً. وترتّب علي وضعها في الصورة، خوف الأقاويل التي اشتهر بها سكان الحي. لم يكن ذلك سوى خداع بصر، وحين ألقت نظرة على المكان بسملت وانتهى الأمر، إلى أن أتت أختها ذات يوم وجلست في ذلك الموقع، وبدت عليها الدهشة وهي تحملق في مكان انطلاق الرجل، فتكفّلت هي هذه المرّة بتفسير تلك الظاهرة، ولم يفتهما وصفه بالتناوب، لباسه، شكله، حركته، وانهمكتا بمراقبة رافي وأخيه وهما يلعبان في تلك النقطة بالذات، وعادتا تتحدَّثان في مواضيع مشابهة يلعب فيها البصر، وأحياناً السمع، وانسجمت معهما بأكثر من استشهاد، واكتشفت بأنهما تعرفان عن حوادث مماثلة أكثر ممّا أعرف. خاصة الأخت الصغرى التي تؤكّد أن روح أمها التي ماتت قبل سنوات، تعيش معها في بيتها المترامي الأطراف، وقد تأكَّدت من صوتها أكثر من مرة، وكان أن دبَّ الخوف إليها في بداية الأمر، فتسمع صوت حركة، أو تنفّس، غير أن الخوف زال حين لاح خيال أمها ذات مساء، وهيئ لها أنها أرادت الاطمئنان على راحتها، حين سمعت همسها وكأنها تسألها: (ألم تتعبي؟). أما هي فكانت تجهّز طعام الغد، وكان الوقت ليلاً، ولم تخف أبداً. أنهت الحديث عن أمها وانخرطت مع أختها في أحاديث أخرى. كنت أنظر إليهما بتعجّب، كأن أمراً هاماً لم يقل، وانهمكت كل منهما بتقليب صفحات (الجرنال)، للاطّلاع على أحدث الأزياء واتّفقتا أخيراً على ترك ذلك لذوقي الفني، فمن خلال تجربتهما توصّلتا إلى يقين من أنني أهم مصمَّمة، ولو أن الفرص تتاح لي لكنت بين مصممي أزياء العالم، الذين يشار إليهم بالإصبع. ضحكت, لم تكن المرة الأولى التي أسمع بها مديحاً كهذا، لم أفكِّر بما قالتاه، كنت مشغولة بما يحدث في ذلك البيت، وحملت الدهشة إلى أن رحلتا. أعترف أن قصَّة تلك المرأة أخافتني، لكنني اطمأننت بعض الشيء، فهي في وضع لا تحسد عليه، ولا أستطيع التفكير بأن شيئاً مشابهاً يحدث في بيتي ولا أخاف أو أصاب بالرعب. لذا عليَّ طيُّ موضوعي تماماً، والانشغال بأشياء أهم من ذلك، فقد استعدت مجمل الأحداث السابقة، واكتشفت بساطتها طالما أن هناك أموراً تحدث في كل مكان، وأرجعت كل شيء إلى فرط في الرهافة والحسّ والترقّب الذي يجعل للنسمة صوتاً، وللحركة وللظل. كانت الأمور تسير على ما يرام، لا أذكر حدثاً تغّص علينا وجودنا، أو سبّب همَّاً، على عكس ذلك، وكأننا أقمنا معاهدة مع الراحة والسكينة، ومع ما يسهّل العيش، توسّع عمل ظافر، وأخذ عملي صفة الجودة، وكأنني أجري نحو الشهرة خطوة إثر خطوة، فقد فوجئت في صباح اليوم الثاني بدعوة خاصّة، للمشاركة في مسابقة، غايتها اختيار أفضل تصميم لأثواب العام الجديد، كان هذا أهم ما حدث معي منذ موت زوجي، ولا أدري لماذا تذكّرته كثيراً، فلو كان حيَّاً لشاهد ما الذي ينتظرني من مفاجآت، ورحت أهتف لمن أعرفه أو يمتّ لي بقرابة، علَّه ينقل الخبر الذي أفرحني بطريقة مذهلة. كان عليّ دراسة الفكرة، فيجب أن أحسن الاختيار، ابتداء من اللون والزي والشكل. كان لديّ من الوقت ما يكفي، وعرفت في أيام لاحقة أن أشهر المصمّمين، سيشتركون في تلك المسابقة التي ستأتي بالشهرة والبحبوحة لمن يصممّ أفضل ثوب، ورحت أحلم بأكثر من ذلك، إذ لم تقف أحلامي عند ذلك، فقد تفاءلت أكثر وحلمت أكثر، لماذا لا أكون صاحبة مصنع خاص بالألبسة الجاهزة؟ بل بالألبسة الخاصة، والتي تكون للنخبة. يكون لدي عشرات العاملات، والآليات. كم ستفرح ابنتي؟ وحفيداي؟ وابني؟ الذي سيتدفّق عليه المال، ويجاري زملاءه الآتين من بلاد الذهب. كنت سعيدة ذلك اليوم. غفوت على الأحلام، والتصوّرات. على مشاريع النجاح، فلابد أن يتميّز عملي. وسأتفوَّق على المصممّين والمصمّمات، وتلاحقني وسائل الإعلام. الصحف. المجلاّت. الفضائيات. ستفتخر ابنتي بي، سيتابعني رافي وأخوه باستغراب. ما الذي يحدث مع جدّتهم؟ كيف وصلت إلى ماهي عليه؟ كيف نالت الاستحسان؟ وأكون في نشوة التميّز والنجاح. لا أدري هل غفوت تلك الليلة؟ أم أن الفرح أخذ مني كل مأخذ؟ فقد استيقظت ليلاً على دوار في رأسي، وحرارة شديدة في جسدي، وهاجمتني في الليل حالة تشبه التسمّم. تقيَّأت أكثر من مرة، ودهمني الإسهال أكثر من مرة، وكان المغص يقطِّع أمعائي، واستطعت خلال ذلك نسف كل أحلامي. فكّرت بأيام قادمة. بالوحدة التي تنتظرني. بكيت وتقوقعت في السرير، وانسجمت مع الألم، وكنت أندب حظّي ولا أدري لذلك سبباً. ولا أدري كم مرَّ من الوقت، فقد استيقظت على رنين الهاتف. كان ابني يشكو القلة، ويطالبني بفك الضائقة التي يرى نفسه متورِّطاً فيها يوماً إثر يوم. شعرت بأنني في صحة جيدة، كنت قد نسيت ألم الليل وهواجسه. فكّرت بابني وتأمين طلبه. لعبت مع حفيدّي طويلاً. أتت العاملة تذكّرني بيوم استقبال الزبونات. رحنا نستعد إلى أن تدفقت النسوة، وكن مبتهجات بخبر الدعوة الموجّهة إليّ، ورحن في أحاديث عن حدسهن الذي سبق الدعوة، فقد كنّ ينتظرن حدثاً مشابهاً، اليوم أو غداً. أحضرت العاملة (ركوة) القهوة، ورحنا نرشفها بهدوء، لا أدري لماذا باغتني شعور الكراهية لكل عمل، وليس للخياطة بالذات. شعرت بأنني كبرت وتعبت. يكفيني أن أصمِّم وأترك المتابعة لغيري، لقد تضاءلت استطاعتي. كل ما أقوم به يشقيني. الخيط وثقب الإبرة، وبصري الضعيف. هذه مهنة تجرّ الويل على أصحابها، فما من امرأة تمتهنها إلاَّ وتعرَّضت لما ينغّص حياتها، إما أن يموت زوجها أو يذيقها العذاب، وربما تتعرّض للأمراض، كالتهاب المفاصل أو الشحوم، أو تضخّم الساقين، كما يفعل الاسم أحياناً، فيصيب حامليه بعوامل مشتركة، كالفقر واليتم وضيق الحال والتعب أو المرض، ويأتي الطبيب ليضخّم الأمر، وقد يعطي أوامر المشي الذي أراه نوعاً من أنواع الشقاء، أمور كثيرة تدفعني في أوقات الوحدة للغناء بملء صوتي، إن لم يكن يسمعني أحد، وبصمت إن كان سيتناهى إلى الآخرين، أغنّي بشوق وحنين للراحة والعيش بطأنينة وهدوء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |