|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:51 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
فاجأتني العاملة في الصباح بخبر زواجها من الرجل الهرم، وعليها ترك العمل ابتداء من الغد، فالرجل ثري ويحتاج إلى زوجة ترعى شؤون البيت. لم تكن سعيدة بقدر ما كانت راضية، فهذا قد كتب لها، وعليها مراضاة أبيها الذي يصرّ على تزويجها. لم أشأ التدخّل، فهي تعرف رأيي منذ البداية، ورحت أفكّر ببديل، كان من الصعب حمل عبء البيت أو العمل بمفردي، خاصة وأن ابنتي تستعد للانتقال، فقد أنجز بيت الأسرة الصغير. كان ظافر منهمكاً بنقل الفكرة إلى زوجته، وكنت أراقبها وهي تجمع الحقائب. كان منظر رافي وأخيه وهما يقدِّمان العون أجمل ما سأراه في حياتي، بينما تنهرهما أمهما. شعرت بغصَّة وحاولت الابتعاد عن التفكير، أو أن ما يحدث هو أمر مؤقت. يجب إبعاد فكرة غيابهم عن ذهني، هذا أهم ما يجب التفكير به، كأن أقول إنهم في رحلة قصيرة، أيام فقط ويعودون لي. كنت أعرف أنني أكذب على نفسي، لكن هذا سيحملني إلى حالة مختلفة، وبحثت عن سبب آخر أشغل نفسي به، وتوصّلت إلى التفكير بسفري الذي تزامن وقوعه مع فترة انتقالهم، وعليَّ الاستعداد أيضاً، حيث سأقيم أسبوعاً. هذه الفكرة التي أتت في أوانها، وذلك الغياب الذي سيلهيني مؤقتّاً، ثم أعود وقد تعودّت على الفكرة أو تقبَّلتها، وربما أحمل معي جائزة التميّز، فيتحوَّل الأسى إلى بهجة، وتحدث الانطلاقة التي أحلم بها، وتكون المؤشّر الجديد على التغيير الذي سيطرأ على حياتي. أتاني هاتف من تميم. فوجئت في البداية، ثم انسجمت معه في الحديث، فقد تذكَّرت أيام الصبا، وقراءة الكف والفنجان، وهواياته في الكشف عن الطالع وما تقوله الأبراج، وأحاديثه عن تطوير نفسه للوصول إلى مخاطبة الأرواح، والجن. تذكّرت تلك الأيام التي جلب فيها السعادة لإحدانا والتعاسة لأخرى، أو الرعب أو الطمأنينة معاً، وكنت قد نسيته في زحمة الحياة. الزواج والأسرة، والمسؤوليات. كان شكله يوحي بالسحرة والمشعوذين، بوجهه المنمنم ورأسه الصغير، وصوته الذي يخرج من حنجرته مباشرة، وحين أتاني صوته لم أستطع سوى التذكَّر، سألته عن أحواله وصحّته، فعرفت أنه يتعاطى التنجيم وأنه مريض بالإدمان. ضحكت فقد تذكّرت تلك الأيام، وكنا ذات صباح عند صديقتي التي تمّت له بصلة قرابة، وكان يجلس على مقعد خشبي، راح يسأل كلاً منا على حدة هل تستطيع مشاهدته وهو يطير مع كرسيه نحو الأعلى، ولأننا لم نر ذلك نقول بالإجماع لا، غير أنه كان يصر على أنه طائر ومحلّق ونحن الكاذبات. سألني تميم، إن كنت قد استيقظت ليلاً وقبل أيام، على حالة من تسمَّم، مع ألم في منطقة البطن والرأس، أجبته على الفور أجل، وكدت أسرد تفاصيل تلك الليلة المشؤومة، حين تذكَّرت بأن ما حدث لم أروه لأحد، وأنني قد نسيت ذلك في صباح اليوم الثاني. سألته بدهشة أن كيف عرف بهذا؟ أجاب بصوت خارج من عمق حنجرته، وبإسهاب وثقة، بأنه شاهدني وهو يستحضر الجن ليلاً. ضحكت في البداية، كما كنا نفعل ونحن صغار، وتابعت المزاح، وما سبب ما حصل لي؟ كان ذلك بسبب اصطدامي بأحد أبناء الجن، هذا مضحك حقاً. ثم ماذا يا تميم؟ لقد تألم الطفل وعليك بالمقابل أن تتحملي الألم. ضحكت أكثر. قلت: ـ لماذا لم يبعد هذا الجنّي عن طريقي؟ أليس هذا أفضل له ولي؟! ـ لا تمزحي!... إني أقول الحقيقة. هم يروننا ونحن لا نراهم، فنصطدم بأحدهم إن كنا مسرعي الخطا نزعجهم حين نسكب ماء ساخناً، بطريقة فجائية فتصيبهم، أو لأسباب كثيرة لا داعي لذكرها. ـ إذن هم في كل مكان؟ ـ أنت تتهكّمين. ضحكت ثانية. هذا تميم الذي لن يتبدّل، ولن يتغيّر. أغلقت الهاتف، وغلبني التفكير، فكيف توصّل تميم إلى تلك المعرفة؟ وهل حقاً يعرف الخفايا؟ وتوصّلت إلى أنه استطاع معرفة حالة التسممّ التي وقعت بها، واستبعدت أن يكون ذلك نتيجة اصطدامي بجنّي أو ابن جنّي كما قال، واستطعت تذكّر بعض ما كان يروى أمامي، حين أكلت (الأرضة) عصا سليمان التي كان يتكِّئُ عليها، فسقط على الأرض ليكتشفوا أنه قد مات قبل عام، فندموا كثيراً على ما ذاقوه خلال تلك الفترة من عذاب أليم، وكانوا قد سخّروا لطاعته والقيام على خدمته. لم يبعدني هاتف تميم أو أحاديثه عن التفكير بابنتي وانتقالها السريع، وحين حدِّد الموعد وجدت نفسي منزوية في غرفة الخياطة، أصطنع الانهماك بالعمل، كنت أنهض وأتحرّك وقلبي ينفطر من الأسى. راحت دموعي تهطل فجأة، وتنبّهت في زحمة التفكير إلى أن الصغيرين يجلسان متلاصقين، وقد توسَّعت عيونهما، جفّفت دموعي ورحت أحضنهما، وأجبت على سؤال رافي بأن يدي تؤلمني، فهرع يقبِّلها وهرع الصغير يحذو حذوه. كانت لحظات أبدية، غمرتني السعادة، ورحت أقبل يد كل منهما ووجهه وشعره، واستسلمت لكل ما سيحدث ولكل ما سيأتي، فوجودهما أينما كانا يستطيع انتشالي من الحزن، وحمايتي من السقوط، فأنا أدرك معنى ابتعادهم، وأن يفرغ البيت الذي ملئ بالحياة، وأعرف أيضاً أن اللقاء سيحدث باستمرار. لكن؟ لهم حياتهم التي يجب أن يعيشوها، وأن يكوّنوا أسرة متضامنة، ولا نعلم ما الذي تخبئه الحياة، فربما تعمل ابنتي، وتضطر لمن يهتم بابنيها، فأكون أنا البديل، وربما يأتيان في أوقات متفرِّقة. يلعبان أو يدرسان ثم ينامان، وقد يحدث هذا أكثر من مرة في الأسبوع. لقد جهّز البيت تماماً، ونقلت إليه المفروشات، وهيئ لي أن الأمر أتى على عجل، إذ كانوا يستعدِّون للمغادرة، لم تشأ ابنتي إضفاء طابع الوداع. خرجت وعادت ثانية. أشارت إلى عودتها بعد قليل، فلديها بعض الترتيبات. كان الطفلان سعيدين. شيء جديد يمر بحياتيهما، شيء لا يدريان كنهه، لكنه مبهج. شدّني الصغير من يدي وطالبني بمرافقته. اصطنعت الابتسام بينما الغصّة تخنقني، فأنا سألحق بهم. كان رافي يتقافز من الفرحة، وعدني بعودة سريعة. تلك الساعة كانوا قد خرجوا بأجمعهم. أغلقت الباب وجلست أبكي. نهضت أحضر فنجاناً من القهوة، تذكّرت العاملة التي غادرتني وأنا بأمس الحاجة إليها. البيت كبير وفارغ، دخلت غرفة ابنتي. بدت الخزانة المفتوحة فارغة. خفت. أغلقتها. ألقيت نظرة على الأسرّة. سرير رافي وأخيه، لامسته بكفي. انحنيت أقبله. عدت أمسح الغرفة بنظراتي وخرجت. حضرت ابنتي مع ابنيها مساءً. قالت إنها جاءت لسببين، لوداعي إذ سأنطلق في الصباح الباكر إلى دمشق، حيث ستبدأ سفرتي، ولشوقها لكل ما في هذا البيت، الذي ضمَّها سنوات عمرها، في السّراء والضرّاء. اغرورقت عيناها بالدموع ونهضت تشغل نفسها بالثوب الذي صمّمته للاشتراك في المسابقة، وعلّقت على آخر اللمساتِ التي أضفت عليه مزيداً من الرونق والأناقة، وراحت تعلّق بمزاح فهو سيدخل عالم الشهرة، وتمنّت لو جاءت الفكرة باصطحاب عارضة خاصَّة لارتدائه، لكانت رافقتني. تدخّل رافي جاداً فهو يرغب بالسفر معي. أسرعت أعانقه، ولم أنس الصغير الذي يبدو حين يكبر حاملاً شخصية مختلفة عن أخيه، يبدو صامتاً ومفكِّراً. بدا سعيداً. وأنا أنتقل لمعانقته. ابتسم برقة، ولم ينس التقاط نظرة من أمه وأخيه الذي كان يراقبه بتمعّن. وجدت نفسي وحيدة في المساء. كان كل شيء قد جهز، فعليّ السفر باكراً وبالتالي النوم باكراً، ورحت أفكّر بترتيب القدر لكل أمر. انفصال ابنتي وأسرتها عني. رحيل العاملة، وذلك التوقيت في سفري. لابد من وجود قدرة ما غائبة عن البشر، تنظّم الحياة بتفاصيلها، كما ينبلج الصبح وتشرق الشمس أو تغيب، كما يظهر القمر هلالاً ويكبر، ويعود للتراجع على أمل العودة من جديد، وتوصّلت إلى قناعة، كل شيء لصالحي، كان من الممكن أن تنقلب الأمور وتختلف المواقع. كل شي وارد في هذا العالم المليء بالأسرار. عمَّ الظلام فجأة. قطع التيار الكهربائي، أصبح الظلام دامساً. كنت ما زلت أجمع حوائجي، وما زال الوقت مساء. لم يكن باستطاعتي الرؤية. الستائر مسدلة، والبيت مبني على الطريقة القديمة. متشعّب وواسع. يفضي إلى شرفات تحيط به من كل جانب. كان عليَّ العودة إلى غرفة الخياطة. تلك اللحظة التي لا أستطيع نسيانها. كيف تذكَّرت الرجل الذي يعبر ذلك المكان الذي يجب أن أمر به؟ ولماذا أخاف منه بالذات؟ ولماذا الآن؟ هل لأنني أصبحت بمفردي؟ هل لأحاديث تميم؟ أم تلك المرأة التي تظهر لها أمها ولا تخاف؟ أم؟ وقفت والرعب يسربلني، حين طرأت الفكرة على ذهني. كان قلبي يخفق وأنا أمد يدي إلى الأمام، وسط العتمة، يجب كسب الوقت والسرعة. سرت خطوة أو أكثر. تعثّرت بشيء قاس. نهضت. كانت وجهتي الشرفة الضيقة. عبرت منها إلى الطرف الآخر من الصالون، وأنا أتجه إلى الشرفة الواسعة، وأتجه مباشرة إلى غرفة العمل، وهناك أشعلت الشموع. حدث هذا في لمح البصر. لم أشعر بالألم الذي أصاب ساقي، وتنبَّهت بعد قليل إلى جرح في الرضفة اليمنى، وحين عاد النور ثانية. هرولت أبحث عمَّا تعثّرت به. لم أشاهد شيئاً. خفت. أسرعت نحو غرفة النوم واستلقيت، وكعادتي أدرت إبرة المذياع. استمعت إلى بعض الموسيقى والشعر، وتسرب إلى سمعي آخر خبر يتلوه مذيع حاد النبرات، وهو يعيد الموجز بقوله ((أكبر دليل على العدوان هو أن القصف يستهدف مستوطنات آمنة)). أغلقت المذياع أحاول النوم، وأنا أشغل نفسي بأمور تتعلّق بالخارج وأغمض عيني باحثة عن الأمان والسلام. *** كم كان الطريق جميلاً ذلك الصباح؟.. وذلك الهدوء المتسلل مع ترقّب الفجر، وكأن السائق قد تعمَّد أن نحلم بالفرح، إذ راح صوت فيروز ينهض مع الإشراقة الأولى، وقد انتشرت ألوان سماوية تبزغ رويداً مع أشعة الشمس. ترسل ضوءاً ماسياً يزغرد في الأعماق. شيء يشبه الانطلاقة نحو الحب والفرح، وهدير الباص الذي يذكِّر بالتحرَّر من شيء ما، إلى شيء ما، وكأنه يشقّ الطريق فاسحاً المجال للأحلام، ولسنابل الحقل المرصَّعة بشقائق النعمان. يزغرد البحر بوشوشات اللقاء، وهضبات الطريق تنهض بعنفوان، وتقصر المسافات ساعة وراء أخرى، لنكتشف أننا قطعنا الطريق وانتهينا في المحطة الأولى. تأكّدت تلك اللحظات بأنني أعيش التجربة، التي حلمت بها، ويتحتّم عليَّ المتابعة نحو الهدف، والاتجاه نحو الخطوة التالية، للانطلاق من جديد إلى كل المحطّات. عرفت في المطار أن مصمَّماً شاباً من دمشق يشارك في المسابقة، وأن عددنا سيقارب الثلاثين بين مصمِّم ومصمِّمة، ومن جنسيات مختلفة، ورحت أحلم بالتميز على الجميع. لم لا؟... هذا حق لي كما يحق لكل منهم الحلم، والشعور بالتفوّق والتميّز، ومع تحليق الطائرة تقافزت مشاعري، وحلّقت عالياً، ولم يفارقني شعور النصر، كأنني أولى المصمِّمات. سألقى الإعجاب. ستراقبني الأعين بدهشة. فهل هذه أنا التي تتربّع على عرش الفن؟ أحسست بأنني شابة، فتية. توقّفت الخمسة والأربعون عاماً من عمري، وتراجعت. ربما أصبحت في الأربعين أو أقل، ولم تغب عني تلك الأحاسيس، فحملتها معي إلى البلد الجديد، حيث كان بانتظارنا مندوب عن المؤسّسة التي أعلنت عن المسابقة، ووصلنا الفندق الكبير، وهالتني أجواؤه الجميلة، ابتداء من صالة الاستقبال الواسعة، والتي نبتت في زواياها الأشجار، إلى السلالم المتحركة، والمصاعد المتعدِّدة، والطوابق المفروشة بأناقة، والتي توزَّعت على جوانب المماشي الطويلة، الغرف والأجنحة المخصصّة. أجواء منعشة تعبق بروائح النظافة والتحفّز. استلمت بطاقات تحمل رقم الغرفة والمفتاح، ثم البرنامج اليومي الشيّق والمغري، ورحت أستعد لتطبيق ما يملى من تفاصيل، فقد سجّلت أسماؤنا بالترتيب، كنّا قد قسّمنا على دفعات، بينما خصّص اليوم الأول لاستقبالنا واختيار العارضات. اخترت إحداهن وكانت تشابه ابنتي، وتمنّيت أن تكون لها مواصفاتها. ضحكت في سرّي، ولم أنم تلك الليلة وأنا أحلم باختيار اللجنة لعملي الجميل. سألقى الإعجاب والدهشة، وأكون أولى المصمِّمات والمصممّين، بل وأفضلهم، وقبل أن أغفو استمعت إلى التصفيق، وشاهدت الجميع يتقدَّمون نحوي. يثنون عليَّ، وكانت بانتظاري أكثر من شركة لتوقيع عقود معي ولابد من أن تصل أخباري إلى ابني الذي سيدهش، ويصبح ابن أهم مصمِّمة للأزياء، ويفرض نفسه عليَّ ليصبح مدير أعمالي، وتتوسّع شهرتي التي سأقطف ثمارها وأقدِّمها لـه ولأخته ولرافي وأخيه، قبل أن أغفو أيضاً، تذكّرت زوجي وأيام العوز. تمنّيت لو أنه لم يمت لكان شاركنا ثمرات القطاف. تذكّرت تلك المرأة وروح أمها التي تشاركها الحياة في البيت، لو فعل زوجي ذلك لشاركني بهجتي، ولا أدري متى غفوت! كيف مرَّ الأسبوع لست أدري؟! شبّهت نفسي وكأنني أعيش في حلم لا ينتهي. نسيت مسؤولياتي وأعمال البيت والمطبخ. نسيت العاملة التي كنت أحتاج إليها باستمرار. لأول مرة منذ سنوات أتفرَّغ لنفسي وأموري. أنتقي ثيابي. ألواني. أتحرَّك بعفوية وثقة، وأتوصّل إلى قناعة بأن جميع زملائي في المهنة، يعيشون حالة مشتركة. نلتقي بالصحافة والفضائيات. نسأل. نجيب، وربما تصيبهم مشاعر النجاح، فيغفون على أحلامهم التي تحقَّقت أيضاً بين التصفيق والإعجاب. هتفت إلى ابنتي أكثر من مرة، ونقلت لها تفاصيل المهرجان. حدّثتني عن رافي وأخيه، وكيف أقلقا راحتها، وكيف يتباريان على الهاتف ويشغلان الخط، وكأنهما يتحادثان إليَّ، لقد بكى الصغير لأنه لم يسمع الصوت المطلوب، في حين أقفل رافي السماعة بغضب وهدَّد بذهابه الفوري إلى بيته الحقيقي. فرحت بأخبارهم، وتأثرت لابتعادي عنهم، وكأن الغربة تولّد التساؤلات والاهتمامات، فسألتها عن ظافر وعلاقتهما، وهل ما زالت جيّدة؟ فأقسمت أن كل شيء على ما يرام، ويزداد اهتماماً بها وبابنيهما، وهم على أحسن حال وفي وئام مستمر. شعرت بالسعادة، واسترسلت بالفكرة التي طرأت. أنا وأسرتي نعيش حياة مثلى. ابنتي في راحة، وغداً يعود ابني فتكون الأمور على أحسنها، دغدغني الفرح، وكنت أسير منتصبة القامة. أسمع وقع حذائي وموسيقى لا مصدر لها. تذكّرت أغنيتي المغمّسة بالحنين. تذكّرت أمي وغرفة الخياطة. تذكّرت أدق التفاصيل. أوراق الدفلى وشجرة الدفلى، والرجل. ضحكت هذه المرة، وكانت النتائج ستعلن ذلك العصر، وتهيَّأ كل منا ليتلقَّى الخبر الذي جاء على خلاف ما يتوقَّعه، ولم أعد أسمع شيئاً، فقد خاب أملي دفعة واحدة. أقيم حفل على شرف النجاح. تخلّله ثناء على بعض التصاميم. ذكرت بعض الأسماء ثم أسمي الذي تردَّد أكثر من مرة. نهضت وعرفت أنني كنت قاب قوسين من النجاح. استلمت شهادة ثناء. كانت أكثر ما جنيته في ذلك المهرجان، وكنت أستعد كما فعل غيري للعودة إلى بلدي. لا أعلم إن كنت أحمل مشاعر الإحباط أو الفشل أو كليهما، غير أنني حملت تفاصيل تجربة هي الأولى في حياتي، وكان شعوري بأن فرصتي الهامة في الحياة أخذت بالتضاؤل شيئاً فشيئاً. *** سكون فيما حولي. خطوت إلى لا شيء. كان البيت متباعد الأطراف. الستائر تلوح في الطرف الآخر. النوافذ تعكس رؤوس أشجار وطيور مسافرة وسماء بلا نجوم. كان الوقت مساء، وكنت أمشي وكأنني لا أعرف الأماكن. جلست على كرسي في غرفة الطعام. مددت كفّي أمسح شيئاً يشبه الغبار. كان قلبي منقبضاً، وبصري يتحرَّك ولا يحطَّ على شيء، وأنا في يقين أنني لا أرى ولا أسمع، ففي رأسي صور وأحاديث، وفي ذهني نقطة تحوّل. نقطة تبحث عن قرار. عن فعل. كنت جامدة بعقلي وجسدي. هكذا أصبح البيت الذي كان في يوم ضاجَّاً بالحياة، ومليئاً بالحب واللعب، وغاصَّاً بالأحلام. جامداً مترامياً. شعرت بالشوق إليهم. نهضت أجمع نفسي. حملت حقيبتي ورحت أهبط الدرج، وأتجه صوب البيت الذي أخذهم مني. صعدت الدرج العريض بخطوات سريعة، قرعت الباب. سمعت أصوات الطفلين. كانا يتناوبان الكلمة (تاتا. تاتا). طالعني وجهاهما. حضنت كلاً منهما بذراع، ورحت أبثُّهما شوق فراق طويل، وكأنهما فارقاني منذ أعوام. كانت ابنتي منهمكة في المطبخ. تتحرّك كأميرة في مملكتها الصغيرة، ضمن بيتها الجميل، الذي يتألف من غرفتين للنوم، وصالون واسع بعض الشيء. طغى على جدرانه اللون الأبيض المؤطّر بالجص، أما المفروشات فكانت أقرب للأزرق الداكن الموشَّى بخيوط فضيّة، وعلى المنضدة إناء له أشكال هندسية متعدِّدة الألوان، وقد تسللت في أرجاء البيت موسيقى عذبة خافتة. شعرت بالراحة ورحت ألاعب الطفلين ريثما تحضر أمهما. فكّرت تلك اللحظة بابني الذي سيحضر في الصيف، كما قال في آخر هواتفه. شعرت بالشوق إليه، وبضرورة مجيئه. سيملأ البيت ثانية. كان ظافر خلال ذلك قد خرج وعاد أكثر من مرة، يحمل مؤونة البراد. بدا سعيداً أيضاً ومفتخراً بما يجلبه من مواد مميّزة، وانهمك بإحضار طبق من فاكهة متعدِّدة الأصناف. قال إن لي فضلاً عليهم. أوحيت له بسروري. كل شيء يوحي بالطمأنينة. هذا عالم جميل. فتيّ. يشقّ الحياة بثقة، ويتحتّم علي إتاحة مايجلب الاستمرار، وإبعاد ما يعيق الفرح. عانقتني ابنتي وأنا أنهض للعودة، فتعلّق الصغيران بي، وخيّراني بين البقاء أو مرافقتي، وكنت أعود وقلبي مع الجميع. خطّطت رسالة طويلة إلى ابني ذلك المساء. لم أترك خاطرة أو فكرة إلاَّ وكتبتها. نقلت له تفاصيل سفري، وما تخلّله من أحداث ومفاجآت، وكيف كنت قاب قوسين من الفوز. لم أحزن. كانت الفكرة وليدة أيام، وكان المهرجان هدية لي وتعويضاً عن مشاعر الفراق الذي وجدت نفسي فيه، لا أدري ما الذي كان سيحدث لو أنهم غادروني وتركوني وحيدة؟ لقد عدت من السفر مشحونة ثقة، ومع هذا شعرت بالغربة وأنا أطأ عتبة البيت، شعرت وكأن بيتنا الجميل أصبح مغارة مهجورة. دبّت الظلمة فيه. لا شيء يذكّر بالحياة أو الأمل. أشعر بغصّة كلما فكّرت بالأيام القادمة. أصبح كل شيء صعباً. الوحدة والحركة والتفكير. لا أدري ما أفعله ولمن؟ كل الأشياء باهتة. بلا لون ولا طعم. كل شيء إلى لا شيء. كانت مشاعري تتدفّق أحياناً، فأشكو حالتي التي أصبحت بها، وأنقل تفاصيل آلامي وشكواي، ثم أتذكّر فجأة رافي وأخاه فتتحوّل رسالتي إلى بهجة وشوق. الأولاد هم كل شيء. هم الحياة والاستمرار والأمل. لم لا يتزوّج هو؟ يجب أن يحدث ذلك. لم لا يكون في الصيف؟ بالنسبة لي سأبحث له عن ابنة الحلال ريثما يحضر. ستكون جميلة أولاً، وتعرف قيمة الزوج وأسرته. يجب أن يسكنا معي. في كل الأحوال البيت له. أنا ضيفة في هذه الدنيا، وضيفة عليه. "ما رأيك؟ أعرف رأيك. لكن لن تخالف طلبي. لن تكسر خاطري. لا تفكّر كثيراً في الموضوع. سأفكّر عنك. سترى بأنني أهتم بك وبمستقبلك الذي هو أهم أحلامي التي أعيش من أجلها. ستكتب لي كما أكتب لك. انقلني إلى تفاصيل حياتك. الدراسية وغيرها. أشعر بالشوق إليك. أرجو ألاَّ تغيّر رأيك في المجيئ كما فعلت في الصيف الماضي". هكذا أضحت حياتي الجديدة. مختلفة عن سابقتها. أنام وأعيش في وحدة فرضتها الأيام، فمذ توفّي زوجي لم يخل البيت من أفراد الأسرة. قبل سفر ابني عادت ابنتي وأسرتها. لم أشعر بالغربة في السابق. هاهو القدر يتسلّط علي. ذلك القدر الذي كان يعمل في يوم لصالحي، وهناءة عيشي. اختلفت الأمور الآن. قست. لا أعتب على زوجي الذي غادر دون استئذان، هو غادرني بمشيئة لا علاقة له بها.. هم غادروني بمشيئتهم. ابني وابنتي وحفيداي. هل هو الشوق إليهم؟ هل هو الحب؟ هل هو التعودّ عليهم، وعليَّ بالمقابل التعودّ على بعادهم؟ هل علي التعوّد على حياة الوحدة. والتأقلم إلى الضجر والخمول؟ أشعر بأنني مكبّلة اليدين. أرمي نظراتي على كل ما حولي ببلادة. لماذا سأتحرّك؟ لماذا سأعمل؟ أخرج إلى الغرفة. أعود لأدخل الصالون. أمسح كل شيء بنظراتي. أعبر إلى غرف النوم. أمرّ هنا وهناك. أستند إلى جدار أو باب. أرجع ثانية. ألمس لوحة. أراقب الغبار العالق على أصبعي. أتجاهل ما أراه. أمشي ببطء، وأقارن نفسي مع نساء مررن بظروف مشابهة، أراهن في أحسن حال، أكثرهن لم يعشن العزلة. أكثرهن تحرّرن. وانطلقن. لست أ دري كيف؟ وما مقوّماتهن؟ هل هو تخطيط؟ هل هي حنكة؟ أم ضرورة أم حق؟ لم لا يكون حقاً أن تتابع الحياة بما ترغب وتهوى وتحب؟ أين تكمن قناعاتي ورغباتي؟ لم أتوصّل إلى جواب أبداً. *** كأنني أنهض من تعب المرض، أو أعود من سفر طويل. أشعر بأنني كبرت أو قطعت مراحل طويلة من العمر. كأن دوري في الحياة توقّف الآن. رحت أتنقّل في أرجاء البيت. أراقب الغبار المتراكم. الجدران الكامدة. المقاعد المهملة. أعبر كغريبة عن هذا المحيط وكأنني لا أمت لأشيائه بصلة. ما أبشع النهايات؟ وما أروع الاستمرار بكل أشكاله. الفرح والقهر والعذاب. أمور تذكّر بالحياة والمتابعة، والوجود، وتذكّر بحالات جديدة من تنقّل، واختلاف وعودة. لماذا توقّف كل شيء عن الاستمرار؟ أو لماذا يأتيني هذا الشعور؟ هل بسبب تراجعي وعدم تفوقي في جائزة المهرجان؟ أم بسبب الوحدة التي أرى نفسي فيها؟ أم بسبب ابتعاد ابنتي وابنيها؟ أم بسبب سنوات العمر والملل؟ أسئلة تتناوب في رأسي، فأصل إلى قناعة من أن التعب قد أخذ مني، ويحق لي الراحة. لن أ عمل بعد اليوم. لقد كرهت كل شيء. الخياطة والاستقبالات، وانتقاء الأزياء والتطريز. علىَّ نهج التجديد في حياتي لإنقاذ ما تبقى من العمر، أو سأجد نفسي في تدهور نحو النهاية القاتلة. أين سأذهب؟ ماذا سأفعل؟ كان السؤال بسيطاً بعض الشيء، خاصة وأن نصيحة الطبيب بداية خطة كدت أنساها، ها هو القدر يخطِّط لي. سأخرج في الصباح الباكر. أمشي وأمشي كما هو مطلوب. أعود إلى البيت. أغتسل. أرتدي ثيابي. أخرج ثانية. أذهب إلى ابنتي. أساعدها في أعمال البيت. ألاعب الصغيرين. أعود للبيت. أستلقي قليلاً. أقرأ قليلاً. لم لا أشاهد التلفاز؟ أستمع إلى المذياع؟ أو أتّصل بالصديقات؟ لماذا نسيت صديقاتي طويلاً؟ سلمى التي كانت أفضلهن بالنسبة لي؟ لماذا لا نلتقي ثانية؟ نستعيد الذكريات وأيام الفرح. كان باستطاعتنا في يوم مضى تحويل اللقاءات إلى جلسات ود، وكم غنّينا ورقصنا وابتهجنا؟ ولم يمر في أذهاننا أن كل شيء سيتوقّف، وأننا سننسى أنفسنا؟ هل حدث لهم ما حدث لي؟ هل تعبن من الحياة ومللن المتابعة؟ هل وهل؟ لقد تعبت كثيراً. لم أنتبه لنفسي وأموري. تحق لي الراحة والاهتمام بحياتي الخاصة، فليعمل ابني من الآن وصاعداً. جميع الطلاّب يعملون في الخارج. ينفقون على أنفسهم. لا ينتظرون من أم أن تصلب وراء آلة الخياطة لتقدّم تعبها ببساطة. لقد خفّ بصري ومناعتي. الضغط يرتفع دون سبب ظاهر. تورّمت قدماي. كرهت هذه الحياة التي لا يتوقّف العمل فيها. كرهت الشقاء الذي تحصده أولئك النسوة. كرهت الأثواب الجميلة التي تعود علي بأجر ليس لي، وليس لأنفقه بتلذّذ. أصبح كل شيء عبئاً على كاهلي. المسؤولية. التفكير. القلق. سأكفّ عن كل شيء. سأرتاح. أشعر بما حولي كقيد يلف يدي وعنقي ويخنقني. أريد الهروب. الابتعاد. الذهاب إلى مكان جميل. إلى قرية. إلى بحر. جبل. إلى أي مكان. دخلت الغرفة. أطلت النظر إلى الأقمشة المتراصة والتي كنت أحبّها. إلى آلة الخياطة. إلى الرفوف المكتظّة بعلب الخيوط والأزرار ومواد التطريز ومجلات الأزياء. هذه المسؤولية الصعبة. هذا العبء. كل شيء يتسلَّط علي. ينغّص حياتي. استلقيت على الأريكة وأنا أردّد. تعبت. تعبت من كل شيء. سأتوقّف عن كل شيء. سأعلن ذلك منذ الآن، وليكن بعد ذلك ما يكون. لاحظت ابنتي حالتي، فنهجت خطَّاً جديداً في التعامل معي، فتعمّدت ألاَّ تتركني، فتباغتني في البيت. تمضي معي بعض الوقت. فتدبّ الحياة حولي. تزقزق العصافير. أصوات الصغيرين اللذين يحوّلان المكان إلى حديقة غنّاء، فأتذكّر الصباحات الجميلة، و(الصيصان)، و(جمل ماشي)، ولثغة رافي، ووقفته أمام التلفاز ينشد التحيّة، والصغير الذي يثبت وجوده يوماً إثر يوم، وأتلمّس في نفسي رغبة في جلب الفرح إليهما. أعانقهما. ألاعبهما. وأنهض أصنع لهما حلوى. وأعدهما بتحقيق طلباتهما، فيمرّ الوقت بسرعة، ويحين موعد الرحيل أنتشي وهما يصرّان على البقاء، أو اصطحابي، وحين يغادران بين الاحتجاج والرفض، يصمت كل شيء، ويكون علي التخطيط للقائهما من جديد. أصبحنا لا نفترق. أذهب إليهم بعد رياضة المشي، أو يأتون إليَّ. أحاول قضاء فترة من الوقت بينهم، وحين يأتي المساء، أهرع إلى النوم علَّ الصباح يأتي. أجدّد يومي ويتجدّد الحب والأمل. هكذا انحصرت اهتماماتي. متى سأراهم؟ ما الذي سأطبخه لهم؟ أو سأفاجئهم به؟ هل يحبّون هذا؟ أم هذا؟ ولم أنس خلال ذلك موقف ابني الذي لم يستسغ ما إلت إليه، وكيف عاتبني بقسوة، ثم بتوسّل، هتف لي أكثر من مرَّة، وأتت رسائله تباعاً، وجدت السعادة باهتمامه. وحاجته القصوى إلي، واستمعت إلى وعوده بالعودة والتعويض الذي يصفه بالمعنوي، وجدت نفسي شيئاً فشيئاً أعود للحلم والاستمرار. تلمّست مع الأيام ليونة في استقبال الأفكار من حولي، والاستماع إلى الآراء والتحاور مع الغير، أصبحت أتحدّث وأناقش وأفسّر لماذا وكيف نهجت الرفض للحياة، لماذا أردت تغييراً جذرياً في حياتي؟ وأخضع لمد وجزر في التفكير والقول، وأستقبل النقد بابتسامة والنصيحة بالمشاركة، وأظهر رغبة في المناقشة، والغوص في ما يطرح، واكتشف استطاعتي على المتابعة من جديد. حين قرع الباب في الصباح لم أتوقّع قدوم العاملة. كانت قد هزلت وعلت وجهها مسحة كآبة. قابلتها بالترحاب، وأنا ألاحظ انكساراً في حركتها وابتسامتها. أشعرتني بشوقها وحاجتها إلى العودة بعد زواج استمر شهراً، لقد أصبحت مطلّقة، وليست بنادمة. لم يكن الزوج يمتلك شيئاً، وقد نقل قبل زواجه جميع ممتلكاته إلى أبنائه، الذين صرّحوا بأنهم يرغبون لوالدهم بخادمة وليس بزوجة، وهذا ما جعل أبوها يساعدها على الطلاق السريع، لتخرج صفر اليدين. ماذا أقول، أو ماذا أفعل؟ ما الذي حدث لي؟ ما الذي تغيَّر؟ ما الذي هزَّني وكأنه يعيد لي الذاكرة؟ هل لأنها لعنت حظّها، فهي لم تتعلّم، لم تمارس المهنة. تحتاج للعودة والمتابعة. لم تكن تدري بقراري، وربما لو علمت لما أتت. لكنها هنا بكل إيمان وثقة، ومن هنا تريد الانطلاق نحو المستقبل وتحقيق الذات. غابت في المطبخ لتعود وقد فاحت رائحة القهوة، وكأنني أستيقظ للتو، لأول مرة أشعر كم كان فضلها كبيراً، وكأنها أقسمت أن تقوم على راحتي. كانت ذلك الصباح أهم مافي البيت. رحت أراقب حركتها، وأعتاد على وجودها، وعلى التفكير بأحلامها وتطلّعاتها، فيما يحملها ويطير إلى عالم الحلم والأمل، ولا أدري لماذا فكّرت بابنتي التي لم تتابع تعليمها أيضاً، ولم يتسنَّ لها فرص العمل. كانت العاملة أثناء ذلك تدخل غرفة العمل. تنغمس في ترتيب كل ما يخص الخياطة. فرزت القصاصات القماشية الصغيرة والكبيرة. جمعت الخيوط المتراكمة. لملمت الدبابيس المتناثرة بقطعة مغناطيسية، وأعادتها إلى العلبة البلاستيكية. طوت الأوراق المخصَّصة لكل تصميم وزيّ. عقدتها بطريقة جميلة. رقّمتها، ورسمت على جانب منها صورة الثوب ومقاسه، وكأنها اكتشفت سروري. أكثرت من الحركة، وانتهت بأن وضعت في مفاصل الآلة زيتاً خاصَّاً، ونظّفت ما علّق على الجوانب، وعادت إليَّ تأخذ الفنجان الفارغ، وتسألني إن كنت أرغب شيئاً. شكرتها، فابتسمت. وفي المساء غمرتني سعادة قصوى لا أدري سببها. استلقيت في الفراش. أدرت إبرة المذياع. كنت أبحث عن لحن يتسلّل إلى نفسي. التقط سمعي صوت المذيع يتلو آخر خبر. عن ((ضرورة السعي لوضع خطّة لنزع الألغام)). *** هاهي الهواتف تتتالى. متى سأبدأ العمل؟ متى ستكون الخطوة؟ كانت العاملة تراقبني بلهفة. لم أكن قد استعددت نفسياً. أردت إرجاء المباشرة، فقد كنت أشعر بحاجة فائقة للراحة، ولترتيب أموري. لم أعط موعداً لأحد، فرغبتي محصورة بتفرّغ أوّلي لنفسي، يجب العودة بثقة وقوّة، وهذا يلزمه بعض القناعة الحقيقة. كنت أكتشف ساعة وراء أخرى أن مجمل تطلّعاتي تتعلّق برغبات ابني، ومجيئه حاملاً شهادته، وبراحة ابنتي مع أسرتها، وضحكات حفيديّ المستمرّة، فكل الأحلام تبتدئ وتنتهي عندهم، وما رغبتي في نجاح أو تميّز سوى هدية لعيونهم، ومن أجل عودة لائقة يجب دراسة الأمر بدقة وتأنّ. شاركتني العاملة الرأي، وأشارت بوجوب الاهتمام بأمور البيت أولاً، فالجدران كئيبة، والسقوف أيضاً. الغرف رطبة. الأسرّة والخزائن، ومن أجل ذلك يلزمنا أكثر من ورشة. للدهان. للتنظيف. للتلميع، وقرّرنا البدء، وكسب الوقت للتفرغ السريع لعملنا الأساسي. مرّ شهر على ذلك الحديث. تخلّله مزيد من الحركة والنشاط، فنغتنم مجيئ العمال ودفء الشمس للعمل، فلم يبق شيء في البيت إلاّ وخرج للشمس. المفروشات. قطع الأثاث. الثياب. الكتب، ثم كل ما يتعلّق بالمطبخ. الأواني بأجمعها. الصحون. الطناجر. الملاعق. المؤونة. والعلب، وكنا نعمل بالتوالي. غرفة إثر غرفة ريثما ينتهي العمال من مسحها ودهنها، فتصبح نظيفة. جميلة. خاصّة الأبواب التي لم يمر عليها ما يصقلها خلال عشرين عاماً أو أكثر، وكان أن خرج خلال ذلك الشهر كل ما يحتويه البيت من أثاث ومفروشات إلى النور، ويتحتّم علينا إرجاعها إلى أماكنها بطريقة تليق بهيكل البيت الذي أصبح مختلف الصورة. جميلاً وأنيقاً معاً. لم تتركنا ابنتي خلال ذلك. كانت تأتي للمساعدة، فأحاول إراحتها، فهي لم تكد تنتهي من أعمال بيتها، ومع إصرارها رحت أترك لها ما خفّ عمله، كالترتيب أو وضع اللمسات، أما رافي وأخوه فكانا في أبهج حال، وقد أتيح لهما اللعب كيفما اتّفق، على الشرفة أو داخل البيت وبين العمّال، حيث تدور الأحاديث والإرشادات، فيحلو لرافي إعطاء الأوامر. ادهنوا هنا، أو هنا، وهنا أيضاً، فقد جاء دوره في العمل، فأستمع إلى ضحكات العمال الذين لفت انتباههم. أما أخوه الذي كبر بعض الشيء فيكون في رحلة الاستكشاف في أرجاء البيت، فيطيب لي اللعب معهما، أو الاستماع إلى آرائهما العفوية والبريئة. كان أجمل ما بدر منهما، إصرارهما على ترتيب ألعابهما الصغيرة الحجم، بعضها كان من (البلاستيك)، وبعضها من الجص الملوّن، كان عددها بالعشرات، وقد جمعتها من هدايا (الشوكولا) البيضاوية الشكل، والتي توضع ضمنها، واحتفظت بها بوضعها على أحد الرفوف كذكرى لطفولتهما الجميلة، فكنت أحمل كلاً منهما بدوره ليساهم في ترتيبها. لم تأخذ مساحة كبيرة، غير أنها جميلة وتوحي بالبراءة، وفي غمرة تلك التفاصيل التي تميّزت بالحركة والنشاط، شعرت برغبة فائقة لإتمام العمل، حالمة بالبهجة التي ستعمّ البيت. هاهي الرغبة في العمل تجتاحني من جديد. هل أحيت الأجواء حلم الاستمرار؟ لقد أصبح كل شيء في انتظار لحظة الانطلاق، وكأنني على موعد مع الهدف. مع اللقاء. أما وجه العاملة المتألق باستمرار فيذكّر بالاستعداد، فتدخل إلى غرفة العمل وتخرج ثانية. تلامس الآلة. الرفوف، وفي عينيها يتقافز الفرح، وكأنها نسيت مشاكلها وهمومها، وكأن طاقتها لم تنته إثر قضية طلاقها، بل تجدّدت وتدفّقت أملاً، وكما الأمل يولد ويتوالد مع الأيام، بزغت أحلامي أيضاً، ونبتت شوقاً للمتابعة والعطاء. تذكّرت ابني وموعد مجيئه. تذكّرت ابنتي حين كانت صغيرة، وكيف كانت تلعب مع أخيها الذي يكبرها بسنوات، والذي دبّت الغيرة في صدره يوم ولدت. تذكّرت أباهما وفرحته بهما. قال بأن الله أكرمه كثيراً. تذكّرت الأيام الجميلة حين كان رافي وأخوه يلاعبانني كل صباح. تذكّرت أشياء كثيرة، وكأنها تهجم عليّ ببساطة، فأنتشي، وبطريقة فجائية تذكّرت أيام المهرجان الجميل، واستغربت كيف فاتتني ذكراه، فاستعدت تفاصيله يوماً فيوماً، وساعة فساعة، واعتبرت أنني لم أخفق في تلك المسابقة. بل تميّزت، هذا ما أوحت به لجنة القرار. كما أوحت بأن الفرص لم تنته، فالمهرجان سيقام كل عام بتصاميم جديدة وألوان جديدة، وعلي المثابرة، فالخلق لا ينتهي، والإبداع لا ينتهي، والنجاح موجود لأنه ضرورة في الحياة. لم يبق مكان في البيت لم تمر عليه يد، ولم تبق زاوية إلاّ وكان لها نصيب في الرعاية والعناية، وحين أشارت العاملة إلى نباتات الشرفة، أثنيت على نباهتها، فالورشة ما زالت قائمة، وبإمكاننا تسخير بعض الوقت، لقلب التراب، وإعادة الزرع من جديد. لم يكن الفصل مناسباً، غير أن العاملة أكّدت على أن لها تجربتها في هذا المجال، وأنها تستطيع القيام بفعل الزراعة في كل وقت من السنة، فيدها خضراء. ضحكت في وقت كانت هي جادّة في الحديث، وتمّ الاتفاق على العمل في الصباح الباكر، وعلى استحضار بعض السماد لخلطه مع التراب، لتنشيط الزرع وتجديد الحياة له. نظرت إلى شجرة الدفلى طويلاً. تلك الشجرة التي كانت خلال فترة من الزمن سرّاً من أسراري العظيمة، فكم قطفت من وريقاتها؟ وكم كتبت عليها؟ وكم جعلتها هدفي ومحور أيامي وأسابيعي؟ وكم جئت إلى (فيللا) شدياق أقطف من أوراقها؟ وشيء عاديّ أن يشاهدني أحد، فلها أزهار جميلة تكون حمراء أحياناً ووردية في أحيان أخرى، وربما لاعتقادي أن الجميع يجهلون فعلها، فالكتاب بحوزتي وليس بحوزة الآخرين. ضحكت في سرّي، فهل كنت أعتقد بفعلها حقاً؟ أصبح ذلك من الذكريات. من الماضي. كانت في البداية فكرة وتحوّلت إلى تجربة، وقمت بها على أحسن وجه، وكما أشار الكتاب، بالتفاصيل والأرقام والأعداد، ولست أدري هل كانت سبباً؟ هل قامت بالفعل كما يؤكّد الكتاب؟ وأنا التي لا تؤمن بالغيبيات، أو بأحاديث لها علاقة باتّصال البشر مع الغيب، الأرواح أو الأشباح أو الجن. لاحظت بعض البثور المتوضّعة على وريقاتها، والتي أساءت إلى منظرها الذي لم يكن في الأساس جميلاً. لم أفكّر طويلاً. قرّرت نزعها ورميها في سلّة القمامة، وكسباً للوقت أمسكت جذعها بكلتا يدي، ورحت أحرّكها دائرياً، ومن الأمام إلى الخلف، وفي كل الاتّجاهات، وأعمل طاقتي وأعيد الكرّة، بقوة ثم بقسوة، وحين استعصت عليّ توقّفت، وأشرت إلى العاملة أن تقوم بذلك حين تفرغ من أعمالها، وغادرت الشرفة فجأة إلى إحدى الأرائك، فقد شعرت بتعب فجائي في جسدي، وانحطاط ينتشر في جميع مفاصلي. رنّ الهاتف. أتاني صوت تميم، ودون مقدّمات سألني إن كنت أشعر بتوعّك. تذكّرت هاتفه قبل أكثر من عام، وإرجاع حالة التسمم التي أصابتني ذلك الليل إلى اصطدامي بأحد أبناء الجانّ. شعرت بالخوف. لم أسأله عن شيء يتعلّق بمعرفته وكيف توصّل إليها. صرخت في وجهه أن يصمت. لا أريد الإجابة عن سؤاله، فإن أراد هو التعامل معهم فليفعل، أما أنا فأتعامل مع الملائكة، وأغلقت الهاتف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |