|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:51 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
3 بعد ثلاث سنوات من مخاصمة المطر، هطل غزيراً، وليومين متتابعين، ليلاً ونهاراً، حتى خُيّل للناس أنه لن ينقطع.. وفرح قاسم لأنه ربما عاد لاستعمال طواحين أبيه. في أوائل أيلول كان ذلك. ندم كثير من الفلاحين على حميرهم التي أطلقوها من دورهم بعد أن نفذ التبن، وندم بعضهم وهم يرونها في ظاهر المنخورة على مقربة من الجبل وقد هجمت عليها الذئاب ثم الكلاب فتركتها عظاماً، حتى الذي كان باستطاعته أن يشتري تبناً، فإنه وصل بعد فترة من الزمن إلى اليأس، عندما أضحى التبن مفقوداً، وراح يبحث عنه في القرى المجاورة، التي لم تكن أفضل حالاً.. وإذا ما وجده، فإنه كان يضطر ليدفع ثمناً باهظاً.. صبر.. وصبر، ولكنه لم يجد أخيراً إلا أن يطلق ما لديه من حمير كما أطلقها غيره من الفلاحين مردداً: "وما من دابة على الأرض إلا وعلى الله رزقها". لم يتمهلوا، فلقد أسرعوا إلى الأرض لفلاحتها، وكلما شقَّ المحراث الخشبي ثلماً جديداً، فإن بعضهم، كان يتوقف، ليحمل التراب الرطب بين يديه.. وهو يبتسم. لكن المطر توقف بعد ذلك. توقف تماماً كأنه كان حلماً، وكان على الفلاحين أن يعيشوا سنة أخرى من القحط. عند صلاة الظهر، وفي أول يوم "اثنين"، جاء المطر بعد انقطاع ، كان أبو المدّاح يحثّ إمام الجامع ليبتهل إلى الله بدعاء الاستسقاء، فلا بدَّ من أن الله عزَّ وجل قد استجاب لدعواته.. فهطل المطر بتلك الغزارة.. وهزَّ قاسم المدهون رأسه موافقاً. لكن إمام الجامع اعترض قائلاً أن هذا الدعاء لا يجوز إلا يوم "الجمعة".. فقال قاسم المدهون: "المنخورة تعاني من القحط.. فهل دعاء الاستسقاء من المحرمات في غير أيام الجمعة؟"، ولم يجب خطيب المبطون على سؤاله، بل قال: -لا تنسوا أن هذا اليوم هو يوم الاثنين.. وها نحن قد انتهينا من صلاة العصر، فلا بدَّ من درسنا الأسبوعي"! وعلى عادته، فقد راح يشرح مسهباً، بعض آيات القرآن. كانت لديه المقدرة على أن يشدَّ إليه مستمعيه، بما ملك من حركات مؤثرة بيديه وعينيه وتلك الابتسامة التي لا تفارق وجهه والتحكم في توترات صوته من علوٍّ وانخفاض إلى درجة الهمس. كان غالب الوالبي واحداً من الذين صاروا يترددون على حلقة خطيب المبطون، لم يكن يداوم على ذلك الدرس الأسبوعي بشكل منتظم، وربما يعود ذلك لعدم اقتناعه بمثل تلك الدروس، فما جدوى أن يرفع خطيب المبطون صوته بالدعاء إلى السماء لعلها تأتي بالمطر، والسماء خاصمت أرض المنخورة منذ ثلاث سنوات؟.. وما جدوى الصلاة لواحد مثل قاسم المدهون الذي يعاقر الخمر ويتسلل ليلاً إلى صبوحة الخليل تاركاً زوجته؟ وعلى الرغم من أنه يعتبر أن مثل هذه الأسئلة، هي أسئلة هامشية، فإن نقطة خلافه الجوهرية مع مثل تلك الدروس أنه يضع الأمور المادية الحياتية في الصدارة ثم يليها الفكر.. ويتساءل بحرقة: ما الذي توصلت إليه دروس خطيب المبطون لمكافحة الجفاف؟ يهزون رؤوسهم تعجباً وعجباً للجنة الموعودة والجحيم الذي ينتظر أولئك الذين لا يقومون بتأدية فروض الدين من صلاة وصيام وزكاة.. إنهم،- كما يحلو لـه أن يشبههم- يعيشون حالة من حالات اللامبالاة. إنه يفهم أشياء كثيرة، يراقب ويحلل، وهو على قناعة أن التاريخ لا يعيد ذاته، مثلما هو على قناعة أن هناك جديداً كل يوم تحت الشمس، وهو كذلك على قناعة أنه يهدر وقته سدى في مثل تلك الدروس، لكن الشيء الوحيد الذي يشده إليها كانت (منيرة) ابنة أبي المداح التي عاهدها على الزواج، ولأن أبا المداح لا ينقطع عن الجامع ودروس خطيب المبطون، فإنه يرغم نفسه أحياناً على الذهاب إلى المسجد والتردد على تلك الدروس أحياناً أخرى. أسئلة كثيرة كانت تجول في ذهنه، عندما كان يحضر تلك الدروس، ولكنه على يقين تام، أنه إن تفوّه بها، فسيجد نفسه مطروداً من المسجد. إنهم جدار كتيم لا تنفذ منه الأسئلة، فكيف سيناقشهم؟ كان خطيب المبطون قد استغرق في شرح الآية: "قل الروح من عند الله"، وتابعه غالب الوالبي؛ تابع حركات يديه، وتقلصات عينيه.. ولم يعد يسمع شيئاً، على الرغم من أنه كان يرى شفتي خطيب المبطون وهما تتحركان.. وبحركة لم يكن يقصدها رفع غالب الوالبي يده، وسأله: -يا شيخ.. قل لي.. من أين يأتي المطر؟ وساد الصمت.. لكن إمام الجامع، ابتسم وقال: "-كله بإرادة الله.. فلو أراد عزّ وجل أن يمُنَّ علينا بالمطر لهطل حتى أغرقنا، لجاء كالطوفان الذي شهده نبينا نوح، ولكنه حبسه عنا لامتحاننا نحن البشر فمن صبر ظفر ومن لجَّ كفر". ولم يقل غالب الوالبي شيئاً عن البحار، وكيف أنها مصدر الأمطار.. كما قرأ عن ذلك، ولكنه قال: -لماذا لا نحاول أن نحفر الآبار؟ وقبل أن يجيبه إمام الجامع بأية كلمة، كان قاسم المدهون ينظر إليه بطرف عينه نظرة ذات مغزى. وقطع خطيب المبطون فترة الصمت القصيرة، حيث قال: -لو أن باطن الأرض فيها ماء لما جفّت الينابيع، فما جدوى أن تحفر الآبار؟ كله بإرادة الله. لنعد إلى الأرض، إن الإنسان يظن واهماً أنه يملك القوة، فكم يتجبّر وكم يطغى وكم يمشي على الأرض بخيلاء.. لكنني أسألكم كم هو ضعيف إذا ما ألمَّ به المرض، إنه إن حمل حملاً فإنه سرعان ما يتعب ويلهث، ولكن لماذا لا نفكر بذلك الثور الذي سخّره الله ليحمل الكرة الأرضية حتى يوم النشور". وكادت أن تنطلق ضحكة من غالب الوالبي، ولكنّه كتمها، وعبثاً حاول متابعة الدرس، حيث كان في عالم آخر؛ عبثاً حاول أن يسمع الكلمات التي تتحرك بها شفتا خطيب المبطون. كانت منيرة قد تحولت إلى رؤية سيطرت على حواسه، لم يستطع أحد أن يغتصب حزنه إلا منيرة، استطاعت أن تحول أيامه إلى غابة من الفرح.. منذ ضحى ذلك اليوم الربيعي، الذي ما زال منقوشاً في ذاكرته وقلبه، قرر أن يكون مخلصاً حتى النهاية لملكوتها. قال لها يوماً: -أخشى أن تغيّرك الأيام؟ فقالت: الإنسان موقف، والموقف لا يتجزأ يا غالب! عقّب: ربما طال الانتظار، والزمن لا يرحم. قالت: كن مطمئناً. ما دامت هناك سماء وأرض وبشر فأنا لك. كان يلهو بربط الخيطان المفككة في السجادة العتيقة التي يجلس عليها، وأصابعه تتحرك وهو ما زال موغلاً نحو البدايات، فلم يكن يسمع شيئاً مما يقال من حولـه، حتى أحسَّ بيد أبي المداح تربت على كتفه داعياً إياه إلى صلاة المغرب، وحانت منه التفاتة إلى قاسم المدهون فرآه يبتسم. يرتفع صوت خطيب المبطون: (والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر(. وترتخي الأيدي الموضوعة فوق البطون أو الصدور، إلى الجانبين ثم تستند إلى الركبتين مع انحناءة الجذع ثم.. ثم يندفع مع الآخرين إلى الأزقة. *** زقاق يؤدي إلى زقاق. درب ترابي يؤدي إلى درب ترابي. تشخر الأبواب الخشبية القديمة وهي تحتك بالأرض كباب غالب الوالبي وباب هذّال الحسن، أو أنها تُغلق على مهل دون أن يُسمع لها صوت بسبب ارتفاعها عن الأرض المعبّدة بالاسفلت كباب قاسم المدهون. إيقاع الخطوات يأتي أحياناً مندّغماً مع النفس، ويأتي متناقضاً معها أحياناً أخرى، وقاسم المدهون يصرخ شاتماً حسنة لأنها تأخرت قليلاً في تقديم عشائه، وغالب الوالبي يمدُّ يده إلى رغيف خبز يحتضنه ويخرج به إلى باحة الدار. يقطف عدة وريقات بصل خضراء. يأكل على مهل، مستعيناً بحبات من الزيتون وكأس من الشاي.. ثم يحمل واحداً من كتب التاريخ، وتحت الضوء الكازي الشحيح يقرأ إلى ساعة متأخرة من الليل. في غالب الأحيان يأكل قاسم المدهون مع أخيه. تبتعد الزوجتان حسنة وخديجة عنهما.. ودائماً يجب أن تزيّن الخمر مائدتهما.. وفي هذا العشاء باح قاسم لأخيه بفكرة حفر الآبار الارتوازية، وقال له: كنت أفكر بهذا المشروع منذ زمن، لكن ابن الوالبي، همس بهذه الفكرة في درس اليوم، سأصبر عدة أيام، ثم أقوم بالتنفيذ.. آبار ومزارع يا أخي! هزَّ غصّاب رأسه علامة الموافقة وحمل قاسم المدهون كأس الخمر ثم نهض ليقف قبالة صورة أبيه المعلَّقة على الجدار، وقال: -أبي هل تسمعني!؟ وبعد أن دلق كأسه في جوفه، تابع قائلاً: -لكل قرية صولة ورجال.. أتسمعني يا أبي!؟ وقهقه غصّاب، ثم قال: -لو كان يشاركنا الكأس.. لسمعنا. تلفّت قاسم مبتسماً، ثم قال: -أيها العاق... الصفعة لمن سبق.. أنسيت حسني الزعيم والشيشكلي؟ سأل غصّاب: -ما علاقتك بالزعيم والشيشكلي؟ قال قاسم: -العجلة من الشيطان.. فقد خلق الله الدنيا في ستة أيام ثم استوى على العرش في اليوم السابع. عقّب غصّاب، وهو يرفع كأسه: -نخب اليوم الثامن.. يا أخي! وكأغلب لياليهما، خرجا إلى باحة الدار وتمددا على فراشين متقابلين، وسحبتهما الخمر بطيئاً وسريعاً إلى وديان الدوار وجبال الطموحات. بين لذة الدوار والتساؤل عن كيفية تحقيق الطموحات، ها هي ذي الأرض، تميد بقاسم المدهون. تعلو وتنخفض، تتأرجح هنا وهناك. عندما كان صغيراً، يتذكر أن أباه ثبّت حبلاً في غصن شجرة الزيتون الوحيدة في دارهم القديمة وصنع لـه أرجوحة. لم يكن بحاجة- آنذاك- إلا للدفعة الأولى. تحركت الأرجوحة، وكان يزيد من سرعتها باندفاعة من جسده إلى الأمام والخلف، وها هو ذا قد كبر، ولكنه بحاجة إلى أرجوحة يصنعها لنفسه. عندما كان صغيراً استعان بأبيه، أما الآن فإنه سوف يستعين برنين المال وعلاقاته.. بالمال الذي تركه أبوه، وتلك الطواحين المهجورة. بين ترانيم نشوته وأهازيج طموحاته، سوف يصنع ما يريد، فهذا خطيب المبطون (والد زوجته) وهذا أبو المداح الأشرم (والد زوجة أخيه).. "سراج وفتيلة"، أنه سيعرف كيف يجعلهما ينصاعان لما يريد، بضاعته المال وبضاعتهم الكلام، فمتى يبدأ؟.. وكيف يبدأ؟ ها هو ذا يستلقي على فراشه، يضع يديه تحت رأسه وينظر إلى النجوم في السماء. يسافر بعيداً مع النجوم، يتحرر من عالم الأرض ممتطياً في ذلك الفضاء صهوة جواد. إنه يسبح في كون آخر. لم يعد فيه بحاجة إلى الكلمات، يكفي أن يشير بيده، يكفي أن ينظر بعينيه، يكفي أن يهزَّ رأسه موافقاً أو رافضاً ليتحرك رجال عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه لتنفيذ رغباته. ها هو ذا يحسُّ برطوبة الفضاء فيغمض عينيه ويستنشق الهواء عميقاً، تتراءى لـه صبوحة الخليل. يغذُّ الخطوات مسرعاً للقائها، يضمّها إلى صدره. يضع يده على كتفها ويقودها إلى غرفته، يفاجئه أبوه متّكئاً على عصا. ينظر إليه نظرة قاسية، وقبل أن يرفع عصاه، يحسُّ قاسم المدهون أن جسده يتضخّم أكثر، وأن ذراعه أضحت رمحاً وأن لهيباً من نار راح يندفع من عينيه.. وبحركة سريعة، انقذف الرمح إلى صدر أبيه؛ وأن ثيابه بدأت تشتعل فيها النيران. تراءى لـه أبوه وقد انكمش جسده. صار يمشي على يديه ورجليه، وبصوت أجش، صرخ بأبيه صرخة اهتزت لها جدران الدار فتحوّل إلى كلب، وراح ينبح متضوراً جوعاً فأمره، بإشارة من يده، أن يذهب إلى خُمِّ الدجاج، ولم يخالف أبوه أمرَ ابنه، فتوجه صاغراً حيث خُمُّ الدجاج. انتفض قاسم المدهون وهو يمسح قطرات العرق فوق جبينه، وراح يردد: أعوذ بالله من الشيطان. قال غصّاب: لا بدَّ من أنها صبوحة! قال قاسم: لن يوقفني شيء.. على الرغم من كل شيء؛ فلن يوقفني شيء. قال غصّاب: لا تندفع كثيراً! قال قاسم: لعن الله الكوابيس والأحلام. سأل غصّاب، وهو يبتسم: متى تنتهي معها؟ قال قاسم بعد أن كزَّ على أسنانه وقد ضيّق من فتحتي عينيه: -بماذا تفكر؟ قال غصّاب: أبداً.. إنني أشتهيها، فهي لك كما لغيرك. صرخ قاسم: لي دون خلق الله، أفهمت؟ وضحك غصّاب، وهو يكتم بقية كلمات، وقال: كنت أمزح، فمباركة صبوحة لك. * منذ تلك الليلة رسم قاسم المدهون مساراً لنفسه، فراح يدعو إلى داره في كل أسبوع، وبعد صلاة الظهر من يوم الاثنين تحديداً، أولئك الذين يترددون على درس خطيب المبطون. لم يقل أنه يدعوهم إلى الغداء ولكنه كان يقول: ما دمنا نملك الوقت حتى صلاة العصر والدرس، فما رأيكم أن تباركوا دارنا بزيارتكم بجلسة قصيرة. إن العمر يمضي فلنكسب مثل تلك الجلسات. لكنه فاجأهم بالغداء في المرة الأولى حتى لقد اعتادوا على غداء قاسم المدهون كل أسبوع. كان يقول لنفسه: النفوس مجرات مجهولة، ولكل نفس نقطة ضعف.. فلأكتشفها. وقال غصّاب يوماً: إنهم يركضون وراء كروشهم. فأجابه قاسم: أطعم الفم، تستحي العين. منذ تلك الليلة لم يعد قاسم المدهون يحلم، بل راح يضع قدميه في درب آخر. ومنذ تلك الليلة، ما عاد يسأل صبوحة الخليل: حدثيني عن القذارة. بل راح يسألها: أتعرفين شيئاً عن مجد أجدادي؟ تضحك صبوحة الخليل، وتقول: حدْثّني عن الليل! * كان معجباً بالمهاتما غاندي.. وإعجابه هذا، ربما كان مرده إلى سياسة "اللاعنف" التي نادى بها غاندي. ولكنه عندما يتأمل الأشياء والأحداث التي تجري حوله، فإنه يفضِّل الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي صار قائداً في مرحلة من مراحل التاريخ العربي.. فأي طريقة عليه أن يسلكها؟ طال تأمله، حتى وجد نفسه ذات مساء وهو يستعيد انتظاره في محل الحلاق أبي خالد. كان آنذاك- في الثانية عشرة من عمره- جلس بانتظار دوره حتى إذا حان موعد حلاقته، دخل شاب.. فضّله أبو خالد عليه، وحلق قبله.. ثم جاء آخر وتركه أبو خالد منتظراً. أحسَّ أن دماءه تغلي، وأن أنفاسه أضحت مضطربة، وبلحظة خاطفة كالبرق، انطلق خارجاً من محل الحلاق. التقط حجراً من الطريق وقذف به محل الحلاق. أصابت مرآته الحائطية الكبيرة التي تكسّرت إلى شظايا.. لقد دفع أبوه ثمن المرآة لأن الحلاق أقسم أن غالباً هو الذي كسرها، وظل غالب حتى آخر لحظة وهو مُصرٌّ على إنكاره، لكن ذلك لم يحُل دون أن يدفع أبوه ثمنها. كان خائفاً من أن أباه سيعاقبه عندما يصل إلى البيت، لكن أباه كان هادئاً- على عادته- فسأله أن يخبره بالحقيقة دون زيادة أو نقصان.. فاعترف غالب وأخرج البيضتين اللتين كان من المفترض أن يقدمهما أجراً لأبي خالد من جيبيه وأعطاهما لأبيه وهو يقول: -كنت أرى الحلاق يهزأ بي، فالشاب ليس أفضل مني ليأخذ مكاني على كرسي الحلاقة.. إنه ظلم يا أبي! ويتذكر أن أباه ابتسم حينذاك، وقال: -دعك من أبي خالد من الآن فصاعداً واذهب إلى الحلاق أبي راغب، فهو أكثر عدلاً. ولم يقل غالب الوالبي شيئاً، ولكنه خرج وهو يتمتم: -هذا ما أبحث عنه، العدل.. العدل في هذه الأرض! ** لم تفارقه ذكرى تلك الأمسية. حتى وهو في أشدِّ ساعات العمل، حيث كان يساعد أباه في شحذ المحاريث والسكاكين في فصل الصيف. تلك الذكرى ظلت تلاحقه؛ وعادت إليه في ظهيرة أحد الأيام عندما كان يلعب كرة القدم مع زملائه، حيث وجد أن بعض المتفرجين من زملائه يودُّ لو أنه يلعب، لكن الفرصة لا تؤاتيه.. فاقترح أن يكوّنوا أكثر من فريق، وأن يكون هناك أكثر من كرة واحدة.. فلِمَ هي اللعبة الوحيدة المفروضة عليهم؟ لِمَ لا تكون هناك كرة السلة، وكرة الطاولة، والكرة الطائرة؟ لِمَ- إضافة لرياضة الجسد- لا تكون هناك رياضة للفكر؟ ولم ينتظر، فقد باح لأكثر من زميل بفكرته، وإذ قوبلت فكرته بالاستحسان كان عليه أن يبدأ بالتنفيذ. شكّلوا من بينهم لجنة لجمع التبرعات الأسبوعية.. ليرة من كل زميل في كل أسبوع.. وانتُخب أحدهم ليكون أميناً على ما يجمع لشراء الأدوات الرياضية والكتب. توسّعت فكرته في المدرسة، ووجدت أنصاراً آخرين، انضموا إليهم. إنه يتذكر ذلك، كأنه يعيش توهجها وحماستها في لحظاته هذه، كما تعيش حادثة أبي خالد الحلاق داخل كيانه في كل لحظة. حتى إذا انتهت أيام الدراسة، باشروا باستئجار دار لتكون ملتقى لهم، وخُصصت إحدى غرفها الواسعة لكرة الطاولة وقاعة للمطالعة، ووقفوا طويلاً أمام اختيار اسم لهذا المكان الذي جمعهم، فكان هناك عدة اقتراحات توقفوا عند أربعة منها: -نادي الملتقى، نادي الشعلة، نادي النهضة، نادي الشباب". وكادت أن تحدث مشادّة بين أصحاب الاقتراحات لكنه تدخل، فقال: سنوافق على الاسم بالتصويت. ونجح اقتراحه، وتمت التسمية على الشكل التالي: "نادي النهضة.. رياضي، ثقافي، اجتماعي". ** أضاف النادي إلى أعضائه السابقين أعضاءً جدداً، وكان أن جيء بالكتب: لجبران خليل جبران، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وطه حسين، وعباس محمود العقاد. وغيرهم. أخذ على عاتقه اختيار الكتب وشراءها بما يتوفر لـه من الاشتراكات وما تأتي به كرة الطاولة من ريع، وراح "نادي النهضة" يفتح أبوابه حتى الساعة العاشرة مساء، كان من أوائل الذين يدخلون غرفة المطالعة، وكان آخر من يخرج. توقف عند كتب كثيرة، لكن الكتاب الذي أعاده أكثر من مرة هو كتاب "كوخ العم توم".. وفي كل مرة كان ينتهي إلى تساؤل لا يجد إجابة عليه: -ألن ينتهي الظلم من هذا العالم؟ ثم يضيف متحسراً: -زمن غير هذا الزمن الذي نعيش عاشه المهاتما غاندي.. ولهذا فإنه نادى بسياسة اللاعنف، وزمننا يرفض هذه السياسة لأنه يقابل البسمة بالصفعة. ويتذكر أن أباه، انتظر زملاءه وهم يودعونه في إحدى سهراتهم، فقال له، وهو يهزّ رأسه: -دعك من السياسة- يا بني!- فللسياسة رجالها. ابحث عن لقمة الخبز فأنت أكبر أخوتك. لا تنسَ هذا يا غالب! ونظر إليه وابتسم ثم قال: -"لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. يا أبي! أشار الأب برأسه موافقاً، ولكنه قال: -الحذر واجب.. ولا تعاند من إذا قال فعل. ** كان يحب في ساعات ضيقه من القراءة أن يلعب بكرة الطاولة ثم يعود ثانية إليها، لكنه لا يستطيع أن يكتم فرحته وهو يستمع إلى المناقشة التي تبدأ هادئة بين زملائه وأصدقائه في نادي النهضة، ثم لا تلبث أن ترتفع إلى جدل صاخب. جدل ترتفع فيه الأصوات مشيدة بالماضي، متأففةً من الحاضر، يائسة من المستقبل. كان يستمع ويناقش.. وفي كل الأحوال، فإنه يحس بالفرحة فهذا النادي مثلما بدأ برياضة البدن، صار يعطي ثماره في رياضة الفكر. لقد أشرقت الشمس، أشرقت التلال التي تحيط بالمنخورة، فهل تبقى مشرقة مع شروق الشمس وتغيب مع مغيبها؟ لمن يبث أفراحه، ولمن يهمس بأحزانه ولواعج روحه؟ لمن يمكن أن تستكين نفسه، ولمن يبثُّ طموحاته وآماله؟.. وربما كان الأهم: هل يمكن لكل ذلك أن تأتي عليه رياح مفاجئة فتقتلعه من جذوره؟ إنه يعيش حالة قلق من الناس؛ يعيش حالة قلق مع المنديل الذي أهدته إياه منيرة، مثلما يعيش حالة القلق مع حفنة تراب من أرض المنخورة، يحتفظ بها دائماً في منديلها، وكم تساءل دون أن يصل إلى إجابة مقنعة: ما معنى الاحتفاظ بحفنة التراب الصغيرة في منديل منيرة؟ "الماضي، الحاضر، المستقبل". ثلاثة محاور تدور حياته حولها أحياناً، ويدور حولها في أغلب الأحيان. يحاول- دائماً- كلما كان وحيداً أن يعرف لِمَ لمْ يكن أبوه يضحك؟ مرة واحدة سمعه يقول: الضحك للأطفال. لكنه كان يتساءل: حياتنا- منذ لحظة الولادة وحتى الموت- ومضة سريعة، فلماذا لا نضحك؟ ذات مساء وهو يذكره جيداً، كانت هناك غيوم كثيفة سوداء، حوّلت عالم المنخورة إلى ليل قاتم، راح البرق يلمع من كلّ الاتجاهات، توالى هزيم الرعد قاصفاً، مدوّياً، أحسَّ بالجدران، كأنها ستتهاوى فوق رؤوس البشر، تكوّر أبوه في فروته الصوفية أمام مدفأة الحطب، وتمتمت أمه: "يا رب.. اجعله خيراً"! وإذ فتح الباب لينظر إلى السماء، صرخت أمه: -عُدْ وأُغلق الباب. أنسيت الصاعقة؟ أغلق الباب، وعاد إلى المدفأة، وقال يومها، وهو ينظر إلى نار المدفأة: -لم يخلق الله الإنسان من الطين، لقد خلقه من النار. وإذ نظر إليه أبوه بقسوة، قال: -يا غالب استغفر ربك فلقد خُلق الإنسان من الطين. 4 بلهفٍ حارٍّ يركضون حيناً، وبخطى واثقة وسريعة، يتقدمون وهم ينظرون إلى الوحل العالق بأحذيتهم حيناً آخر. على جباههم وفي أعماق عيونهم تلوح لذة الانتصار. ينظرون إلى المنخورة، يخيّل إليهم أنها تبتسم أو ربما تضحك، فيتطلعون إلى الوراء، وينظرون إلى أيديهم التي استقبلت الدفعة الأولى من الماء، حيث راحوا يتراشقون بها على غير هدى. ها هي ذي المنخورة تستقبلهم وقد جاؤوا من أطرافها، يحملون البشارة إلى قاسم المدهون. استمع لبشارتهم مبتسماً، وأزاح الكرسي الآخر الذي كان يمدد يده عليه ونهض واقفاً، وبعد أن نظر إلى الأرض لعدة ثوان، رفع رأسه، وقال: -وجوه الخير تستأهل الخير.. انتظروني. وإذْ تركهم في باحة الدار، دخل إلى غرفته وراح يحصي بعض الأوراق المالية، قلّبها بين يديه، وقال محدثاً نفسه: -ارمِ للكلب عظمة يتبعك. خرج راسماً على شفتيه ابتسامة، وقال: -وجوه الخير تستأهل الخير. وبعد أن سمع أحدهم يدعو لـه بطول العمر، قال: -لهذه القرية واجب علينا، فلنعمل من أجلها. وقبل أن ينصرفوا، قال لهم: -غداؤكم سنحتفل به عند البئر غداً.. لكنني أريدكم أن تنتهوا من البئر الثانية بوقت أسرع. وبعد أن أغلق باب الدار على مهل... عاد إلى جلسته ليضع رِجْلاً على أخرى. تلمّس كرشه أولاً، ثم بسط راحتي يديه وراح يتطلع إلى أصابعه. تراءت لـه أن بسمة ذات مغزى راحت تتلألأ أمام عينيه. منذ عشرين يوماً أحضر آلات الحفر، وها هي ذي المياه تدفق من البئر الأولى؛ منذ عشرين يوماً لمَّح غالب الوالبي في درس الإمام خطيب المبطون إلى محاولة البحث عن المياه وها هي ذي البئر الأولى.. وسوف تليها الثانية والثالثة والرابعة، فلقد جعلنا من الماء كل شيء حي! أربع آبار.. ولتعمل على مدار الليل والنهار، ولتتدفق المياه، سيحرث الأرض ويزرعها قمحاً وشعيراً وسوف يسيّجها بأسلاك شائكة ثم بأشجار الحور والصفصاف.. ولم ينته إلى قرار بشأن الأشجار المثمرة الأخرى التي سيزرعها. * "اجرِ يا غالب.. فالمنخورة ضيقة والصحراء شاسعة، مترامية الأطراف، وصفحة الأحزان والألغاز لها بداية لكنك لا تعرف لها نهاية؟ اجرِ يا غالب... ولا تسألن كيف سكت بعض الناس عن أراضيهم التي ملكها قاسم المدهون في ظاهر المنخورة، وكيف ملك قطيعاً من الأغنام؟ لا تفكر: فقد أغمض الزمن عينيه.. وأضحى يوزع ابتساماته بالقسطاس على من يحضر جلساته في باحة داره التي تطاولت فيها الأشجار وزُينت بركته الصغيرة بنافورة ماء. لا تتوقف يا ابن الوالبي لتتأمل الحاضر وتستنطق الماضي. لا تفقد الصبر، فأنت ما زلت في البداية. اجرِ يا غالب! لا تقل هذا زمان الأنانية والمنفعة. لا تقل شيئاً حين ترى أشياء تنغّصك. ابتلع غصتك وقل: ما رأيت. لا تقل شيئاً إن سمعت ما يكدّرك. تذكر فقط أن أباك قال لك يوماً: "-الزمن إما أن يكون معك وإما أن يكون ضدك." لا تقل: لقد أغمض الزمن عينيه، كما تتوهم أحياناً، فالزمن لا يتوقف، إنه تارة كالسلحفاة يزحف زحفاً، وتارة يعتلي صهوة جواد ويركض.. فليكن لك من النهر قدوة ومن عاصفة الصحراء رمزاً". وإذْ راح المساء يخيّم على عالم المنخورة، أحسَّ أنه بحاجة لأن يصعد إلى سطح الدار، كما يفعل في أغلب أمسياته. تراءت لـه الأضواء الكازية الشحيحة وهي تنبعث واهنة من الكوى العلوية. تأمل دخان المواقد الذي ينبعث من روث البهائم ويتلاشى في الفضاء. أحسَّ وهو يتأمل كلَّ ذلك، إنه يتخبط في خندق مليءٍ بالأحجار والأشواك والأفاعي، وأنه هوى مُكباً على وجهه، وإذْ نهض وهو يتحسس الدم النازف من جبينه ويديه تطلّع إلى الأعلى حيث السماء في مكانها والأرض هي الأرض والطريق مسارب شتّى؛ يفضي بعضها إلى اللذة والعزة وبعضها إلى الموت أو الفقر أو السجن. في هذه القرية وُلد وما هو بالغريب عنها، وفي هذه الأزقة عرف طفولته وصباه. تعارك مع من تعارك، وظل صديقاً لمن أيقن أنه سيظل وفياً. ها هنا تختلط حشرجات الفقر بِعَواء المال، وها هنا تتضوّع بعض الثياب عطراً، ويوشم بعضها الآخر بملوحة التعرق ورائحته المتفصدة من الأبدان. وها هي ذي آبار قاسم المدهون تتدفق ماءً، وترتفع سنابل القمح والشعير متمايلة مع الهواء، ويبحث الآخرون عن اللقمة فيهرولون إلى قاسم المدهون بحثاً عن العمل. تراقبه وهو يبتسم بعينين حياديتين، تحاول أن تلغي كثيراً من أسئلة، تتلولب في داخلك عن صدق البسمة لكنك ترفض ذلك. أنت منهم، ولست منهم. في الزمن نفسه أنت، وعلى الزمن نفسه تتمرد. لا تصرخ، يا غالب الوالبي.. فالصحراء موحشة وللمنخورة عالمها الخاص، كما لمنيرة عالمها الخاص.. فما عليك إلا أن تستعين بالصبر والانتظار، فلعل الفرح يقترب من القلوب المكروبة فتستيقظ من حزنها على عالم جديد، بقدر ما تحلم به، فإنك تتوقعه يوماً. * في ساعات الصحو يقول إن الحياة كذبة كبيرة تنبحها مئات الكلاب بأصوات متعددة؛ تارةً تأتي حادة وتارةً تأتي ممطوطة. وفي ساعات الخمر يراها دروباً محفوفة بالورود والنساء، ولأن هذه الدرب هي دربه المفضلة فلتكن خطواته دائماً إلى الأمام. في زمن ما، حيث كان يرى المال بين يدي أبيه ولا يستطيع أن يتصرف، فإنه كان يحسُّ بعذاب في جسده وروحه. إنه يتشوق إلى الانطلاق حيث عوالم أخرى يحلم بها، لكن أباه يقف دون أن يسمح لـه بمثل هذا "التبذير" الذي يفكر فيه، كما كان يقول.. ذلك أن "المال يجرُّ المال والقمل يأتي بالصئبان". في زمنٍ ما كان دائم التفكير بالوصول إلى صندوق المال الخشبي، ولكن الجرأة لم تؤاته فظل حبيس الفكرة وعذاباتها، حتى جاء ذلك اليوم الذي هاجمت فيه الخفافيش أباه، ثم جاء موته. لم يكن يتوقع أن الأيام ستتسارع ليكون ثرياً متوهجاً، لم يكن ليتوقع أن الناس سيركضون إليه باحثين عن العمل واللقمة، حيث تكفي هزة برأسه أو إشارة بيده لِيُدخِلَ السعادة إلى قلوبهم أو ينتزعها. إنه يتأرجح بين الماضي والحاضر. في الماضي كان أسير طموحات لا يستطيع أن يحقق منها شيئاً، حيث كان يعتقد أن أباه هو الحاجز الأكبر في حياته، وفي الحاضر، الذي يعيش توهجه، يريد للأيام أن تغذَّ السير، أن تتسارع بسرعة أكبر. طموحاته التي بدأ يقطف بعض ثمارها لما تتحقق بعد. إنه يحسّها- أحياناً- وكأنها واقفة، كأن شيئاً يشدها إلى الوراء، إنها حركة واهنة، لا تتسارع كما يشتهي، وإن كانت تبدو للآخرين في أبهى قوتها ولمعانها.. ومن حيث لا يدري تساءل: أين يكمن الخلل؟ ولأنه لم يصل إلى إجابة مرضية، فقد عادت به ذاكرته إلى دعوة الغداء الأولى التي أقامها عندما تدفقت مياه البئر الأولى، ودعوة الغداء الثانية والثالثة والرابعة، عندما تدفقت مياه البئر الثانية والثالثة والرابعة وفي كل هذه الدعوات كان يفتقد ثلاثة: غالب الوالبي، وطه الأعمى وابن عيسى. بعد كل غداء، كانت تشتبك الأيدي برقصة جماعية، لكنه كان يفتقد فيها الحيوية التي ألِفها عندما يكون طه الأعمى حاضراً. إن لضربات طبله وقْعاً في النفوس قبل الأجساد. كان يرى قطرات العرق وهي تتكوّر فوق الجباه وتسيل على الخدود والرقاب. كان يلاحظ ارتفاع الأرجل إلى الأعلى لتعود إلى الأرض بعنف أقوى.. لقد جيء بأبي شعيب ليضرب على "الدربكّة" بدلاً من طبل طه الأعمى، لكنه كان يدرك وهو يتابع الرقص أن ابتهاج الناس ينقصه شيء ما، وهو يعرف ما هو هذا الشيء الذي يفتقده الناس من خلال عيونهم وحركاتهم وهمسهم ولكنه يرفض أن يتلفظ باسم طه الأعمى.. فمن طه الأعمى حتى يتلفظ باسمه؟.. ومن هو ابن عيسى؟.. ومَنْ هو غالب الوالبي؟.. إنهم يعيشون على هامش الحياة، والحياة لا تتوقف عند من يكون على هامشها. الحياة- كما يرى- تنقاد لمن في مركزها، وهو ليس في مركزها فقط، إنه مركز الحياة في المنخورة، وما دام كذلك فإنه لن يأبه لعالم المجانين فيها. أحسَّ ضيقاً من هذه التذكارات التي وفدت إليه من أعماقه، وهو في كل مرة، يحاول أن يزيحها جانباً أو يلغيها ولكنها في كلِّ مرة تتمرد عليه وتعكِّر صفو جلسته، فإلى متى سيظل أسير هذه التذكارات؟ لن تسعفه إلا زجاجة الخمر. الخمر وحدها تجعله يحسُّ أنه أكبر من الوقوف عند هذه الأسئلة التي تتوالى في خاطره، فيحاول التخلص من ملاحقتها ولكنه يظل أسيراً لها دون الخمر. لم يعد يطيق الانتظار ليتجرعها على مهل. إنه يريد للنشوة أن تبدأ بسرعة من كأسه الأولى، ثم تأتي الكأس الثانية والثالثة على مهل.. تبهت صورة الماضي، وتنفلت تطلعاته إلى المستقبل من أصفادها. عندما أرغمه أبوه على أن يترك المدرسة وهو في المرحلة الإعدادية، بكى يومها، وبكى في ليلته الأولى والثانية، كان يشعر بالحزن مثلما كان يشعر بضرورة الانتقام من أبيه.. لكنه مع مرور الأيام تعوّد عالم البطالة الذي لم يطل حتى فوجئ بموت أبيه. ها هو ذا ينتهي من كأس الخمر الثالثة. تتراءى لـه صبّوحة الخليل عارية على غصن الكرمة التي تطاولت في باحة داره.. وربما تكون هي المرة الأولى التي يتساءل فيها قاسم المدهون جدياً: -لماذا لا يتزوج من صبوحة الخليل؟ وقبل أن يعيد السؤال على نفسه مرة ثانية، تراءت لـه منيرة على الغصن الآخر المقابل لصبوحة الخليل، فهزَّ رأسه وفرك عينيه.. وكان بحاجة لكأس رابعة من الخمر ليبعد صورة غالب الوالبي عن عينيه. * يعرف ابن عيسى أن زائره الوحيد في مثل هذا الوقت هو طه الأعمى، يعرف ذلك من خلال نقرات العصا التي يتوكأ عليها، يبتعد بوساطتها عن الحفر الترابية والأحجار الصغيرة التي قد يتعثّر بها. إنه المساء، ذلك الوقت الذي يفضله طه الأعمى على كل الأوقات لزيارة ابن عيسى. وعلى الرغم من الرطوبة التي كانت تلفُّ كونهما حيث تحمل لهما رائحة البراري، فإن طه الأعمى كان يحب أن يبتعد عن أطعمة الأعراس والأموات، ويحسُّ سعادة غامرة إن لم يكن هناك عرس أو موت، يفضِّل أن يجلس وحيداً، فيسيح بعالم خاص لا يعرف لـه بداية ولا يعرف لـه نهاية. لا يعرف كيف يبدأ عالمه هذا ولا يعرف إلى أية نقطة ينتهي؟ يحاول أن يتخلص من ذلك اليوم الذي كان فيه طفلاً لما يتجاوز التاسعة من عمره حيث كان يرغمه أبوه على قراءة القرآن حتى ساعة متأخرة من الليل.. وفي تلك الليلة، التي كلما تذكرها، يحس أن خنجراً يتلولب في أعماقه، من السرة وحتى القلب بحركة دائرية وحلزونية، في تلك الليلة حيث كان القنديل الكازي أمامه والقرآن في حضنه، راح يقرأ ويغمض عينيه ليحفظ عن ظهر قلب. في تلك الليلة أقسم أبوه أنه سيضربه ضرباً مبرحاً ويتركه في الأسطبل حتى الصباح إذا لم يحفظ ثلاث صفحات من سورة يوسف. إنه يتذكر، على الرغم من مرور خمسة وثلاثين عاماً على تلك الحادثة، أنه كان يقرأ (سورة يوسف).. وكانت تنتابه حالة من حالات الشرود، فيذهب بعيداً مع جمال يوسف وزليخة التي راودته عن نفسه. كان- آنذاك- يرسم صورة لها في خياله كما كان يرسم صورة ليوسف، ويقف عند هروب يوسف منها، وكيف أمسكت بقميصه من الخلف لإعادته إلى عالمها، وكان آخر سؤال طرحه على نفسه: ما معنى هذه العِفِّة التي تمسّك بها يوسف عند امرأة في غاية الجمال؟ يذكر ذلك تماماً. يتذكر السؤال، لكنه ما عاد يتذكر شيئاً إلا أن رأسه هوت على بلورة قنديل الكيروسين إذْ اخترق الزجاج المتشظي عينه اليمنى. أحسَّ بالنار وهي تشتعل في شعر رأسه ثم غاب عن الوعي بعد صرخة ألم، حيث شظايا زجاجة الضوء قد تعدّت إلى عينيه. يذكر ذلك تماماً. ويتذكر أنه بعد سبعة أيام فقَدَ بصره، فبعد أن وضع الشيخ (دقدوق) شيئاً من مسحوق كان يلفه بقطعة قماش في عينيه بكى ألماً، وفي الصباح اكتشف أنه أضحى أعمى، قال أبوه، وهو يضرب كفاً بكف: "-لا حول ولا قوة إلا بالله.. المكتوب على الجبين لا مهرب منه". بعد خمسة وثلاثين عاماً يذكر طه الأعمى ذلك ولكنه وصل إلى مرحلة التآلف مع عاهته، فماذا تفيده النقمة على الشيخ دقدوق وذلك المسحوق الذي وضعه في عينيه؟ يذكر ذلك تماماً ولن ينساه، ولكن ما دامت الحياة مستمرة، فما نفع الحزن؟.. يكفي أن المنخورة تبحث عنه في أعراسها وحفلات الختان، يكفي أن المنخورة تبحث عنه ليقرأ لها شيئاً من القرآن في أيام العزاء. وها هو ذا يحسُّ ببهجة الفرح عندما يجلس وابن عيسى وحيدين، وأمامهما كأسان من الشاي يتلذذان بهما. لم يكن ليخطر على بال طه الأعمى أن ابن عيسى يمكن أن يفكر في الذهاب إلى مقبرة القرية في هذا المساء الرطب، ولكن ابن عيسى قال له: أتخاف المطر؟ فقال طه الأعمى: أجل.. فأنت تعرف وعورة المقبرة. قال ابن عيسى: يا طه.. لا تنسَ ما سأقوله لك، إن الغيوم خاصمت المنخورة، فلا تخف من رعد دون مطر. وتساءل طه الأعمى مستنكراً: أوتشرك بالله يا بن عيسى؟! قال ابن عيسى: البعرة تدل على البعير يا طه! قاطعه طه الأعمى، وبعد قليل ستقول "لا دخان بلا نار.."؟ قال ابن عيسى: لو كنت مبصراً- يا طه- لرأيت قطرة المطر ترتفع إلى السماء قبل أن تصل إلى الأرض. فقال طه الأعمى: لم أعد أفهم شيئاً. قال ابن عيسى: وأنا لا أفهم أشياء كثيرة، لكنني أعرف أن رحمة السماء انقطعت منذ أن صار قاسم المدهون يصول ويجول. قال طه الأعمى: ولكنه حفر الآبار وتكاثرت الأشجار في أرضه مثلما تكاثرت سنابل القمح والشعير كما يقولون. قال ابن عيسى وهو ينهض واقفاً: تأخرنا عن المقبرة يا طه! وإذ ضحك طه الأعمى قال ابن عيسى وهو يربت على كتف طه: -تذكر ذلك يا طه.. فلربما متُّ قبلك.. لا بد من الغاشية. *** لم يكن طه الأعمى بحاجة إلى عصاه بعد أن شبك يده بيد ابن عيسى، حيث انطلقا إلى مقبرة القرية بمشية كانت أقرب إلى الهرولة، وهناك جلسا متجاورين وقبالتهما كان ضريح أبي ذر الغفاري الذي لا يعرف أحدٌ من بنى حولـه بيتاً طينياً مغلقاً من كافة جوانبه باستثناء باب صغير صنع من الصفيح.. وقد أحاله الزمن إلى قطعة صدئة مثقوبة في أكثر من مكان.. ربما بتأثير الحصى التي تنهال عليه من مقاليع الأطفال في أثناء مخاصماتهم التي لا تدوم أكثر من بضعة أيام. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |