المنخورة - عبد الإله الرحيل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:52 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القســــم الثـــاني

1‏

كانت، فصارت..‏

كانت المنخورة –كما قال أبو حسين القحطاني أكثر من مرة- حاضرة الصحراء- مطوّقة بالأشجار من كل الأنواع.. لكن أكثر تلك الأشجار كانت من النخيل.. لم يكن الناس بحاجة إلى الفأس والمعول لحفر الأرض بعيداً في أعماق الأرض بل كانوا يستخرجون الماء بأيديهم، يحفرون الأرض، حيث يتدفق الماء عذباً وغزيراً.‏

كانت كأي مدينة أو قرية عربية معرّضة للغزو والنهب والانتصار والانكسار، عرفت جحافل الأمويين والعباسيين، مثلما عرفت جنود الدولة العثمانية من الانكشاريين.‏

يتوقف أبو حسين القحطاني –رحمه الله- وهو ينظر مليّاً إلى الأرض ثم يحمل بيده قليلاً من التراب، يلهو بالحبيبات وهي في راحة يده ثم يلقيها بعيداً؛ ويقول: "تعاقب الكثيرون على المنخورة- كما يقول جدي نقلاً عن الأكبر منه سناً- فمنهم من كان تقياً ومنهم من كان شريراً واللصوص، منهم من آمن بالسيف ومنهم من آمن بالعدل، منهم من آمن بالرصاصة ومنهم من آمن بالكلمة..".‏

وكان إن جاء زمانٌ قاسٍ، زلزلت الأرض فيها زلزالها، فلم يبقَ من القرى التي أحاطت بالمنخورة إلا أسماؤها، ولم يبق من أشجار المنخورة وينابيعها إلا بقية من أشجار وبقية من ينابيع، وعاد من نجا من أهلها يتعاونون في بنائها وتسويرها بسور آجرّي.‏

كانت المنخورة، كما يضيف أبو حسين القحطاني، لا تسكت طويلاً على الظلم والضيم، ثم يتساءل متحسّراً: "ما الذي جرى، إن كان التاريخ صحيحاً في أخباره، فما الذي جرى؟"‏

كانت، فصارت...‏

كانت ذلك، فصارت قرية متوحدة مع عالم الصحراء، لا يدلُّ على ماضيها إلا سورها التاريخي الذي صمدت حجارته الكبيرة أمام الزمن.‏

كانت تحتضن الغرباء ضيوفاً..‏

فصار الغرباء يكشّرون عن أنيابهم.‏

في زمن ضبابي جاء قاسم المدهون وأخاه غصّاب. ومن قبلهم أبوهم، ضيوفاً، وفي زمن آخر اختلطت فيه الألوان، تطاول قاسم المدهون وأخوه غصّاب، وراحا على أكتاف الرجال والأصوات، الجوفاء منها والخشنة والمعربدة، يصنعان مجداً، يتراءى للكثيرين زاهياً، برّاقاً، إلى درجة الاشتهاء، والتمني واللمس؛ حتى مجرد اللمس.. وفئة ثانية، كانت تراقب ذلك بالعيون، وتسمع بالآذان، لكنهم يكتفون بهزِّ رؤوسهم ويكتفون بالانتظار، وفئة ثالثة، وهم القِلَّة القليلة، كانت تصرّح بما يعتمل في نفوسها، وما تضيق بها صدورها همساً، وربما ببسمة صفراء، أو بشتيمة على دورة الأفلاك والزمن، فصار النزيه دنيئاً والدنيء نزيهاً.‏

بين (كانت) و(صارت).. ها هي ذي المنخورة تتأوه انتظاراً وصمتاً وحزناً.‏

بين الحاضر والحاضر الذي قد يحمل تحت جناحيه شعاعاً من الفرح، كان ينمو الحب ويتوهج تحت الشمس، وكان الحقد يتسلل في الأزقة وبيده مطواة حادة أو خنجر مسنون.‏

بين الذكرى والحاضر، كان الأطفال يلعبون ويضحكون خارج مدارات للحصار.‏

***‏

يبحر في عالم آخر...‏

إنه داخل غرفته، وفي الوقت ذاته خارجها.. تلفُّه قطرات الصمت اللزجة التي تهطل عليه من بين شقوق جدران غرفته الطينية المتشققة ومن بين شقوق خشب السقف، لكنه يحسُّ بركاناً محرقاً يغلي في داخله كلما استعاد وقفته مع قاسم المدهون في المقبرة. كل الخلايا والأعصاب كانت متوترة، مرهفة، حادة. لم يكن بينه وبين (الموت أو السجن) إلا لحظات، لم يكن بينه وبين أن يكون قاتلاً أو مقتولاً إلا شعرة.‏

وفي هدأة الصمت المتوتر، تساءل: لماذا تراجع قاسم المدهون؟.. لماذا لم يتقدم ليصفعه كما صفع ابن عيسى؟.. تراءى لـه قاسم المدهون وهو يسقط أرضاً على مقربة من قبر أبي حسين القحطاني، ثم حمله بعيداً: وألقى به في حفرة مليئة بالأشواك حيث نزف الدم من الفم والأذنين والرأس. تراءى لـه خطيب المبطون وأبو المداح الأشرم وغصّاب المدهون وغيرهم، وهم يركضون نحوه بالهراوات والسكاكين، وإذْ انهالوا عليه ضرباً بهراواتهم، وهوت السكاكين في الصدر والعنق، وانساب دمه إلى التراب ساخناً. كان يغمض عينيه ويفتحهما متألماً، ولكنه قبل أن يغمضهما الإغماضة الأخيرة تراءت لـه منيرة بثوبها الأخضر الطويل وهي تلوّح لـه بيديها ليرتفع معها عالياً من عالم المقبرة والأموات.‏

هزَّ غالب الوالبي رأسه ليبعد هذه الرؤى التي تطوف في دماغه وعينيه.‏

إنه يبحر في عالم آخر؛ عالم تختلط فيه العفونة بالنقاء، كما تختلط فيه أصوات البشر بأصوات بنات آوى التي تتناهى إليه من الجبال، لكنه غالباً ما يرى عالم النقاء مهما أضحى ضيقاً، أكثر اتساعاً؛ غالباً ما يسمع أصوات البشر واضحة وإن تكاثرت أصوات بنات آوى. لمّا يفقد الأمل في الكون والإنسان، إنه يؤمن أن شبكة العنكبوت مهما اتسعت لن تصمد أمام الزمن والحقيقة.. ويبتسم لأنه يشبّه قاسماً المدهون بشبكة العنكبوت.. لكنه يتألم غاضباً لأنه يرى ذلك بوضوح.‏

يبحر غالب الوالبي في عالم الصمت والتساؤلات. وتبحر المنخورة في عالم الليل، الذي سَجى فوق جبالها وطوّق أزقتها وبيوتها.. وانشقَّ منتصف الليل بهدوئه وبركانه عن صوت منيرة متسائلاً:‏

-ألم تنم حتى الآن؟‏

فرك عينيه فرحاً؛ فتراءت لـه طيراً أخضرَ يرفرف في سماء غرفته ولوّحت لـه بجناحيها، فنهض راكضاً ليلحق بها. إنها تسبح في الفضاء. بإمكانه أن يمدَّ يده ليلامس طرف ثوبها لكنه لم يفكر في ملامسته. يكفيه أن يرفع رأسه ليتكلم إليها. يكفيه أن يسمع شهيقها وزفيرها.. خطواته تتلاحق سريعاً لكنه لا يحسُّ تعباً. يدرك تماماً أن قدميه تطآن الأرض لكنه يحسُّ أنهما ترتفعان عنها. يعرف ذلك، وكاد أن يهمس بهاجسه لمنيرة لكنه تدارك كلماته وهي في حنجرته فتوقف حتى لا تظن به الظنون. تابع خطواته، حتى إذا ارتفعت إلى الأعلى أكثر.. واختلط عليه لون ثوبها الأخضر بخطوط حمراء، سألها بصوت مرتفع: إلى أين يا منيرة؟!‏

واكتفت بأن أشارت لـه ليتابع مشيته.‏

دون أن يحسَّ بأحجار المقبرة وأشواكها؛ كان يتابع مشيته أحسَّ فجأةً بدائرتين من الرجال تحيطان به وقد أضحى في مركز الدائرتين. حاول أن يبتسم لكن بسمته تجمدت على شفتيه إذ أدرك أن رجال الدائرة الثانية يشبهون القرود وفي أيديهم الغليظة سهام حديدية صدئة مصوّبة إليه.‏

تقدم رجل من الدائرة الأولى، وتبعه اثنان من الدائرة الثانية، فقال:‏

-لتختر إما أن تكون معنا.. أو الموت؟‏

أحسَّ صقيعاً يتغلغل إلى عظامه وينفذ إلى العروق الصغيرة في لسانه. حاول أن يقاوم الرجفة التي لم يعد باستطاعته أن يسيطر عليها، فابتسم الرجل بسمة بلهاء وقال لها:‏

-أمامك دقيقتان.. فاختر مصيرك!‏

ارتفع رأسه إلى الأعلى. تراءى لـه طيف ابتسامة على شفتيها، لكنه استغرب أن لون ثوبها صار أحمر، وأن خطوطاً خضراء هي التي أضحت موشّاة في نسيجه، وعاد لينظر إلى الرجال والقبور، ثم سأل:‏

-من أنتم؟‏

قال رجل وهو يهرش خلف رقبته:‏

-نوالي القوي الذي يدفع ونقتل الضعيف دون أن تأخذنا به رحمة أو شفقة.‏

هزَّ غالب الوالبي رأسه عنيفاً كأن ريحاً من السموم قد لعبت به، وقال:‏

-القوي العادل لا يدفع.‏

وقاطعه الرجل بإشارة من يده:‏

-بعض الرجال أقوى من الأحداث.. وقاسم المدهون رجل الساعة، هل فهمت؟‏

أطرق إلى الأرض، ثم عصر رأسه بيديه وهمس:‏

-لحظة اختيار قاسية - يا منيرة! بين أن أكون تابعاً ذليلاً وبين أن أموت واقفاً.‏

أحسَّ بيدها تمتدُّ سريعة وهي تحمل العصا التي كان يتوكأ عليها أبو حسين القحطاني فانتزعها منها برغبة جنونية ثم باعد ما بين قدميه.. ولوّح بها فوق رأسه.. وصرخ متقدماً. وعلى الرغم من السهم الذي تراءى لـه وهو ينطلق باتجاهه من أحد الرجلين، فقد استغرب أن السهم ارتفع عالياً حيث الفضاء.. وإذ تابعه تراءى لـه رجل يشبه "حمدان القرمطي" –كما رسمه في ذاكرته- يمسك بالسهم ويعيده إلى أرض المقبرة قطعة حديدية استقرت في إحدى الحفر.‏

يبحر بين الماضي والحاضر.. وها هي ذي هواجسه تنقله من الحاضر إلى عالم أشبه بالكوابيس. تلمّس جسده ومسح العرق الذي تكاثر على جبينه ورقبته وخرج إلى باحة الدار، لكن طيف منيرة وطيف حمدان القرمطي ودائرتي الرجال.. لم تعد تفارقه منذ ذلك الحين.‏

***‏

في تلك الليلة التي دُفن فيها أبو حسين القحطاني، انتظر أبو المداح الأشرم هبوط الليل ليهرول إلى قاسم المدهون؛ فلعلَّ مجالسته تُرِوّح عنه آثار الصدمة التي تلقاها من غالب الوالبي.. لكنه –إضافة إلى ذلك- كان يفكر بأمر آخر..‏

لقد قرأ ذات يوم: "انتهزوا الفرص فإنها تمرُّ مرَّ السحاب".. حفظ الجملة عن ظهر قلب، وحاول أن يفكر فيمن قالها، وإذْ أتعبه ذلك، قال: لا يهم مَنْ قالها، لكن يهمني فحواها. وها هي ذي الفرصة تهبُّ عليه من حيث لا يتوقع، فلتكن خطواته هادئة مثلما ينبغي أن تكون واثقة.‏

.. وأدرك أبو المداح الأشرم أن قاسماً المدهون، يتحدث بنبرة عالية متجاهلاً انكساره في المقبرة. حاول أن يرحل معه ببسمة مجاملة، بموافقة من رأسه، حتى بالقهقهة حاول أن يجامله. إنه يريد أن يصل إلى كلمة تفتح لـه آفاق حديث جاء به بعد تفكير. ما أصعب تلك الكلمة، إنها تبدو كقطرة زئبق، تقترب لكنها سرعان ما تهرب. يريدها أن تكون في مرمى السهم، لا يريد لسهمه أن يذهب دون جدوى، يريده أن يكون قريباً من القلب إن لم يكن في القلب تماماً.‏

"اقتربت الساعة وانشقَّ القمر".. فمتى يقترب ابن المدهون من حديث المقبرة؟ عندها فقط، يكون باستطاعة أبي المداح أن يوجه سهمه حيث يريد، فمتى ينتهي من حديث المزرعة والأبقار وأخيه غصّاب؟‏

مدَّ يده إلى علبة سكائره فسحب واحدة منها وأشعلها، وبعد أن عبَّ الدخان ونفثه في سماء الغرفة وراح يتابعه على مهل سأل أبا المداح سؤالاً، جاء مفاجئاً:‏

-قل لي –يا أبا المداح!- ما الفرق بين النبي والشيطان؟‏

"ها هي ذي الفرصة التي تشتهيها يا أبا المداح جاءتك.. فالتقطها.. وحذارِ أن تهرب منك.. أنت منذ هذه اللحظة الذي عليه أن يدير كفة الحديث.‏

ها هو ذا الأمل الذي طاردته من أول الليل يغدو بين يديك في لحظة صحوة من عالم الخمر فحذارِ أن يرمي بها ابن المدهون في لحظة إطلالة أخرى على رشفة من خمر يعبُّها من غرفته الأخرى فيعود تائهاً".‏

قال أبو المداح: -نبي المنخورة أنت- أطال الله في عمرك- وشياطينها نوعان.‏

قاطعه قاسم المدهون: نوعان؟‏

قال أبو المداح: شياطين النوع الأول، ابن عيسى وطه الأعمى وغيرهما، وهم لا يجيدون غير الثرثرة.. وشياطين النوع الثاني، أولئك الذين لا نعرفهم، مثلهم مثل الأفاعي، لا تعرف متى تأتيك لدغتهم.‏

سأل قاسم المدهون: إذن.. هناك أفاعٍ يا أبا المداح!؟‏

قال أبو المداح: أعرفك –أطال الله في عمرك!- حكيماً.. مثلما أعرفك كريماً.. فاستمع إلي.. شياطين النوع الأول يمكن إسكاتهم بالطعام؛ وإلا فالمال. أما شياطين النوع الثاني، فيجب معرفتهم أولاً، وإسكاتهم بطريقة أخرى يا سيد العارفين!‏

نظر قاسم المدهون إلى يده التي تحتضن السيكارة، فتاه زهواً بأصابعه الممتلئة وبخاتمه الذهبي الذي يزيّن بنصره. حاول أن يغطي زهوه بأن نفض سيكارته.. وراح يلهو بالرماد الذي تكاثر في نفاضة السكائر، لكنه قال كأن الأمر لا يعنيه:‏

-الصبر مفتاح الخير.. يا أبا المداح!‏

قال أبو المداح: أنت لا تعرف أهل المنخورة، مثلما أعرفهم كما قلت لك يوماً –يوالون من كانت العصا بيده... القوي –أطال الله في عمرك- مرهوب الجانب، مسموع الكلمة لديهم، وأنت.. أنت القوي.. فابحث عن العصا قبل أن تبحث عن الأفاعي.‏

ثانية، ينظر إلى خاتمه الذهبي في بنصره، وإذ يلمع تحت الضوء، تعصف برأسه تيجان الملوك التي سمع الكثير عنها. حاصرته عالم التيجان المتلألئة يحملها عبيد.. فأشار إلى أجملها وأخفها وزناً وأغلاها ثمناً فوُضعت على رأسه.‏

انتشله أبو المداح من صمته: الطريق الطويلة تبدأ بخطوة، فتلكن خطوة قوية.. أطال الله في عمرك.‏

قال قاسم المدهون: سأفكر في الأمر.‏

قال أبو المداح: من أطال التفكير في العواقب، هانت عزيمته.. أنت تملك المال، ومن يملك المال يملك القوة والرجال.‏

***‏

الليل رطب وصامت إلا من كلاب تتناوب النباح ومن عواء لبنات آوى حيث الجبال.‏

النهارات قائظة تدبُّ فيها الحياة والحركة، لكنها تخفي تحت سطحها استكانة وهجوعاً.. وها هو ذا يطل بنظرة جديدة على لياليها ونهاراتها.‏

يتلفت يميناً حيث وزير الميمنة، ويتلفت يساراً حيث وزير الميسرة، وفي كل مساء يهرول إليه رئيس البصاصين بما تنقله إليه العيون والآذان، فيوافق ويرفض، يبتسم ويكشّر، يهمس ويصرخ، وكلّ طوع بنانه.‏

منذ الغد سيخطط ليكون لـه رجاله.. وعيونه.‏

2‏

تأهبت غيوم الشتاء لمغادرة فضاء المنخورة دون أن تلامس قطرة مطر واحدة تربتها. دفعها الهواء بعيداً، حيث الجبال فالصحراء.. وبدت السماء زرقاء صافية.. ثم كان أن جاءت النهارات القائظة.‏

وعادت المنخورة لتهجع بانتظار شتاء آخر، ممنيّة النفس أن المطر، مهما تطاول في مخاصمتها فسوف يأتي. وكان قاسم المدهون الذي يراقب تلك الغيوم وهي ترحل يمنّي النفس بالتاج الذي تراءى على رأسه لامعاً. وبلحظةٍ خاطفة مثل البرق، تراءى لـه ذلك التاج بين فسحة من الغيوم.. واستغرقه المنظر. كانت أعصابه تتوتر عندما يغيب التاج لدقائق تحت طيات غيمة وافدة؛ فإلى متى ستظل هذه الغيوم تعكر عليه متابعته لتاجه الموعود؟‏

مزارعه تتطور وتزداد مساحة وتعطي ثماراً. يعمل الكثيرون من أهل المنخورة فيها، وكان من يعمل فيها يدعو لـه ولأخيه بطول العمر والرزق الوفير؛ فهم –إذا أراد أن يقوم بمشاريع جديدة- لن يكونوا ضده، سيكونون معه. إنه على ثقة من ذلك؛ فأين يعملون واللقمة شحيحة والقحط يتمطّى في عالم المنخورة؟‏

إنه الغيمة التي بها يستظلون؛ فكيف يزداد تحكماً في مصائرهم ويجعلهم يلهثون ركضاً لكسب رضاه فيبسط عليهم ظله، ويتكرم عليهم بشيء من سخائه؟ منذ متى قال لـه أبو المداح: "عليك أن تجعل يدك في أفواه أهل المنخورة للكوع.. وعليك أن تحمل قطعة عظم لترميها إليهم، فتحافظ على ملازمتهم لك؟".. لم يتذكر منذ متى كان ذلك.. ولكنه يعضُّ على شفته العليا ويهزُّ رأسه موافقاً على صحة تلك الملاحظة.‏

فجأةً تراءت لـه مجموعة من الكلاب، تَهزُّ أذنابها مستكينة، إلا أنه تضايق، لأن بعضها كان ينبح، وتساءل: هذا النباح كيف سأنتهي منه؟‏

ولم يتوقف بحثاً عن الإجابة، فقد تذكر تلك الفسحة السماوية الصافية التي كانت تظهر لـه واضحة عندما تتفرق الغيوم عن بعضها، لو أنها ظلت متراصة، متكاثفة.. لما كانت هناك فسحة في السماء، فكيف لـه أن يخلق مثل تلك الفسحة في عالم الأرض، وفي عالم المنخورة بالتحديد؟‏

ابتسم مطمئناً لفكرة سطعت بذهنه كالبرق، وما عليه إلا أن يبدأ هادئاً بتنفيذها.‏

يعرف ما يريد، لكن لا بدَّ لـه من البداية ليصل إلى نتيجة يقطف ثمارها منتصراً، مزهواً. تبدو لـه البداية واضحة حيناً، مشوشة في أحايين أخرى، يمسك بأطرافها لكنها تتخلص منه، يتعقبّها راكضاً، حتى إذا أمسك بها أفلتت منه.‏

كم هي صعبة البداية، كقطرات الزئبق، تبدو لـه قريبة، مثلما هي موغلة في البعد. لا بدَّ لـه من الاستدارة والالتفاف للوصول إلى رحم الأشياء، إلى رحم الكون، لا بدَّ من التمكن من العنق والحنجرة، عند ذلك يمكن لـه أن يتحكّم في الأنفاس؛ في الشهيق كما في الزفير، فمتى يبدأ، وكيف؟ كيف سيلتقط قطرات الزئبق، وكيف سيقبض على عنق الأشياء؟‏

منتصف الليل يتقدم بطيئاً وثقيلاً. أضحت النفس توّاقة للتحرر مما يدور في أنحائها. أضحى تواقاً ليبثَّ ما يعتمل في داخله لهذّال الحسن، الذي رأى أنه الوحيد الذي يمكن أن يكون جسراً لتنفيذ فكرته، فمتى يغادر الرجال مضافته؟‏

متى ينتهون من أحاديثهم المكرورة، ونكاتهم الممجوجة؟‏

راح يتصنّع التثاؤب ويرفع يده ليضعها على فمه. نظر إلى ساعته أكثر من مرة، فقال أحدهم: "علينا أن نغادر، لقد تأخرنا بالسهرة"..‏

ولم يجب، لكنه اكتفى بابتسامة باهتة.‏

***‏

بعد أن اهتزت الكواكب؛ بعد أن ودّعت الغيوم عالم المنخورة، وبعد أن غادر المضافة آخر رجل، تمطّى قاسم المدهون، وزفر الملالة التي تراكمت في صدره.‏

منذ عدة أيام وهو يبحث عن الملاذ الذي يستريح إليه في تنفيذ خطته التي رسمها في ذهنه، وقلبّها داخل روحه المتوهجة.. ورماها بين الأزقة فتراكضت حيث بيادر المنخورة ومقبرتها وأطرافها، وأخيراً عادت لتستقر في حنجرته. تضخمت الكلمات في الحنجرة بحثاً عن اللسان والشفتين، ومن ثمَّ البوح. لو كانت رؤيته في صبّوحة الخليل كما كانت فيما مضى؛ لباح لها بهذا العالم الذي يضطرب في داخله.. لكنها أضحت بعيدة، هي التي فرضت عليه أن يكون بعيداً. سينتظر يوماً يعرف فيه كيف يردُّ عليها، لا يريد لصبّوحة الخليل أن تساعده فيما اعتزم عليه، لكنه كان يثق بما تقول، لا يعرف من أين تشبثت به تلك الثقة. إنه يثق بكلماتها وكفى. كلمة منها تكفيه لأن يستمر في خطته أو يبحث عن غيرها.‏

أرادت أن تبتعد.. فليكن ذلك يا صبّوحة.. لن تتوقف الشمس عن شروقها وغروبها، سوف تستمر مثلما سيستمر الليل في تعقبه للنهار. "لن يكون أمامي إلا هذّال الحسن فهو الأداة التي ينبغي أن أستخدمها وسأظل بعيداً؛ إن سقط فلن أرحمه وإن نجح فإنني سأعرف كيف أمدُّ لـه يد المساعدة، وفي الحالتين؛ ينبغي أن أكون بعيداً".‏

ها هي ذي العتمة في الأزقة..‏

أُسدلت الستائر على النوافذ، وكان قاسم المدهون يتصنّع الهدوء، لكنه على يقين لو أن أحداً تأمل في عينيه بعمق لأدرك أنه يخفي توتراً محموماً وأن ما يظهره من هدوء ليس إلا قشرة خارجية من هدوء مزيّف.‏

انسكب ضوء قنديل الكيروسين، فبدت الأقنعة تتوارى عن وجهه رويداً، رويداً. تمزقت البشرة الخارجية لوجهه، ابتدأ ذلك من المنطقة القريبة للشفتين، ومن المنطقة التي تحيط بالعينين.‏

بدا وجهه لهذّال الحسن –وهما في عالم متوتر- وقد انتقل من لونه القمحي إلى سمرة قاتمة، أقرب إلى لون المداخن.‏

ظل هذّال الحسن على صمته، يصغي بانتباه شديد إلى كل كلمة يسمعها، لا يريد لنبرة الصوت أن تبتعد عنه، يود أن يحتفظ بمخارج الحروف التي يتلفّظ بها قاسم المدهون.. فهذه الخلوة جديدة إلى عالمه، وهذا البوح الداخلي الذي يسمعه المرة الأولى في حياته، يستدعي أن تكون أعصابه وأنفاسه مشدودة حتى النهاية.‏

من محطات ضبابية ستكون نقطة البداية.. وحيث العالم الذي ما زال مبنياً في الذهن ستكون النهاية.‏

من محطات اختمرت عوالمها في أعماقه، وحيث عالم سيكون مركزه ونبيه وشيطانه ستكون النهاية. البداية صعبة، والوسيلة مريرة لكنه إن توقف فإن أحداً لن يرحمه، لن يتوقف ليتفرج على التيار، عليه أن يصنع التيار الذي يريد، والريح التي يريد.‏

طريق المجد، ليس مزروعاً بالورود، وليس سهلاً. غايته أن يحقق ما يريد. لقد قال ذات ليلة لصبّوحة الخليل: "أنا زعيم المنخورة"... وما دامت هذه غايته، فليس مهماً أن يقف ليتساءل: كيف هي الوسيلة؟‏

هزَّ هذّال الحسن رأسه بعنف محاولاً أن يتحرر من دهشة مطّت أرجلها لتتعلق بعينيه وأذنيه، ضجَّ السؤال في داخله: أيسمع كلمات يقولها قاسم المدهون، أم أنه في حلم كابوسي؟؟.. دقائق كأنها عصور، دهشة كأنها صخرة سقطت على صدره. لو لم يتلمّس ركبتيه وهو في جلسته تلك لأقسم بأغلظ الأيمان أنه في حلم. ولكنه ينظر إلى كل الأشياء التي حوله للمرة الثالثة أو العاشرة، فيتأكد أنه يعيش الواقع بتفصيلاته.‏

-هذّال.. عليك أن تبحث عن "السفهاء".‏

انتشله صوت قاسم المدهون من شروده، فسأل بصوت مسحوق:‏

-السفهاء؟‏

وقبل أن يجيبه بكلمة، مدَّ يده إلى جيبه وأخرج رزمة من المال ووضعها في حضن هذّال الحسن. المرة الأولى التي يرى هذّال الحسن أوراقاً مالية تتكوم في ثوبه. تبخرت الدهشة. تكسّر صداها وهو يتأمل ثانية ما صار معه من مال.‏

وتجاهل قاسم المدهون بسمة هذّال الحسن، وقال:‏

-لا بدَّ من الصعود.‏

هزَّ هذّال الحسن رأسه موافقاً، بينما كانت بشائر الفجر تعلن عن قدومها من النوافذ، وإذ وقف ليعود إلى داره، قال قاسم المدهون: "تذكر.. أننا اتفقنا على الصمت.. يا هذال"!‏

كثيراً ما كان يستيقظ هذّال الحسن مع الفجر، لكنه في هذا الفجر يحسُّ أن كل الأشياء قد تغيرت، الفجر تراءى لـه مبتسماً. الأزقة التي عليه أن يقطعها للوصول إلى داره، تغيرت. إنها المرة الأولى التي تنبعث منها رائحة رطبة تنفذ إلى رئتيه.. فيطلب المزيد من الهواء ومن هذه الرطوبة التي يحسُّ معها بنشوة، كتلك النشوة التي كان يحسُّ بها عندما يرقص في أحد أعراس القرية فتلتهب الأيدي تصفيقاً لحركاته الخفيفة. كيف سيظل صامتاً وجيب ثوبه الطويل الذي وُضع فيه المال يهتزُّ مع خطواته ويلامس فخذه مُذكّراً إياه في كل خطوة ببشائر حياة جديدة؟‏

كيف سيظل صامتاً ويبقى لسانه متجمداً، فلا يبوح لزوجته بانتصاره؟..‏

لكنه يتراجع إذ يتذكر أن قاسماً المدهون عندما حذّره؛ رأى فتحتي منخريه وهما تنفتحان بتوتر محموم، ورأى عظام فكّيه تبرز بحركة صاعدة وهابطة وتضغط على بعضهما. لو لم يكن الأمر يستدعي الحذر، لما أعاد قاسم المدهون تحذيره أكثر من مرة. لو كان الأمر كتلك الليالي التي كان يذهب فيها إلى صبّوحة الخليل، لما أغدق عليه قاسم المدهون هذه الكمية من المال، لا بدَّ من أن الأمر أكبر من ذلك.. وهو هذّال الحسن سيكون أميناً على كلمته، وسيكون أميناً على أفعاله. إن صعد قاسم المدهون سيصعد معه، وإن كانت الريح ضده فإنه لن يخسر شيئاً. لو لم يكن قاسم المدهون على ثقة من نفسه وتصرفاته لما استمر الناس في التردد على مضافته في كل مساء، وحتى منتصف الليل. لو لم يكن كذلك، لما وقف خطيب المبطون، إمام جامع عمر بن عبد العزيز في كل يوم جمعة ليدعو لـه بطول العمر.‏

عندما فتح هذّال الحسن باب داره الخشبي.. فشخر؛ كوّر بصقة في فمه وبصق على الباب مقرراً أن يستبدلـه بباب حديدي بعد أن ينتهي من تنفيذ خطة قاسم المدهون؛ وإذْ أراد أن ينام، طوى للمرة الأولى في حياته ثوبه الطويل- بعد أن نزعه عن جسده- ووضعه مطمئناً، متمهلاً.. تحت وسادته.‏

***‏

في ذلك الفجر، استدار قاسم المدهون على كعبيه، ليواجه صورة أبيه الباهتة في إطارها الخشبي، مرة ثانية أحسَّ أن الصورة قد اهتزت غضباً وأن العينين قد تحجّرتا على دم أحمر قاتم.. فابتسم، وقال مخاطباً الصورة:‏

-أعرف أنك غاضب من هذا المال الذي قدمته لهذّال الحسن.‏

وقبل أن يكمل كلماته أحسَّ ثانية أن الصورة قد اهتزت بعنف أكثر من المرة السابقة. أحضر كرسياً انتزعها وأسندها إلى وسادة، وكاد أن يضحك بملء فمه عندما تنبّه أن كأس الخمرة صارت تتوسطهما؛ لكنه قال:‏

-لكل زمان- يا أبي.- ثعالبه ورجاله.‏

وإذ رفع كأس الخمر بيده، قال مبتسماً:‏

-وخمره.‏

وإذ تذكر صبّوحة الخليل، قال:‏

-ونساؤه.‏

وعندما استغرقته صورة أبيه، قال:‏

-لا تغضب.. فكم أنا حزين على عمرك الذي لم تعرف كيف تستغله، لو أنك نهضت من قبرك وزرتني، فسوف ترى يا أبي أنني سأغدو أمير المنخورة بأزقتها وبيوتها وأناسها وكلابها، سيغدو كل شيء رهن إشارتي!‏

نهض مترنّحاً ليعيد الصورة إلى مكانها في الحائط، لكنه لم يكتشف إلا في ظهيرة اليوم الثاني عندما استيقظ مصدوعاً أن الصورة كانت مقلوبة، وكاد أن يضحك وهو يتساءل:‏

-كيف تحمّل هذا الوضع كل هذه الساعات، فلم يصرخ ولم يتألم؟‏

وبعد أن أعاد الصورة إلى وضعها الطبيعي، ارتمى على كرسيه في باحة الدار، وعلى غصن دالية العنب عادت صورة صبّوحة الخليل لتتراءى له، لكنه رآها امرأة متلفّعة بثياب سوداء، ولم يعد يظهر منها إلا وجهها ويداها، فابتسم، وقال:‏

-الزمن بيننا يا صبّوحة، والزمن لا يرحم.. فاغربي عن وجهي.‏

تناهت إليه ضحكتها هازئة، نفر كطير مذعور، وقادته قدماه هائماً حيث بساتين المنخورة المفجوعة؛ وحيث الأرض في ظاهر المنخورة متشققة؛ وعطشى.. مفجوعة وقاحلة.‏

*‏

منذ ثلاثة شهور أو أكثر من ذلك بعدة أيام، أضحت المنخورة غير المنخورة، غادرتها الطمأنينة وهربت السكينة عن حواريها وأزقتها. أضحى نومها قلقاً، متوتراً، لا يعرف أحد من سيحلُّ عليه الدور ليكون ملقى في داره بعد أن سُرقت أمواله أو أُرغمت زوجته على أن تنزع من أذنيها ومعصميها ما تتزيّن به من ذهب أو فضة.‏

مَنْ سيكون ملقى إلى جانب زوجته، موثوقاً بالحبال كما هي موثوقة، وإن حاول المقاومة فإن عدة طعنات من الخناجر ستناله في مواضع من جسده.. وحده قاسم المدهون الذي أطلق الرصاص في باحة الدار في منتصف ليلة، فاستطاع أن يلقي القبض على أحد اللصوص.. حيث اعترف صباحاً باثنين، شاركاه التسلل إلى دار قاسم المدهون.‏

وكان على المنخورة أن تعيش انتصاراً جديداً لقاسم المدهون؛ انتصاراً جديداً توهّم الكثيرون أنه يستحق الإمارة على المنخورة دون منازع.. لكن هذّال الحسن –وحده- كان يضحك من أعماقه، ولكنه الضحك الذي لا يراه أحد.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244