المنخورة - عبد الإله الرحيل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:52 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القســـم الثـــــالث

ــــ غالب الوالبي ــــ‏

قبل أن يموت أبي بأحد عشر يوماً، طلب إليَّ أن أُبعد الساعة الحائطية عن غرفته، فعلت ذلك دون كلمة لأنني أعرفه عنيداً ولا جدوى من مناقشته في هذا الموضوع، لكنني سألته بعد يومين: لماذا أراد أن يُبعد الساعة من غرفته؟.. قال وهو يسعل: ((لم أعد أحتمل ((تكتكتها)).. إنها تمنعني من النوم.‏

في اليوم الثاني طلب إليّ أن أطفئ ضوء قنديل الكيروسين، وعندما هممت بمجادلته حول هذا الموضوع، أشار لي بيده اليمنى، وقال آمراً بلهجة السؤال:‏

-هل سمعت ما قلت؟.. أطفئ الضوء‍!‏

في أيامه الأخيرة –رحمه الله- لم يعد يحب صوت الساعة، صار يكره الضوء. أضحى منفذه الوحيد إلى العالم تلك النجوم التي يراها من نافذة غرفته في السماء وذلك الصمت الذي يتلذذ به.‏

مات أبي مع الفجر...‏

فجأًة وجدت نفسي أُعطي للأشياء تفسيراً جديداً، فلأن أبي كان يحسّ بنهايته فقد تخاصم مع الضوء ولأنه أحسَّ بنهايته قد أضحت وشيكة، كره الأصوات حتى ((تكتكة)) الساعة.‏

تركني بعد أن أورثني عناده، لأظل في عالم النهار والليل، ولأظل بين البشر أسمع أصواتهم، وتلك الكلاب التي يصلني نباحها من مبنى إمارة قاسم المدهون.‏

وللحقيقة أضيف أنه لم يورثني عناده فقط، لكنه أورثني هدوءه، كما تركت أمي في دمّي انفعاليتها، وبين الهدوء والعناد والانفعالية كانت –وما زالت- تنوس حياتي. إنها كبندول الساعة الحائطية التي يهتزُّ بين اليمين واليسار.‏

بين موت أبي وذكرى حياته، تتفتح الذاكرة وتستيقظ في ساعات الضيق والضجر. لم أسأله يوماً رأيه في ((منيرة))، لأنني أحفظ عن ظهر قلب رأيه في أبيها؛ أبي المداح الأشرم، ذلك الرجل الذي "باع دينه بدنياه" كما كان يقول وإذْ سألته عن قاسم المدهون وكيف صار أميراً لاذ بالصمت –على عادته- وحمل سيكارته، وراح ينظر إلى نهايتها حتى تطاول الرماد شيئاً فشيئاً.‏

سألته ثانية: لم تجبني؟‏

قال: انظر فما الذي تتركه النار؟‏

وإذ نفض رماد سيكارته في المنفضة..‏

قلت: رماداً‏

وبعد أن هزّ رأسه. قال:‏

-وربما وافق الرماد شرارة تحرق على غير هدى.‏

سألته هامساً:‏

-وكيف يمكنك تفادي الشرارة؟‏

قال، وهو يتنهد:‏

-للشرّ أوغاده في كلّ زمن.. يا بني!‏

مات أبي فجأةً مع الفجر. تعطّل كل شيء في جسده، ربما باستثناء ابتسامته التي كانت ترافقه في ساعات الكدر والفرح. تأملتها، وهو مسجَّى على فراش الموت رأيتها كما كانت.. لكن ذاكرتي أضافت لها عنصر السخرية، فهل كانت سخرية من حياة تنتهي إلى رماد؟‏

كل شيء تعطّل في جسده.. لكن بندول الساعة الحائطية ما زال يهتزّ؛ وأظن أنه لا يتوقف لأنه لا يملك مثل تلك الروح التي يملكها البشر.‏

برغبةٍ موشومة بدوائر الأسئلة التي ترافقني اندفع إلى ظاهر القرية. ابتسم ألماً لغُصينات الأشجار التي ذبلت واصفّرت. أتابع طريقي لأجلس مستنداً إلى حائط أحد البساتين. وأتابع الأغنام وهي تبحث في الأرض عن عشب أخضر فلا تجد غير الأشواك.‏

أتساءل: ما الفرق بين الناس في المنخورة وقطيع الأغنام الذي يبحث عن العشب فلا يجد غير الأشواك؟‏

أتلفّت إلى المنخورة عبر المقبرة. أحسّ جفافاً في حلقي. ابتلع غصّتي وأحاول أن أنتشل روحي من وهاد الحزن وقاع الأنين.. لكن الراعي، زاد في حزني حزناً، وفي أذنيَّ طنيناً عندما راح يعزف بالناي ألحاناً شجية. صرت أتخيل أصابعه وهي تتنقل بين ثقوب الناي فكأنها لا تلامس مسام الجلد، بل إنها تضغط على منافذ الروح. أحسّ اختناقاً في وحدتي، لكن دموعي لم تطاوعني، ظلت مستعصية في الأغوار البعيدة للنفس.‏

أين أنت يا منيرة؟‏

وأين أنت يا أبي؟‏

بعيداً عني كان أبي، غيّبه التراب إلى الأبد.. ومنيرة يحاول أبوها، أبو المداح، أن يغيّبها عني.. يا أبا المداح سأجد طريقي إلى منيرة فهي وطني الذي لن أتخلّى عنه، في ذلك الموقف الصعب، موقف الاختيار بين أن أكون تابعاً ذليلاً، وبين أن أعلن رفضي، لم أجد أحداً يقف إلى جانبي إلاّ منيرة؛ وحدها التي شجعتني على أن ارتفع عالياً فوق عالم المقبرة والأموات. بعيداً عن أولئك الذين يوالون من يدفع ويسحقون الفقراء أمثالي ممن لا صوت لهم؛ إلاّ أن يكونوا شهوداً على التاريخ، أو مَنْ يريدون أن يثبتوا دورهم التاريخي؟ ماذا أقول؟‏

لقد ذهب الوهم بي بعيداً، طار بي إلى عالم الحقيقة. نحن، في عالم كلّ ما فيه زيف وخداع.. فأيّ دور تاريخي هذا الذي أعتقد أنه سيكون لي. ما دام قاسم المدهون أضحى أميراً؟.. ومن هذا الذي سيسمع شهادتي؟‏

تباً لك أيها الناي الذي توغّلت في أعماقي...‏

لم تُثر في داخلي إلا أشجاني. ها أنت تصل بي إلى مشارف اليأس والقنوط. كان أحد أساتذة التاريخ يلحّ في أغلب محاضراته على أن نتعمّق في دراسة الماضي للوصول إلى ((مستقبل أكثر حضارة وأكثر إنسانية)).‏

كان يبتسم وهو يستعرض لنا تاريخ الحضارة الفارسية وحضارة ما بين النهرين وإن ((شمس العرب)).. هي التي أوصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه:‏

كنعانيون، وفينيقيون ثم آراميون..‏

روما، وبيزنطة، غساسنة، ومناذرة.‏

الاسكندر المقدوني، وجنكيز خان.. جاهليون.. وإسلاميون، الأمويون والعباسيون، خوارج وقرامطة..‏

الدولة العثمانية والمسألة الشرقية.. وثورات العرب..‏

لورانس ((العرب)) كان جاسوساً، باحثاً عن النفط، زارعاً التفرقة بين العرب..‏

الثورة الفرنسية، والثورة الاشتراكية..))‏

ونحن يا أستاذي؟.. أين نحن؟.. أسألك ماذا عن "البيروسترويكا؟.‏

-"علينا أن نقرأ التاريخ، نهضمه، نستقرئه.. نبتعد عن مؤامراته وفتنه؛ نبتعد عن اضطهاد الإنسان للإنسان، حتى نعود إلى مسيرتنا المشرقة بين الأمم، ولكي نعود فنأخذ دورنا بين الأمم".‏

دعك من محاضراتك يا أستاذ التاريخ، أنت واحد من الذين يريدون أن يكون دورهم في الحياة دورين؛ دور للظاهر ودور للباطن. في قاعة المحاضرة تقول لنا شيئاً، ولكنك عندما تخلو في غرفتك فإنك تقول شيئاً آخر.‏

دعك من ابتسامتك التي تذكرني بابتسامة خطيب المبطون إمام جامع المنخورة. ابتسامة واحدة لا أجد شبهاً دقيقاً لها إلا تلك الأعضاء التناسلية للأبقار.. الفم مفتوح، والشفة السفلى متدلية باسترخاء.. فعلامَ تبتسمان، يا أستاذ التاريخ ويا خطيبا المبطون؟‏

((لنستفد من عبر الماضي)).. هكذا كنت تقول لنا يا أستاذ و ((أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)).. هكذا يقول خطيب المبطون على منبر الجامع، ولا يملّ من ترديدها.‏

على الرغم من كل شيء –يا أستاذي- فأنت الذي اعترفت أن كثيراً من أخبار الماضي كانت أخباراً مزيّفة لخدمة الحكام والولاة والأمراء؛ فكيف لي أن أميّز الحقيقة من الزيف في عالمنا الماضي؟.. كيف لي أن أميّز الحقيقة من الزيف في عالمنا الحاضر، في عصر المنخورة وقاسم المدهون؟ كيف أميّز الأمراء من الدهاقين؟‏

اختلطت الألوان.. فصار الأبيض أسود وصار الأسود أبيض.‏

اختلطت الروائح... فصار العطر نتناً وصارت النتانة عطراً.‏

-"لنستفد من عبر الماضي" كيف يا أستاذ التاريخ؟‏

أسأل نفسي قبل أن أسالك: "لو جئت إلى المنخورة فكيف باستطاعتك أن تميّز بين الأمين والمأمون؟.. كيف تميز بين الذئب والحَمَل؟.. كيف تميز بين الكذب والصدق؟".‏

برغبةٍ حارقة أريد أن أفهم، أريد أن أعرف.. فالمعرفة هي أولى أدوات العقل والتاريخ والرجاء... فأيُّ عقل وأي تاريخ، وأي رجاء.. هذا الذي نبحث عنه؟‏

آه.. لو أن الراعي يكفُّ عن ألحانه. فتح في روحي بوابات للحزن فكيف يمكن أن ألغيها –أو على الأقل- كيف لي أن أتناساها لعلي أحسُّ بوهم السعادة؟.. أجل.. إنني مصرٌّ على وهم السعادة، فكيف سأكون سعيداً، وهذا القحط قد عاهد المنخورة منذ خمس سنوات، كيف سأكون سعيداً، والكثير من الناس لا يرون إلا مبنى إمارة قاسم المدهون فوق الأرض، لكنهم لا يعرفون شيئاً عن /القبو/.. والقليلون هم الذين يعرفون أن كلاباً، ما عرفتها المنخورة في تاريخها تسرح وتمرح في النهار، في ذلك القبو، حتى إذا جاء الليل، أطلقت في حديقة الإمارة.. فلماذا هذه الكلاب؟ هل تتساءلون معي هذا السؤال الذي يسبب لي الوجع؟.. ألا يكفي هذّال الحسن وهو من البصاصين الذين زُرعوا في المنخورة؟.. عَمَّ تبحث عيونهم وما هذا الذي تريد آذانهم أن تسمعه من الأصوات والهمسات؟‏

لم أكن أعرف شيئاًٍ عن /القبو/.. لكن علي الضمراوي هو الذي أخبرني عنه، وهو الذي مدَّ سبابته في وجهي ليحذرني من عالم قاسم المدهون وكلابه وبصّاصيه، لكنني أتساءل: كيف عرف علي الضمراوي بحكاية القبو؟‏

أتأرجح بين موقفين: الشك واليقين. هل يمكن لعلي الضمراوي أن يكون قد انتهى إلى جانب قاسم المدهون؟ إنني أبعد هذا الشكّ، فعلي الضمراوي هو أول من ذاق المرارة على يديّ قاسم المدهون، فهل يمكن لـه أن ينسى ذلك؟ وكيف؟ تباً لعالم الشك، لأبعد هذا التصور الذي يتشبث بذهني، سأرفضه. سأصرخ في هذه البريّة وأمام الراعي وأغنامه: إن علي الضمراوي لا يمكن أن يكون في صفّ قاسم المدهون، هل يمكن للذئب أن يتآخى مع الحَمَل؟.. الطبيعة العدوانية في الذئب ترفض أن تتآخى مع الحَمَل، بل هي تنتظر الفرصة لالتهامه..‏

فهل يمكن أن يكون علي الضمراوي مع قاسم المدهون؟‏

ابتعدي يا ذكريات الشك..‏

لكنني (...).. ويقطع أبي ذكرياته، أستعيد عبارته، عندما كان ذات مساء يدمج سيكارته على مهل.. فقال دون أن ينظر إليّ، بل كان ينظر إلى أصابعه التي تحتضن السيكارة.‏

((-طرائق الحياة شائكة، بعض الرجال صلاب كصلابة الصخر، وبعضهم ضعفاء يتفتتون كحبات الرمل.. وبعضهم الثالث ليس لـه من صلابة الرجال إلا المظهر".‏

هل يمكن أن يكون علي الضمراوي من هذا النوع الثالث؟.. لماذا أتساءل ثانية وقد عاهدت نفسي أن أبعد عنه شكوكي؟‏

عندما قلت لـه: ((بماذا تفسر قدوم الغرباء إلى المنخورة؟ وبماذا تفسر اختيارهم لقطعة كبيرة من الأرض في الجهة الشمالية من قريتنا وبناء بيوتهم دون أن يسكنوا في قلب المنخورة)).‏

لم يجبني يومها بل تركني في تساؤلاتي، حتى إذا سألته عن غصّاب (شقيق قاسم المدهون):‏

-((لماذا ترك عالم المزارع وصار اليد اليمنى لأخيه في شؤون الإمارة؟))‏

رفع سبابته محذّراً –على عادته- وقال:‏

-لا ترفع صوتك.. ((الجدران لها آذان)).. إنك تلعب بالنار، أنتم (المتعلمون) مصيبة.‏

لماذا تهرّب علي الضمراوي من تساؤلاتي، ولماذا حذّرني؟ هل كان ذلك تحذيراً أم أنه كان..؟‏

أردت أن أقول: هل كان ذلك (وعيداً)؟.. لكنني توقفت لأنني أتحدث إلى علي الضمراوي ولا أتحدث لأبي المداح أو خطيب المبطون أو هذّال الحسن فهؤلاء لا يمكن أن يخطر ببالي أن أتحدث إليهم بهذا الشكل وهم في فلك قاسم المدهون يسبحون، وعلى أعتابه يتمرّغون.‏

ابتعدي يا دوائر الشك..‏

سقط كثيرون في عالم زيّنه قاسم المدهون لهم...‏

هذّال الحسن أضحى رئيساً للبصاصين في المنخورة.. ليكن.‏

اللصوص الذين عاثوا فساداً في المنخورة، ونشروا الخوف والهلع بين أهلها والذين أقسم قاسم المدهون بأعلى صوته في ساحة المهابيل أنه سيحيلهم إلى العدالة، صاروا حرّاساً للإمارة فأضحت اللعبة مكشوفة..‏

غصّاب المدهون ترك عالم المزارع وصار اليد اليمنى لأخيه، ثم أعلن خطيب المبطون من فوق منبر جامع عمر بن عبد العزيز بأن ((قاسم المدهون، وبمشيئة الله وعونه، أصدر قراراً أميرياً بتولية غصّاب المدهون الشؤون الداخلية للمنخورة..)) ليكن ذلك..‏

ولكن، لماذا تميّزت البيوت التي أُقيمت في الجهة الشمالية عن بقية البيوت في المنخورة؟.. سُمح لساكنيها بالتجول ولم يسمح لأهل المنخورة بالتجول في حيهم ليلاً؟‏

أبو نادر الموشوم, افتتح محلاً على قارعة الطريق لبيع الخمر, وراح يعمل في محله ثلاثة من أبناء الحي الشمالي. وإذ بصق يوما ابن عيسى, وهو يمرُّ من أمام المحل على الأرض, فان أبا نادر صفعه على خديه, حتى إذا سقط ركله بقدمه. لم يتقدم أحد لنجدته. ليكن.. ليكن ذلك فان للغرور والمال أنيابا وأظافر.‏

أكاد أضحك ألماً وربما سخرية, فأنا لم استطع أن أتبيّن الحالة التي صرت إليها عندما سمعت خطيباً المبطون يرسم شجرة وارفة الظلال لعائلة قاسم المدهون حيث انتهت به إلى (سيف الدولة الحمداني)).. كيف لي أن أصدق ذلك؟‏

اختلطت الألوان فصار الأسود أبيض وصار الأبيض أسود.‏

اختلطت الروائح فصار العطر نتناً, وصار النتانة عطراً.‏

كتب التاريخ في مكتبتي تخفض عينيها خجلاً, وأبو المداح الأشرم وخطيب المبطون و هذّال الحسن, يصرخون بمجد قاسم المدهون ولا يخجلون, فكيف لي ان أصدق بعد أن أختلط الزور والبهتان بالواقع والحقيقة؟‏

يا إلهي.. يكاد رأسي يتفجر. لماذا أفكر بكل هذه الجزئيات؟ هل باستطاعتي وحيداً أن أقنع الناس في المنخورة أن النار قادمة؟‏

سيظنون فيَّ الظنون, فهم لن يصدقوني, لن يصدقوني حتى يروا النار.‏

لماذا أفكر بكل هذه الجزئيات, وأنا لا أملك مالاً أستطيع به شراء بعض الكتب التي أنا بحاجة إليها. كيف لي –إذن –أن اشتري صوتاً يكون معي؟ مادمت وحيداً إلا في حواري مع الذات وتأمل الأغنام, والابتعاد مع النشيد الحزين لناي الراعي؟‏

لولا منيرة لما استطعت أن أقدم لاولئك الذين قرأوا بعض آيات القرآن لثلاثة أيام بعد موت أبي شيئاً من المال. فكيف لي أن أضم إلى صوتي صوتا ً أخر, وأنا افتقد المال؟ صارت كل الأشياء رهناً بالمساومة , بالبيع والشراء.. شريعة المنخورة, شريعة من يملك المال.. فهو الأقوى, هو الذي يقرر, هو الذي يبني إمارة, وهو الذي يلوي عنق التاريخ و.. والحاضر ليكون معه.. فكيف لي ان أفسر ما يجري في المنخورة؟‏

يا علي الضمراوي هل باستطاعتك أن تشرح لي شيئاً؟ هل باستطاعتك أن تجيب على تلك الأسئلة التي تتزاحم في روحي ورأسي وتعكر خلايا الدم في أعماقي؟..لو أن نايف العباس, الذي قُتل عند آبار قاسم المدهون في أحوال غامضة كان حياً,فهل باستطاعته أن يجيب على أسئلتي؟‏

منيرة, للمرة الألف أقول لك, أنت واحتي الخضراء وشجرتي الباسقة, التي أجد الفيء تحت أغصانها.أسألك للمرة الألف: كيف تفسرين ما يجري؟‏

كيف تقولين ببسمة فيها من الألم أكثر مما فيها من الغضب ((لا تقطع الأمل في المستقبل)) يا منيرة...قطعوا الحبل بين الماضي والحاضر. صرنا إلى أرض مهجورة وقحط مخيف, صرنا عراة إلا من عالم قاسم المدهون,كيف يمشي كيف يتحرك, كيف ينام, لمن يتحدث, متى ابتسم؟ حتى لقد صوروا ((قضاء حاجته))بصور شتى فيها من عنصر الغرابة أكثر مما فيها من عنصر الضحك.‏

لست واهماً فيما أذهب إليه.. إنما الأمور التي تفرض نفسها على المرء حتى إذا تأملها وحيداً ليظن ان التوهم هو الذي يحملها على أجنحة ترتفع عالياً في الفضاء فلا تتمكن العيون بعد لحظات من متابعتها ومن ثم إلى تصديقها.‏

يا منيرة.. أنت أنثى.. فلا تذهبن الظنون بك بعيداً إذا قلت لك أرى وحشاً مفترساً يتقدم على سهل ليبتلع كل شيء, سيحاول أن يبتلع كل شيء, سيحاول أن يبتلع رحيق الروح في كل منا. أراه من مسافة بعيدة يتقدم, فماذا أعمل وإياك؟ وحش يتلذذ بعذابنا وآلامنا. يضحك في العلانية قليلاً, وفي سره كثيراً, فماذا أعمل أنا وأنت وسط هذه الروائح وصقيع الليل الذي طال كأن لا نهاية له.‏

ما كنت انتهيت من تلك الكلمات, حتى لفتني زوبعة من غبار. حاولت أن أحمي عيني وأذني بيدي.. لكنني, بغتةً وجدت نفسي مع أبي, وقطرات العرق تتكاثرعلى جبينه وفوق صدره. كانت رائحة الفحم تملأ جو المحل, وعندما أصابت عيني اليسرى شرارة تطايرت بتأثير الكير الذي كان ينفخ فيه على الفحم, صرخت, دون أن أشعر, فنظر إليَّ بطرف عينيه وقال:‏

-تعلّم أن لا تصرخ، الصراخ للنساء.‏

نظرت, والدمع يهطل من عيني الى المنجل الدي بيده, والذي اضحت شفرته حادة لامعة.. وعندما رفعه باتجاه الباب وقلَّبه بين يديه تحت أشعة الشمس, ضغط على فكيه. كنت أعرف أن أبي في أثناء العمل, عندما يضغط على فكيه, فإن ذلك يعني أنه أنجز عمله مطمئناً.. وعندما ابتعد عن النار أخذ علبة تبغه المعدنية, ثم نظر إلي وقال, وهو يتابع, دمج سيكارته:‏

-اضغط على فتحة أنفك اليمنى وتمخط بقوة, بعد ذلك لن تحس بالألم.‏

تملكني خوف مبهم, والسؤال يتلجلج في أعماقي: "فما علاقة الأنف بالعين؟‏

مئة مرة يصل السؤال الى طرفي شفتي ولكنه يعود ليغرق في أعماقي.‏

كان عليَّ أن أعمل بما قال. خرجت إلى الباب وضغطت على فتحة أنفي اليمنى وتمخطت بقوة. أحسست أن شيئاً تحرك بسرعة في فتحة أنفي اليسرى, لكن الدمع استمر يتساقط من عيني طيلة ذاك المساء.‏

عندما أغمضت عيني في تلك الليلة, كان بي شوق لأتحدث لأبي عن معاناة الإنسان, وذلك الفلاح الذي سيعود بمنجله فخوراً ليحصد سنابله سعيداً منذ الفجر.. لكن أبي ينام بعد صلاة العشاء، نظرت إليه وقد تمدد على فراشه وإلى جانبه علبة تبغه المعدنية. أحسست بعالم المنخورة غيمة لا تحتوي على المطر فقط, ولكنها تحمل في أحشائها ريحاً وصواعق , تلفّنا الريح, نرتعد ونحن نسمع الصواعق, ما هو هذا الشيء الذى في داخلنا الذي يجعلنا نرتعد؟ هل الجسد الذي يرتعد أم أن الروح هي التي ترتعد؟ بعد أن أطفأ أبي سيكارته وضع يديه فوق صدره شابكاً أصابعه, وراحت شفتاه تتمتمان بشيء ما. كنت أراقبه حتى سمعت أنفاسه وقد غدت منتظمةَ لكن السؤال –منذ ذلك الحين – لم يفارقني أبداً, حتى وصلت الى إجابة أبدو ومقتنعاً بها حتى الآن, وسأظل مقتنعاً بها بقية حياتي, فالجسد وحده الذي يرتعد.. أما الروح فهي الغيمة التي تحمل الريح, وفيها الصواعق, وإذا كانت حياة الإنسان تنتهي مع نهاية الروح, فإنَّ هذا يعني أنَّ خلاص الانسان ووجوده ليسا موجودين في السماء لكنهما موجودان فوق هذه الأرض.‏

هل غابت تلك الأيام, أم أن ناي الراعي أعادها حيّةً, كأنها لم تغب عن ذاكرتي لحظة واحدة؟‏

انتهت زوبعة الغبار ومات أبي.. لكنه بين حين وأخر, وبشكل متقطع, كان هناك صوت يأتي تارةً كالرعد, ويأتي تارةً كالومض, وفي الحالتين ينبعث من الأعماق, فيهيب بي:‏

-لاترتعد.. لا تخشى شيئاً ما دمت على حق.‏

لابد –يامنيرة!- من أنك تذكرين تلك الليلة القصيرة كلمح البصر, والطويلة كموجات الألم. لم نكن شخصين في غرفة واحدة, كنا شابّاً وصبية , كنا عَالماً, وعَالماً آخر لكنهما العالمان المتطابقان. لم نكن في ليلتنا تلك نبني عالماً من الاوهام, كنا نبني عالماً من أحلام .. لكننا وضعنا أيدينا فوق بعضها وأقسمنا أن يكون الحلم واقعاً. على أشعة ضوء قنديل الكيروسين, رسمنا بيتاً وأشجاراً وأطفالاً, مشينا في أيام الشتاء والصيف والربيع والخريف وعندما صعدنا إلى الجبل لنطل على المنخورة, قلتِِ لي:‏

-ما أبشع الصمت.‏

في ذلك الحين نظرت إلى عينيك أسألك ماذا تقصدين؟ ولكنك طلبت إلي أن أتابع طيور اللقالق في السماء.‏

بعد سنوات يا منيرة استوعبت تماماً ماذا يعني أن يكون الصمت بشعاً. ليس صمت الفم بشعاً لكن صمت الروح هو البشع، هذا التيار المزدوج من الدم, الذي يجري في عروقي, لا يهدأ لحظة واحدة, دم أبي الهادئ والعنيد, ودم أمي الانفعالي التي تريد كل شيء طوع بنانها. دم أبي منحني التأمل والتوقع وأن لا أفقد الصبر، ودم أمي كان يحثني دائماً لأُغيّر ما يحيط بي من أشياء, لكنني لم أكن انتظر من العالم ليكون طوع بناني.‏

أتوق الى عالم خال من الظلم والقتل والغبن والكذب والادعاء , ولهذا فإنني أتساءل, وأنا في هذه البرية: كيف يمكن للمنخورة أن تقطع أنشوطة القتل وحبل الظلم؟ كيف يمكن لهؤلاء البشر أن يخجلوا من الكذب والادعاء؟ هل يكفُّ البشر عن عجزهم بالقتل والظلم ويقتلون المظلوم باسم العدل؟‏

لم أر أبي مرة واحدة ضاحكاً. كنت أكره تصرفه هذا, وأتحيّن أول فرصة لاهرب من جلسته, لكنني الآن, بعد موته.. صرت أحبه, لم يعد يفارقني في أحلامي. استعيد تفاصيل سهرةٍ جمعته مع جارنا أبي قاسم الذي كان يضحك‏

من أعماقه حتى تدمع عيناه, وأذكر أنه سأله:‏

-يا أبا غالب لم لا تضحك؟‏

أجاب أبي, وهو يربت على ركبة جارنا, قائلاً:‏

-لِمَ الغراب أسود يا أبا قاسم؟!‏

فما معنى أن يضحك المرء, إذا لم يكن تراب المنخورة مبتهجاً؟...‏

ما معنى أن يبتسم المرء وهو يدرك أن كل ما حوله يدور في حلقة الظلم والنقاق؟.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244