|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:52 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القســـم الـــرابع 1 تعاقبت السنوات وتتالت الفصول. ما عاد الناس في المنخورة يميّزون بين الشتاء والصيف إلاّ بالحرارة أو الصقيع. ما عادوا يميّزون بين الخريف والربيع إلاّ بالأزهار اليتيمة التي تنبت –على استحياء- فوق أغصان الأشجار الحزينة، التي سرعان ما تتساقط لأقل هبّةٍ من ريح. وفي ضحى يوم، قيل إنه من أيام الخريف، تجمّع الناس في المقبرة، حيث سقطت أشعة الشمس على جلودهم ورؤوسهم بقسوة. آزرتها ريح ساخنة كانت تحمل معها، بين الفينة والفينة، كميات من ذرّات الغبار فتلتصق على جباههم وتتغلغل في رقابهم وتضايقهم في عيونهم. في ضحى ذلك اليوم الخريفي، كان علي الضمراوي يضع صورة قاسم المدهون الملفوقة بقماش ناصع البياض، حيث راح يعكس أشعة الشمس بقوّة في عيون البشر على شاهدة قبر/نايف العبّاس/، ولأن قبر أبي حسين القحطاني يكاد يلاصقه، فقد جلس علي الضمراوي فوقه، وراح يختلس النظر إلى من حوله.. لكن ابتسامةً واضحةً كانت تتراقص على عينيه. بين ممرات القبور المتعرّجة، بين أحجارها وأشواكها. على ضِفّة نهر القرية الصغير الذي يمرّ على مقربة من ضريح أبي ذرّ الغفاري، كان الناس يتبادلون الأحاديث التي لا رابط بينها إلا انتظار موكب قاسم المدهون، وفجأةً سُمع صوتٌ جهوري.. غليظ، طغى على كل الهمسات، انبثق من أول المقبرة: -وصل مولانا.. وصل مولانا. رددت الأصوات، تارةً بصوت مرتفع، وتارةً هامسة وهي تستعين بالكوع أو أصابع اليد، لتنبّه أولئك الذين لم يسمعوا بقدوم أمير المنخورة: - وصل مولانا. نهض مَنْ كان جالساً، وراحوا ينفضون التراب الذي عَلقَ بأقفيتهم، واتسعت عيونهم وهم يتابعون موكب قاسم المدهون معتلياً فرسه، التي يعرفها جميع من في المنخورة باسم ((الكحيلة)). تمتم علي الضمراوي، وهو يحمل اللوحة على صدره: -هو ذا السلّم أمامك.. فاصعد! وعندها نظر إلى هذّال الحسن الذي كان على فرس أخرى، بجانب قاسم المدهون، تمتم ثانية: "- إنما أنا رجل أفقدته الحياة طموحاته، مثلما فقدتُ أبي وأنا غائب عن المنخورة.. وأنت يا قاسم المدهون.. أنت الأب والسُلّم.. وأنت مولاي، كلّهم يقولون: ((مولانا)).. وأنت..". وبعد أن ضرب على رأسه، أضاف: -وهذا الرأس الكبير يجب أن يكون في خدمتك. تدافع الناس باتجاه موكب قاسم المدهون، لكن رجال هذّال الحسن، تحلّقوا حولـه دائرة مرصوصة، اليد باليد، والكتف بالكتف.. فكانت فرسه ((الكحيلة))، تتهادى بخيلاء بين البشر، كأنما استمدت ثقتها من قاسم المدهون، أو كأنه، استمد صورة رأسها المرفوعة ليقلّدها وهو ينظر إلى الناس مصفقين.. صارخين بحياته وطول بقائه. تعوّد قاسم المدهون أن يمتطي صهوة ((الكحيلة))، بعد أن صار أميراً للمنخورة. أتعبته في البدء، حتى لقد أسقطته أكثر من مرّة وهو على ظهرها ولكنها، مع مرور الأيام، أسلست لـه قيادتها. اختارها لناصيتها البيضاء؛ لأن خطيباً المبطون، قال له: ((الخيل في نواصيها الخير))*، صار يحسّ بروعتها.. ولذتها، عندما راح ينطلق بعيداً عن المنخورة في رحلات الصيد، لكنه في هذه المرة، وفي هذا الموكب بخاصته، راح يحسّ بوقع أقدام ((الكحيلة)) بين البشر وجموعهم المتراصة أن لها معنى آخر، كان يحسُّ بنشوة أروع من تلك النشوة وهو يرتشف الخمر ويتأمل رقصة الغجرية مع عزف ((الربابة)) في مبنى إمارته بعد أن ينتصف الليل. منذ ليلة البارحة أحسَّ بالصداع حاداً فيه رأسه، كان متهيباً، شديد الوجل من المجيء إلى المقبرة لفتح ضريح أبي ذرّ الغفاري، على الرغم من أن هذّال الحسن أكّد لـه أن ((كل شيء على ما يرام))، فمن أين أتاه ذلك الخوف، الذي أدرك الآن أنْ لا معنى له، إلا أن أوهامه أو سوء ظنونه قد خلقته له؟ .. "ثمة معنى واحد"، ابتسم لـه قاسم المدهون من أعماقه، أن البشر في المنخورة قد أسلسوا قيادتهم له، مثلما أسلست ((الكحيلة)) قيادتها له. ابتسم لهذا المعنى حتى إذا انفرجت شفتاه عن تلك البسمة، فقد ظنّها القريبون منه أنها علامة رضا. ارتفعت أصواتهم. ارتفعت أيديهم إلى الأعلى مصفقة بقوّة أكثر، امتدت موجة الأصوات والتصفيق –بالعدوى- إلى آخر المقبرة. رفرفت نفسه بكلمات زاهية، ظلّت حبيسة صدره: "ليس أجمل من منظر البشر وهم يتحلّقون حولي، وأنا على ظهر فرسي؛ ليس أجمل من منظرهم، وهم يركضون للحاق بي، لماذا لم يخلق الله الفرسَ بحجم الجمل لأراهم من مسافة أكثر ارتفاعاً؟". هو ذا الموكب يقترب حثيثاً من ضريح أبي ذرّ.. وها هو ذا علي الضمراوي، يمدّ يده إلى قماش اللوحة فينزعه جانباً عندما أدرك أن موكب الأمير صار على مقربة منه، وهاهو ذا يرفع اللوحة بيديه إلى الأعلى ويصيح: "-يا أهل المنخورة.. هو ذا ((مولانا)) فانظروا إلى يديه الرحيمتين" وإذْ استرعى صوته نظرة من قاسم المدهون، فقد تطلّع إلى اللوحة مبتسماً وهزّ رأسه، ثم تلفّت إلى هذّال الحسن، وهمس لـه بعدة كلمات. كان علي الضمراوي يمشي، حتى إذا صار قريباً من الشريط القماشي الذي سيقصُّه أمير المنخورة إعلاناً بافتتاح الضريح، ركض عدد من الرجال إليه، فرفعه أحدهم على كتفيه، وارتفعت اللوحة إلى الأعلى. لماذا تذكر قاسم المدهون في تلك اللحظة صبّوحة الخليل؟ لماذا تذكرها وقد قال لها ذات ليلة: ((حدثيني عن مجد أجدادي والقذارة))؟، تذكّر تلك الليلة، لكن الكلمة الأخيرة سقطت من وهاد نفسه، ولم تعد إلاّ مجرد ذكرى عابرة.. راح يعتقد جازماً أن أجداده كان لهم مجد وتاريخ وإلا لما صار أميراً على المنخورة. صبّوحة الخليل.. ماذا فعلت بك الأيام؟؟.. لابد من أنك تذكرين ليالينا فأين أنت؟ عندما سألتك –ذات ليلة- عن مجد أجدادي، فقد رأيتُ في عينيك وعلى زاويتي فمك بسمة سخرية لم تحدثيني عن مجد أجدادي، لكنك تساءلت عن القتل. يومها لم أكن أصدق أنني سأكون أميراً. كان ذلك حلماً، وها هو ذا الحلم يتحقق، وها أنا ذا فوق ((الكحيلة)) والكلّ رهن إشارتي. أين أذناك لتسمعا هذه الأصوات؟.. كنتِ في ليالينا تسمعين أقل حركة، وأصغر نأمة، هل أصبت بالصمم؟.. قررتُ أن أنتهز الفرصة لأردّ لك إهانتي عندما كان أخي يقضي ليلة معك، لكنني ترفّعت عن ذلك. سأتركك تجترّين وحدتك وذكرى أنك كنت امرأة يشتهيك الجميع، يتمنون ليلة واحدة معك. سأتركك كأنك لم تكوني في حياتي، فأمير المنخورة أكبر من أن يتذكر تلك الليالي، لابدّ من أنك بين هؤلاء البشر لكن عينيّ لا تتمكنا من رؤيتك. أيدي البشر وهم يصفقون يحولون بيني وبين رؤية كل الأشياء، تقطع أصواتهم عليّ ذكرياتي. سأرتفع أكثر يا صبّوحة الخليل، وعندما ستأتين ذات يوم –وأستغرب أنك لم تأت حتى الآن- سأكتفي بإشارة من عيني لإبعادك عن الإمارة.. هل تعرفين أن عينيّ أمير المنخورة تأمران وتنهيان؟.. الإمارة فن، والإمارة لها عينان تتكلمان.. لكنك يا صبّوحة ابتعدت، ولن تعرفي شيئاً عن كل هذا. أتصوّرك في عزلتك لا تجدين غير قطة تتلهّين بها.. فالأيام وحدها ستتكفّل بك لتكوني جثة هامدة، والأيام وحدها ستكون طوع أصابعي لأرتفع أكثر، حتى صورتي صارت ترتفع عالياً في الفضاء.. لو أنك هنا يا صبّوحة، لرأيتِ صورتي يحملها علي الضمراوي بين يديه عالياً، وهو على أكتاف الرجال. أعرف طموحات علي الضمراوي الصغيرة. سوف أمدّ لـه الحبل، كما مددتها لأبي المدّاح الأشرم ولخطيب المبطون. سأحقق لهم طموحاتهم التافهة، ما داموا يخدمون زمن صعودي، فلتصفق الأيدي.. ولترتفع الحناجر وتنخفض، لترقص الأجساد حتى الإنهاك، لكنني وحدي الذي عليه أن يستمر دون تعب أو إنهاك.. فمجد أجدادي عاد ليدخل دائرة الضوء. ليكن لي النهار، وليكن لي الليل، وليكن الفتات للآخرين، فأنا من أعاد لأجداده ذكراهم، أنا الذي على التاريخ أن ينقشه على صدره كنارٍ دائمة التوهّج. على الرغم من الغبار الذي أثارته أقدام البشر أو ثيابهم الطويلة وهي تجرّ على الأرض.. فقد كانت العيون مسلّطة على قاسم المدهون، وارتفع الغبار أكثر عندما اقترب من ضريح أبي ذرّ الغفاري. كان الناس وقوفاً باستثناء بعض العجائز أما طه الأعمى الذي كان يجلس القرفصاء، وينكش التراب بعصاه بحركة تكاد تكون منتظمة، فقد كان يصغي وحده للأصوات... تابع البشر بأذنيه، أنه كتلة بشرية بين هؤلاء، ولكنه كان يتذكر ذلك المساء الذي امتدت فيه يده إلى مائدة المال التي قدّمها قاسم المدهون فرحاً بفوزه أميراً على المنخورة حيث سقط.. وعاد غاضباً ليدمدم: ((أظن أن هذا المال مال حرام)). كأن السنوات ما مرّت على تلك الحادثة، فهو يتذكرها مع ضربات عصاه في التراب؛ كأنها بنت اللحظة، ولكنه كان يردد: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر)). مع ذكرياته، كان طه الأعمى يعود إلى الوراء، ويتقدم مصغياً إلى الأصوات حتى أنه كان يسمع صوت عصا وهي تنال من جسد إنساني لتأمره بالابتعاد عن موكب الأمير بعيداً. فجأةً سمع صوتاً يأمره بالنهوض، وإذ تجاهل ذلك، وظل ينكش التراب بعصاه، فقد تلقّى ركلة قوية على مقربة من خاصرته اليمنى. أكبّ على وجهه، وتعفّرت ذقنه الطويلة بالتراب. نهض متثاقلاً، وبينما كان يصرخ شاتماً، فقد كان يلوّح بعصاه متوعداً؛ ولأن فرس قاسم المدهون كانت قريبة منه، فقد رفعت قائمتيها إلى الأعلى وراحت تحمحم بصوت حاد.. فانقلب قاسم المدهون وسقط على الأرض. لا يعرف أحدٌ من أين انبثق ابن عيسى في تلك اللحظة. أقسم الكثيرون، أنهم لم يروه في ذلك الجمع المحتشد لا في أول المقبرة ولا في آخرها؛ حتى أن بعضهم قال إن ابن عيسى خرج من ضريح أبي ذرّ الغفاري، من بين قضبان الحديد تسلل، ليكون على مقربة من طه الأعمى في تلك اللحظة. نزع شملته ذات اللونين الأحمر والأبيض ولفّها بعقاله ورفعها عالياً بيده اليمنى. رفع ثوبه الطويل المتسخ بيده اليسرى، وراح يخبط على الأرض بقدميه، بحركات تكاد تكون منتظمة.. وهو يصيح بصوت هادئ: ((البعرة تدل على البعير.. يا أهل المنخورة.. السقطة تدلّ على السقوط.. يا من لكم عيون ولكنكم لا ترون في قعر البئر انتم.. ولكنكم بالنتن.. تلهون.. غرّكم الغبار والضباب.. فصرتم ترونه نعيماً)). ولم يكمل ابن عيسى كلماته فقد انهالت الصفعات على خديه قوية، وإذ سقط على الأرض، انهالت الركلات على خاصرته اليمنى، رفع رأسه باتجاه مَنْ ضربه، الذي يضربه، وقال، بينما نقاط الدم تسيل من أنفه: ((هو.. الليل الطويل.. الطويل، يطويكم بسواده، ترقصون مع جوعكم وتدّعون أنكم في قمة الفرح.. الحبال تضغط على أعناقكم، وأنتم تضحكون.. تفو.. تفو)) وإذْ حاول أ ن يبصق باتجاه الذي ركله، فقد خرجت البصقة ممزوجة بالدم، وعندما فقد ابن عيسى وعيه وأغمض عينيه، فقد حُمِل بعيداً عن المقبرة كان هناك صمت في الدائرة التي سقط فيها ابن عيسى، ما لبث أن اخترقته أصوات تنادي بحياة أمير المنخورة الذي تقدم منه رجال هذّال الحسن فنفضوا عنه الغبار ورفعوه على ظهر فرسه، حيث عليه أن يقصّ الشريط الأخضر إيذاناً بافتتاح المبنى الجديد لضريح أبي ذرّ الغفاري. لم يترجّل أمير المنخورة ليقصّ الشريط لكنه طلب أن يرفع الشريط إليه، وهو على ظهر فرسه. لم يمسك المقص الذي كان يحمله أحد الرجال بصينيةٍ لامعة، لكنه انتزع خنجره وهوى به على الشريط فانقطع، وتابع مسيرته إلى ساحة الضريح، بينما علت في فضاء المقبرة زغاريد بعض النسوة، ولعلعت في الجوّ عدة طلقات من الرصاص. وإذ وصل الرجل الذي يحمل علي الضمراوي على كتفيه إلى بقعة التراب التي سقط عليها دم ابن عيسى، فقد حاول أن يبعثر بقع الدم، لكن قدميه لم تطاوعاه، فظلت البقع في مكانها كأن شيئاً لم يمسها، وكان هناك طفل في حوالي الرابعة عشرة من عمره يراقب المشهد، فظلّ صامتاً.. حتى إذا تابع الرجال مسيرتهم هرول إلى بعض الحجارة فجمعها، ثم كتب بها على شكل دائرة أحاطت ببقعة الدم: ((ابن عيسى)) حيث كانت الشمس تسلّط أشعتها عمودية على المنخورة.. كان غصّاب المدهون قد انتهى من شرح ميزات توسيع ضريح أبي ذرّ وبيّن لأخيه لماذا تمّ إزالة بعض القبور المجاورة للضريح، وزرع مكانها أشجاراً سوف تغدو باسقة حيث ستكون ظلاً وفيئاً لمن يزور الضريح في المستقبل القريب من أهل المنخورة وما يجاورها من قرى، وأفاض مديحاً في القاعة التي تمّ بناؤها بجوار الضريح، حيث يمكن للزوّار من القرى البعيدة أن يناموا حتى اليوم التالي. وبهذه المناسبة.. فقد ارتفعت رائحة شواء اللحم بعيداً في الجوّ... اعتاد سيد المنخورة على حفلات الرقص التي يجيدها الغجر في مبنى الإمارة حتى بزوغ الفجر. كان ذلك يتم مرتين في كل أسبوع وكان حريصاً على هذه الحفلات بدأب ونشاط. أضحى لـه في ذلك فلسفة خاصة، فمثل هذه الحفلات هي متنفّسه الوحيد الذي يطلّ به بعيداً عن شؤون الإمارة وقضايا الناس ومشاكلهم وفقرهم.. حتى أنه ليرجح مثل هذه الحفلات الماجنة التي تنتزع الضحك من أعماقه على حاجات المنخورة كلها. لم تكن لسيد المنخورة غير فكرة واحدة فيما يتصل بشؤون الإمارة، وهي أن يترك كل شيء يتخذ سبيله كيفما شاء فهو مثلاً لا يستطيع أن يأمر السماء لتجود بالمطر وتنهي القحط، وهو يرفض أن يعطي العمال في مزارعه أجوراً عن ساعات عملهم الإضافية؛ يكفي أن الطواحين التي أنشأها أبوه ذات يوم قد أضحت مهجورة؛ وهو لهذا لن يزيد في أجور العمال. يكفي ما يتنكبه من أموال لنقل المحصول إلى المدينة. إن مشاريعه التي يحفل بها رأسه لكبيرة وكثيرة.. فليكن لهذّال الحسن عالمه في إسكات الأفواه والعيون التي قد تُبدي أقلّ إشارة في التذمر. ليكن لـه سلطانه الخاص وجيوبه الخاصة. ليستفد هذّال الحسن من منظر الأبقار والأغنام والأشجار. ليتلمّسها، ليكن لـه منها شيء. أما الجزء الأكبر فإن أحداً لا يستطيع أن يتلمّسه. الحياة التي شقّ طريقه فيها ليست سهلة، والحياة التي تنتظره ليست مفروشة بالورود. وحده الذي عليه أن يزرعها، ووحده الذي عليه أن يقطف ثمارها، حتى أنه في ساعات وحدته مع كأسه المترعة يقول: ((إن المنخورة وما عليها ملك لي، المنخورة وما يجاورها يجب أن تكون ملكاً لي.. فإلى الأمام)). من أجل تصريف شؤون المنخورة، فقد شاءت إرادته السلطانية أن يكون لهذّال الحسن مساعدون في شؤون الغزو وآخرون في شؤون المال، حتى إذا تكاثر عددهم وهو سيدهم، كان يحسّ أن جسده يتضخم إذ تتناهى إليه كلمات المديح والدعاء من هؤلاء الذين صنع منهم أشخاصاً يجوبون ممرات مبنى الإمارة ويعتلون صهوات الجياد في أزقة المنخورة وصحرائها، ولكنه قرر أن يكون هناك حاجز بينه وبينهم ليس عليه أن يفكر كثيراً في هذا الحاجز، يكفي أن يشير لهذّال الحسن بضرورة هذا الحاجز وهو الذي يتكفّل بالبقية. إنه يعرف أن مبنى الإمارة قد غدا يغصّ بالناس، فهناك فئة تدّعي أن أحداً لن يجاريها في سباق الخيل؛ إلى فئة تدعي أن أحداً لن يبزّها في تصريف شؤون المنخورة ومظالم أهلها: وفئة تسخّر آيات القرآن دليلاً على شدة إيمانها وتقواها.. إنه يعرف ذلك وعليه أن يتظاهر باستيعاب الكل ولكنه في قرارة نفسه يدرك أن غالبية هؤلاء لا علاقة لهم بسباق الخيل ولا في تصريف شؤون المنخورة أو مظالم أهلها، يدرك أن تلك الفئة من رجال الدين أن حضروا الملذات الدنيوية فإنهم ينغمسون فيها حتى آذانهم، حتى أنه ليلحظ عيونهم وهي تتأجج بالشهوة إذا ما جلسوا إلى نساء حسناوات. ليكن بينه وبينهم حاجز، ما داموا ينفذون رغباته، ويطأطئون رؤوسهم ويسخرون ألسنتهم لخدمته. كلّ منهم غير جدير بما أوكل إليه، وكلّ منهم يكذب على الناس، إذ يتظاهر بالشرف وأن الأمير في متناول يده. إنه يعرف كلّ شيء حوله ينضح بالزيف والنفاق، فليكن ذلك الحاجز مبدأه وشعاره، ليزيّن لهم الزيف والنفاق، ما شاء أن يزين.. ما دام هو الأمير. لقد حبس الهواء في صدره وأرسله من أنفه دفعة طويلة، فكأنما كان ذلك متنفّساً عن خواطر ما عاد بإمكانه أن يعبّر عنها بأشد الكلمات حرارة. دروب المنخورة وأزقتها الترابية وأطفالها الحفاة الذين وصلت إليهم رائحة الشواء أدركوا أن الفقر أضحى مألوفاً، وصار صديقاً للبطون الضامرة.. وللوجوه الشاحبة. وإذ انتهى قاسم المدهون واعتلى فرسه ((الكحيلة)) ليعود إلى مبنى الإمارة، اتخذ النهر سبيله كما في كل يوم. واتخذ النهار سبيله نحو الليل كما في كل يوم، واتخذت كثير من مظاهر الحياة سبيلها إلى الموت، ولم ينتظر الزمنُ البشرَ لإيقاف عجلته. ولم تبقَ الأحجار التي وضعها ذلك الطفل ليكتب بها "ابن عيسى" أحجاراً، بل كان عازماً على أن يضع شجيرة مكان كل حجر. وكما نامت الجرذان متلاصقة في جحورها المظلمة، فقد نام بعض الفلاحين إلى جانب ما تبقى لهم من أبقار وأغنام. وتوهج مبنى الإمارة بالأنوار كما في كل ليلة وجرى كل شيء.. كما كان يجري كل ليلة. 2 لا يعرف أهو الذي يدور أم أن الأرض تدور به؟.. حاول أن يستند على الجدار بظهره مغمضاً عينيه، لكنه يحسّ أن شعرة بينه وبين أن يقع على الأرض. انفتل ليواجه الجدار ملقياً برأسه إليه لكن قواه خذلته فتداعى على الأرض مكّباً على وجهه. من أين أتى طه الأعمى ليكسر أحلامه؟ ولماذا سقط أمير المنخورة تلك السقطة؟.. من أين جاء ابن عيسى ليهشّم درجات صعوده؟.. لا يعرف، وهو الذي تعب في رسم لوحة لقاسم المدهون حتى الإرهاق، كيف تكالبت عليه حادثة طه الأعمى وهذيانات ابن عيسى في تلك اللحظات التي ظنّها أنها أفضل من ليلة القدر؟.. كان يُمنّي النفس أن أمير المنخورة لن يهتم إلا به من سائر المخلوقات التي توافدت على المقبرة. ظنّ أن الأمير سيتقدم منه، ليربت على كتفيه أمام الناس ثم يمتدحه بصوت عال، لكنه أمسك بالوسادة التي أكبَّ عليها وراح ينهشها بأسنانه، لعلَّ شيئاً من غضبه هذا الذي يحتقن في صدره أن يبتعد عنه، أو أن يتلاشى قليلاً، لأنه يحّس في حلقه عائقاً يحول دونه ودون التنفس. أنه- كما تراءى له- يتخبط على غير هدى في صحراء شاسعة . يهبط أودية، تتكاثر فيها الثعابين، تقترب منه جماعة جماعة. لا يعرف كيف يزحف إلى الأعلى، لكنه يتراجع ليسقط ثانية وهو يرى ذئباً وقد كّشر عن أنيابه للانقضاض عليه. فجأةً وهو يركض حيناً ويزحف حيناً أخر.. تراءى لـه رجل يعرفه، كان جالساً على صخرة متفيئاً بشجرة كثيفة الأغصان، قد أسند ظهره إلى جذعها ممدداً رجليه وهو يقرأ في كتاب. رفع علي الضمراوي يده وراح يستنجد بها. كان يظنُّ أنه يصرخ، لكن الكلمات كانت تخرج منه كمادة شوهاء. واصل زحفه، لعلّ المسافة بينهما تتقلّص.. لكنها كانت تغدو أكثر بعداً. حاول أن يستجمع بقية متبقية من أعصابه فصرخ وهو يرفع عينيه إلى الأعلى: -يا غالب.. انقذني من الأفاعي. ولم يردد الوادي الصدى. ظلّت الكلمات تخرج من فمه مادة شوهاء.. حتى رأى ناراً أشعلها غالبَّ الوالبي فابتعدت الأفاعي. كان علي الضمراوي مشلولاً في قعر الوادي، وعندما ولّت الأفاعي هاربة، مذعورة، احّس بالطمأنينة. فتح عينيه وألقى بالوسادة جانباً. تأمل الوسادة المبللة بالعرق، ثم ابتسم لهذا الكابوس المفزع الذي لم يره حتى في أثناء سجنه، وإذْ نهض وخرج إلى باحة الدار، استنشق الهواء متذكراً كابوسه وغالباً الوالبي والنار، ثم كوّر بصقة وقذف بها على مقربة من قدميه وقال: -تفو... لماذا تلاحقني يا غالباً الوالبي في أحلامي؟.. أنت لست إلا مجردّ ذكرى ولن تكون إلا رجلاً هامشياً، أنا رجل يؤمن بالواقع، ويرفض الكوابيس وأنت كابوس لن يتكرر في حياتي. عندما عاد قاسم المدهون إلى مبنى الإمارة، كان مهموماً. ظلّ طوال طريق عودته يفكر بشيء واحد، لن تمنعه قوّة على الأرض من تنفيذه. كان يبتسم لهؤلاء الذين يصفقون له، لكنه يريد لهذه الطريق القصيرة أن تنتهي بسرعة. لم يعد بحاجة إلى تلك الأصوات. أنه ينظر إلى وجوه الناس لكنه يراهم كأشباح. يودّ لو أنه انتهى منهم سريعاً. يريد لبوابة الإمارة الحديدية أن تبعده عن الناس، فلينفّذ قراره الذي انتهى إليه، بعد أن سقط عن ظهر فرسه. كان يحسّ ناراً تتأجج في داخله؛ يحسّ وهجها في عينيه حتى أنه ليتساءل: هل لاحظ القريبون منه انطفاء البريق فيهما؟ ما كان يحسّ بالأيدي وهي تنفض التراب الذي علق بثيابه، انها تلامسه، ولكنه كان يحسّها سياطاً تلهّب ظهره وكتفيه وأكمامه.. كانوا يركضون لينفضوا التراب عنه، لكنه- وحده- الذي كان يرى فرسه وقد سقطت على صدره وحلقه. أحسّ أن إحدى قدميها قد داست على حنجرته فمنعت الهواء عنه. كلّ من رأوه ظنوا أن فرسه قد سقطت على الأرض وأسقطته، ولكنه وحده الذي يعتقد أنها جثمت على جسده لا على الأرض. كيف، وهو أمير المنخورة، ان يردّ هذه الإهانة لفرسه؟.. تظاهر بالهدوء حتى إذا تأكد من ارتجاج بوّابة الإمارة، طلب- على غير عادته- كأساً كبيرة من الخمر ارتشفتها بسرعة. هوذا نباح الكلاب يقلقه، ويهزّ أعصابه. تتراءى لـه أفواه الكلاب على مقربة من وجهه.. فيصرخ: - اسكتوها هوذا يحسّ ((بالكحيلة)) التي تركها على مقربة منه وهو يرتشف كأسه؛ وكأنها توجه لـه سهاماً من النار.. فتدخل من فتحات عينيه لتثقب جمجمته وتتلولب في أعصابه بدءاً من نخاعه الشوكي وحتى الفقرة الأخيرة من عموده الفقري مروراً برئتيه اللتين يحسّهما في صدره. لم تعد ((الكحيلة)) فرسه، بل اضحت عدواً. لن يأبه لناصيتها البيضاء، ولن يأبه لنظرتها. عليه أن ينتهي من سهام النار التي تكويه في كلّ مواضع جسده. طلب أن يحضروا لـه ((الجفت)) ووضع طلقتين في سبطانته المزدوجة. نظرت إليه بحنان، حاولت أن تقرّب رأسها لتتشممه، ولكنه صرخ: ((ابعدوا هذه الخائنة.. عني لا أريد أن أرى عينيها)). كلّ شيء كان في تلك اللحظات، يفوح برائحة العدائية والخيانة: الكحيلة، البشر، التراب، نباح الكلاب، طه الأعمى، ابن عيسى، غالب الوالبي... هوذا شبح الدم يتكوّر في دماغه كالقيح... هي ذى ((الكحيلة)) أضحت خائنة، لا فرق بينها وبين صبّوحة الخليل.. ارتجفت شفتاه، واصطكت أسنانه بعضها ببعض. رفع ـ بلحظة خاطفة ـ أخمص الجفت على كتفه. صوّب باتجاه الرأس تماماً، ثم دوّت في فضاء مبنى الإمارة طلقتان. تماسكت ((الكحيلة)) لحظات.. ثم هوت على الأرض. نهض عن كرسيه الخشبي.. وبصق عليها.. ثم تابع إلى غرفته متثاقلاً وبعد خطوات كانت شفتاه تتمتمان: -هذا جزاء الخيانة.. تلفّت إليها، وحاول أن يرفع صوته: -أنا قاسم المدهون، أنا الأول وأنا الأخير. استلّ بلسان مخدّر كلمات مشتتة: -أنا الذي اشتريت مجدى بالمال؛ وبالمال اشتريتكِ، وبالمال سأشتري فرساً أفضل منكِ لا تغدر بي. في تلك الأمسية، أطلق رجال هذّال الحسن كلابهم في باحة الإمارة على عادتهم، بعد أن رموا بالكحيلة بعيداً في أحد الوديان القريبة من المنخورة، ولكن نباح الكلاب جاء خافتاً، أقسم الكثيرون أنهم لم يسمعوه، كما كانوا في كل ليلة؛ حتى أن هذّال الحسن، الذي سيطرت الدهشة عليه تساءل وهو يمشي بين أغصان الأشجار وحيداً: -هل أضحت الكلاب حزينة؟ وأضاف مستدركاً بعد خطوات: -أم أنها غاضبة لأن عظام ((الكحيلة)) ولحمها صارا من نصيب غيرها من الكلاب التي تمرح في ظاهر القرية وواديها؟ هوذا عالم الدهشة، أضحى صمتاً وأسئلة.. ها هوذا عالم الطلقات والدم والخمر، اضحى قهقهة وانتصاراً؛ عالمان يتجاوران جنباً إلى جنب في مبنى الإمارة. قريبان لكنهما متباعدان. في ذلك العالم، وقد انتصف الليل، انتهى قاسم المدهون، من قنينة خمرته المفّضلة، وإذ ارتشف كأسه حتى الثمالة، أداره في يده وألقى به إلى الجدار، حيث تكسّر إلى شظايا. في تلك الساعة، أحسّ قاسم المدهون برغبة إلى المرأة. أنه يحّن إلى كل شيء فيها، يحنّ إلى صدرها، وشفتيها.. وابتسم لخاطرٍ مرّ به؛ فلماذا كان يقبّل فخذي صبّوحة الخليل، ولا يقبّل فخذي زوجته؟ ولم ينتظر إجابة، فلقد وقف.. وإذ نزع ثوبه، سقط على الأرض، لكنه لم يغضب هذه المرّة. أحسّ أن يد امرأة تدغدغه، ومن شدة ضحكه فقد سقط، وعندما راح يتلمّس قاعدة كرسيه ليستند عليه، راح يضحك بصوت عالٍ أحسّ أن شيئاً حارقاً يكويه في معدته، ويرتفع إلى حنجرته وفجأةً راح يتقيأ. اتكأ على مرفقيه وراح يتقيأ كان يحسّ لهيباً يخترق عينيه في أثناء الإقياء وإذا توقف، نظر بتقزز إلى الفضلات التي أفرزها.. فحاول أن يبتعد. ظنّ انه ابتعد، وصار في منأى عن اقيائه، وإذ لم تساعده يداه وقدماه على النهوض، اضطجع على جانبه الأيمن ونام. امتصت السجادة التي ارتمى عليها العرق الذي أفرزته جبهته ووجهه وراحتا كفيه، حتى أنه أحسّ بضيق من تلك الحشرجة في حنجرته، فكان يتقلّب على ظهره تارةً وعلى صدره تارةً أخرى، وعلى جانبه الأيسر تارةً ثالثة، ثم ينقلب أخيراً على وجهه لعله يتخلّص من هذا الضيق الذي يعاني منه في تنفسه. أنه يتشمم رائحة غريبة، نتنة، متعفّنة، تسدّ فتحتي أنفه.. وتنتشر في ظلام الغرفة وصمتها، لكنه على الرغم من عطوره المفضّلة لا يعرف كيف طغت تلك الرائحة عليها. في الصمت والظلام وتلك الرائحة الغريبة، كانت به رغبة لفخذي امرأة. خلع عباءته، ونزع ثوبه، ثم صار إلى حالة عراء كامل.. وتقدم منتشياً من فراش حسنة. توقف مترنّحاً وهو يتأمل جسدها بعد أن أزاح الغطاء عنه. فتحت عينيها ثم رفعت ساعدها الأيمن لتخفيهما.. -كل شيء جاهز.. يا منيرة! ونترت حسنة ساعدها عن عينيها ثم تأملته، وقالت: -الخمر تدلّ على الخيانة.. ضحك قاسم المدهون وارتمى على ركبتيه محاولاً أن يتلمس صدرها فأزاحت يديه وقالت: -أنا حسنة... لم يُجِبْ امتدّ الصمت خيوطاً لها شكل الأفاعي وأنياب الذئاب. أحسّ أنه في عالم من ضباب، وعاصفة رملية.. تدمي عينيه، ترفع ثوبه الفضفاض إلى الأعلى.. تراءت لـه بسمة سخرية على طرفي فمها. انتفض متمايلاً، ونظر إلى سقف الغرفة. عادت إليه صورة قديمة ما برحت ذاكرته يوماً، تراءى لـه غالب الوالبي وقد تقدّم منه على المقبرة... وصفعه... تلولب القهر، حتى أضحى عاصفة من رمال عتية. لعبت بثيابه وراحت ترفعه إلى الأعلى. أمسك بقضيب من الرمان كان مرمياً على مقربة من فراش حسنة وانهال به ضرباً على جسدها. انقلبت على وجهها دون أن تصرخ.. وفي كلّ ضربة من القضيب كانت تضغط بأسنانها على طرف اللحاف. بلحظة نزق، قال قاسم المدهون وهو يلهث: -عاهرةٌ أنت يا ابنة الكلب.. لماذا لا تصرخين؟! أدارت وجهها إلى النافذة، فتلفت حيث تراءى لـه ((الكحيلة)) وهي تنظر إليه، نظرة هرب منها عندما كان يصوّب الطلقات إلى رأسها، مدّ يديه إلى الأمام رافعاً راحتي كفيه ليبعد نظرات الفرس عنه، لكنه أحسّ أنها ترفع قدميها في الهواء إلى الأعلى وهي تحمحم لتضربه، فصرخ مذعوراً: -يا هذّال! في تلك الساعة من الليل، كان غالب الوالبي قد دفع بالكحيلة إلى حفرة في الوادي الذي رماها رجال هذّال الحسن فيه. رفض أن يجعل الحفرة بمستوى الأرض، لكنه جعلها على شكل قبر فوضع كمية من الأحجار على هضبته الصغيرة. وعندما عاد مع الفجر كان يتذكر نايفاً العباس وأبا حسن القحطاني، وابن عيسى وطه الأعمى.. وتمتم مع الرطوبة التي كانت تنفذ إلى عظامه، حيث كانت المنخورة تكّب على وجهها نائمة في ذلك الفجر بكلمات بقيت في صدره. في تلك الساعة من الفجر كان هناك عالم من الصمت الكئيب في غرفة طه الأعمى، ثم كانت شهقة احتضار أخيرة لفظها طه الأعمى مع دفقة من دم سالت من زاوية فمه اليمنى. قليلون هم الذين ودّعوا طه الأعمى إلى المقبرة، لكن ابن عيسى كان مفجوعاً حتى لقد استغرب غالب الوالبي، وهو يتأمله... خانت الدموع ابن عيسى، بكى بحرقة وألم، وبعد أن جلس القرفصاء وهو ينظر إلى قبر طه الأعمى قال كلمات ضاعت نصف حروفها من البكاء: ((من لم يمت بالسيف ماتَ بغيره.. يا طه! دعنا من هذا .. أنا أعرف اللحظة التي يصرخ فيها الطفل.. بعد أن يهبط من رحم أمه، وهو يحمل معه خلية الموت، التي تكبر مع الأيام، لكنني حزين -يا طه!- لأن أحداً لم يجبك على سؤالك: ماذا جرى للناس؟ أعرف أشياء ولا أعرف أشياء كثيرة. أعرف أن الناس في المنخورة تساوت لهم الحياة والموت، لكنني لا أعرف لماذا؟.. ولا أعرف كم هو عمري الآن وكيف سأموت، هل سأموت بضربات كالتي انهالت على جسدك؟ .. صدقني يا طه!.. لا أعرف هل بلغت الأربعين أم أن عمري ألف سنة، فالزمن يمّر دون أن يتوقف. ما يؤلمني أنني لا أستطيع تحديد لونه هل أسود لون هذا الزمان، أم أنه أصفر؟ هل يدرك الناس في المنخورة أن السوط فوق رقابهم فلم تعد تتألم، وأنه ترك بصماته على أجسادهم فحفرها كما يحرث المحراث أثلاماً في الأرض؟.. وإذْ رفع رأسه عن حفرة القبر، ونظر في عيون الناس، قال: ((ما بال الزمان.. يا أهل المنخورة؟)). هل العلة في الزمان، أم فينا يا أهل المنخورة؟.)) وقفز واقفاً، حيث خطيب المبطون يجلس القرفصاء مغمضاً عينيه متظاهراً بالحزن.. فحاول ابن عيسى أن يمسك بعضوه التناسلي، لكن خطيباً المبطون وقف ليقول غاضباً وبصوت مرتفع: -ابعدوا هذا المجنون عني! فقال ابن عيسى، بعد أن مسح بقية دموعه بكمّ ثوبه: ((لن أسأل ثانية يا أهل المنخورة.. فنحن أشباه رجال..)) وإذ أشار إلى العضو التناسلي لخطيب المبطون، قال وهو يقهقه: ((اسألوا خطيباً المبطون.. أين أضاعه؟ هوذا العمر- يا أهل المنخورة- أضحى ثقيلاً وطويلاً.. فلا تسألوا ولا تشغلكم الأفكار لقد طلّقتم الأفكار. ما عدتم تفرّقون بين ركلة القدم أو لمسة حنان. هل باستطاعتكم أن تعرفوا أين أختفى الظلّ؟.. وأين الأصل يا أهل المنخورة، أين الأصل؟)) * حديث نبوي شريف عن الرسول (ص). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |