|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:52 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسّـــــم الخـامــس 1 دوّى الرصاص في فضاء المنخورة.. شكّل أبناء الحي الشمالي حلقة من الرجال والشباب والنساء متراصفة الصفوف وانطلقوا عبر الأزقة والدروب. هم يغنون فرحاً بقدوم قاسم المدهون من رحلة الصيد، بعد غياب دام عشرة أيام. صوّبوا بنادقهم إلى السماء وانطلق الرصاص بعيداً في الفضاء.. راح الناس يلتفّون حوله. بعضهم شارك بعفوية، وبعضهم شارك متفرجاً، وكان هناك رصاص طائش قتل في طريقه أربعة رجال، ووقف هذّال الحسن حائراً ما يفعل؛ فأبناء الحّي الشمالي، الذين وفدوا إلى المنخورة منذ سنوات لهم مكانتهم الخاصة لدى قاسم المدهون. ضرب كفّاً بكف لكنه استعان بالصبر حتى خيّم الليل، وأباح ما بقلبه لقاسم المدهون، الذي أشعل سيكارة، ولاذ قليلاً بالصمت ثم قال: -السياسة فن وخدعة يا هذّال. قال هذّال الحسن: -أعرف يا مولاي.. لكن للدم فورة والحقد أعمى. -أعرف ذلك ونحن علينا أن نضرب عصفورين بحجر. -كيف سيكون ذلك يا مولاي؟ قال قاسم المدهون: -اعتقل القتلة لعدة أيام وعاملهم بالحسنى، وقدّم التعازي لأهالي القتلى وشيئاً من المال.. إنه القضاء والقدر يا هذّال! وإذ ساد صمت قصير، استطرد قاسم المدهون: -أم أنك تريد أن تعكر ليلتنا بأخبار الموت؟ *** نقل الليل عزف ربابة من مبنى الإمارة وصورة لنساء يرقصن بثياب شفافة؛ وكان قاسم المدهون يرتشف الخمر، ويطلق لخياله العنان في تعرية النساء الراقصات أمامه، حتى إذا هبّت ذكريات الحنين في جسده إلى المرأة؛ همس بكلمات في إذن هذّال الحسن، الذي نهض بعد لحظات هادئاً.. وعاد بكأس مترعة إلى عازف الربابة، وقال هامساً: -لأنك أدخلت الفرح إلى قلب مولانا، فقد خصّـك بهذه الكأس دون بقية البشر. تلجلجت الكلمات في فم عازف الربابة، هو ينظر إلى الكأس الموضوعة أمامه. ارتجفت شفتاه وذقنه التي غزاها الشيب.. يدرك أنه على حافة جبل صخري، خطوة واحدة ولا بدّ من أن يكون في الهاوية. طيور متوّحشة أضحت تصفِّق أمامه، على مقربة من عينيه تصفق، أنه ليحّس بأجنحة بعضها، تضرب جفون عينيه بقسوة، فيغمضهما على القذى، وإذ يفتحهما بصعوبة ، تتراءى لـه عينا قاسم المدهون مطرقة متوهجة.. وهي مرفوعة إلى الأعلى لتسقط على رأسه كما الصخرة. قال لهذّال الحسن: أمهلني لحظات يا سيدي. وراحت ربابته تعزف لحناً حزيناً كأنما هي إيقاع لخطوات رجل وجد نفسه فجأةً في عاصفة رملية؛ فراح يهتدي بيديه وهو يمدهما في الفراغ خشية أن يصطدم بشيء لا يتوقعه.. فيسقط. تمايل قاسم المدهون طرباً. حمل كأسه ونهض. قرفص قبالة عازف الربابة، وقاله لـه بلسان مخّدر: -الكأس بالكأس!. والحسناوات كأس. حمل عازف الربابة كأسه بيد مرتجفة.. ولامس كأس قاسم المدهون، حيث دلقه دفعة واحدة في جوفه، وطوّح بها بعيداً وهو يدور على كعبيه ضاحكاً، فاصطدمت بقّوة بصورة أبيه حيث تطاير زجاجها وتمزّقت الصورة من الرأس حتى الأنف. نظر قاسم المدهون مليّاً إلى الكأس والصورة، وقال، وهو يبتسم لعازف الربابة: -أعرف أنه غاضب لأنه لم يشاركنا فرحتنا.. وبعد صمت قال: -كل شيء يمكن إصلاحه فاشرب كأسك حتى نهايته. وبخطوات مترنّحة تهادى حيث فراشه الوثير، وجاء بقنينته، فحمل كأس عازف الربابة ثم ملأه ثانية ، حتى انسكب الفائض منه على السجادة السميكة، وقال، وهو ينظر ناحية أجمل الراقصات في تلك الليلة: -على قدر محبتنا نملأ الكؤوس. وناحت الربابة بلحنها الحزين ثانية.. فرقعت الراقصة بالصنج تموّج بطنها بحركة مغناجة؛ .. وإذ تقدمت من قاسم المدهون، انفتلت إلى الخلف، ثم رسمت بجسدها نصف دائرة، حيث انقلب رأسها إلى الوراء باتجاه الأرض وقد انسفح شعرها الطويل حتى لامس طرف الفراش. استوت قامتها ثانية حتى دارت على رؤوس أصابعها. مدت أصابعها إلى أنف قاسم المدهون فلامسته لمسة خفيفة وتراجعت سريعة إلى نهاية القاعة. نهض واقفاً. نزع كوفيته فشدَّها بأحكام على وسطه، وراح يراقصها؛ يقترب الجسد من الجسد، كما تلتفّ أفعى بأفعى.. هوذا زمن الرقص والخمر في مبنى الإمارة.. فلتضرب الخطوات إيقاعها ليتموّج البطن.. وليهتز الوسط بفرح غامر. هوذا زمن الأجساد التي انهكها الليل.. فلتنتحب العيون في البيوت الطينية التي انهى الرصاص أبناءها في لحظات طائشة فرحاً بقدوم قاسم المدهون. هوذا زمن يتنافر فيه الصدق مع الكذب الأعظم، فلينتصر الكذب ولتنتحب العيون بكاءً إذْ طالما أن العيون خلقت للبكاء. رشفة أخيرة من الكأس الثانية التي كانت مترعة أمام عازف الربابة. لحن آخر يئن حزيناً، لكن أمير المنخورة يسمعه لحن فرح يتغنّى بمجده ونجم صعوده. هي ذي يد عازف الربابة تتراخى على القوس فيمتط الصوت تارةً، ويأتي حاداً تارةً أخرى، ومع صعود القوس وتراجعه راحت عيناه تتراخيان وسقط القوس من يده.. وحُمل بعيداً عن قاعة الرقص. ضحك قاسم المدهون مقهقهاً وطوّقت ذراعه خصر المرأة التي كان يراقصها.. وابتعد بها عن قاعة الرقص. *** ضربات كضربات الطبول الإفريقية تدوّي في أعماقه.. طنين لا يفارق أذنيه.. دعوة لا يستطيع أن يكبحها؛ ليخرج في منتصف الليل إلى شوارع المنخورة. يحّس أن أصابعه ترتجف وهو يرسم تفاصيل لوحته القادمة في ذهنه؛ رمى بقلم الفحم جانباً، وانطلق بعيداً عن داره. إنه منتصف الليل.. والسكوت يخيم على عالم المنخورة إلا من نباح الكلاب. لم يوقفه أحد من أتباع هذّال الحسن، بل كان يكتفي بالتحية، ويتابع خطواته. بعد ثلاثة أيام. سيتزوج هذّال الحسن من منيرة، ولأنه على يقين إن قاسماً المدهون سيحضر هذا الزواج، فإنه سيقدم لوحته التي ستبهر الناس. ستكون حديثاً للجميع في جمالها وخطوطها وتناسقها وألوانها. ها هوذا حتى الآن لم يرسم خطاً واحداً فيها. كانت في ذهنه أكثر من صورة؛ لكنه ما استقر-حتى الآن- على واحدة منها: هل يرسمه وهو واقف في مسجد عمر بن عبد العزيز يؤدي صلاته بخشوع؟ أم يرسمه وقد انحنى على طفل من أطفال المنخورة وراح يقبله؟.. استبعد الصورتين من ذهنه؛ فلماذا لا يرسمه في باحة ضريح أبي ذّر الغفاري.. وهو يقّبل قضبان الحديد التي تحيط بالضريح، وعيناه تدمعان خشوعاً؟ ولأن الصورة الأخيرة.. استقرّت في ذهنه، فقد تقدم، والليل تجاوز منتصفه إلى مقبرة القرية، حيث ضريح أبي ذرّ. جلس مستنداً بظهره إلى حائط طيني لبستان يقع قبالة الضريح، مستأنساً بالأضواء التي تشع من نوافذ الغرف الملاصقة للضريح، ثم أخرج سيكارة وراح يدخن فرحاً. ها هوذا أخيراً، قد انتهى من عالم الأفكار التي أقلقته بشأن لوحته. سينهي سيكارته ويعود متأججاً نشيطاً. سيبدأ باللوحة فلا معنى للنوم بعد أن استقّر على رأيه أخيراً وانتهى من دوّامة الأسئلة، لكنه وقف مذهولاً وهو لا يصدق عينيه عندما فتح الباب الحديدي. سارع وأطفأ سيكارته في التراب. سمع ضحكاً لرجال، وسمع قهقهات لنساء، وعلى ضوء مصباح يدوي، رأى غصّاباً المدهون بسرواله الداخلي فقط. أحسّ برعشة خوف، وخشية أن يفتضح أمره، فقد انبطح على بطنه وراح يزحف مبتعداً لعلّ الزاوية القريبة تغيّبه عن مرمى العيون. كان يحّس بالأشواك وهي تنغرس في يديه وفخذيه وبطنه.. ولكنه لم يكن- على الرغم من إحساسه بالألم- ليأبه بذلك، كان همه أن يتوارى عن العيون حتى يتمكن من الوقوف على رجليه، وبعد ذلك، فإنه سيجد طريقة إلى منزله بين الدروب الترابية للبساتين. *** كأن الصخرة الصماء تريد أن تقف في وجه صعوده مرة أخرى.. كان يسمع أن المبنى الجديد لضريح أبي ذرّ الغفاري قد تحوّل إلى مكان للفسق، لكنه كان يتصدى لتلك التقولات بكل ما يملك من حماسة.يرتفع صوته ويشير بيديه في كل الاتجاهات رافضاً ما يقال، لكنه الآن وقد أضحى وحيداً في غرفته مع هذا الفجر، لم يعد باستطاعته أن يجادل، فكيف يمكن أن يتصدّى لمن سيقول لـه أن مبنى الإمارة أضحى مأوىً للعهر؟ الصخرة الصماء تتطاول. تنتفخ شيئاً فشيئاً. انها- إن سمح لها لتتضخم على هذا الشكل- فإن آماله ستذروها ريح عاتية، ومن أعماقه؛ من عدة أمكنة، صرخ بالاستنكار: كلا!.. لن يسمح للصخرة أن تتضخم. دفع الثمن غالياً حتى استطاع أن يقفز عليها، حتى استطاع أن يوهم نفسه بأن لا وجود لها في حياته، فكيف ترتفع أمام عينيه؟.. إنه في تيار أمير المنخورة. لقد راحت الريح تدفع سفينته في عرض البحر باتجاه نعيم أيامه، فكيف سيرتدُّ والريح قوية.. والبحر متلاطم الأمواج؟ كلا... صرخ بها عدة مرات، فلا بدّ من أن هذا الذي رآه في ليلته لا بدَّ من أن يكون كابوساً؛ فمبنى ضريح أبي ذرّ الغفاري هو المكان المقدس الذي أنشأه أمير المنخورة للمؤمنين والمرضى؛ لا بدّ من أن عينيه قد خانتاه، فأضحى يرى الأشياء على غير حقيقتها، لا بدّ من أن ذلك الضحك الذي سمعه من أن يكون لمرضى وقد تماثلوا إلى الشفاء. لا بدّ من أن تلك القهقهات النسائية لمريضات، أو يائسات من الحمل والولادة. صرخ بها مرة أخرى واثقاً، فأولئك الذين رآهم ليسوا مجموعة من السكارى، وليست النسوة اللواتي رآهن من بنات الهوى. كلا... الريح لك.. والصخرة الصماء يجب أن تتحطم واللوحة يجب أن ترسم.. ونهض، نهض نشيطاً. غسل رأسه بالماء البارد، وبدأ بقلم الرصاص خطوطها. كل شيء راح يبدو فيها واضحاً، جلّياً، دقيقاً، فأمير المنخورة، يقف وهو يتلمّس بيديه قضبان الحديد لأبي ذرّ الغفاري.. وبدت دمعتان على خديه من أثر الخشوع، وابتعد عند اللمسة الأخيرة للوحة حتى نهاية غرفته فابتسم، ولأنه أحسّ بالإرهاق بعد ليلة مورُقة، ولأن الشمس أضحت تسكب أشعتها عمودية على الأرض، فقد أرخى ستائر نافذته وأغلق الباب، ورمى بجسده متهالكاً على فراشه. وعلى عادته، قبل النوم، أخذ سيكارة ليدخنها وهو يتأمل اللوحة، وإذ راحت عيناه تغمضان بتكاسل استعداداً للنوم؛ تراءت لـه جمجمة أبيه تطغى على اللوحة؛ ففرك عينيه وكاد أن يضحك، فِلمَ تلاحقه أضغاث الأحلام؟.. أطفأ سيكارته، وانقلب على بطنه لكنه رأى خنجر قاسم المدهون وهو يفصل رقبة الغزالة ورآه يمدّ يده حيث ينبثق الدم، ثم يقف ليضيف خمراً إلى الدم، ويشرب.. لم تعد لديه طاقة على الاحتمال؛ فقفز من فراشه، وانطلق من غرفته بعيداً.. بعيداً، عن تلك الكوابيس التي تلاحقه من أثر الإرهاق الذي ألمَّ به، كما قال لنفسه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |