|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:52 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2 كان ذلك في يوم ما؛ من شهر ما.... ازهرت الأشجار؛ وكانت العصافير تغرّد فرحة، وكان هناك النحل يغدو ويروح من البساتين إلى مناحلها. كان الناس في المنخورة يراقبون ذلك بحيادية، فقد أَلِفوا ما تأتي به الأيام من هذه التغييرات في عالم الطبيعة، وفي كلّ مرة كانوا يأملون أن الشهور سوف تمرّ وينتهي القحط، وتأتي السماء بالمطر في السنة القادمة.. وما عليهم إلا أن ينتظروا. وحده.. هذّال الحسن، كان يحّس أن الأزهار والورود، إنما تضحك لـه منذ عشرة أيام، وهو يرى كل الأشياء، حتى الجمادات، تضحك له. منذ تلك اللحظة التي خطب فيها منيرة، فإن كلّ شيء يزهر في داخله، لا يعرف كيف مرّت الأيام، حتى أنه ليتساءل: هل هي أيام أم أنها مجرد لحظات؟ كلّ شيء كان يدعو إلى الدهشة؛ فلقد أراد هذّال الحسن أن يكون كل شيء مدعاة للدهشة، فلم تُقم حفلة العرس أمام فسحة داره، ولم تكن في ساحة ((المهابيل))، كما جرت العادة، ولكنه أرادها أن تكون في الساحة الممتدة أمام ضريح أبي ذّر الغفاري. فكّر طويلاً في القبور التي ستشكل عائقاً لهذه المناسبة، فكيف سيتمكن الناس من الرقص، وكيف يمكن لمئات الكراسي التي أحضرها أن تكون مستوية؟ قبل ثلاثة أيام، أمر بأن تمهد الأرض أمام الضريح لتكون مستوية مثل ((راحة الكف))، فأزيلت الأحجار واختفت شواهد القبور ورُشت الأرض بالماء. كان كلّ شيء يدعو للدهشة، حتى أن خمسة رجال من رجاله كانت مهمتهم أن يعتنوا بالإنارة؛ فقد خصص لكلّ واحد منهم عشرون ((لوكساً)) فبدت المقبرة وكأن الليل قد غادرها. حاولت صبّوحة الخليل أن تتقّدم لكن الازدحام منعها... وقفت بعيدة على شاهدة قبر أبي حسين القحطاني، حتى إذا أحسّت بالتعب، جلست على حجارة القبر، لكنها- بعد لحظات- هبّت واقفة، وهي ترفع عينيها إلى السماء باسطة يديها وهي تتمتم: -استغفر الله العظيم. ما كنت أريد أن أجلس على قبر ميت. وسمعها ابن عيسى الذي كان على مقربة منها، فقال؛ وقد ظهرت قطرات العرق على جبينه: -صبّوحة.. من أين تُربط الخيول؟ نظرت إليه للحظات، ثم قالت: -من رؤوسها. سأل: ومن أين ترُبط الكلاب؟ قالت: من أعناقها. وضحك ابن عيسى بصوت عال، ثم قال: -هذا لأن لها رؤوساً ولأن لها أعناقاً.. قاطعته صبّوحة الخليل: ماذا تريد أن تقول؟ قال: وما نفع الكلام.. إذا قلت إن الرجال سيربطون من.. من (....) .. ونظرت إليه، ثم قالت؛ نزقة: من ماذا.. يا مخبول؟ قال: بعضهم سيُربط من لسانه، وبعضهم سيربط من (..) ولم يكمل فقد أشار إلى عضوه التناسلي.. فضحكت صبوحة، وأمسكت بياقة ثوبه وجرّته إليها، حتى صار فمها قريباً من إذنه، وقالت: -أسكت! دفع يدها بعيداً عن ياقة ثوبه، وقال: -إنهم يسمعون كل شيء- يا صبّوحة- لكنهم يتظاهرون بالصمم؛ يرون كل شيء ولكنهم يدّعون إنهم لم يروا شيئاً. وهزت رأسها، فتابع قائلاً: تمّسحت الجلود- يا صبّوحة- أقسم بالله العظيم، لم تعد تؤثُر فيها المخارز. إنها بحاجة إلى قضبان من نار. أمسكت به من كتفه ودفعته بعيداً، وهي تقول: -بجاه الله ابتعد عني. لا تجعل هذه الليلةُ غمّاً! وابتعد ابن عيسى، وبعد خطوتين تلفّت إليها، وهو يقول: -لو أن أبا ذّر يسمع.. لاستلّ سيفه. يا صبّوحة! وسألته: وأنت ماذا كنت ستفعل؟ قال، وهو يضرب حجراً بقدمه: -لن أكون كالآخرين.. (وأشار بيده إلى الناس في المقبرة)؛ لن أكون مثل هؤلاء الذين فقدوا الحياء. كنت سأحفر حفرة كبيرة للقتلى. وبعد أن غاب عن عينيها؛ ذهبت إلى دارها دون أن تكمل مشاهدة عرس هذّال الحسن و منيرة. واستمر الرقص والغناء.. ضربات الطبل كانت قوية. لم يكن هناك ثمة صمت في عالم المنخورة في تلك الليلة. كانت الدعوات تنهال من فمّ الرجل، الذي كان يعزف على المزمار داعية بطول ((العمر والعزّ والجاه)) لهذّال الحسن؛ وهو يلّوح بمنديل قماشي ثم يعود إلى مزماره. كان كل شيء يدعو إلى الدهشة.. لكن أحداً لم يكن يعرف ماذا جرى في ظهيرة ذلك اليوم... *** عندما أدرك غالب الوالبي أن منيرة ستتزّوج في تلك الليلة أحسَّ أنه يدور في أفلاك التعب. كان جريحاً في أعماقه وقد أعيّاه النزف. يحّس أن الكون على اتساعه، أضحى سجناً بقضبان، وأن العالم قد أضحى معفّراً بالسواد. في ظهيرة ذلك اليوم جاءته منيرة.. جاءت بثوب أبيض، وبسمة حزينة تتبدى على ثغرها.. ولأنه فوجئ بها على غير توقع، فقد قال: -كيف وافقت يامنيرة؟! ولم ينتظر إجابة، فتابع بصوت عال: -تبّاً للطاعة عندما تكون ذلاً وخنوعاً. وإذ استندت إلى الباب، بعد أن أغلقته، سألته: -ثم؟ قال: كأني لست إنساناً من دم وأعصاب ولهذا جئتِ بثوب عرسك الأبيض.. كأني.. ولكن ما نفع الكلام، وكلّ شيء حولي يفوح بالغدر والخيانة.. إنه عصر الخيانة يا منيرة! قالت: -اسمع يا غالب.. الغضب يسدّ منافذ التفاهم. أنت تعرف أنني ما أحببت غيرك. أنت، كنت ومازلت.. الأول والأخير. تتحرّك معي في يقظتي ومنامي. أراك دائماً بين رموش عيني. لم استطع أن أحتضن غيرك في أعماق روحي. لن أكون بعيدة عن الصواب إذا قلت لك أنني استوعبك أكثر مما تستوعب نفسك، فدع الكلمات التي لا معنى لها جانباً. ربما أوافقك على أننا نعيش عصر الخنوع والذلّ. ربما كان أبي واحداً من هذه القافلة التي بهرها المال، فأراد بيعي جسداً.. قاطعها: نحن موتى مؤجّلون فقدوا الحقيقة وسيفقدون الذاكرة. قالت: لا تنظر إلى العالم بهذه النظرة السوادوية.. كلّ زمن وله رجاله. صاح: وله كلابه. تابعت: سأقول ثانية، لكل زمن رجاله، ولن أجاملك إذا ما قلت، وله كلابه كذلك، فتلك شريعة الكون.. الهرب- يا غالب- لا ينجي تذكر أننا تعاهدنا على أن نكون لبعضنا. سألها مقاطعاً: أن نكون لبعضنا.. والليلة ستزفين إلى هذّال الحسن؟ قالت: وهي تضغط على فكيها: لن أكون. وإذ نظر إليها مستغرباً، قالت: -حكايتي وحكايتك لن تنتهي.. فالحّب والتفاهم والحرية لا تحيا في أزمنة الخوف ونباح الكلاب. سأل: ماذا تقصدين يا منيرة؟ قالت، بعد صمت قصير: كنت أضحك من حكايات جدتي التي روتها لي وأنا صغيرة. كم قالت لي أن هناك كهوفاً في الجبال، مظلمة رطبة، فيها الأفاعي والعقارب وفيها رجال نُحتوا من صخر، وقالت أن هؤلاء الرجال غادروا قراهم وبيوتهم لأنهم كرهوا الزيف والذلّ، وأنهم سيعودون يوماً من ضمير الغيب وهم يحملون سيوفاً وخناجر ليحققوا العدل. كنت أغفو على حكاياتها تلك، لكنني واثقة من أن حكايات جدتي ليست حكايات خرافية، فنحن نعيش بين بشر نحتوا من صخر؛ وبين جدران وسقوف لها مظهر البيوت ولكنها كهوف. قاطعها غالب بصرخة مكتومة: منيرة ماذا تقولين؟ قالت: القهر يلفّ كياني.. لأنني أرى عجز الآخرين خوفاً وتصفيقاً وطبلاً وغناءً وهم كاذبون. القهر يلفّني، لأنني أعرف أنهم منافقون. قال غالب: الطفل يحتاج إلى سنتين ليتعلّم الكلام.. واليد الواحدة لا تصفّق وحدها، هل تعتقدين أن الليل لا يتبعه نهار؟ قالت: كما أنني مؤمنة أن وراء كل ليل نهار، فإنني مؤمنة بأن بعض الموت يعني الانبعاث. تمتم مصعوقاً: انبعاث؟ ولم تجب منييرة على سؤاله لكنها قالت: -لقد تأخرت، يجب أن أذهب، ولكن قبل ذلك، أريد كأساً وشفرة! ومدت راحة كفها اليمنى، وقالت له: -على قدر حبك لي يجب أن يكون الجرح عميقاً في كفي. واهتزّت الشفرة بين أصابعه، حتى إذا نظرت إليه نظرة قاسية، غرس الشفرة في راحة يدها، وراح الدم يسيل، وبسرعة ثبّتت يدها على الكأس. بدوره أعطاها الشفرة ومدّ يده اليمنى فغرستها حيث راح دمه يسيل هو الآخر في الكأس، ثم مدّت يدها لتحتضن يده، وقالت: -الدم بالدم والروح بالروح.. تذكّر ذلك. قال: ما اتعس ذاكرتي.. فهي التي تتذكر كل شيء أنها تتذكر الدم والروح. قالت وهي تخرج: عليك أن تحضر عرسي يا غالب! وهزّ رأسه موافقاً.. *** كان كل شيء يدعو إلى الدهشة.. فقد نصبت خيمة خاصة بقاسم المدهون أمير المنخورة، وكان الحرس يحيطون بها كالدائرة. ولمنيرة نصبت خيمة أخرى. جلست على كرسيها بثوب أسود، وقد استغربت النسوة لباس منيرة، فالعروس تأتي بثوب أبيض، "فِلمَ أتت بثوب أسود موشّى بخطوط حمراء" وظلّ السؤال معلّقاًَ على الشفاه، وفوق العيون؛ كأنما الزمن حرث الإجابة باللامبالاة؛ وكأنما منيرة لم تسمع سؤالاً. قبل منتصف الليل، وقفت منيرة.. وهي تلفُّ رأسها بوشاحها الأسود. كأن وجهها يرتعش بإضاءة كانت عصيّة على الفهم، وصعبة على التأويل، ثم اندفعت من الخيمة إلى وسط حلقة الدبكة. اتسعت عينا قاسم المدهون دهشة، وارتخت شفتا هذّال الحسن توجّساً.. توقف الطبل والمزمار، لكنها صاحت: -هذا عرسي أيها الناس ومن حقي أن أفرح. هذا عرسي، ومن حقي أن أرقص بخنجر عريسي. ووقف هذّال الحسن. سار بخطوات مترددة إلى منتصف الحلقة، حيث منيرة، وإذ مدّ لها خنجره، انتزعته من يده. دارت على كعبيها بعد أن قذفت بحذائها بعيداً، وبعد أن لوّحت بالخنجر عدة مرّات فوق رأسها وهي تدور، قالت: -ليضرب الطبل، وليعزف المزمار! صفقّ الناس بحماسة، وبدأت منيرة ترقص أروع رقصة عرفتها المنخورة في أعراسها، حتى أن قاسماًَ المدهون أخرج مسدسه وأطلق عدة طلقات إلى الأعلى، ثم تبعه هذّال الحسن.. وتوالى الرصاص من الآخرين. كنسمة هواء عاتية، اخترقت منيرة الصفوف حيث كان يقف غالب الوالبي، ومدّت يدها الجريحة إليه، فمّد يده الجريحة إليها وعادت به إلى منتصف الحلقة. راحا يرقصان رقصة سريعة. تتوالى ضربات الأرجل سويّة على الأرض وترتفع الأيدي سويّة إلى الأعلى، وارتفع التصفيق أكثر. انهالت العصا على الطبل بضربات أقوى. أحسّ الزَّمار أن عروق رقبته تكاد تنفجر، وأن أنفاسه تكاد تختنق، فلم يعد يسمع صوت المزمار إلا كالأنين، وفي تلك اللحظة ابتعدت منيرة عن غالب الوالبي وصرخت: -يا غالب.. احملني بين يديك إلى الأعلى! تقدمت مسرعة إليه. حملها بين يديه إلى صدره، ودار بها في كل الاتجاهات. في تلك اللحظة بالذات قال أبوها لأمها، وهو يصرف بأسنانه: -ليتها لم تكن على وجه الأرض.. عندما أعادها غالب الوالبي إلى الأرض، ابتعدت عنه، ونظرت باتجاه هذّال الحسن، وصرخت حيث توقف الطبل والمزمار: -كل شيء إلا القلب يا هذّال الحسن.. كل شيء إلا القلب يا أبي! وبعد أن استّلت الخنجر من غمده، صرخت بنفس النبرة: -لن أكون لك يا هذّال! وإذ ردد الليل صدى كلماتها، كان الخنجر ينغرس في بطنها. بكلتا يديها غرسته في أحشائها.. وهوت مكّبة على الأرض. وقبل أن يتقدم غالب الوالبي منها.. كانت عدة طلقات قد اخترقت رأسه من مسدّس هذّال الحسن فهوى هو الآخر.. ويده اليمنى فوق عنقها تماماً. *** هل كانت المسافة بين غالب الوالبي ومنيرة متراً أو أقل أو أكثر؟.. ما كان باستطاعة أحد أن يقدّر المسافة بين الاثنين. ما كان باستطاعة أحد أن يعرف أن منيرة وغالب الوالبي كانا يزحفان باتجاه بعضهما. ابن عيسى وحده، كان يراقب المشهد خطوة خطوة. كان الصراخ، والكلمات المرتبكة تطغى على عالم البشر. لم يفطن أحد إلى ضوء القمر الذي كان ينسكب على الجثتين و لمعان الدم الذي كان ينزف منهما. وحده، ابن عيسى، كان يتأمل المشهد وضوء القمر، وحده شهد اقتراب الجسدين من بعضهما. راقب- وفي عينيه دموع الحزن أم أنها دموع الفرح؟ -غالباً الوالبي وهو يقترب من منيرة، وضع شفتيه على خدها؛ زحف ببطء شديد إلى الأعلى، وإذ اقتربت شفتاه من جبينها، لم يعد يتحرّك.. رفع ابن عيسى رأسه إلى القمر، وتمتم: -يا إلهي.. حتى رصاص البشر وخناجرهم لم تفرّقهما! صور تمرّ كالبرق الخاطف، وبقية أصوات تهمس بكلمات غير مفهومة، كلّ هذا كان يراه ابن عيسى الذي غدا وحيداً في الساحة. حاول أن ينهض لكنه أحسّ بدوار غريب يغزوه، اختلطت عليه الصور، واختلطت عليه الأصوات... مدّ يديه ليمسك بثوب رجل، ظنّه أنه يمرّ أمامه، لكن يديه لم تقبضا إلاّ على الريح. زحف، وهو يفتح عينيه بصعوبة، باتجاه الجثتين.. سمع صوتاً سائلاً من شجيرة شوك، صار على مقربة منها: -خذني معك.. يا ابن عيسى! تمتم، بعد أن ملأ صدره بالهواء: لن انتزعك من جذورك.. كوني شاهدة على عصر الحبّ وعلى عصر الخيانة. قالت شجيرة الشوك: سيأتي غيرك ليقتلعني من جذوري فيحوّلني إلى نار. قال ابن عيسى، وهو يتابع زحفه: نحن بحاجة إلى النار.. فمن الذي سيشعلها؟ ... من الذي سيشعلها؟ عندما صار على مقربة من جثة غالب الوالبي، أحسّ برجفةٍ وبحالة عراء، وأن صقيعاً من البرد تغلغل إلى عظامه فراحت أسنانه تصطك ببعضها. نظر إلى السماء، حيث القمر الذي مازال يرمي بأشعته على عالم المنخورة والمقبرة، فأحسَّ هدوءاً يعود إليه، وتمتم: -يا إلهي.. نحن الموتى، فتعال واغمرنا ببركاتك.. نحن التائهين في مدارات الأنانية وأفلاك الخوف، فتعال ومدّ لنا يدك! وإذ سمع نباح كلب من طرف المقبرة، أعاد نظره خجلاً إلى الجثتين وقال: -استغفر الله العظيم.. استغفر الله العظيم من نفوسنا، ومن سيئات أعمالنا. يا رب أنك لغفور حكيم!.. ومدّ يده إلى جبين غالب الوالبي يستمّد منه الشجاعة، وإذ نظر إلى عيني منيرة المفتوحتين، أغمضهما، ولكنه قرر ألا يغمض عيني غالب الوالبي، وتمتم وما زالت يده على جبين غالب: "-لن أغمض عينيك، عليك أن تظل مفتوح العينين لترى المنخورة تتعرّى أكثر فأكثر.. أننا في بداية السقوط وفي بداية الانحطاط، فلم أنت صامت؟" تراءات لـه عينا غالب الوالبي و هما تنظران إليه نظرة ما كان باستطاعته أن يفهم مغزاها، هل هي نظرة سخرية، أم أنها نظرة إدانة؟ رفع رأسه إلى الأعلى حيث قاسم المدهون، ثم بنظرة خاطفة نظر إلى هذّال الحسن وبمثل نظرته الخاطفة مدّ يده إلى الخنجر المغروس في بطن منيرة وانتزعه، وإذ تقدم به مسرعاً باتجاه هّذّال الحسن، جاءته رصاصة في أعلى الكتف.. وأخرى في فخذه وقبل أن يهوي على الأرض، صرخ في وجه هذّال الحسن، متألماً: -يا كلب! وتقدم هذّال الحسن من ابن عيسى، وبعد أن بصق عليه، ركله برجله.. وقال لبعض من تجمّع حوله: -خذوه! من بين زحام البشر.. سمع صوت محمود العباس عالياً، وهو يمدّ فوهة بندقيته باتجاه قاسم المدهون،: -الدم بالدم يا بن المدهون.. هل نسيت أخي نايف؟ عندما انطلقت الرصاصات من البندقية، قفز أحدهم ليتلقاها في صدره، وكان أن انبطح قاسم المدهون أرضاً، وإذ قبض على محمود العباس، وقف قاسم المدهون وهو ينظر إلى محمود العباس حاقداً، وقال وهو ينظر إلى الجثة التي تلقت الرصاصة عنه: -إنه لكريم ورجل حقاً. وتلفّت هذّال الحسن إلى قاسم المدهون، وهو يداري خيبة أمله: -أجل.. يا سيدي أنه كريم ورجل. قال قاسم المدهون: -سنقيم تمثالاً لـه في ساحة القرية. *** في ذلك الزمن المنسي، زمن الصعود والهبوط، زمن النفاق وجنون العظمة، وتلفيق الكذب، لم يعد قاسم المدهون لينام هانئاً. كان ينام والمسدس تحت وسادته، حتى إذا زقزق عصفور مع الصباح، فإنه كان يستيقظ فزعاً، وهو يصّوب مسدسه إلى العصفور، في ذلك الزمن الغائب والحاضر كالوجع، كان الناس في المنخورة قد تعوّدوا على الاسترخاء والثرثرة والخمر... كانوا ينفسون عن قهرهم بالمضاجعات والنوم.. وكان قاسم المدهون قد بدأ يخطط بسرعة ليكون الغرباء من أبناء الحي الشمالي هم حرّاسه في مبنى الإمارة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |