|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:52 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
3 في ثنايا ضباب الدخان ورائحة الخمر، الذي لفّ غرفة قاسم المدهون، قال وهو يلفّ رِجْلاً على رجل: -هذّال.. أَما زال حياً حتى بعد أن قلعتم أظافر يديه ورجليه؟ أجاب هذّال الحسن: -سيدي أرجو عفوك.. فلقد تجاوزت أوامرك، في لحظة غضبي من عناده، فبترت عضوه التناسلي، ومع هذا.. قاطعه بحقد: -ماذا يا هذّال؟ قال هذّال الحسن: -ومع هذا مازال حياً. قال قاسم المدهون: -من أي طينة من البشر هذا الكلب؟ عقّب هذّال الحسن وهو يهزّ رأسه: -سيدي.. إن ظلّ حياً الليلة.. فإنه سيموت غداً. ووقف قاسم المدهون غاضباً، وتقدم من هذّال الحسن، الذي وقف هو الآخر.. وهزّه من كتفه بعنف: -اسمع... لا أريد أن يموت أمام ابن عيسى فقط، أريده أن يموت أمام أبيه وأمه.. وبعد ذلك عليك أن ترمي بالأم والأب للكلاب.. أفهمت؟ -أجل يا سيدي.. فهمت.. ولهذا سأذهب لأحضر الأم والأب... فنِعم الرأي رأيك *** في ثنايا ضباب الدخان ورائحة الخمر.. تطاول جسد قاسم المدهون في غرفته. ارتفع في الفضاء ليفرش جسده على عالم المنخورة، كان يسمع عن عالم الجن الذين يرتفعون بالإنسان عالياً، وهاهو ذا يرتفع عالياً بدون الجن. ارتفع عالياً، ولفرش جسده على عالم المنخورة.. أحسّ برغبة حارقة في أن يتبول.. لكنه قال: "لم يأت الوقت بعد، إن تبولت الآن فقد تسقط بعض قطرات البول على رأس خطيب المبطون أو أبي المدّاح الأشرم أو على رأس هذّال الحسن، وأنا بحاجتهم الآن، قد يميزون بين المطر والبول، ولا أريدهم أن يعرفوا بولي من المطر... لم يأت الوقت بعد.. لم يأت الوقت بعد". في ثنايا ضباب الدخان ورائحة الخمر الذي يلفّ جوّ غرفته، كان هناك ضباب داخلي نما داخل كيانه للحظة خاطفة كما البرق، ثم خبا عندما تذكر، ولم يعد يتذكر من قال ذلك، أهو خطيب المبطون أم أبو المدّاح الأشرم: "أن الله يمهل ولا يهمل" ووضع فمه على ساعد يده اليمنى.. و"عفط".. وبعد أن أرخى يده، قال "طز"، وبعد صمت قصير، قال: -هذا الزمن زمني وأنا السيد المطاع. وجوه غريبة تتصنّع الألفة والمودة، تحاول أن تتقرّب منه، وهو يعرف لماذا تتقرّب منه.. لو لم يكن سيد المنخورة لما تقرّب أحد منه.. ونظر إلى نعل حذائه وتمتم بحقد: -لن تنفع العصا وكلاب القبو فقط، لا بدّ من أن أدوسهم بهذا النعل، فكلما انسحق الرأس كان أكثر طوعاً، وكان أكثر طاعة. هوذا (حكيم)- ابنه- يكبر سنة بعد سنة، ولا بدّ من تعليمه أن العالم ظاهر وباطن، لا بدّ من تعليمه أن يظهر دائماً مالا يبطن، عليه أن يرفع شفتيه ليبتسم لمن يجالسه، وبعد البسمة لا بدّ أن يتعلّم كيف يدير الجحيم على هذه الأرض، وعليه أن يعرف كيف يديرها وكيف يجعلها دائماً متأججة النيران.. ليس جحيم المنخورة بحاجة إلى الحطب، إنها بحاجة إلى أجساد البشر الذين يرفعون عيونهم بنظرة عدم الرضا. ووقف يطل حاقداً ومزهواً على المنخورة من النافذة، كان يتمتع بنباح الكلاب الذي يعكر صمت الليل وذلك الخراب الداخلي الذي أضحى يعاني منه في أعماقه... اقترب أكثر من زجاج النافذة رفع يده اليمنى لتلتصق بالزجاج، ثم ألقى بجبينه على ساعده، وسمع أصداء نفسه المقهورة تقول له: -انطلق بعيداً عن المنخورة، فطالما يأكل الناس ويشبعون فهم يفكرون.. انطلق بعيداً، فأنت السيد، فمن هذا الذي سيردّ عليك بكلمة أو نظرة؟.. فكّر يا ابن المدهون بوسيلة أنجح لتجعل الناس يركضون بحثاً عن الرغيف، بل عن اللقمة.. وابتعد عن النافذة، ليقف أمام لوحة قرآنية معلّقة على الجدار، وقرأ صامتاً شيئاً منها، وهو في حالة شرود: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، لـه ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما...". تراءت لـه الكلمات الأخرى كأنها ملتصقة ببعضها، حتى لقد شكّلت سطرا ًأسود... نفض رأسه وعاد متثاقلاً ليرتمي على الكنبة، ورمى رأسه إلى الوراء وأغمض عينيه في محاولة منه ليستعيد طيرانه فوق المنخورة، لم يكن طيرانه فوق المنخورة وهماً. كان- كما زيّنت لـه ظنونه- حقيقة، ومن روابي النفس التي تجنح إلى تحقيق الصعب قال لنفسه:"حتى وإن كان ذلك حلماً أو أضعاث أحلام، فإن ما أريده الآن أن يكون ذلك واقعاً لا وهماً، يجب أن أكون فوق المنخورة وبشرها". *** كان ابن عيسى يجلس القرفصاء في ركن القبو.. ويراقب، وكان جسد محمود العباس العاري محكماً إلى طاولة خشبية لا تهتزّ مع ضربات السوط الذي كان ينهال عليه في كل المواضع، ولم يكن نزف الدم ليوقف الجلاّد، كان ينهال بكل قوّة على الصدر، على البطن، على الفخذين، على الوجه الذي غدا أزرق.. صرخ الجلاّد بحقد: -أنت حقير... قل أنك حقير. ويضغط محمود العباس على فكيه بقوة وهو يتلوىّ من الألم. يغمض عينيه ولا يتكلّم. يتقدم الجلاد من رأس محمود العباس ويرفعه من شعره ويضربه على الطاولة عدة ضربات وهو يلهث.. ومع كل سوط كان ابن عيسى يغمض عينيه. تحاول أم محمود العباس أن تفلت من الحبال التي قيّدت يديها إلى يدي زوجها وهم يتابعان مشهد تعذيب ابنهما، صرخت بصوت مرتفع في وجه الجلاد: -أنت حقير وابن حقير.. يا بن الزنى! مدّ الجلاد يده على مسدسه، وبالأخمص ضرب أم محمود العباس على رأسها بقّوة، وصرخ: -لو لم تكوني عاهرة لما جئت بهذا الكلب. وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كان الدم ينزف من أنفها وأذنيها وفمها... ماتت أم محمود العباس... وقبل أن يفقد أبو محمود العباس وعيّه، أراد أن يصرخ، ولكن صرخته ماتت عند شفتيه...فما جاءت إلاّ على شكل تمتمة: -يا رب.. أمر هذّال الحسن الذي كان يجلس على كرسي وثير وإلى جانبه كأس خمر: -أخرجوها خارجاً.. وايقظوا الكلب الكبير... وامتدّت الأيدي ففكّت الحبال عن يدي أم محمود العباس، وجرّوها خارج قبو التعذيب... وجاء آخران بالماء وبصلة يابسة فرشّوا الماء على وجه الأب، والصقوا البصلة بأنف أبي محمود العباس.. وإذ لم يستيقظ، نظر هذّال الحسن بازورار إلى الأب، وارتسمت على فمه بسمة سخرية، وإذ دخل أحد رجاله ببيضتين في صحن ماؤه مازال يغلي، مدّ هذّال الحسن سبابته إلى الجلاّد وقال: -أدخل البيضتين تحت الأبطين.. بقّوة أدخلهما، أريد أن أشمّ رائحة اللحم. وعاد الأب إلى وعيه وهو يسمع أنين ابنه: _آخ... ارتسمت بسمة انتصار على فم هذّال الحسن. رفع كأسه ودفع إلى جوفه ما تبقّى فيها فسارع أحد رجاله ليملأها لـه ثانية مع الثلج المكّسر... وعندما فقد محمود العباس الوعي، جلجلت ضحكة هذّال الحسن في أرجاء الغرفة، فاستطاع أبو محمود العباس، أن يقول بصوت واهن، وهو ينظر إليه: -كم أنت ظالم.. أقسم إن الحساب قريب. وإذ تقدم الجلاّد، وهو يرفع السوط ليهوي به على الأب، أشار لـه هذّال الحسن، أن لا يفعل، فقال أبو محمود العباس: -هذه أيامك..نسيت أنك لم تكن أكثر من ساكب للقهوة المرّة... وضحك هذّال الحسن بصوت عال، فقال أبو محمود العباس، وهو يضغط على فكيه: -يا جبان.. إنها أيامك فاسرح وامرح و لكنك ستدفع الثمن غالياً. وقف هذّال الحسن غاضباً، مترنّحاً، وتقدّم من أبي محمود العباس، وبيد غير متوازنة رفع رأسه من شعره، وبصق على وجهه، وقال، بلسان مخدّر: -كلّو.. كلّكم قا... قذرون، تريدو... تريدون أن.. تكونوا شو.. شرفاء.. سأبول عليكم.. سأبول على.. شرفكم. وبعد أن عاد محمود العباس إلى وعيه، جلس ثانية هذّال الحسن على كرسيه، وبصوت غاضب، قال: -ضعوه في الكيس. وأُحضر كيس من القنّب، فأدخل فيه، بعد أن فكّ عن الطاولة الخشبية، وقبل أن يربط الكيس من الأعلى جيداً، وضعت معه قطة، ثم انهال الجلاّد بعدة ضربات على الكيس حيث صار يسمع مواء القطة بشراسة.. لم يعد يفكر محمود العباس بشيء إلاّ أن يحمي عينيه من مخالب القطة التي كانت تحفر في جسده خطوطاً ينزف الدم معها، يضربها بيده اليمنى لعلها تبتعد عن وجهه، لكنها ما أن تصل إلى قدميه حتى تعود لتضرب على غير هدى باحثة عن منفذ للخروج. هوذا الدم يسيل من كافة أنحاء جسده، يحّس في كلّ مخلب ينغرز في جسده كأن قضيباً من النار يكويه، كلّ شيء يمكن أن يتحمله إلاّ أن تفقأ عيناه، وإذ غرزت القطة مخالبها في حنجرته صرخ متوجعاً.. وراح يتدحرج، حتى إذا وصل إلى قدمي هذّال الحسن، ركلته عدة أقدام ليبتعد، قال أبو محمود العباس الموثّق بالحبال -استحلفك بالله... يكفي. لطم الجلاد أبا محمود العباس على فمه، فسال الدم، وإذ هدأت حركة الكيس، قال هذّال الحسن: _أخرجوه! أخرجت جثة محمود العباس هامدة مدمّاة، وأخرجت القطة ميتة وقد تصلّبت أصابع محمود العباس اليسرى على عنقها. وعندما رأى ابن عيسى ذلك أكّب برأسه على ركبتيه وراح يبكي. حاول الأب أن يزحف على عجيزته، فضحك هذّال الحسن وقال: -سأجعلك تزحف على أنفك. قال الأب والدموع على خديه: -قتلته! مدّ هذّال الحسن يده إلى مسدسه وأطلق ثلاث رصاصات إلى رأس الأب.. وبعد أن سُحبت جثتا الأب والابن خارجاً، وظلّ ابن عيسى في الزاوية دون أن يرفع رأسه، كان هذّال الحسن الذي لفّ رِجْلاً على رِجْل، يبتسم وهو يحرّك قدمه المرفوعة عن الأرض بحركات منتظمة، ويتابعها مستغرقاً في عالم آخر، كان يستعيد رقصة منيرة على أرض المقبرة، يتراءى لـه الخنجر يلمع تارة ويلمع ثوب منيرة الحريري الأسود. تراءى لـه غالب الوالبي وقد مدّ يده إلى يد منيرة فاشتبكت الأصابع بالأصابع، وتلامست قدماه بقدميها أكثر من مرّة، أحسّ أن شعاعاً من عينيها ينضم إلى شعاع من عينيه، اشتباك للأصابع، تلامس للأقدام، شعاع من العينين إلى العينين.. كأن هناك تواطئاً سرياً يتمُّ بينهما دون لغة، يكتفي بالإشارة في عالم يتوجّه الرقص. أحسّ للحظة أن منيرة قد تعرّت، رمت بثوبها الأسود جانباً. لمعت بشرتها البيضاء فأضاءت كما الهالة. لامس نهداها الممتلئان صدر غالب الوالبي. تراءى لـه أن وسطها يلتصق بوسطه، ولم يبق إلاّ حاجز شفاف لتضجّ (الشهوة، ودون وعي منه صرخ وهو يقف غاضباً، وقد ضرب بقبضة يده إلى الطاولة الخشبية: -لا... وإذ دخل الجلاد مسرعاً، وعلى وجهه علامات الدهشة والرعب، قال هذّال الحسن: -ابتروا عضوه التناسلي وضعوه في فمه. سأل الجلاّد في دهشة: -عضو من يا سيدي؟ قال هذّال الحسن نزقاً: -عضو من؟... عضو غالب الوالبي يا حمار! قال الجلاّد، وهو يستغرب ما يسمع: سيدي... غالب الوالبي في المقبرة. اقترب هذّال الحسن من الجلاّد وهزّه من كتفه، وقال صارخاً وقد تناثر الزبد من فمه على وجه الجلاّد: -انبشوا القبر.. وابتروا العضو وضعوه في فمه. وتلفت إلى ابن عيسى: ثم قال للجلاد: وهذا الكلب أبعدوه عن وجهي! *** المنخورة هي المنخورة. شوارع فسيحة ومتربة، أزقة ضيقة ومتربة. قرية كانت مطوقّة بالسكينة والهدوء، وفلاحون ينتظرون المواسم فيفرحون ويغنون ويرقصون في "ساحة المهابيل" حيث أبو حساباً على مزماره، وطه الأعمى كان يضرب على طبله، ومهما كان المواسم وفيراً أو قاحلاً، كانوا يحمدون الله، فلاحون يحملون من كرومهم العنب على ظهور حميرهم، فلا يمرّ بهم عابر طريق إلاّ واقسموا أن يشاركهم شيئاً مما منّ الله به عليهم، ولا ينسون جيرانهم، وما يبقى من العنب، فهو رزقهم، "ولا يأكل أحد إلا رزقه".. تلك أزمنة عاشتها المنخورة، وها هي ذي تعيش أزمنة أخرى، أضحت الأشياء القديمة حلماً، كأن ألسنةً من النار أتت على كل الأشياء القديمة الأصيلة والجميلة فأحرقتها. لم يبق غير الهشيم.. أزمنة جديدة تعيشها المنخورة، في قمتها يخور النفاق كما تخور الأبقار. تتحرّك الألسنة في أفواه أغلبية سكانها كثيراً، لكن حركتها كالكتابة على الماء دون طعم ولا لون ولا رائحة، تبتسم الوجوه مثلما تبتسم الشفاه، لكنها البسمات التي لا تفارقها صورة قبو قاسم المدهون ونباح كلابه. قليلون يتذكرون أبا حسين القحطاني، لكن الكثيرين يتذكرون ابن عيسى في وقفته على تلك الصخرة في "ساحة المهابيل" منذ سنين مضت، حينما قال: -هل أتاكم حديث الغاشية؟... ليعلم حاضركم غائبكم.. سوف يأتيكم حديث الغاشية.. المنخورة هي المنخورة عاشت أزمنة تستعيدها حلماً جميلاً، وهاهي ذي تعيش أزمنة تضغظ على صدرها كابوساً رهيباً ونباح مسحوراً وتحفر القطط بمخالبها وأسنانها جسداً في كيس من القّنب |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |