|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني رشته عاصفة من عواصف شهر شباط بالثلج من رأسه حتى قدميه، ولسعته برطوبة قارسة، منعشةً إياه بعد النبيذ والسجائر والدفء الفواح. كان الوقت متأخراً ليلاً. عصفت الرياح في الحي كلـه، وراحت أشجار الحور المتجلدة تصفر في الأعلى، وأخذت تصر القناديل المكفهرة وترتجف على الأعمدة في تيارات الشارع الـهوائية. فاحت من الثلج رائحة برد السهوب النائية، واستنشق فاسيلييف طراوته مضيقاً عينيه بسبب منه، ثم نظر إلى الأبنية الغارقة في الغشاوة المتحركة، باحثاً عن ضوء نافذة واحد على الأقل، وفكر أن موسكو لم تعرف منذ زمن عاصفة ريفية مثل هذه، ورائحة ليلة شتوية أصيلة كهذه. لقد أتته هذه الرائحة بقلق البعيد الغامض، الطفولي أبداً، والذاهب بغير رجعة، ولم يعد راغباً في الذهاب إلى المرسم الآن، بل جذبه شيء أسطوري مفاجئ إلى مكان ما في البعيد الغائم ـ إلى الظلام العاصف في أزقة زاموسكفوريتشيه المغطاة بالثلج، وأشجارها المثيرة للضجة فوق الأسيجة، وإلى الكنائس الصغيرة نصف المهدمة، والمهجورة والمكفهرة خلف أسوارها الصدئة، لكن السليمة، وإلى الأبنية التجارية ثلاثية الطبقات، ذات الأقواس الحجرية فوق البوابات، التي تظهر خلفها من خلل دوامة الثلج الأفنية الصغيرة ذات العنابر الصغيرة وأبراج الحمام القديمة، والمناضد المغروزة في الأرض تحت أشجار الزيزفون المعمرة ـ هذه الأفنية التي لا تقل سحراً عن مثيلاتها الباريسية أو الإيطالية. عاش فاسيلييف قبل عام أربعة وخمسين في زاموسكفوريتشيه، فأحب شوارعها الصغيرة وأزقتها، وكان يحلم بها في منامه على الرغم من أنه عاش سنين طويلة بعد الحرب في حي جديد آخر، وفي فناء آخر، لم يذكِّره ولو من بعيد بالماضي العزيز. فكر فاسيلييف مستثاراً بالطقس السيئ في هذا الوقت الليلي الشتوي، وبرطوبة الثلج القارسة على حاجبيه: "الليل والعاصفة وطراوة الـهواء القروية"، يكفي المرء أن يعيش من أجل ليلة كهذه فقط. يا للشيطان، أريد أن أذهب إلى زاموسكفوريتشيه. منذ كم سنة لم أكن هناك. سأوقظ لوباتين الآن سنذهب لنتسكع في موسكو حتى الصباح. سنمشي حتى محطة بافيليتسك، فنلقي نظرة على ضفة شليوزوف واوزيركوفسكايا، وعلى الكنيسة في زقاق فيشنيافسك…". قطن صديقه فنان الغرافيك ألكسندر غريغورييفيتش لوباتين في مكان قريب منه، على بعد حيين سيراً على الأقدام، في شارع هادئ كالشوارع المسدودة، تتفتح أشجار الحور العالية فيه في شهر تموز على نحو عاصف، حتى أن الزغب الذي لا يهدأ يطير في الـهواء بضعة أيام، فيفرش الأرصفة بطبقات بيضاء ويتراكم في الأركان التي لا تصلـها الرياح قرب المداخل، ويلتصق بموجة رقيقة بزجاج السيارات كأول ثلج، أما شتاءً فيبدو المكان هنا موحشاً وعاصفاً كما في القرى، وتغرق جذوع الحور في كثبان الثلج، وترتجف فروعها تحت وطأة الريح، وتبدأ أغصانها الصغيرة المتجمدة تحك نوافذ الطبقات العالية وتقرعها. عاش لوباتين عازباً (مطلقاً منذ أربع سنوات)، وامتاز ظاهرياً بحياة فوضوية، فكان يسافر صيفاً دائماً، وينام أين ما اتفق ـ في القرى أو في محطات القطار أو قرب نار في العراء، لكنه كان يطيل البقاء في موسكو شتاء ليعوض من الرسوم ما فاته صيفاً وخريفاً، فيتمون بالسجائر ويملأ البراد بالمواد الغذائية، ثم يقفل الباب على نفسه، وينعزل في شقته من غير أن يخرج إلى أي مكان، اللـهم إلا مرة واحدة كل أسبوع يذهب فيها إلى الحمام مصطحباً المكنسة(1). كان يستلقي لينام أحياناً كثيرة عند الفجر، ويستيقظ متأخراً (كان يعمل ليلاً أساساً بناءً على طلب دور النشر)، وكانت نافذة غرفته تبرز مثل بقعة خضراء في عتمة الشارع الـهادئ، وتشكل أحياناً صاروخ إنقاذ لفاسيلييف. نظر وهو يقترب من البناء إلى الأعلى على ارتفاع شجرة الحور، حيث كانت تضيء عادة النافذة المعروفة لـه، لكنها كانت مظلمة. فكر فاسيلييف مهموماً: "نائم؟" لكنه رن الجرس حازماً، بعد أن صعد إلى الطبقة الرابعة، وراح يستمع إلى صمت النوم على السلم، وإلى انطلاقة الجرس الفزعة في الشقة، وكأن دوائر قلقة قد انتشرت بسبب منها في الماء الراكد، وبعد ثلاث دقائق تقريباً صدح الصوت المعروف لـه منخفضاً خلف الباب: "ـ أتمنى لو أعرف من ذا الذي جاءت العفاريت به ليلاً. من هناك أيضاً؟"... سمع من وراء الباب أنيناً متواصلاً وسعال رجل مدخن، ثم طقطق القفل، وظهر في فتحة الضوء المتدفق من غرفة المدخل لوباتين الوسن، مرتدياً قميص نوم طويل، وحافياً، وقد انتفشت لحيته الشعثاء، وغطت نصف صدره، مضفية عليه هيئة شماس أُنهِضَ من فراشه بسبب من جلبة غير منتظرة. قال فاسيلييف: "ـ هذا أنا يا ساشا(2) كما ترى... اعذرني من فضلك لأنني أيقظتك كما لو أن طارئاً قد حدث، لكن إذا قلتَ "لا" فسأرحل ولن أستاء". هدر لوباتين بصوتٍ غليظ، وهو يحضن فاسيلييف واضعاً لحيته، التي دفأها النوم، على خده البارد: "ـ ادخل، ادخل أيها الدهان. نعم أيقظتني، فلا تبتكر الاعتذارات، أتفهم؟ من الذكاء أن تليح بيديك بعد العراك، لكنه أمر غبي أيضاً، أتفهم؟ يالرائحة الصقيع الزكية التي تنضح منك. اخلع معطفك. هاته إلى هنا. ياللشيطان، من يحيك لك شرائط التعليق؟ ماريا؟ فيكا؟. ألا تستطيع حياكتها بنفسك؟ كيف تأمر بأن أعلقه؟ من العروة؟ ستضطر إلى أن تتعلم ربط الأزرار وشرائط التعليق إلى الثياب، فأنا يا أخي معلم لا يضاهى في هذا الأمر، لا، لست معلماً، بل عبقرياً من العباقرة، علمتني قسوة الحياة. ياللشيطان، ادخل أيها المتسكع الموسكوبي في أنصاف الليالي قبل أن أردك من تلابيبك. اخط". رافق لوباتين فاسيلييف وهو يلفظ حرف الـ"o" بإيحاء كما يفعل دائماً، من غرفة الدخول إلى مرسمه الصغير، الذي غطيت جدرانه من الأرض حتى السقف بالرفوف، وامتلأ بالكتب والمصنفات ورزم المجلات القديمة. عمت الفوضى أيضاً منضدة الكتابة الضخمة، فلم تبق وسط ألواح الكرتون وأكوام المخطوطات، ورزم الرسوم وصحون السجائر الضخمة والمتنوعة، ووسط جبال المفكرات الرثة والصور والغلايين وعلب الدخان وسجائر "دوكات"، سوى جزيرة صغيرة تحت مصباح المنضدة، غطيت كما بالمفرش بصحيفة وضع عليها لوح من الورق، خط عليها، كالعادة، عمل مبيّض. كانت الصحيفة ملطخة بكلمات منفصلة وجمل ومربعات وشجيرات بتولا وأشكال أناس وطيور مرسومة، وقد فسر لوباتين هذه الغرابة بحياة التشرد السابقة التي عاشها، وخصوصاً حين كان مضطراً إلى أن يرسم في ظروف متباينة وعلى مختلف المناضد، مناضد المطبخ، والحدائق، ومناضد تنظيف الأسماك، التي تآكلت بفعل الماء والملح، وظلت عادة فرش المنضدة بالصحيفة، مضافة إليها عادة أخرى، وهي البحث عن تصوير معقد تعقيداً خاصاً بكلمات وخطوط ورموز يرسمها على الصحيفة أول الأمر، ثم ينقلـها بعد التمحيص والتدقيق كاملة إلى الورقة. قال لوباتين مقلداً لـهجة فلاديمير، وقد جرف على الأريكة، ليفسح مكاناً، رزمة كتب كان على الأرجح يتصفحها هنا مساءً: "ـ اجلس، اجلس ما دمت قد أنهضتني في ملابسي الداخلية. اتخذ لنفسك مكاناً على الأريكة، ودخن". ـ وشرع يدخن هو: "ـ هل تريد سجائر ثقيلة؟... هل ترغب في "غوليواز" الروسية؟ إن "دوكات" شيء مفتخر يخترق الجسم كالمبرد....". قال فاسيلييف، وهو يجلس على الأريكة: "ـ ارتد ملابسك يا ساشا، فالنوم منتهى الغباء. أقترح عليك جولة رائعة". أشعل لوباتين سيجارته، ورمى عود الثقاب في صحن السجائر، وسعل: "ـ إلى أين يا صديقي؟ إلى أين ولماذا؟ الفلسفة مرة أخرى؟ هل كنت تقرأ الرجل المسن؟ أم رسائل فان غوغ؟ آمل أن شيئاً مأساوياً لم يحدث، أليس كذلك؟" "ـ وإن حدث؟..." "ـ ما هذا أيضاً؟ ما معنى "إن"؟". "ـ العاصفة، الريح، الثلج... أما أنت فنائم... فلنذهب ونتسكع في الشوارع، فنصل إلى زاموسكفوريتشيه، وإلى ضفة شليوزوف، وحتى محطة بافيليتسك. الليل رائع، وتفوح من الثلج رائحة السهب والذئاب والظلمة...". شرع لوباتين يهز رأسه، وقد لف الدخان لحيته: "ـ ما معنى هذا؟ لماذا زاموسكفوريتشيه؟ عموماً ـ لا أعارض. نعم، طبعاً، موافق. سأستمتع بالمشي في العاصفة الليلية. ماذا؟ كيف قلت؟ تفوح رائحة السهب والذئاب والظلمة؟ هل هذا في موسكو المتحضرة؟ سيقتلك الخيال والفلسفة يا فولودكا. ياللمتعة. أي واقعي أنت؟"... قال فاسيلييف ساهماً، وهو يدعك السيجارة: "ـ تخيل، كانت تفوح من الثلج في وقت ما رائحة الجَبَسِ يا ساشا. لكن هذا كان منذ زمن. في الطفولة... هل لديك فودكا؟! نحن على الأغلب في حاجة إلى اجتراع كأس من أجل الطريق، هل تمانع؟! "ـأمانع؟Jamais(3). لكنني أظن أنك بالعطالة. أليس كذلك؟"قال لوباتين هذا وخطا على الأرض بقدميه الحافيتين نحو الخزانة. أخرج منها دورق الفودكا المصفرة بسبب من قشور الليمون فيها، وصب قدحين، ثم نظر مقطباً إلى فاسيلييف بعينين ذكيتين خفيفتين: "عكازة الطريق، أم ماذا؟ للمتسولين المتنقلين المساكين. هل الأمر هكذا يا فولوديا؟". "لا، لا يمكن أن يكون الأمر بحكم العطالة، فنفسي لا تطلب الشراب" ـ فكر فاسيلييف بذلك وهو يأخذ القدح جاهداً، كما لو من خلل عائق يعيقه، كي يفهم متى تبدلت حدته واهتمامه السابق بالحياة بقلق خانق متسلل على هيئة نوبات، وممتصاً ألماً غير جسماني في صدره: "حسناً، لم يبدأ هذا اليوم، ولا بعد رحيل الضيوف... لا، بدأ كل شيء قبل بضعة أشهر، في فينيسيا، في أيام تلك الرحلة مع ماريا.....". "ـ عكازة الطريق يا ساشا". فكر فاسيلييف: "ـ لو... في مقدور هذا العقار الشيطاني أن يساعد..." وكان يشعر بخوف من ألم غامض شبيه باليأس، بالتحذير من شيء مميت، مرعب، قد يحدث لـه ولماريا، وكانت أول مرة يشعر بهذا في تلك الرحلة الخريف الماضي. قال لوباتين: وهو ينفث بصخب دخان السيجارة: "ـ أتفهم؟ كيف يبدو لك أن نشرب عشية الصباح، آ؟ وماذا؟ الفودكا المرة؟ وقبل أن نفتح أعيننا؟! لكن هيا، هيا، فلنعبها". وقرع كأسه بكأس فاسيلييف، وهو يحك بإحدى قدميه الحافيتين مؤخرة قدمه الأخرى، وشرب ونخر بصوت عالٍ، وعبر إلى الغرفة الثانية، وهي غرفة النوم، وراح يصر هناك بباب خزانة الثياب، وهو يرتدي ملابسه. صاح من هناك قائلاً: "ـ اسمع يا صديقي فولوديا، لا تستثن أيضاً مخططاً قد يصادفنا، وهو أن نركب عند الركن سيارة أجرة، ونهرع إلى محطة ياروسلافل، فنشتري بطاقتين على أول قطار، ونجلس في قمرة دافئة مع زجاجة لذيذة سآخذها معي و... إلى الشمال العزيز. إلى مكان ما في مدينة ريفية لأيام ثلاثة. إلى الأديرة والكثبان تحت مصاريع النوافذ، وإلى غربان الزرع في الغروب الوردي. آ؟ رائع. أيها الشيخ... تذكّر ما معنى مدينة ريفية روسية شمالية شتاءً. في مقدورنا أن نراها صباحاً بكل بياضها الرائع، ومن غير أية فلسفة موسكوبية: أي حزن وحرية يا صديقي أن نقيم في مكان ما في فندق جرب من ما قبل التاريخ....". صمت فاسيلييف، الذي هدأه، نوعاً ما، لسع قدح الفودكا الممزوجة بقشور الليمون وعشبة مجهولة على ما يبدو، والـهدير المتين، المشدد على الحرف "O"، لصوت لوباتين الغليظ، المستعد من غير أية شكوك، لأن يوافق على أية فكرة من أفكاره، ولو كانت أكثرها جنوناً، وفكر أن الحياة لم تفقد بعد كل مافيها مادام يوجد في هذه الدنيا لوباتين، الذي رأى الكثير وفهمه، والذي يحبه. راح فاسيلييف يناقش نفسه، وهو يمد ساقيه على الأريكة: "نعم، نعم، إنه يحب مكامن ضعفه في مكامن ضعفي، يحب اندفاعه نحو التجول وتحرره التام، لكنني لست حراً، بل على العكس: لا أريد أن أكون حراً بمفهوم لوباتين. إنني أحب ماريا كالسابق، وهذا ليس حرية، وأرغب في هذه اللاحرية أكثر من أية حرية أخرى. حبي لـها؟... ربما ما عدت أحب أحداً، ولم تبق سوى الغيرة الأنانية؟ لكن ما الذي بدأ بيننا؟" هدر لوباتين، وهو يدخل الغرفة ويرتب لحيته فوق كنزته الفظة المحاكة يدوياً: "ـ أحن إلى مدن الشمال الروسية. ليست تلك الراحة، ولا ذاك البلاط، بل سحر لا مثيل لـه... لا يقارن بأي جمال غربي. يكفي هدوء الصباح بالندى المثلج القرمزي، ثم ـ الصقيع والشمس والبياض، الفتحات المدخنة في جليد النهر السميك مع ساونات باقية في بضعة أمكنة، والنساء الروسيات الأجمل بعيونهن الزرق اللطيفة، واللواتي يفقدن المرء عقلـه بحديثهن الجميل وحده... آ؟ أما عند الغروب يا أخي فالـهدوء الساحر، ولا تعكس النوافذ سوى اللون القرمزي، وغربان الزرع تذهب وتجيء أسراباً كاملة فوق الأجراس القديمة. هل تذكر كم كانت رائعة إقامتنا أسبوعاً كاملاً في ضواحي نوفغورود؟ لقد ظلت هناك أيضاً جزر من روسيا القديمة والحمد للـه". قال فاسيلييف : " ـ لا أريد الذهاب إلى أي مكان يا ساشا". لقد تذكر رحلته إلى منطقة نوفغورود قبل عامين، تلك الرحلة المفاجئة، والشتوية والليلية أيضاً، التي ولدت فكرة الانطلاق فيها في "أراغفي"(4)، حين كانوا يحتفلون بجائزة فاسيلييف الثانية. كانت رحلة قسرية، ولم تنجم عن عقول صاحية، وكانت كالـهرب من بهرجة موسكو المتعبة والتوتر الاحتفالي، المرتبط بالاتصالات الـهاتفية وبرقيات التهنئة والرسائل، وتعريج لا ينتهي على المرسم من قبل مجموعات كاملة من الرسامين بنيّة لا شك فيها، وهي تهنئته وشرب نخبه. حينئذٍ ظهر أمل الخلاص بالرحيل إلى الـهدوء، وزقزقة الثلج، وهواء الصقيع النظيف الفائح برائحة كل ما هو قديم، والأشجار المغطاة بالجليد، والسكون العذب ومتانة الحجر الأبيض. كان هروباً قسرياً من جنون معربد إلى الشتاء الروسي العزيز. فكر فاسيلييف مقطباً: "الـهروب، الـهروب. أهرب طوال الوقت إلى مكان ما. إلى أين؟ وها أنا آت الآن من غير تكليف إلى ألكسندر، وأنا عارف أنه سيغفر لي كل شيء. كدرته وكدرت نفسي....". سألـه لوباتين جاداً: "ـ هل علي يا فولوديا أن آخذ حقيبة تحسباً للظروف؟" وجذب من خلف عرمة الكتب نصف حقيبة سفر رثة، نصف حقيبة يد، وأراها لفاسيلييف : "ـ إنها ذاتها التي سافرنا بها. بياضات وخمر وفرشاتا أسنان، وآلة حلاقة..... ونشتري ما تبقى في المكان ذاته". قال فاسيلييف فجاءة بصوت أجش: "ـ لا أريد الذهاب إلى أي مكان يا ساشا. حتى إلى زاموسكفوريتشيه. لا أريد الذهاب يا ساشا...". وارتمى على الأريكة مع تعبير عن إرهاق لا حد لـه، شبيه بالغياب عن الوعي تقريباً. أما لوباتين فزعق على نحو مسموم، وهو ينفض كتفيه: "ـ هكذا إذن. كيف "لا أريد الذهاب"؟ لا تريد إطلاقاً؟"... ـ وقهقه ملء شدقيه: "ـ لأي سبب أجبرتني على أن أرتدي كساء المسير؟ سبعة أيام جمعة في الأسبوع(5) لديك أيها الموسوس السخيف". قال فاسيلييف مغمضاً عينيه: "ـ أريد أن أبقى عندك بعض الشيء الآن. اشتقت إليك. لم نلتق منذ زمن. إنني متعب جداً". رمى لوباتين نصف حقيبة السفر في الزاوية من غير أن يقول كلمة واحدة، وجلس مصدراً أنيناً غير واضح على رزمة صحف مربوطة بحبل، وقال أخيراً: "ـ لم أرك، كما أظن، منذ شهر ونصف الشهر تقريباً، أليس كذلك؟ كيف تعيش في الفترة الأخيرة يافولودينكا؟" رد فاسيلييف : "ـ الحمد اللـه ولا سمح اللـه". ثم فتح عينيه وضحك وسحب سيجارة من العلبة على الطاولة:" ـ "دوكات" لقد دخنتها في أيام الدراسة. رخيصة وشريرة. ليست سجائر بل مقتلعات حناجر". "ـ ألم تعمل يا فولوديا؟".. "ـ لا". "ـ لماذا؟".. "ـ لا تراودني الرغبة يا ساشا. منذ زمن. طليت بضعة أعمال، لكنها ليست كما ينبغي". "ـ لا أشعر بالدهشة تجاه هذا الأمر، ولا أرمي القلنسوة في الـهواء. لا ترغب، وتشعر بالكسل أم الشرارة غير موجودة؟"... "ـ هذا وذاك يا ساشا، لا بل وثالثاً أيضاً.... لا أريد التحدث عن هذا. الأفضل أن ندخن ما لديك من مقتلعات الحناجر....". " ـ حسناً، سأصمت. الأفضل لنا أن ندخن، مادمت لا تريد أن تشرب. وكيف الحال في المنزل؟"... " ـ الحمد للـه...". أكمل لوباتين بلـهجة ساخرة: "ـ ولا سمح اللـه". ثم سأل بصرامة، وكأنه يقطع الحديث غير الإجباري، الذي لا يتطلب أي إجهاد فكري من كليهما: "ـ يمكنك، طبعاً، أن تشتمني يا فولوديا بأقذع الشتائم، لكن أجبني على سؤال واحد: هل أنت مريض؟لا؟". قال فاسيلييف، وهو يمسح جبينه ووجهه مقطب: "ـ لست مريضاً. مع أن أي أحد لا يعرف من المريض: هل هو نفسه أم ذاك الذي يعتبره مريضاً. إليك مثالاً: من وجهة نظر عاملة المصعد لديكم أنت، طبعاً، مجنون وشخص غير طبيعي، لحيته لحية قاطع طريق، ويسير في المنزل حافياً، حتى لشراء الصحف، يدخن سجائر كريهة الرائحة، وهو إضافة إلى ذلك بطال وطفيلي، لا يذهب إلى العمل كل صباح. كيف؟ هل ستقول هذا ليس دقيقاً؟ آ، لم تعد لديك الرغبة...". لم يشعل السيجارة وأعادها إلى العلبة و، على الرغم من أنه بدا مستعداً لأن يبتسم مرحاً، فإنه لم يبتسم، بل تمطى على نحو مريح أكثر، عابساً قليلاً، وصالب يديه على صدره، وبدا وكأنه يرغب في أن يغفو هنا، على هذه الأريكة المريحة في ضوء مصباح المنضدة الأخضر، وسط فوضى الكتب اللطيفة، وفي مرسم لوباتين تحت وقع ضربات العاصفة الطائرة والصاخبة على النافذة. شد لوباتين لحيته بخفة، وراح يشعثها، وقد برزت من مجاهلـها السيجارة المشتعلة. نظر برقة يشوبها القلق إلى فاسيلييف وكأنه لايلومه، ولو قليلاً، على عدم التماسك المنطقي في حديثه، لكنه بدا عازماً على أن يفهم حتى النهاية ما الذي يريده، وما الذي يمكن أن يبدر منه في اللحظة التالية، وشعر فاسيلييف بهذه المراقبة على نحو لايخلو من الاهتياج، فشوهت وجهه تجعيدة قرب شفتيه. تكلم فاسيلييف ببطء: "ـ أجبني ياساشا. هل تعرف الشعور بالغيرة؟ أليس خطأ في تسلسل الأحداث، آ؟ أليس سؤالاً غبيا؟".. أجاب لوباتين متهكماً، وهو ينفخ دخان السيجارة على قبة مصباح المنضدة الخضراء: "ـ الشعور الذي سميته معروف للجميع. إنها، أي الغيرة، لا تعرف جنساً ولا سناً، لكنها تدفع غالباً قسماً من الناس، بعد أن تستحوذ عليهم، إلى انتقام غاضب وانفعال جنوني، انظر إلى عطيل ومئات القضايا الجنائية حول قتل الزوجات والأزواج، وتدفع القسم الآخر إلى ألم في الأسنان واكتئاب وحال من التعذيب اللا إنساني، وهو أسوأ من أي تعذيب، إذ لا نهاية لـه. ما سبب سؤالك يا فلوديا؟" كرر فاسيلييف، وراح يتمعن في وجه لوباتين بعد أن نهض على مرفقه: "ـ أسألك ـ هل عرفتها؟ أنت تحديداً؟ لقد كنت متزوجاً من امرأة جميلة في نهاية الأمر". "ـ أول الأمر لم أشعر بالغيرة على زوجتي السابقة إطلاقاً، إلى أن صارت تقضي الليالي عند من يسمين صديقاتها... هنا عرفت معاناة الغيور، وهنا أيضاً صرت مستعداً لأن أقتل أولئك الصديقات كلـهن، وأقتل نفسي. كنت أخور عاجزاً، مثل ليث مسن، وأهرع بحثاً عنها في أرجاء المدينة.... كان زمناً جنونياً. لكنها كانت امرأة خاصة. كانت يلينا ببساطة عاهرة حقيقية لطيفة. أنا الآن حر يا صديقي، أتفهم؟ حرمن النساء والحب، وهذا معناه من الغيرة أيضاً. لقد أعاقني الزواج يا فولوديا مثل.... قيود ثقيلة، مثل كرات أثقال على القدمين. علينا الافتراض أنني لم أخلق من أجل الأحاسيس الأسروية المفرطة، كانت أشغالاً شاقة: النزوات والتأنيبات وواجبات الزوج، لم تفعل كما يجب، ولم تشتر ما يجب، لقد شربت قدحاً زيادة، ملأت الشقة كلـها دخاناً، وما شابه ذلك من وسائل راحة تربوية و تفاصيل معيشية". قال فاسيلييف بصوت منخفض جداً، وهو يسمع لوباتين ولا يسمعه إطلاقاً في الوقت نفسه: "ـ الأرجح أنني أغار عليها..". وبعد أن وضع يديه وراء رأسه تابع كلامه بصوت هادئ على نحو غير طبيعي:"ـ هذا هو العذاب البطيء يا ساشا.....". "ـ ألا تبالغ؟" أنَّ لوبين أو زأر دهشةً، لكنه، وهو يكبت بسعالـه هذه الأصوات المبهمة، سألـه بصوتٍ مدوٍ: "ـ منذ زمن؟"... "ـ ماذا منذ زمن؟"... "ـ بداية عذابك؟ متى شعرت... بهذه الأعراض؟"... "ـ تسألني وكأنك طبيب". "ـ كصديق لك". "ـ شعرت بها في فينيسيا. لماذا في فينيسيا ـ لا أستطيع الشرح. عموماً حدث الكثير هناك يا ساشا. لي، ولـها. لا لم يحدث شيء. كل الأمور على حالـها، لكنْ ثمة شيء ما قد حدث". "ـ في مقدورك أن لا تسمعني، أنا الأحمق الغبي، لكن فهمك صعب يا فولوديا". "ـ أو تحسب أنني أفهم كل شيء؟" (1) مكنسة من أغصان البتولا يضربون بها ظهورهم في الحمامات (المعرب). (2) ساشا هو تصغير لاسم ألكسندر (المعرب). (3) "أبداً" (بالفرنسية.) (4) مطعم في موسكو. (5) مثل روسي يقال للمترددين والذين يغيرون رأيهم بسهولة. (المعرب),. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |