|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع اشترى فاسيلييف في البار الليلي الـهادئ والفارغ علبتي "سالم"، وهي سجائر خفيفة بالنعناع، تعجب ماريا، ثم، وكما كان يفعل دائماً حين لم يكن يعرف لغة أهل المكان، أشار بعينيه لعامل البار بثقة كبيرة بالنفس نحو غابة من الزجاجات وسط فوضى المرايا، وقال لـه بلغة نصف إنكليزية ونصف ألمانية، مفهومةٍ في مطاعم العالم كلـها: "ـ جين أوند تونيك، بليز، بيتي زير".(1) حيا عامل البار ذو الوجه السمين، والمرتدي سترة قرمزية فاقعة، وهو يتلاعب بمهارة بالزجاجات وقطع الجليد والكؤوس، معشياً الأبصارَ ببريق أسنانه البيضاء كالثلج وسواد عينيه الصقلي وبريق الدبوس الضخم على ربطة عنقه، فاسيلييفَ بفرحٍ وكأنه واحد من معارفه القدماء المبجلين، على الرغم من أنه يراه أول مرة، ورد بكل سرور عليه ظاناً إياه ألمانياً: "ـ Ein moment . Danke, Vielen dank.ـ".(2) جلس إلى اليمين من منضدة البار شاب وفتاة هيئتهما معاصرة تماماً، إذ كان شعر رأسيهما طويلاً ويرتديان كنزتين فظتين. أمسكت الفتاة بأصابعها الدقيقة سيجارة، وراحت تحتسي الشراب من الكأس ناعسة، وتنظر إلى ما أمامها نظرة زجاجية شفافة، ثانيةً بابتسامتها حافةَ فمها الطفولي المنتفخ. أما هو فكان يهمس لـها بشيء ما في أذنها ضاماً إياها من كتفيها، ويقبل خدها ورقبتها وشفتيها فيما ظلت تثني زاويتي فمها بابتسامتها من غير إحساس، غارقةً، كما بدا، في حال من اللاحركة ونسيان الذات الناجمة عن المخدر. راح بالقرب منهما مسنان أمريكيان يشربان الكوكتيل، وبدا أنهما زوجان. كان الرجل نحيلاً وحليقاً حتى لمع جلده، وبدا متصابياً على نحو ملحوظ في لباسه الرياضي ذي التربيعات، وراح يتفحص بعينيه الحادتين على نحو لا يوحي بكبر سنه البار والشاب والفتاة وفاسيلييف الواقف عندالمنضدة، ويُسِرُّ في الوقت نفسه، وبصوت غيرعالٍ بشيء ما لرفيقته وكأنه يدحرج في فمه كريات سيليولويدية من جانب إلى آخر، أما هي، المتصابية أيضاً، والمتوردة فكانت ضخمة الجسد، وتعتمر قبعة مغناج بما فيه الكفاية (اشترتها على الأرجح في أثناء إحدى رحلاتها إلى باريس، ثماني ساعات على "البوينغ"، مطار كينيدي، نيويورك ـ مطار أورلي)، وتحتسي بالماصة سائلاً بنفسجياً، وتضحك بصوت غليظ كاشفة عن أسنانها الخزفية المحدبة الرائعة. رأى فاسيلييف أن فضولـهما وفرحهما غير الخجول بالحياة مبرران جيداً برحلتهما المفرحة في أوروبا الغربية، حيث لا يقل فيها متعة عن أمريكا إنفاق النقود والتمتع بالراحة والخدمة، و تغيير الأماكن والشهية الطيبة والمتاحف الأوروبية. إلى اليسار من فاسيلييف تقوس وحيداً فوق كأس من الويسكي رجل سمين يوحي مظهره بحب العزلة، وراح ينخر نخيراً ثقيلاً غارقاً في تركيز متجهم ومعلقاً ناظريه على آلة القهوة، التي نشرت رائحة استوائية دافئة. تدلت رقبته الوردية كطية فوق ياقة سترته، وبدا ظهره المدور كالوسادة، فكان أشبه بمصارع سابق أو رباع جنى نقوداً كثيرة، وهو يجوب العالم الآن بغير هدف. تلونت يداه المكسوتان بالشعر بضوء الخواتم الأزرق، وقادت أصابعه إلى التفكير بالولع بلعب الورق وبمقامرة كبيرة وبالإثارة. هذه هي عادة فاسيلييف ـ تَرقُبُ الناس بالتفصيل، وأحياناً على نحو مكشوف تماماً، واضعاً الملحوظات الضرورية في ذاكرته. لكنه مهتم الآن بأمر آخر. خُيل لـه أن إيليا، في أثناء اقتفائه أثرهما من روما توقف هنا، في الفندق نفسه، وأغلب الظن أن الالتقاء به ممكن إما في المطعم وإما في البار. كان المطعم الذي مر قربه فارغاً تماماً، وقد أضاء نور المصباحين الجداريين المخفف على نحو نعس على جانبي الباب الزجاجي. وحده البار الذي في البهو كان مناراً كلـه بنور دخاني أحمر، وترددت منه موسيقى منخفضة، سبحت مهدئة من هذا اللـهب، فجلس فاسيلييف إلى المنضدة متلفتاً حولـه. لا، لم يكن في البار ذلك الرجل الذي في مقدوره أن يعرفه فوراً ويسميه إيليا، الذي انحفرت هيئته في وعيه منذ الطفولة. راح يشرب بين مجات السيجارة الجن مع التونيك المنعش ببرودته الجليدية (مست قطعة الجليد الملساء أسنانه). طلب كأساً مزدوجاً وراح يتفحص من جديد زوار البار غير الكثر، من غير أن يفهم لماذا يريد في هذه اللحظة أن يرى إيليا، مدفوعاً بإحساس من اللاوعي. لكن هذا الإحساس حذره فجاءة من الخطر، وبدأ العقل يوحي لـه بهدوء بموقف متماسك جدير برجل زادت التجربة من ذكائه. فكر فاسيلييف شاعراً بالاحتقار تجاه نفسه: "هل معنى هذا أنني أخاف لقاءه؟... مم أخاف؟... من إيليا؟ عواقب الحديث معه؟ لا، أنا مجبر على أن أراه بين الأحياء، أنا مجبر على أن أرى صديقي القديم، الذي أكلت وإياه في المدرسة وفي الحرب ثلاثة بودات من الملح.... أيعقل أن إيليا حي فعلاً؟.... لا أتخيل أنني سأراه....". "ـ Noch ein double?ـ ".(3) سمع صوت عامل البار البشوش، الذي فاه بهذه الكلمات المفهومة في التعامل الدولي، ورآه كيف راح يحرف نظره مرحاً، وهو يخلط الكوكتيل، نحو الزوجين الأمريكيين المسنين، اللذين أحنيا رأسيهما بجدية فوق صحيفة "كورريري ديللا سيرا". حديثة الصدور، الملقاة على منضدة البار، ثم نظرا باهتمام باتجاه المصارع السابق السمين، ذي الـهيئة الموحية بحب العزلة. أجاب فاسيلييف بخليط إيطالي ألماني ابتكره هو: "ـ غراتسيه، نوخ أين دوبل بييتي".(4). وسعى إلى أن يحزر سبب حيوية عامل البار المرحة، فتأكد في الحال أن اهتمام الزوجين الأمريكيين لم يكن منصباً على الرجل السمين بل عليه، وأن عامل البار مشارك في هذه اللعبة كوسيط بين الأمريكيين وفاسيلييف. سحب عامل البار الرشيق الصحيفة بحذر من الأمريكيين (- Excuse me , very sorry)(5) وهو يبتسم ابتسامة اعتذار باهرة، وقربها حذرا أيضاً من فاسيلييف، معبراً بوجهه السمين المتحرك عن انبهار فرح، ثم نطق وهو مليء بدهشة الاحترام "ـ أوه، فيري غود. بون. كا ـ را ـ شو"، ورأى فاسيلييف في أعلى القسم المطوي من الصحيفة صورته، التي وقف فيها نصف ملتفت نحو لوحاته المعروضة في الصالون في روما، ثم تذكر أنه أجرى صباح أمس في الفندق، بمساعدة ماريا، مقابلة صحفية مع حسناء حمراء الشعر، طولـها دونكيشوتي، عارية الساقين، وقد وضعت من المساحيق على وجهها ما فاق الحد، وراحت تخط رموزاً سرية مختزلة في مفكرتها، وفكر أن "كورريرى ديللا سيرا" نشرت مقابلة أمس، وأن عامل البار أو الأمريكيين قد عرفاه على الرغم، طبعاً، من أن احتمال مصادفة فنان روسي، وهوجالس أيضاً في بار ليلي، قليل جداً. تحدث عامل البار بصوت مستميل وهو يجزئ كلامه: "ـ سينيور فاسـ ـ سيل ـ ييف؟"، ثم قال جملة طويلة تلخص الـهدف منها، كما بدا، في شكر فاسيلييف، لأن هذا الأخير لم يفهم منها سوى كلمة واحدة "غراتسيا". فكر فاسيلييف : "أعوذ باللـه من الغرور الأجنبي". هازئاً من أنفته، وتصور فزِعاً أي حديث متعب وطويل من غير معرفة اللغة قد يبدأوه معه، لذلك، حين رأى فضول الزوجين الأمريكيين المتصابيين ونظراتهما، التي تعني استعدادهما للتعرف عليه، واللذين كان في نيتهما، كما بدا، أن يجلسا بغير إبطاء قربه، تمتم قائلاً: "ـ غراتسيا، غراتسيا". وأسرع في دفع ما عليه متظاهراً بأن عامل البار والأمريكيين قد أخطأوا. لم تكن حالـه على ما يرام نوعاً ما، لأن الصحيفة التي نشرت المقابلة معه ظهرت الآن تحديداً وفي هذا المكان، وقد عرفوه، وهذا غالباً ما لا يحدث، فهو قد درس جيداً عدم دقة ملاحظة الناس ـ لم ترحه، ولم تهدئه تطابقات المصادفات في براهين الشهرة الكاذبة، بل أتعبت بزيفها اهتمامه الاضطراري. توقف فاسيلييف في أثناء صعوده إلى غرفته في الطبقة الثانية عند منعطف السلم فجاءة، وفكر وهو يصر بأسنانه: "لن أسامح نفسي أبداً إذا لم أره... لن أسامحها أبداً....". ألقى المصباح الليلي نوراً ضارباً إلى الحمرة في الغرفة، لكن ما إن دخل فاسيلييف حتى ومض عند رأس السرير، الذي لم يعد مرتباً، شعاع ضيق في غطاء ليموني، منيراً على الوسادة وجه ماريا، الذي بدا شرقياً رقيقاً كوجه بنت صغيرة، ومصفراً تحت المنشفة الملونة الموبرة، التي لفت بها كالعمامة شعرها المبلل. قالت: "-لا أستطيع أن أغفو ـ حتى الديميدرول لا يساعدني". قال وهو يرمي علبتي "السالم" على المنضدة: "ـ السجائر". واقترب من الفراش ملتقياً بنظرة ماريا، وشاعراً برقة لا تقاوم تجاهها، تجاه شحوبها المرضي، و دقة وجهها، ومستعداً لأن يطلب السماح منها من غير أن يعرف على ماذا، وشاعراً بألم يحرقه: لقد جرته وجذبته هذه المرأة الوحيدة، التي لم يكتشفها حتى النهاية خلل حياتهما المشتركة كلـها، ولم يفارقه أو يتخلى عنه أعواماً كثيرة الظمأ غير المروي. انحنى ومس زاوية فمها بضغط خفيف من شفتيه. "ـ ماشا....". قالت بصوت شاك: "ـ أنا متعبة جداً. "أما هو، فتلقف، غارقاً في عينيها، بريقاً متعدد الألوان لألم صامت ما: "ـ أشفق عليَّ يا فولوديا، لا تلمسني...". (1) جن مع تونيك من فضلك (بالألمانية). (2) لحظة واحدة . أشكرك جزيل الشكر. (بالألمانية). (3) كأس مزدوج آخر؟ (بالألمانية). (4) شكراً، كأس مزدوج آخر من فضلك (بالألمانية). (5) أرجو المعذرة، آسف جداً. (بالإنكليزية). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |