|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس ليلاً، غنى أحدهم ثملاً في القناة، ثم اشتغل محرك على نحو أصم في مكان غير بعيد، وتردد صوت ارتطام موجة متأخرة، وهدأ كل شيء. أرهف سمعه، وهو مستلق على ظهره، وراح يستمع لكل صوت، ولأنفاس ماريا، مجبراً نفسه على أن لا يغير وضعه كي لا يوقظها، ومرت في وعيه أصوات إنسانية متواصلة كما لو أن شريطاً مسجلاً لليوم المنصرم قد بدأ يدور. ثم زحفت خارجة من العتمة كالأساريع أحرف صحيفة ضخمة، اجتمعت على نحو لجوج في كلمات غير معروفة، مثل هرم ما يجب أن يرمز للخطر أو التحذير، لكن أي تحذير وأي خطر. هذا ما كان يصعب تبينه أو قراءته. أتعبه هذا، وجعل العرق الحار يبللـه: "إيليا، إيليا، أهو حي؟...". أراد، وهو نصف واع، أن يتخيل كيف سينزل إلى المطعم في الأسفل حين سيأتي الصباح، وكيف سينهض هناك باندفاع من وراء المنضدة في الركن ذلك الإيليا السابق، بعينيه السوداوين الوقحتين، اللتين يمكن معرفتهما على الأرجح من بين آلاف الناس. ذلك الإيليا المزهو بنفسه زهواً فائقاً، والحازم، الذي اختفى عام ثلاثة وأربعين من غير أثر في أوكرايينيا بعد المعركة الليلية.... ماذا سيقول واحدهما للآخر؟... بم سيشعران؟... حلم قبل الصباح كما لو أنه وحده في منزل ريفي فارغ، يخترقه ضوء قمري جنائزي، وقد أيقظه في وقت متأخر من الليل نباح كلب يَشرُق قرب جدار الغرفة، حيث كان ينام، ثم انقبض قلبه رعباً حين انقطع هذا النباح كما لو أُخمد ـ وساد صمت شبيه بصمت ما قبل القتل. في هذا الحزن القمري، الذي لف المنزل بشبكة عنكبوتية كئيبة، سمع كيف قرقع الزجاج ورن، وكيف تشقق الإطار تحت تأثير قوة خارقة، وبدأ شخص مربع يقترب بخطوات ثقيلة من باب مرسمه. كان الصمت مطبقاً على العالم كلـه، وكان ثمة شيء مضن في انعدام الرجاء العالمي هذا، جعلـه يختنق في وحدته مودعاً حياته غير الموفقة، التي اعتبرها أصدقاؤه خالية من الغيوم وناجحة وسعيدة... ثم تكلم أحدهم في الغبش القمري بصوت ماريا داعياً إياه لأن يشفق على نفسه وعليها وعلى أسرته، لكنه شعر بالخجل من طلب الغفران بصوت مسموع، بينما كان الرعب يمزق قلبه، وفيما كان يختنق، اقتحم بوعيه مكاناً ما، وفهم أن نباح الكلب المقتول، والصمت، وخوف الانتظار ماهي إلا أحلام، وأنه ليس في منزل ريفي في ضواحي موسكو بل بعيد جداً عنها، في فندق غريب، وأن عليه أن يستفيق نهائياً.... فكر بوضوح: "نعم، أنا في فينيسيا". وتطاول بحذر، كي لا يوقظ ماريا، لينظر إلى الساعة على الخزانة الصغيرة، لكنه لم يتبين العقارب في الظلمة، فاستلقى مرة أخرى وأغمض عينيه. في تلك اللحظة نبح من وراء النافذة، التي اخترقها ضوء القمر، كلب ثم انقطع نباحه على نحو مقلق، إما لأن أحدهم قتلـه أو خنقه، حتى أن فاسيلييف أنَّ وهو غاط من جديد في حركة الحلم المتكرر الدائرية ـ كان يعرف أن تكرار الأحلام المنهك هذا في فترات فرط الإجهاد العصبي هو دليل على اعتلالـه. استحم، وحلق ذقنه، ودخن سيجارة على الريق، ونزل إلى المطعم في الثامنة صباحاً، شاعراً بالتعب الذي لم يرحل عن جسمه كلـه. بدا المطعم رحباً كما يحدث في الأوقات المبكرة، وكانت الستائر مزاحة، فلمعت شمس الصباح المنخفضة، طاردة الضباب من خلف النوافذ، بتيار مائل على المفارش المشدودة، وعلى أبراج المناديل البيضاء المنشأة، وعلى السجادات الحمر في الممرات. أما الشرفة الكبيرة خلف الباب الزجاجي المفتوح فكانت طلقة، مشمسة على نحو خاص، مستقبلة النور من ثلاث جهات. "أيعقل أنه هناك؟".. بداية، لم ير فاسيلييف بوضوح، بل تخيل إيليا الذي ينتظره هناك، وقد لحظ من بعيد الزبون الوحيد على الشرفة وراء آخر منضدة، حيث كانت تسهل مراقبة الداخلين إلى المطعم. لا، لم يجلس وراء المنضدة التي في الركن كما تخيل ليلاً، بل قرب جدار الشرفة الزجاجي العالي، وراح ينظر، مديراً رأسه، إلى فاسيلييف خلل فضاء المطعم كلـه، أما هذ الأخير فقد سار باتجاهه وهو يسمع على نحو سيئ رئيس الندل الإيطالي السمين والمتورد، الذي ظهر من الجانب وراح يسألـه عن شيء ما بلطف ودود وموقر. تمتم فاسيلييف آلياً: " Ja, ja, danke, Schon.ـ ".(1) من غير أن يسمع كلماته، ومن غير أن يضمنها أي معنى، لأن الرجل، الذي عرف فيه في لا وعيه إيليا، راح ينهض ببطء من وراء المنضدة داعكاً سيجارته في صحن السجائر، ولم يكن إيليا، لم يكن الملازم إيليا رامزين، بل شخصاً آخر، فارع القامة، أشيب، حليقاً بعناية، يرتدي بزة رمادية ضيقة التفصيل ومزررة بزر واحد كما تقتضي الموضة، كان رجلاً أجنبياً خالصاً لا يعرفه فاسيلييف ولم يلتقِ به في حياته أبداً. لكن، ومع ذلك، كان هذا الأجنبي هو إيليا بسواد عينيه المضيقتين الخطر والثاقب كالسابق على وجهه البني الملوح بالشمس على الأرجح، غير أنه لم يكن ذلك الإيليا القريب منذ الطفولة، بل شخصاً ثانياً، عاش في البعيد المجهول حياة كاملة غير مفهومة كما لو أنها على كوكب آخر. نطق فاسيلييف : "ـ مرحباً يا إيليا". ومد يده متوتراً، من غير أن يحيد بنظره عن عيني إيليا الإسبانيتين، اللتين تشبثتا بوجهه، وقد برقت في رأسه فكرة عن التحفظ المنافي للطبيعة في لقائهما هذا، الذي بدا أنه سيجعل مصيرهما سعيداً أو يهلكهما من التصرفات الأولى والكلمات الأولى. رد إيليا بصوت منخفض: "ـ مرحباً يا فلاديمير.". وشد على يده بمصافحة طويلة جداً ومتينة على نحو متقطع، كما لو أنه يعبر بذلك عن حاجته الشديدة إلى هذا اللقاء، ثم أضاف بلباقة مسكوكة ومبالغ فيها: "ـ شكراً، يبدو أن اللقاء بي ليس سهلاً عليك... شكراً". كان فاسيلييف يتذكر صوته جيداً، لكنه لم يتعرف عليه تقريباً، إذ أنه فقد نبراته الطبيعية السابقة الـهازئة أو الآمرة، والذي لفظ الآن به جملاً قاسية وواضحة وصحيحة مثل الكثيرين من الروس الذين عاشوا طويلاً في الخارج ـ ليست هيئة إيليا الخارجية المتغيرة، هذا الإيليا الأشيب، الأجنبي المتأنق بعض الشيء بلباسه المحاك بغير عيوب، ولا أظافره نصف الدائرية المعتنى بها، ولا أصابعه الناعمة، بل سكُّ كل كلمة ـ تحتها خوف سري من عدم صحة اللفظ، هو الذي جرح فاسيلييف تحديداً، وصار يشعر فجاءة بالرعب من التفكير بالأعوام المنصرمة التي فرقتهما. فكر فاسيلييف وهو يرتجف من الإحساس بالزمن، ومن تقلبه القاسي، الذي لا يرحم البتة أي شيء: "كيف أبدو لـه؟"... ثم قال بنصف صوته: "ـ حسناً، لنجلس، فالوقوف ليس مريحاً كما أرى. لن نفطر الآن على الأرجح، لننتظر ماريا". شرع إيليا يتحدث بصوته الواضح المسكوك حين جلسا، وقرَّبَ من فاسيلييف السجائر: "ـ ليس عليَّ أن أسألك إن كنت مندهشاً، فأنت لم تتوقع الالتقاء بي في أية حال من الأحوال. هراء، أليس كذلك؟... لقد دفنني وطني العظيم منذ زمن، وفاقاً للرتبة العسكرية، أو، الأدق، وفاقاً لرتبتي كضابط... لكنني حي. أمر خيالي، أليس كذلك؟"... ابتسم قسرياً مبيناً أسنانه المتراصة الجيدة، التي ربما كانت حقيقية أو صناعية. لم يكفِ الوقت فاسيلييف ليتذكر بوضوح كيف ابتسم إيليا الشاب منذ أعوام كثيرة، لكن، وكأن شيئاً ما سابقاً، معروفاً لـه، لاح في بياض أسنانه. تمتم فاسيلييف: "ـ قل لي يا إيليا". وراح يتمعن بهدوء في وجهه البني المحلوق بحذلقة، فأدهشته هذه النعومة الغريبة الدالة على رجل كثير الاهتمام بمظهره، ثم كرر بحزم، منصاعاً لنفاد صبرٍ عارم: "ـ قل يا إيليا كيف حدث كل شيء؟ نعم، أنت محق، فاللقاء معك أمر غير متوقع لي إطلاقاً. عموماً، لم أصدق حتى النهاية. لا.... لم أصدق حتى رأيتك....". سألـه إيليا وكأن ظل ابتسامته الوقحة السابقة لاح مرة أخرى في بياض أسنانه: "ـ هل صدقت؟... ألا يمكن أن يكون شبيه إيليا رامزين جالساً الآن أمامك؟... جالساً تحت قناع إيليا الحقيقي ليغرر بزميل الدراسة السابق الفنان السوفييتي.... ليغرر به على نحو غادر ويجره إلى شبكة عنكبوتية؟ ليغرر به ويعرض عليه جنيهات وفرنكات وكأس الدرر. ألم تسمع بهذه الأغنية البذيئة؟"... "ـ لا..". قال إيليا، ساكاً الكلمات، ومفرطاً من جديد في التأكيد على صحة لفظه ومواضع التشديد التي لم ينسها: "ـ أما أنا فتشرفت بسماع أحد المغنين الخارجين من روسيا. حسناً، أنا بحاجة إلى هذه الشبكات وإلى أية قذارة سياسية مثلما تحتاج، أرجو المعذرة، كلبة لوكسمبورغية سلوقية إلى حبوب منع الحمل. أرغب يا فلاديمير في أن تعلم أولاً أنني لا أطيق السياسة، لذلك لم أتبع أحداً... هل تتذكر ـ كانت في الحرب أرض ليست لأحد؟... هل تتذكر الشريط المحايد؟... لـهذا لا يمكنك الآن، وبأي كعك، أن تغريني بالذهاب إلى أي مكان ـ لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. أنا فطيرة خارج السياسة، هربت من الجدة وهربت من الجد(2). اللـه غير موجود لا هنا ولا هناك...". وشتم بفظاظة، غير أنه خفف بابتسامته الساخرة من جملته البذيئة التي فاه بها بلكنة غير روسية، إذ أضاف: "ـ ما آسف لـه أحياناً من كل قلبي هو أن الشتائم الروسية البذيئة، التي استخدمناها على نحو ممتاز في الحرب، لا تتردد هنا في الغرب المتعفن كما يكتبون عنه في روسيا. لا أحد يفهمها.... لكنني أتحدث عن أمر آخر، اللـه ههنا..."تابع إيليا حديثه وقرع صدره بإصبعه:"ـ وإلى هنا، إذا تحدثنا بالألمانية، شترينك فيربوتين... أما بالروسية فممنوع الدخول. يمكنني أن أخمن ماذا تفكر عني. لكن المفارقة تكمن في أنني لم أنسَ، وأذكر موسكو والفناء والحرب.... وأذكرك مذ كنت في الثانية عشرة تقريباً، إذن، يا فلاديمير، لقد مررت في حياتي بأنواع الخداع جميعها، لذلك قل لي أولاً الحقيقة: "هل أمي حية؟"... سأل سؤالـه هذا، ونظر مستفهماً إلى فاسيلييف غير المهيأ، كما اتضح، لأن يصدقه، لكن بدا على إيليا كم كان راغباً في أن يسأل هذا السؤال، الذي وجهه لماريا في روما على الأرجح، وكم انتظر الآن بشغف مفضوح الجواب الذي يعني لـه الكثير... أجاب فاسيلييف على نحو سوي:"ـ قابلت رايسا ميخائيلوفنا منذ عام. لم تعد تعمل في المكتبة، تقاعدت. لقد انتقل الجميع تقريباً من بنائنا إلى أحياء جديدة، بقيت هي والمسنان تسيغانكوف. هل تذكر عائلة الحذائين هذه؟"... تمتم إيليا بصوت أجش نوعاً ما، وفرقع بقوة بقداحته، ثم قرب النار من السيجارة فالتهبت النقطة المعدنية في حدقتيه: "ـ أذكر، لكن على نحو سيئ. كيف هي..... معذبتي العزيزة؟... لقد تخطت السبعين... كانت أصغر من والدي بخمس سنوات. إذا كنت مذنباً وخاطئاً أمام أحد فأمام والدتي القديسة". شرع يتحدث عن نفسه بقسوة فجاءة: "ـ أحبت الكتب أكثر من كل شيء. أمثالـها في هذه الدنيا قلة. لو كان في مقدوري يا فولوديا أن أريها المكتبة التي جمعتها في الأعوام الأخيرة. لولا الكتب لمت منذ زمن... بأي معاش تقاعدي تعيش؟ بخمسين روبلاً؟.. كم تبلغ الصدقة التي يعطونها لأمي المسكينة في شيخوختها؟"... قال فاسيلييف وقد بدأ يعاني من الكدر من أسئلة إيليا الشائكة: "ـ كما أذكر فإن رايسا ميخائيلوفنا تتقاضى ثمانين روبلاً. لكنك تعلم، ففي نهاية الأمر ارتبطت أحوالـها الجيدة بك... بـ.... بمصيرك بعد الحرب. لقد كنت ابنها الوحيد، وكما هو معروف....". "ـ و؟ وكدت أحرم أمي من معاشها التقاعدي السوفييتي الضخم المقدر بثمانين روبلاً؟"... "ـ كيف؟ لم أفهم سخريتك يا إيليا". "ـ لقد قتلت أو فقدت من غير أثر. واضح أنهم سجلوني هكذا في تقاريرهم عن الخسائر، لكن لم يعرف أحد أنني كنتُ في هذا الوقت ألتهم اللفت النيء في الأسر. حتى أنت، مع أننا كنا معاً حتى آخر معركة. "الملازم رامزين قائد الفصيلة النارية لم يعد من المعركة". هكذا كتبتم في التقرير؟"... "ـ هكذا". "ـ أما أنا فاستسلمت للألمان"... "ـ استسلمت؟ تريد أن تقول: ساقوك إلى الأسر. أليس كذلك؟". "ـ عزيزي فولوديا. لقد انحنيت دوماً أمام نظافتك وضميرك... منذ الطفولة....". "ـ أرجوك يا إيليا من غير هذا الأسلوب الرواقي. كرمى لأي شيطان.....". "ـ فولوديا، يا صديق طفولتي السابق الغالي". "ـ ماذا يا إيليا، يا صديق طفولتي السابق الغالي؟"... "ـ ما الفرق: "ساقوني"، "وقعت"، "قبضوا علي".... لم يكن أسيراً من أطلق النار على نفسه قبل الأسر، أو من ثقب في الأسر شرايينه بمسمار صدئ، أو رمى نفسه على الأسلاك المكهربة، أو حطم رأسه على حجر.... مات أولئك، أما من أراد أن يحيا فكان أسيراً سواء استسلم أم اقتادوه". "ـ إذن، هل استسلمت؟ أم أسرك الألمان؟ أنا أذكر جيداً تلك الليلة عند طرف الغابة. حين عدنا إلى المدافع.... أذكر كيف بدأت المعركة وكيف انتهت. أذكر كيف اقترب الألمان بمصابيحهم من الجرف حيث كنتم...". "ـ ألم تحفظ في ذاكرتك المساعد لازاريف، قائد جماعة الاستطلاع؟... يا لسحنته الكبيرة. كان ضخماً كالدب، من الجناة السابقين."(3) "ـ أذكره. كان لديه وشم نسر على صدره. لقد هجم معك نحو المدافع. لم يعد أيضاً. فقد أثره....". "ـ قتل. قتلته رصاصتان قربي. قفزنا معاً إلى الجرف، نحو النهر، أذكر على نحو ممتاز حمار القبان(4)ذاك الشبيه بالدب. أما لقبه فكان رائعاً ـ لازاريف، على اسم قديس، المساعد لازاريف. كان شخصاً مرموقاً في البطارية. وكان واشياً إضافة إلى ذلك. حفظته على نحو ممتاز، وإلى الأبد. إلى دهر الداهرين. أشعلت لـه الشموع بعد الحرب في المعابد الأرثوذوكسية، وكتبت تحتها". لراحة نفسه...". "ـ ومع ذلك كيف وقعت في الأسر؟"... "ـ اقتادوني طبعاً، اقتادوني. حاصروني بجحافل كاملة من حملة البنادق الآلية، و"هيند هوه"(5). فاقداً الوعي، جريحاً جرحاً خطيراً، مصدوماًِ، من غير يدين ومن غير رجلين. هل يدهشك هذا؟... ألم يكتبوا هكذا عن الأسرى في روسيا؟"... "ـ لا أقبل مثل هذا المزاح يا إيليا، وأظن أنك تذكر ما كلفتنا هذه الحرب". "ـ كلفت من ـ الشعب؟ أنت أم أنا؟"... "ـ على الأقل كلفتك الأسر يا للشيطان". "ـ اجتزت يا فولوديا دوائر جهنم كلـها والمطهر، ولم يكن معي في أثناء ذلك المرشد العبقري فرجيل، الذي لا مثيل لـه. لن أدخل الجنة، لا أستحق ذلك، لا أستحق ذلك. سفكت الكثير من دماء الناس. أمر مؤسف، لكن يدي في الدم حتى المرفق. عليَّ أن أتوب وأصلي ليلاً نهاراً إذا اتبعنا المسيح، أما السلام التام، وسعادة الحب في الخلاص وتعاظم الحب في الروح فغير موجودة، لكنك أنت أيضاً سفكت دماء الآخرين....". "ـ عن أية دماء يدور الحديث؟"... "ـ مادمنا أنا وأنت قدنا فصيلتين ناريتين، فاحسب كم شظية من قذائفنا أصابت هدفها في كل معركة. لقد سفكنا، أنا وأنت، صهاريج من الدم، دمِ الأنذالِ الفاشيست كما كنا نقول في الحرب. أنا لا أتكلم على بحار الدم الروسي التي سفكوها هم. لكن قتل الحيوان العاقل على يد الحيوان العاقل هو أعظم الخطايا التي لا تغتفر، و... إلى الدير، إلى الدير. علينا الذهاب منذ زمن. علينا أن نظل راكعين حتى نخلص أرواحنا، لكن لا خلاص. من سيمنحني الغفران؟ الرب؟ بعيد جداً. الناس؟.... عليهم، السفلة والخاطئون، أن يغسلوا ذنوبهم بأنفسهم لدى أقربائهم. فمن في مقدوره الآن أن يحاكمني على كيفية وقوعي في الأسر: استسلمت أم اقتادوني؟ أنت؟ مستبعد، يا فلاديمير. لقد ابتعدنا عن المدفع معاً، وعدنا إليها معاً، واقتحمنا صفوف العدو معاً، قائد الفوج الرائد فوروتيوك؟ شنق أمثالـه قليل في أي وقت. الشعب؟... مفهوم عظيم، لكنه عام ويستخدمه الديماغوجيون أغلب الأحيان ـ يتحدثون باسم الشعب". "ـ مفهوم يا إيليا. يمكنك أن تتابع. هل هذا معناه لا أحد؟".. "ـ معناه لا أحد. لا توجد في العالم الآن محكمة عادلة يا فلاديمير". "ـ والشهداء في نهاية الأمر. أم كل شيء منسي. ليس من حقنا أنا وأنت...". " من أعطاني الحق في أن أتحدث إليه بهذه اللـهجة القضائية؟... ما هذا الاستجواب؟ ألا أصدقه؟" "ـ ألا تريد أن تتهمني في أن عشرين مليون روسي سقطوا لأنني وقعت في الأسر؟ أي عشرين! إنهم يقللون العدد طبعاً. هل تظن أن الذنب ذنبي؟" راحت عينا ايليا السوداوان الضيقتان، اللتان كانتا تشتعلان في وقت ما من أيام الشباب بنار الغيظ تنظران الآن فاحصتين إلى فاسيلييف، أما هذا الأخير فسعى بأمل، ومن غير أن يوافق، إلى أن يجد في هيئته ماكان جوهر تصرفات الملازم رامزين الراسخ، وجوهر حزمه الذي لا يلين. لكن كانت تنقص إيليا السابق الآن عيناه، اللتان لم تنفذ من خلل تضييقهما إلا شرارات حَمية مضطربة. قال إيليا مدققاً: " –لا يا فلاديمير، لا علاقة للأسرى هنا. أعرف من يجب أن يحاكم على الشهداء. يجب محاكمة الرواد الفورتيوكيين، الذين لم يتعلموا قراءة خريطة فرسخين كما ينبغي. هل تذكر كيف كان يسير قائد فوجنا الذي لا مثيل لـه: شتاءً في جزمة من جلد الكروم وصيفاً في جزمة من التاربولين المتثنية على ساقيه. كانت السيور تغطيه، وكانت حافة القبعة مزاحة فوق عينيه، وقذالـه محدب صيفاً، أما شتاء فغطاء رأس من الفرو... أول شاب في القرية. الفتاة الحسناء من المراقبين الصحيين دائماً معه، دائماً إلى جانبه مع المراسل الداهية. وأي صوت كان لـه ـ ذا ذبذبة، ذا حب للغناء: استعد. لا أعلم كيف أنت، لكنني أذكره وكأن الحرب انتهت أمس. كان يصيح في الـهاتف متفوهاً بكلمتين: "إلى الأمام" و"هيا"، وكان يبقى في السرية بعد المعركة ستة أشخاص. هل تذكر جيداً الرائد فوروتيوك؟" "ـ أذكره".. "ـ والمساعد لازاريف؟" "ـ أذكره". "ـ إذن"..."Keineilei Pryobleme. Nicht probleme.."(6). "ـ يبدو لي يا إيليا أنك تبتعد لسبب ما عن أسئلتي"... "ـ أبتعد؟ عن أسئلتك؟ لا يا فلاديمير.أنا لا أخاف لا اللـه ولا الشيطان. لقد عشت حياتي ورأيت فيها ما رأيت. شربت خمرة العالم كلـها، ودخنت سجائر الدنيا كلـها، ونمت مع نساء من جميع الماركات ـ حتى مع السيرسيات الزنجيات.(7) قل لي من فضلك: "مم وممن علي أن أخاف؟.. الموت؟ أنت ببساطة حذر يا فلاديمير مثل جميع الروس خارج البلاد. وتريد أن .... تعرف كيف سلمت... ألست مجنداً لدى الجنرال فلاسوف".(8) قال فاسيلييف، وقد لحظ الـهزء في سواد عينيه، وشعر بالمرارة الخادشة كما لو أن سر حياة إيليا الدبق الذي لايخضع لسلطان الماضي قد أسرهما ولم يطلقهما: "ـ أردت أن أسألك عن شيء آخر يا إيليا.... أردت أن أقول شيئاً آخر... كنتَ ضابطاً روسياً، وفي الأسر كما هو معروف...". قاطعه إيليا بلطف زائف: "-لم يمت الجميع، لقد تعلقت بالحياة بأسناني وأظافري، سأفضي لك بأكثر من ذلك. هناك فقط فهمت ما معنى الحياة، وما معنى أن تتحول إلى جيفة". فكر فاسيلييف حاقداً على نفسه: " من أين لـه هذه الندبة على صدغه؟... "وتخيل حالاً، كتبرير، جرحا في صدغ ايليا الأيسر أحدثته رصاصة، جرحاً أصابه في تلك الليلة المشؤومة، حين أُمِروا بسحب المدافع التي تركوها في الحصار، ثم سألـه وهو ينقذ نفسه بتعلقه بهذا التبرير: "ـ هل جرحت تلك الليلة في صدغك؟"... وضح أن إيليا فهم فوراً عما أراد أن يتحدث فاسيلييف، فرفع حاجبيه معبراً عن طيبة نفس متسامحة، وقال ممسداً بأصابعه الناعمة شعره الأشيب على نحو سوي فوق صدغه: "ـ لا، في وقت آخر. هذه آثار عراك في أحد الأماكن المشبوهة عام ثمانية وأربعين. أما حينئذٍ ليلاً نطق "حينئذٍ" بتشديد: "ـ فقد كنت سليماً تماماً، وفي وعيي الكامل. لقد قلت لك ـ تمسكت حينئذٍ بالحياة بأسناني وأظافري. حينئذٍ....". "ـ والآن؟"... "ـ الآن لا أثمن حياتي بأكثر من فلس مهشم". بيّن إيليا بابتسامته السريعة أسنانه البيضاء جداً، وتذكر فاسيلييف التلبيسة الصغيرة الذهبية، التي وضعها إيليا على ضرسه الجانبي في الصف الثامن، والتي أدهشت الجميع بلمعانها الرطين وغير الجميل، وفكر كيف أن هذا حدث منذ زمن بعيد، بعيد حتى أنه شعر برغبة في أن يرمي جانباً وساوس الذاكرة اللزجة. قال فاسيلييف: "ـ في نهاية الأمر. "ثم كر بشيء من الاشمئزاز وهو يسمع ما لا يجب أن يسمع: "ـ في نهاية الأمر، لا أفهم جيداً المغزى المزدوج في حديثنا....". فتل إيليا السيجارة غير المشتعلة ودعكها، وكان وجهه الحليق الأصفر، الجاف نوعاً ما، وربطة عنقه التي لا عيب فيها، وجزر الشيب هذه في شعره الممشط نحو الخلف، وكل شيء فيه وقوراً، ويتحدث عن أعوام الحياة المنقضية، وعن تعب إنسان كان قوياً وعملياً في وقت ما، وهو الآن مبتعد عن أعمالـه ومنشغل بمظهره الخارجي، ببزته، بالحفاظ على حيويته التي لم تفارقه". قال إيليا من غير أن يكف عن دعك السيجارة غير المشتعلة : "ـ لا أعلم إن كان ضرورياً أن نتحدث عن هذا. لم أرغب في أن أقابلكَ في روما حيث أحاط بك أسياد كثيرون مختلفون ومتنوعون". "ـ متنوعون؟"... عض إيليا فلتر السيجارة ودسها في صحن السجائر من غير أن يشعلـها:"ـ لا تستغرب أيها الفنان المشهور. لم يكن هناك جيمس بوند طبعاً، لكن رؤوس الأباريق كانوا هناك حتماً. المكان في فينيسيا أكثر حرية، وقد قررت. أريد أن أعرف.... منك تحديداً.... "أخرج السيجارة من صحن السجائر مجدداً، وراح يضغطها ويديرها بأصابعه: "ـ منك تحديداً....". "ـ ماذا؟"... "ـ أردت أن أعرف.... منك تحديداً. أن أعرف... إليك ماذا يا فلاديمير. ما رأيك: هل يدخلونني إلى روسيا لبعض الوقت كي أرى أمي؟ الأصح ـ هل يعطونني تأشيرة؟ قل لي كرجل: هل في مقدورك أن تعرف؟"... "ـ هل هذا ما أردت أن تسألـه؟"... أجاب إيليا، وهو مستمر ميكانيكياً في دعك السيجارة وموجهاً اهتمامه على نحو مركز إلى أصابعه العصبية ذات الأظافر الشاحبة والمصقولة: "ـ هذا". قال فاسيلييف:"ـ تأشيرة؟ لا أعلم". ووضع أمام إيليا علبة أعواد الثقاب: "ماذا؟... أليس لديك نار في قداحتك؟"... "ـ أشكرك، لدي". كسر إيليا السيجارة المدعوكة ورماها في صحن السجائر، ثم التقط القداحة على المنضدة، وأشعل نارها ونفخ عليها، ولم يتضح إن كان قد قطب وجهه أم ابتسم: "ـ لا تشغل نفسك. مسموح لي أن أدخن ثلاث سجائر في اليوم. دخنت واحدة حين انتظرتك. إذن، لا تستطيع الإجابة عن سؤالي يا فلاديمير؟". "ـ لا..". "ـ ياللأسف". راح يتلاعب بالقداحة بعد أن أسبل عينيه، ثم قال، وهو مشغول بذلك، على نحو متقطع ومن غير أن ينظر أيضاً إلى فاسيلييف: "ـ حتى لو رموني بالرصاص، أريد أن أرى أمي. حتى لو رموني بالرصاص....". " نعم، هاهو، هاهو". فكر فاسيلييف، وقد تذكر بوضوح متناه عادته القديمة هذه، وهي إطلاق يديه لتعملا في أوقات التفكير قبل اتخاذ القرار النهائي، ولاحت القداحة في راحته مذكرة بخصوصية إيليا القديمة تلك. نطق إيليا بصوت عنيد: "ـ أعرف الكثير عن روسيا من الصحف السوفييتية. صار معروفاً لي أنهم ردوا الاعتبار لوالدي بعد الممات في زمن نيكيتا خروشوف. أريد أن أسافر بضعة أيام..... لأرى أمي". "ـ حتى لو رموك بالرصاص؟ لماذا قلت هذا يا إيليا؟!". "ـ قلّ ما أثق بأحد، لكن أحياناً يجب دفع الثمن المؤجل". "ـ لقاء ماذا ستدفع؟"... "ـ لقاء أنني لم أعد، والعودة متأخرة الآن. لقاء أنني لم أفطس في الأسر، ولم أَشْرُق في الغواط كمثل مئات الروس الآخرين خارج البلاد، بل اغتنيت على نحو ملائم، في حدود متواضعة طبعاً.هاهي "اللقاءات" المذكورة أعلاه، فهل هي قليلة؟ لكنني لم أخدم لدى فلاسوف على الرغم من أنهم جندوني في زاكسينهاوزن. لم أحارب في الفيلق الأجنبي. لم يرد اسمي بين مجرمي الحرب وأعضاء الحملة التأديبية....فعلت كل شيء ما عدا الذي أحصيته"... أوقف نظرته المستفهمة والثاقبة على وجه فاسيلييف، ثم قال مخففاً في الحال من تعبيره العنيد هذا: "ـ لقد شخت، ولـهذا أرى في المنام فناءنا في لوجنيكوفسكايا، والبوابة الخشبية، وأشجار الزيزفون تحت النوافذ، وأيضاً لا أدري لماذا أرى صباحاً ربيعياً في برج الحمام، وأشم رائحة ريش و قنب.... أريد.... أريد أن أرى أمي. ساعدني إذا كنت تصدقني ولو قليلاً. إذا لم تصدقني فقل مباشرةً: لا....". أشاح فاسيلييف بوجهه نحو نافذة الشرفة المنارة بالشمس الساهمة، التي ارتفعت كقرص فضي فوق القناة الكبيرة، أما الضباب فابتعد عبر الشارع المبتل المحاذي للقناة، متماوجاً على شكل بخار فوق مياه الصباح، وقد أزرقت السماء ساطعة، صيفية تقريباً، وصارت مرئية ذرا المعابد خلف القناة وقباب القصور المتاحف. لكن هذا الصباح المشمس الـهادئ في فينيسيا الخريفية، وزرقتها الصافية، والقباب المتدفئة بفرح في البعيد، وكل شيء، بدا لـه فجاءة غير صادق مقارناً بذلك الشيء الرائع والحزين، الذي مضى مع السنوات التي لا تستعاد، في الزمن الأفضلِ، زمن أبراج الحمام والصباحات الربيعية من حياتهما، حين كانا، هو وإيليا، مؤمنين من غير أي تردد بالقوانين الرفاقية الزاموسكفوريتشية غير المكتوبة، وما زاد المرارة هو أن الماضي تلون بدخان طفولتهما وشبابهما الحلو، إلى حيث لم يلتفت فاسيلييف، ولو مرة واحدة في الأعوام الأخيرة، مفكراً بمصيره الخاص. حسناً، كان معترفاً به ومدللاً ومشهوراً، ولم تنقصه النقود، لذلك اعتاد على أن لايتملق وأن لا يبرر بالكذب تصرفاته. فكّر، شاعراً بنفور من نفسه، ووضعهُ المزدوج يعذبه بعد كلمات إيليا "ساعدني إذا كنت تصدقني"، أنهما اقتربا ههنا من الـهاوية معاً، وسيختفي ذلك الشيء الفتي والمصون والمقدس والمشترك بينهما، الذي كان ضرورياً لـهما جداً في الماضي، في الزمن المنصرم إلى الأبد. سأل فاسيللييف بعد صمت طويل: "ـ هل لديك أسرة؟ زوجة؟ أولاد؟"... "ـ أنا أرمل. كنت متزوجاً من ألمانية، ولدي ابن شاب، رودولف، يعمل في ميونخ. بعد وفاة زوجتي، ومنذ تسع سنوات وأنا أعيش في ضواحي روما. هنا أهدأ. الروس أقل". تكلم فاسيلييف شاعراً بشعور السقوط في الـهاوية الخانقة نفسه: "ـ ماذا أستطيع؟ بم أستطيع مساعدتك؟ بم؟"... قال إيليا ببرود: "ـ أريد أن أتوجه للسفارة السوفييتية في روما. أسألك شيئاً واحداً فقط. أن تروي لدى لقائك بالسفير ما تعرفه عني، لا شيء غير ذلك. أنت لا تستطيع أن تكفلني مطلقاً."قرع المنضدة بالقداحة ومرر بها خطا على المفرش: "ـ لقد أكل الدهر وشرب على ماكان بيننا في وقت ما. أمر مؤسف، لكن ليس في مقدور أحد أن يفعل أي شيء".. خط بالقداحة حداً ثانياً على المفرش، وبدا هذان الخطان المرسومان واحدهما إلى جانب الآخر وكأنهما فرقا بينهما وفصلا واحدهما عن الآخر نهائياً. قال فاسيلييف بهدوء ظاهري: "ـ سأرى السفير قبل سفري على الأرجح. لكن إليك ما أردت أن أسألك عنه....". لم يكمل كلامه، لأن إيليا استقام سريعاً، ووقف من وراء المنضدة متوتراً، وهو يزرر الزر على السترة، ورأى فاسيلييف في الحال، من خلل قوس الباب الواسع، ماريا، التي سارت نحو الشرفة في المطعم الخالي من الناس، يرافقها باحترام رئيس الندل، المعبر عن الطاعة المبهجة بانحناءة من رأسه، أما إيليا، الممدود، والمستقيم، فقد وقف من غير أن يتخلى وجهه الأسمر الأربد، الجاف قليلاً، عن اهتمامه اللطيف، وظل واقفاً إلى أن اقتربت ماريا من المنضدة وهي تبتسم ابتسامة خفيفة. حينئذٍ فقط دعاها، وهو يزيح الكرسي الفارغ بحركة لا تخلو من تأدب ظاهر، إلى الجلوس، فأومأت برأسها للاثنين، وجلست وهي تقول: "ـ صباح الخير. أرى أنكما لم تفطرا بعد، أليس كذلك؟"... قال إيليا وهو يضحك أول مرة ضحكاً صفيحياً متقطعاً غير معهود: "ـ لا أعرف عاداتكما: ماذا تتناولان على الفطور؟ تكفيني عصيدة الشوفان، وبيضتان وكوب من الحليب. حمية على الطريقة الإنكليزية. لكن كان ثمة وقت لم أبدأ فيه الصباح بالحليب، لـهذا أرى ضرورة أن أسأل: ألا ترغبين يا ماريا بخمرة جيدة؟...كيف أنت يا فلاديمير؟".. "ـ أشكرك شكراً كبيراً". أجابت ماريا مخرجة بأظافرها المطلية سيجارة من العلبة، وقد لاح في عينيها الرماديتين القاتمتين لـهب القداحة، التي قربها إيليا، كشرارة قلقة متسائلة، ذابت حالاً في تيار نور الشمس: "ـ أرى أن بدء النهار بالخمرة جنون. سألتزم بالحمية الإنكليزية". مست عند القذال شعرها، الذي كان مسرحاً بعناية، وبدا وجهها نضراً رائقاً من غير أي ظل لإجهاد الأمس، وخطر لفاسيلييف أن الحمام الصباحي، وسحر مساج الوجه المعروف لـها وحدها، والذي تقوم به سراً، يجعلان وجهها فتياً على نحو مدهش. قالت وهي تنظر إلى القناة، حيث تنحى قارب أبيض كالثلج عن المرسى مفرقعاً بمحركه باعتدال، وقد لمعت الشمس على زجاجه الأمامي منعكسة كمروحة يدوية: "ـ أمس كان الضباب. أما اليوم فيا لـهذا الصباح الرائع. ماذا قررتما. هل نفطر بالإنكليزية؟"... قال فاسيلييف، ولم يكن راغباً في الطعام: "ـ سأحتسي كأساً من الحليب الساخن. يكفي"... أومأ إيليا لرئيس الندل بحركة خاطفة، وكانت إيماءة من إنسان معتاد على المطاعم. أما رئيس الندل، الذي كان يصحح على نحو حثيث على بعد خطوات خمس عن المنضدة وضع الستارة على النافذة التي أعمت الأبصار، فاقترب حالاً والسرور يشع من خديه المتوردين بفضل مزاج ضيوفه الجيد، والصباح الرائع، ووضع أمام كل منهم لائحة طعام كبيرة مثل مصنف ذهبي مُهدى لصاحب يوبيل محترم. أسر إيليا لرئيس الندل ببضع كلمات ألمانية، من غير أن يبدي أدنى اهتمام بلائحة الطعام فتكلم هذا الأخير بلـهجة إيحائية غامضة، مفرقعاً بكعبي حذائه: " Javohl, ein Momentـ".(9).. ثم ابتعد منهمكاً على ساقين مرنتين قصيرتين لرجل عسكري سابق. قالت ماريا: "ـ لقد عدك ألمانياً طبعاً". وراحت تتصفح لائحة الطعام لإرضاء الفضول، وقرأت بصوت مسموع أسماء المأكولات بالفرنسية: "ـ أوهو، أيها الرب الرحيم، كانت أطباق اللحوم الصباحية هذه ستفرح لامية غودزاك". "ثم أغلقت المصنف المذهب، والتقطت السيجارة المسندة على حافة صحن السجائر، وتكلمت متنهدة: "ـ أجبني يا إيليا عن سؤال واحد، من يرتاح أكثر في العيش في هذا العالم الغربي؟ الأمريكي أم الألماني أم الإيطالي أم الروسي أخيراً؟ هل لحظت هذا؟"... قال إيليا بقسوة: "ـ لا أحد. ماتت الآمال منذ زمن، كما الآلـهة. أعوام السبعينيات كانت حرجة، وستكون الثمانينيات مشؤومة لذلك- إما و إما...".. "ـ إما ماذا؟"... "ـ إما مسرات الحضارة كلـها، وتحول الأرض إلى مكب قمامة، وتدمير الذات في نهاية القرن، وإما الفكر السليم زائد يسوع مسيح جديد....". سألـه فاسيلييف مفكراً بقسوة تأكيده، ومتفقاً معه وغير متفق:"ـ هل تؤمن بالفكر السليم يا إيليا؟... يبدو لي أن الناس فقدوا إيمانهم بأنفسهم في الأعوام الماضية، وهذا ما فرقهم". قال إيليا متلاعباً بالقداحة:"ـ فرقهم الطمع والدم وغباء السياسيين. كنت سأتخلى عن قشرتي البالية منذ زمن بعيد لولا..... لولا شيء واحد يبقيني على الأرض. إنه الفضول الفارغ: وماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل تستحق رؤيتكما مثلاً الألم في الحياة....". ومرر بلطف عينيه الساخرتين على وجه ماريا المهموم، أما هي فلم تجبه واضعةً ساقاً فوق ساق، ومجعدة قصبة أنفها قليلاً، وقد راحت تتابع مشتتة تشويش القوارب البيضاء المفرقعة بعيداً في القناة، التي غمرتها الشمس كلـها الآن، وحينئذٍ تسلل إلى وعي فاسيلييف خاطر ضبابي:"ـ لا يمكن أن يبقى لديها تجاه إيليا شيء ما من أيام المدرسة، من ذاك الخريف عام واحد وأربعين... ما هذا؟ أيعقل أنني أغار؟".... قال إيليا كما لو أن الشيء بالشيء يذكر، وهو ينظر إلى النافذة، إلى حيث نظرت ماريا: "ـ ثمة رجاء آخر يا فلاديمير. قررت أن أشتري منك لوحة من المعرض، عنوانها "صباح بسكوفسكي". إذا لم تمانع فإنني.....". لم يدعه فاسيلييف يكمل: "ـ لا أستطيع الرد إيجاباً. الأفضل لي أن أهديها إليك لا أن أبيعها لك. سأفكر". فكر فاسيلييف بعد ساعة، حين افترقا عن إيليا: "كم أردت الالتقاء به منذ أعوام كثيرة خلت. كنا مختلفين تماماً في شيء ما. كنت أشعر بأفضليته في أشياء كثيرة، لكن هل كان لدي بعد ذلك صديق أفضل منه؟ لا يطاق أن نفهم ماهو مناف للطبيعة... وما لا يمكن فعل شيء حيالـه...". فاحت رائحة البرد الخريفي المدخن في ساحة القديس مارك، وقد راحت هذه الساحة، التي بللـها الضباب منذ وقت قريب، تلمع بنور الشمس، وهنا عصفت بشدة، كعاصفة مرحة، أسراب ضخمة من الحمام، مصفقة بأجنحتها على نحو مصم، وطارت منخفضة فوق أسطح قصر القادة، وفوق الشارع المحاذي للقناة، ثم حطت ناشرةً من جديد ضجيجاً مباغتاً في الساحة وعلى رؤوس ومناكب ثلاث عجائز أمريكيات، رحن ينثرن فتات الخبز حولـهن، ويضحكن ضحكاً مهتاجاً. لم تعد المقاهي الصيفية تعمل لأسباب خريفية وطويت السقائف وأغلقت المظلات الملونة، وأزيحت المناضد والكراسي في كل مكان، أما الـهواء الفواح برائحة البحر والقادم من القناة الكبيرة، المتلألئة بمياهها الثقيلة كثيفة الزرقة، فتحرك وراح يدفع عند المرسى مزق الصحف وعلب السجائر المدعوكة وأكياس النايلون الفارغة ويبرم كل هذه القمامة السياحية في أراجيح ذات حفيف قرب واجهات الحوانيت المقفرة حتى الربيع. أخيراً، تكلم فاسيلييف الذي ظل صامتاً منذ غادرا الفندق بعد حديثه مع إيليا: "ـ فلنقف هنا يا ماشا". ثم أضاف محاولاً استعادة شعوره بالوضوح الروحي في هذه المدينة غير العادية، التي اكفهرت فجاءة، واستترت على نحو قائم وراء شيء مقلق لا ينتهي: "ـ هل تعرفين أين نحن الآن؟"... وتقبَّل الصباح التشريني المنعش وهبوب الـهواء الرطب على الشارع المحاذي للقناة ووميض الزجاج الأمامي على القوارب الماخرة عبر القناة كواقعية مؤقتة غير صلبة. "ـ يحدث يا ماشا أن تغمر المياه في الربيع العاصف ساحة القديس مرقس وبلاطات المعابد الحجرية....". قال ذلك وتلعثم حين لحظ تجعيدة الأسى الدقيقة بين حاجبي ماريا. قالت، وهي تراقب العجائز الأمريكيات المتأثرات جداً، واللواتي ظللن يطعمن الحمام في الساحة بفتات الخبز:"ـ لا لزوم للشروح السياحية. فلنصمت قليلاً. سأفهم."ثم قالت بعد دقيقة، وهي تنظر خطفاً إلى القناة والمرسى والجنادل الفارغة المتأرجحة عند الأعمدة العالية، وسطوع السماء الرقيق فوق القصور المنبثقة من الماء:"ـ لا أدري إن كان روى لك ما أنقذه. حدث أنهم جلبوا عام أربعة وأربعين أسرى من المعسكر لتنظيف مدينة ألمانية صغيرة بعد القصف الأمريكي. عمل إيليا هناك عند أنقاض مصنع مهدم، فتعرف مرة، على نحو لا يعقل، بإحدى الألمانيات. مارتا زايغلر. لم تكن شابة جداً، وكانت، تخيل، حدباء بعض الشيء، لكن.... عيناها عينا غريتخين(10) ولاشك.....". ضمت ماريا كتفيها بغير مبالاة ساخرة:"ـ كما تعلم فهذا كلـه من طباع إيليا. تكلم معها بالألمانية فطلبت من قائد المعسكر أن يرسلـه ليعمل لديها، وبعد التحرير عام خمسة وأربعين ظل عندها. قصة مسلية. أليس كذلك؟!... وكما فهمت فقد أحب الحدباء الألمانية الغنية... ذات عيني غريتخين ولا شك."ضمت كتفيها مرة أخرى وعضت شفتيها:"ـ ماتت زوجه منذ عشر سنوات، وتركت لـه، كما قال، مصنع إبر حياكة صغيراً، لكنه جيد، وقد باعه منذ وقت قريب، واقتنى بثمنه أسهماً ما.... حسناً، ماذا سنفعل الآن في فينيسيا الساحرة؟".... قال فاسيلييف:"ـ لا أستطيع أن أفعل مع نفسي شيئاً. لا يخرج إيليا من رأسي". ثم أضاف وقد رغب من جديد، ولم يستطع، في أن يستعيد المزاج الفتي الخفيف الذي صبغ رحلته السابقة إلى فينيسيا: "ـ فلنسر يا ماشا عبر الشارع المحاذي للقناة. سأريك العلية التي عشت فيها منذ عامين".... .... حينئذٍ كان جيداً السير صباح يوم ربيعي في هذا الشارع الدافئ، الذي ما زال رطباً، وقد أفطر السياح في المقاهي المكشوفة، وكان في مقدوره أن يخطو مسروراً على رصيفه، تعبا بعض الشيء من العمل في العلية، التي استأجرها قرب المرسم، وقد امتلأ كيانه باهتياج الأمل والحب والإيمان بدوام نيسان. (1) نعم، نعم، أشكرك. (بالألمانية). (2) يردد هنا أبياتاً من حكاية شعبية روسية مشهورة عن فطيرة هربت من الجد والجدة اللذين صنعاها (المعرّب). (3) كانوا يرسلون المساجين إلى الحرب ويكلفونهم بأصعب المهمات وكانوا يميزونهم بالوشم (المعرب). (4) حمار القبان حشرة صغيرة تعيش في الأماكن الرطبة، وتتكور حين يلامسها المرء. (المعرب). (5) اليدين إلى الأعلى (بالألمانية). (6)لا مشكلات البتة، ليس ثمة أية مشكلات. (بالألمانية). (7) سيرسيا هي الساحرة التي حولت أتباع أوديس إلى خنازير بعد أن استدرجتهم إلى جزيرتها (المعرب). (8) جنرال روسي استسلم للألمان وحارب ضد السوفييت في الحرب العالمية الثانية (المعرب). (9) حاضر، لحظة واحدة. (بالألمانية). (10) شخصية من رواية فاوست امتازت بجمال عينيها (المعرب). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |