|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس زار مرسم فاسيلييف في موسكو في الأعوام العشرة الأخيرة الكثيرون من الرسامين، وكان يريهم عن طيب خاطر كل عمل جديد من أعمالـه، لكن الكلمات الشائعة كلـها في مثل هذه الأحوال، وهذه الـ"خارق الموهبة" و"أدهشتنا" و"ليتك تعلم"، جميعها، وصيحات الإعجاب أو صيحات الغيرة كلـها، ورفع الناظرين إلى السقف، ووضع اليدين خلف الظهر، والخوار غير المحدد، والسعال عميق المغزى، والـهمهمة المستمرة بهيئة مهتمة، والإيماءات جميعها، التي ليست إيماءات انصعاق، ولا إيماءات عدم رضى لطيف، قد فقدت منذ زمن طزاجتها الأولية إضافة إلى صدقها، حتى أنه، هو نفسه، صار يتقبلـها غالباً على أنها تكلفة ضرورية للتعامل مع أخوته في المهنة، الذي يستحيل أن يعيشَ، لولاهم، كناسك. كانت صباحات أيام الأحد تبدأ عادة بأن يعرج واحد ما من "اللوحاتيين"، الأقوياء جسدياً، والجلودين والملتحين في الغالب، والمتمتعين بأيدي ضاربي المطرقة ذوي العضلات البارزة، والذين كان يستحيل تنظيف الألوان المتشربة تحت أظافرهم المتينة تنظيفاً تاماً. أحياناً يكون صوت "اللوحاتي" النعس غليظاً جداً يوم الأحد، فيطن على نحو منخفض، وتكون عيناه المتورمتان على وجهه المائل إلى الدهاء حمراوين ومثيرتين للشك، وينتقل الكلام دائماً إلى الموضوع المعيشي ـ إلى البراد الفارغ من جراء هجوم الأصدقاء، حيث ليس سيئاً أن يقتني المرء على سبيل الاحتياط زجاجة من البيرة المتجلدة بعد يوم السبت اللعين ـ وبعد أن يتنحنح الضيف، ويقهقه، ويحرف نظره إلى المنصة حيث وضع العمل الجديد، وإلى رفوف الكتب والستائر المسدلةعلى الجدران، يتذكر فجاءة أخيراً، ويطلب مياهاً غازية، وفي أسوأ الأحوال عصيراً ما"أو أي عصير متوافر في البراد، حتى لو كان عصير البندورة"... ثم يرحل من غير أذية بعد أن يفرغ زجاجة المياه الغازية الباردة، تاركاً فاسيلييف يتنفس بارتياح بعد أن يتخلص من آلام أصدقائه الصباحية. بعدئذٍ، وقبل الغداء يطل جاره في المرسم (الباب الثاني في الممر إلى اليسار) فنان المناظر الطبيعية أخابكين اللطيف، ذو الصوت المنخفض والعينين الذابلتين، الذي يرتدي شتاءً سترة صفراء مليئة بالسحابات، وصيفاً سروالاً قصيراً بلون الشوكولا، واسعاً على نحو عجيب فوق ساقيه النحيلتين المكسوتين بالشعر، فيقرع الباب بهدوء، ويفتحه، ويدخل المرسم من غير أن يصدر أي ضجيج، خاطياً خطوة حذرة إلى الأمام، ثم خطوة إلى الوراء كما لو أنه يجسد لنفسه صامتاً حركة راقصة رشيقة، وبعد ذلك يعبر العتبة قائلاً بحياء وبصوت غنائي الجملة ذاتها: "ـ نهارك سعيد. هل يمكنني الدخول؟ اعذرني يا فلاديمير أليكسييفيتش، ألست مستاءً مني؟"... لحظ فاسيلييف رقصه الرشيق عند العتبة منذ زمن، وقد أرجعه إلى وساوس هذا الرسام اللطيف الموهوب والوحيد، وغرابة أطواره، وقد أعجبته فيه محاكماته الخجولة قليلة الكلام، وبساطته الدقيقة. كان أخابكين يتفحص المرسم لامساً، أسير عادته، ذقنه بطرف إصبعه وهو ساهم، وينظر مرتبكاً إلى لوحة الألوان وقطعة القماش، ثم يتسمر ويتمتم مذهولاً: ـ أي تناغم ألوان ساطع يا فلاديمير ألكسييفيتش... سيحسدك عليه إدوار مانيه لو رآه." كان مغرماً بأسلوب فاسيلييف وطريقته، من غير أن يفوت معرضاً من معارضه، على اعتبار أنه معجب وفي، مستعد لأن يشاهد أعمالـه ساعات كاملة. وحين يعارضه فاسيلييف أحياناً، ويؤكد بشيء من المزاح على وجوب اعتبار إدوار مانيه، على الرغم من ألوانه الطنانة، حتى في "الأولمب"، الشهيرة، فنانَ صالونات أكثر منه أباً للفن التشكيلي الغربي المعاصر، كان أخابكين ينظر إليه نظرة رعب، ولا ينبس بكلمة واحدة، وينزلق في الحال جانباً ويسرع نحو الباب وهو يلتفت فزعاً كما لو أنهم يودون ضربه هنا. كف بعد ذلك فاسيلييف عن التعبير بحضوره عن رأيه بهذا الفرنسي الشهير، لأن الخوض في جدال حول الأصنام والأساتذة جحود على أقل تقدير، أضف إلى هذا أنه كان يستلطف أخابكين المسالم، غير القادر لا على الجدال، ولا على الحسد الشرير، ويستلطف زياراته غير المملة إلى المرسم وإعجابه الشديد الخالي من أية مطامع بالألوان المشبعة بالضوء وبالفن التشكيلي عموماً، الذي وضعه في موضع أسمى من الواقعية نفسها وأسمى من حياته الخاصة. مساءً، يحضر إليه ما يقارب الستة أشخاص معاً بقيادة الفنان كوليتسين، منهم من يعرفه ومنهم من لا يعرفه، فكان من يعرفهم يندفعون بضوضاء وبغير حياء (ممثلون وكتاب ومراسلون)، حاملين معهم اهتياج المطاعم القابض، فيما كان الذين لا يعرفهم، والمتعطشون "لرؤية فاسيلييف"، يتلكأون مزدحمين عند العتبة كما لو أنهم في معبد غريب. أما كوليتسين المتأنق ذو الشعر الفضي الشبيه بلبدة الأسد، فيصيح وهو يقبل فاسيلييف بصوت جهوري معبر، لا يتطابق مع تناسق جسده المحتفظ بفتوته، مما يضطر هذا الأخير، بغض النظر عن أي شيء، إلى أن يكشف بعض الأشياء للشعب المهتم، الذي يجب أن يعرف المواهب الوطنية، وحينئذٍ كان لزاماً عليه أن يريهم على نحو ديموقراطي لوحاته، فينزلـها عن الرفوف ويضعها على المنصة ثم على الجدار، ثم لوحة فوق الأخرى، حتى يغص المرسم بها في نهاية الأمر. كان الضيوف الذين تشتعل وجوههم بسبب من تساهل الفنان، يطلبون أوائل أعمالـه، التي رسمها بعد الحرب، والتي أعلن بها عن نفسه في معهد سوريكوفسك، حين كان لا يزال يرتدي معطف المدفعية ـ أزقة زاموسكفوريتشيه المحجوبة بالغشاوات الصقيعية الليلكية: ـ الطرق المسدودة مع الكثبان حول الأسيجة، العاصفة، كشك البيرة قرب موقف الترام، الطابور الأسود الملطخ بالثلج، الأنوار المسائية في الأفنية الـهادئة المليئة بأشجار الزيزفون، الجسور المتجمدة نصف الدائرية فوق القناة، والقناديل المترنحة في الـهواء على الشارع الليلي المحاذي للنهر. أثارت الأعمال المبكرة المرتوية بالمزاج والمليئة به، لكن، وكما تهيأ لفاسيلييف نفسه، الخالية من الفكرة العميقة والجسارة والاتساع اللوني، اهتماماً حقيقياً لدى كوليتسين على هذا النحو أو ذاك. لقد وقف أمامها طويلاً مصالباً يديه على صدره، فكان يبتعد عن لوحة ليقترب من أخرى، ويرفع حاجبيه، وقد احمر خداه المنتفخان ببقعتين حمراوين حارتين، وظهر في عينيه المثلثتين كأسد هرم بريق رطب ثابت، غير أنه لم يفه لا بكلمة مديح ولا بكلمة ذم، بل لخص في النهاية رأيه على نحو غير محدد: "ـ ن ـ نعم. الشباب مثير للفضول." كان في الإمكان فهم هذه الجملة بأكثر من معنى، وفاقاً للرغبة، لكن فاسيلييف افترض أن أعمالـه المبكرة لم تنل، على نحو ما، رضى كوليتسين، وإنما قربتهما معاً، ونقلتهما إلى فترة الشباب الواعدة تلك، حين كان الجميع عموماً سواسية أمام المستقبل، ولم يفكر أحد جدياً لا بالمعارض ولا بالمجد ولا ببيع اللوحات للمتاحف. كان كوليتسين الحاصل على ألقاب سامية، والذي يشغل مركزاً مرموقاً في وظيفته، بخيلاً في المديح، على الرغم من أن فاسيلييف قد قرأ عن نفسه في كتابه الاختصاصي عن جيل فناني ما بعد الحرب، وعلى نحو لا يخلو من الفضول، أنه ممثل مرموق "للأسلوب القاسي" الناشئ في نهاية الخمسينيات، وأن تجربة فناني هذا الاتجاه العنيف تريد أن ترى الحياة كما هي، من غير أن يخفَّف أي شيء فيها أو يزَّين، وهنا تحديداً أفضلياته ونقائصه. حينئذٍ لم يكن فاسيلييف قد فقد بعد اهتمامه المزهو بما كتب عنه، وبدا لـه التعريف الجذاب للجيل الجبهوي ـ ممثلو الطريقة القاسية ـ دقيقاً كفايةً، لأنه سئم من "الأكاديمية" الملساء المضجرة ومن الرقة وفي الفن. درسا معاً في معهد سوريكوفسك، وقد جعلـهما الوقت الطويل يتعارفان عن قرب، مما سمح لكوليتسين، الفنان التشكيلي والأستاذ والدكتور في الاختصاصات الفنية ورئيس اللجنة الأجنبية، بأن يعرج على المرسم لا لقضاء أعمالـه الخاصة فقط، إنما لقضاء أعمالٍ أ جنبيةٍ أيضاً. كان يطلب من فاسيلييف أحياناً، وبسبب من عمل لجنته، أن يستقبل الأجانب، وكان عرض اللوحات يختتم بحسن الضيافة الروسية، ثم يتفرق الأجانب الثملون والمهتاجون في وقت متأخر من الليل وبعضهم يودع بعضاً قرب المصعد وداعاً مصحوباً بالضحك والـهتافات والقبل، ويعتذرون مسقطين قبعاتهم. أما فاسيلييف فكان يرتب المرسم بعدئذٍ شاعراً بالفراغ وتأنيب الضمير بعد إنفاق الخلايا العصبية السخي جداً والساعات الثمينة المهدورة من غير فائدة. لم يكن باب مرسمه، بسبب من الأحداث الأخيرة في حياته ـ المعارض واليوبيلات وحصولـه على الجوائز وانتخابه في أكاديمية الفنانين ـ يغلق إطلاقاً، وخصوصاً أيام السبت والأحد، لكنهم صاروا يأتون إليه من غير تكليف في أيام العمل أيضاً، ومنهم أناس لا يعرفهم إطلاقاً، مقدمين لـه تهاني مبكرة أو متأخرة، بعضهم متملقاً وبعضهم طالباً نقوداً ومعبراً عن ذهول بذيء حتى الخجل، ثم يبقون حتى الغداء وكان يتخبط طوال النهار في فراغ لا معنى لـه مهدراً وقتاً لا يعوض. لكنه فهم بعد ذلك أن هذا دلالة على اقتراب موته الإبداعي. فهم أن عليه الابتعاد بغير إبطاء والانعزال عن العالم كلـه كما يرحل الخاطئ إلى دير بعيد، ويكف عن إغاظة القدر، فهذه الأعياد الغزيرة قد طالت جداً، وشغلته عن عملـه اليومي، الذي كان يعتبر ولعه به الشكل المبرر الوحيد لوجوده. وقرر فاسيلييف مرة وإلى الأبد أن يبتر الخيوط الديموقراطية كلـها، ويحرق الجسور المقامة أمام عتبة مرسمه جميعها، ويغرق في وحدة عمل رهبانية، في مقدورها وحدها أن تبرر الـهدف من وجوده على الأرض. استدعى عاملة المصعد لتغسل الأرض في مرسمه، الذي هوّاه جيداً، كي ينظفه ويطهره من روح البطالة والثرثرة والفارغة والغرور والنجاح، فوضع اللوحات في أمكنتها، وأدارها نحو الجدار كي يشكل رحابة وانعدام أجسام وحرية، وحضر قطع القماش ـ وعاد من جديد، بعد أن حول خلل ثلاثة أيام مرسمه إلى صومعة ناسك نظيفة، وبراحة نفسية لم يشعر بمثلـها من قبل، إلى عملـه غير المنجز ـ إنه لوحة بورتريه للمخرج شيغلوف. أقفل الباب على نفسه، وكان ينام في المرسم أو يأتي إليه في وقت مبكر جداً، ولم يردَّ على قرع الباب ورنين زملائه الودودين واليائسين بعض الشيء، ولم يقترب من الـهاتف باستثناء إشارة متفق عليها مع زوجته وابنته. لقد عد نفسه كالجياد العاملة، فكانت الأصوات الإنسانية الفارغة في الممر تثير لديه حنقاً شجياً، وكان يفزع من الوقت المهدور سدىً، ويلعن الطموح المفرط لديه "لدى مغوي النفوس والحائز عليها بالجمال" كما قال صديقه لوباتين مازحاً ومحذراً إياه من تعطشه للنجاحات والتوفيق المحالف لـه وحب زملائه غير الصادق. كان الـهاتف المغطى بقطعة قماش يرن سدى، وتقترب الخطوات في الممر وتزدحم، ثم تبتعد، ويتردد القرع على الباب بإصرار متعنت أو على شكل نقر خفيف خاطف. لم يكن فاسيلييف يرد، وكان يرى في هذه الأصوات غيظاً منفجراً منه وغيرةً ـ فهم لا يغفرون لـه على ما يبدو انطواءه وانكبابه على العمل، هذا المنفى إلى نفسه، فهو على ما يبدو قد خدع الكثيرين ممن أرادوا رؤيته سهل المنال دائماً. لكن رنين الـهاتف أيقظه مرة ليلاً (لم يخرج من المرسم الأسبوع كلـه). نهض فاسيلييف من غير أن يعي شيئاً، وهو بين النوم واليقظة، فأشعل المصباح الليلي فوق الأريكة ونظر إلى الساعة: كانت الساعة الأولى بعد منتصف الليل، وكان يخاف من الاتصالات الليلية غير المتفق عليها، والخاطئة أحياناً وغير الحسنة والمتعلقة بحوادث مفجعة ما، فرفع السماعة ببطء، وسمع صوت كوليتسين المعبر والثمل قليلاً، على ما بدا، والذي راح يتكلم بمرح متهكم: "ـ ماذا، هل أيقظتك يا هومر الفن التشكليلي المعاصر الخالد؟ لقد وجدتك ليلاً أخيراً، فاعذرني على إلحاحي. أتعلم؟... صار الوصول إليك الآن أصعب من الوصول إلى وزير أو راهب في المغائر. كيف تريد أن أفهمك: انتقلت إلى العمل السري؟... ترهبنت؟ أم أن التكبر نال منك؟".... تكلم فاسيلييف غاضباً: "ـ اسمع يا أوليغ. هل نظرت إلى الساعة؟ في مثل هذا الوقت ينام الناس الطيبون جميعاً أيها الفريق المحترم سكريتير....". قاطعه كوليتسين: "ـ سمني عصا، إن شئت، لكنني يجب أن أراك فوراً مادمت قد أمسكت بك. هل تسمع أم لا؟ علي أن أراك فوراً. سأصعد إليك الآن. أهتف لك من الـهاتف العمومي في الأسفل. افتح الباب بعد خمس دقائق. إنني أتجمد برداً في قمرة الـهاتف قرب منزلك".... "ـ هذا فعل جنون مناف للعقل. أي حديث يمكن أن يكون في وقت متأخر من الليل؟"... غير أن السماعة علقت هناك، في قمرة الـهاتف قرب مدخل المنزل في الليلة الشتوية الـهادئة المقفرة، وفكر فاسيلييف مستثاراً أن كوليتسين عائد كعادته من مطعم فندق ما بعد استقبال الأجانب في المطار وتناول العشاء معهم، وقرر وهو في ذروة مرحه أن يطل عليه في المرسم متصوراً أن هذا ما ينقصه لتكتمل مشاعره... لكن ما إن دخل كوليتسين المهتاج، والمتجهم، عكس المتوقع، في قبعته الرخيصة ومعطفه الفرائي المفتوح، وما إن تخطى عتبة المرسم، حتى فهم فاسيلييف أنه جاء لا بسبب من اكتمال المشاعر ولا في أثناء عودته من المطعم. كان كوليتسين صاحياً تماماً وشاحباً على نحو غير مألوف، وقد ركضت عيناه المثلثتان، الشبيهتان بعيني أسد هرم حكيم، والمتعبتان والخضراوان المائلتان إلى الصفرة، بشك متلمس في المرسم وعلى اللوحات المدارة على نحو ثابت إلى الجدار، ثم توقفتا على المنصة حيث كانت اللوحة، التي بدأ فاسيلييف يعمل عليها، مغطاة بقطعة قماش، وسأل على نحو يخلو من الثقة: "ـ قال لي أحدهم إنك تعمل ليلاً". "ـ ليلاً أرغب في النوم، وهذا ما أتمناه لك أيضا". تكلم كوليتسين مستعجلاً:"ـ عمل ميكيل أنجلو العظيم وفنانو عصر النهضة جميعاً تقريباً، والعباقرة الروس على ضوء الشموع. لقد عملوا مثل المحكومين بالأشغال الشاقة، وكالمقيدين بالسلاسل في مراسمهم. لقد عملوا من أجل الخلود. كان محكوماً عليهم بالخلود، فبماذا حكم علينا؟..."... "ـ في المقام الأول، لا تقفز خارجاً من بزتك. ليس لائقاً من غير سروال كما تعلم". "ـ ليس لائقاً دائماً انعدام الموهبة، في أية بزة يا فولوديا". كان صوته المتمتع بطراوة عميقة ونبرة وقورة أحياناً ومتساهلة وطيبة أحياناً أخرى، منخفضاً الآن وباهتاً يكبته الاهتياج: "ـ أعرف يا فولوديا أن مجد الفنان ظل دخان، سخرية قدر، أما أنت فما زلت ترسم وتتكل على أن أثرك الخاص في الفن التشكيلي سيبقى لأنك تحسن التفكير بالألوان، ألا تأمل؟ كل موهوب يأمل، وإلا ماكان ليبدع. أليس الأمر كذلك يا فولوديا؟ أم أنه ليس كذلك؟ لكن ماذا يفعل من يتمتع بموهبة هشة؟ هل عليه أن يعيش في الآلام وانعدام الحيلة؟ ماذا تفعل العشبة وبم تفكر قرب جفنة عليق؟".... "ـ تنمو قربها. هل أردت أن تحدثني عن هذا؟"... سألـه فاسيلييف هذا السؤال غاضباً، وكي يكبح نفوره تظاهر بالتثاؤب وهو يشعل سيجارة: "ـ ألا تظن أن النقاش خال من أي معنى؟ الأفضل أن تقول لي من استقبلت أو من ودعت؟... اجلس هنا على الأريكة. إنها جيدة لكونها من القرن التاسع عشر. فخامة الماضي". غير أن كوليتسين لم يجلس على الأريكة المخملية الرثة والمضغوطة، والتي، لـهذا السبب، تغري بالانجذاب، بعمقها الخفيف، إلى حضنها البورجوازي، بل رمى إلى الخلف بيديه معاً لبدته الفضية الكثيفة المتدلية على ياقته، وراح، من غير أن يبعد يديه المرنتين والأنثويتين تقريباً عن صدغه، يحدق بشجن بعينيه المكدرتين إلى واحدة من اللوحات المدارة نحو الجدار. نطق كوليتسين مكتئباً:" ـ عملت اليوم منذ الصباح، تعبت وأنهكت مثل الشيطان، ولم ألتقط شيئاً: الثلج الأبيض، الأشجار البيضاء، البيوت البيضاء، وسماء شباط الزرقاء، مع شيء من الإحساس بالربيع فيها. بيضاء وزرقاء، ولون بنفسجي ما. لم أجدها، لم ألتقطها. لم أمسكها. أُنهكت، لكنني لم أمسك شفافية سماء شباط وبياض الندى المثلج في الشمس، كان الإلـهام ـ تحليق حرية الإبداع". تثاءب فاسيلييف على نحو مكشوف الآن: "ـ لا ترفع صوتك هكذا. إلى أين التحليق؟ سر على الأرض، فالسير أكثر راحة. أما إذا طرت فستصطدم قمة رأسك بسقف المرسم، والإصلاح اليوم غالي الثمن". تكلم كوليتسين وهو يهز رأسه حانقاً:"ـ أريد أن أسألك جاداً أيها الميتر المحترم. هل تراودك لحظات العجز التام؟ حين لا يوجد شيء. هل تراودك لحظات تشعر فيها أنك عاجز عن أن تعبر عن نفسك... باللون... على القماش؟ أم أنك سعيد، ولا يوجد لديك مثل هذا؟ نعم، لديك. يسهل العيش على المرء حين يثق بعبقريته". قطب فاسيلييف وأشاح بالسيجارة: "ـ لم أشك أبداً، ولا لحظة، في أنني عبقري لاسيما وأن لحظات راودتني كنت فيها واثقاً تماماً من أنني لست حماراً في الفن، بل أحمر الحمير، أو الأدق، لست حماراً أصيلاً بل ظل حمار. بماذا أجيبك أيضاً في الساعة الأولى من الليل يا أوليغ؟ يمكنني أن أضيف أيضاً أن التعبير في الفن التشكيلي عن ماذا تفعل الأحاسيس مستحيل حين يغفو العقل. أما كيف يتصرف الإحساس في مثل هذه الحال؟ فهذا موضوع الأدب". "ـ هل هذا غمز من قناتي يا فولوديا؟"... "ـ من قناتي وقناتك وقناة الفن التشكيلي كلـه. ثلثا الفن التشكيلي عجز"... انتفض كوليتسين وهو يرد، أسير العادة، شعره بيديه معاً، ويسير قرب الجدار، حيث كانت اللوحات المدارة:"ـ اصمت، اصمت يا فاسيلييف. لقد تذكرت اليوم أحد مناظرك الطبيعية. منظر طبيعي ربيعي ـ الحقل ولون الثلج البنفسجي في الوادي الضيق والشمس في البرك على الطريق.... أين هو؟ كان هنا، ههنا، اسمح برؤيته. لقد تذكرته اليوم وأردت أن أرى..... هل تعتبره ناجحاً؟ ما شعورك نحوه؟ كيف أنت؟....". وبدا أنه، من غير أن يختار في صف اللوحات، قد أدار واحدة منها عند الركن ـ المنظر الطبيعي الربيعي، الذي رسمه فاسيلييف العام الماضي ـ ثم نكص مبتعداً بضع خطوات، وراح يتمايل كالثمل على كعبيه وأطراف أصابعه، وهو يبتسم متكلفاً، أما أصابعه المرنة الأنثوية فأسرعت للتتشابك خلف ظهره في كماشة وثيقة. قال فاسيلييف بأسىً:"ـ إنها عموماً غير ناجحة، لكن أي موضوع بسيط، لحظة غير ملتقطة، عجزي أمام الضوء، إذا شئت...". تمتم كوليتسين بكلام سريع هاذ:"ـ لم أخطئ. سقطت الزاوية في ربيعك. فراغ في الركن، وهنا، أين الظلال.... أفرطت في البرود، المطلوب دفء أكثر، دفء أكثر.....لا، لقد عجنت بكثافة. لكنك لم تصب هنا، لم تمسك..... أشعر أنك لم تصب الـهدف بالمجارف. فقط السماء. لقد أصبت هنا ـ منبع ضوء رائع، منبع الربيع. أما ما تبقى فهو الفشل. جثة هامدة، لا إصابة، حتى أنت، حتى أنت أيها المعلم فاسيلييف تكون عاجزاً على الرغم من أنك أكثر موهبة مني بمائة مرة، حتى أنت تكون ضعيفاً. شيء مضحك وبذيء. فكرت اليوم بربيعك الفاشل، وبهذا المنظر الطبيعي". تابع حديثه بصوت ثقيل نابع من إنسان يحتقر صدق مشاعره: "ـ تخيل أنني فكرت بك طوال اليوم... ففي نهاية الأمر أنت سعيد الحظ في الفن لكنك لست إينغر، ولا شيدرين، وأنا لا أحب أشياءك كثيراً....". "ـ ما سبب هذه الحماسة؟ من أجل بحث علمي أم ماذا؟"... "ـ لست عبقرياً. فكرت اليوم في أنني معاقب، فاقد الأمل، أضعت كل شيء، صرت موظفاً و ـ لم تبق من موهبتي ذرة واحدة. أشكرك على منظرك ـ لا، لست وحدي أعض أصابعي كالمجنون. لست وحدي، لست وحدي...". كان وجهه، المرتجف، بابتسامة مكرهة، معذباً ومدعوكاً، وعبرت عيناه المكدرتان والملتهبتان عن علة إحباط عصبي قريب من اليأس، يعرفه فاسيلييف، وقد راح يمزق في تلك الآونة كوليتسين الصريح على نحو لايوحي بالخير، والذي، كما بدا، كان يضنيه مصاب الرغبة الحارقة في البحث عن نار التعذيب المستمر الشديدة. **** تموضع أمامه ذلك الصباح المخرج شيغلوف خال ماريا لزاً، النحيل والحي، وكثير الحركة على الرغم من عمره الجليل، وفي الوضع الحر لم يكن يفعل شيئاً سوى وضع ساق فوق ساق، حتى انجذب سروالـه الضيق الأخضر من فوق كاحلـه الدقيق كاشفاً عن جوربيه المخططين وحذائه ذي النعل السميك على الموضة. لم يكن في مقدوره التموضع بهدوء، فكان يدخن من غير انقطاع، ويتحدث ويتندر، ويسعل سعالاً عالياً، وكان وجهه الجاف يتبدل كل دقيقة، فيصير لعوباً غامضاً تارةً، وتارةً يصير ماكراً، وتارةً وجهاً حكيماً لمسن متعب، وكان يقوم بهذه التغييرات بعينيه الجاحظتين خلف زجاج نظارتيه، وبتغضنات فمه النشيط المعبرة والخبيثة، وبدت حدة حديثه الساخرة والموجهة إلى كل ما هو موجود، بما في ذلك إلى نفسه، غير قادرة على الانتهاء أو التوقف عند موضوع واحد، محررة فاسيلييف من ضرورة أن يشغل من يرسمه بالأسئلة. تحدث شيغلوف لاثغاً بعض الشيء وبأرستقراطية فاترة، نافضاً الرماد في صحن السجائر المعدني على مسند الأريكة:"ـ هذا، طبعاً، هائل، لكنني لا أفهم يا عزيزي فلاديمير أليكسييفيتش. أمر يدعو إلى الجنون. ها أنت تهدر وقتاً كبيراً في الانشغال بفطر سام مسن، بمهرج لا يستطيع أن ينظم وجهه بذكاء من أجل البورتريه. إنني أتموضع على نحو سيئ. اطردني ـ لست كفؤاً. لا أفهم ما حاجتك إلى إيمائي متعفن، ليس طائر الطاووس إطلاقاً، بل مجرد مخلوق وحشي في سروال باريسي على الموضة؟...على كل حال كل شيء في عالمنا إيحاء ولعب لطيف فائق العجب. ماذا؟ لا؟ عرض هزلي، خشبة مسرح، المسرحية عينها ـ ومأساة مذهلة. وافقني على أن الإنسان يلعب الأدوار طوال حياته، ونادراً مايكون هو ذاته ـ سيغفر اللـه لـه. لنفرض أن الفن العزيز هو لعبة فكر وعواطف مسلية. والحب؟ أعظم لعبة بين الجنسين. الحقيقة لعبة ماكرة "بالاستخباء" مع الكذب. أما الكذب فلعبة بالحقيقة. ثم أليست الاجتماعات واللقاءات وما شابهها لعبة أناس كبار، مصطنعين على نحو حثيث هيئة جدية؟ الآن، لنقل إن المجد والتصرفات المحبة للتسلط لعبة الأقوى والأكثر طمعاً. وحده الموت يوقف كل لعبة، لكن..... تبدأ بعدئذٍ لعبة الآخرين ـ الجناز والدفن. وافقني على أن الحياة والموت هما مسرح هائل. أما المسرح نفسه فهو رسم مصغر وضيع للحياة والموت....". ثم ضحك بملء صوته، بل تأوه بضحكه، وأنَّ على نحو لاذع، ناظراً بعينيه الثاقبتين خلل زجاج نظارتيه، ثم قرَّبَ متلذذاً سيجارته من شفتيه الضيقتين كالأفاعي، وأخرج متلذذاً أيضاً الدخان بحزمة طويلة، وكان همه الوحيد أن يتخذ وضع الإنسان المكره على أن يقضي وقتاً غير ممل بسبب من قلة أشغالـه. سمع فاسيلييف جيداً رنة صوته وهو يرسم مستعجلاً، حتى أنه راح يضرب القماش بالريشة، وسمع أنينه الرتيب الذي يصور الضحك، لكن ضحك شيغلوف، وكلماته كانت تمر جانباً، وكان ما يعيق فهم معناها ذلك الضوء الشباطي الصقيعي الثلجي المرح في النوافذ الصباحية المليئة في الأسفل بالسرخس الجليدي المبهر، والمختَرقَة في الأعلى بزرقة السماء غير الشتوية، وبدا هذا الصباح الندي المشمس والمكرُ المنزلق، الذي لا يكل خلف زجاج نظارات شيغلوف، والوضعُ المعتاد في المرسم، وهذا المنفى الاختياري إلى الذات وإلى الوحدة، كما كان يقول أحياناً، والذي من غيره لا يمكن التركيز وإيجاد وضع التوازن المفرح ـ وكلُ شيء كما يبدو حين كان يغرق في العمل تماماً، وإضافة إلى ذلك لم يكن ثمة ذوبان تام في هذه الحال، إذ راح أثر الاضطراب غير القديم يحترق كالجمر في روحه. **** "لا، ما حدث لم يحدث بعد فينسيا. لا، منذ عامين بدأ قلق مبهم ما بعد أن مرضت ابنتي ذلك المرض الخطير. أم أنه بدأ قبل ذلك؟"... "ـ وجهك غريب، يا عزيزي فلاديمير أليكسييفيتش. ألا تسمعني؟"... قال فاسيلييف منتفضاً: "ـ أسمعك يا إدوارد أركادييفيتش. "وأشار بالريشة إلى حيث ينبغي النظر: "ـ هكذا، شكراً". "ـ أرى مسرحية عبقرية هائلة عن حياة رجل غير بطل. لكن من المؤلف؟ أين سويفت؟ أين سالتيكوف ـ شيدرين؟ ياللأسف، يسود بين كتاب الدراما استبداد الموهوبين المتاجرين المقيت، الذين يدوس بعضهم مزهواً على أرجل بعض...". كان شيغلوف يتكلم وهو يمسد مسند الأريكة بريشة منسابة دقيقة وأنيقة، ويلاطفه مصوباً نظرته المشتعلة بشرارات صغيرة واخزة إلى اليمين قليلاً من القماش: "ـ وهاهي حياة الرجل: يخيل للفرد الفتي قبل العشرين أنه خالدٌ، وأن أمامه دائماً الأبواق المبتهجة والتبجيل المليء بالحب، وأكاليل الغار من الزملاء في الخدمة، والاعتراف العالمي بمكتشفاته، ونحيب المعجبات المذهولات، وطبعاً ما بيريكل وسقراط وليف تولستوي أمام عبقريته إلا جراء وضيعة عارية المؤخرة. فيما بعد يتدخل الواقع في الأمر، حتى الخامسة والثلاثين ـ نساء. هنا سيتعرف على مختلف الأنواع الذوقية الممتعة من الكاراميللا والعسل وحتى الخل والخردل، لكن، طبعاً، الماء المقطر أساساً. بعد سن الأربعين سيعاني، وهو لما يروِ ظمأه بعد، من جوع وحشي، أي الحاجة إلى أن يأكل جيداً، وما يسمى معرفة الزوج للتخمة بعد أن يحتسي بشهية استثنائية قدحاً من الفودكا كاستهلال للقداس. ماذا بعد ذلك ـ بعد الخمسين ـ الاستلقاء أيام الأحد على الأريكة وقراءة الصحف، والتلفزيون والنوم، الذي يتمم متعة المأدبة العارمة، لكن أحياناً يظهر سؤال كضرب المطرقة على قمة الرأس: أيعقل أن النهاية قريبة؟ بعد الستين يستمتع بعض الأشخاص بذكريات الشباب البعيد، فيما يظهر لدى الآخرين خوف شديد من الأمراض وحب حماسي للمقاعد في الحدائق وإدارات الأبنية، أما ليلاً فلدى الجميع أمر واحد ـ الأرق وخوف الوحدة قبل الوحدة الأبدية. هل أعجبتك هذه اللوحة الـهائلة؟"... برقت نظرة شيغلوف على نحو جهنمي، وابتعد عن النقطة في الفراغ بعد أن اعتراه مرح حاد، وراح يتسكع في الخمائل السرخسية للندى الشمسي المتجلد على النوافذ، كما لو أنه حضَّر هناك على نحو لعوب فكرته التالية. حاول فاسيلييف جاهداً النفاذ، نازعاً اللباس المكيف عن معادلاته، إلى شيء ما لم يوضح، أساسي، لم يمسه أبداً، مثلما لم يمس حياته العازبة البعيدة عن أن تكون حياة نسك وزهد، والتي يخفيها عن الجميع. كان خال ماريا لزاً، ومع أن فاسيلييف يعرف منذ زمن بعيد إدوارد أركادييفيتش الموجود في كل مكان والرجل النشيط على نحو لا يرحم، وعديم العمر، فإنه لم يره مرة جدياً ولا ساهماً ولا متعمقاً في ذاته، فقط يظهر في ما ندر، وللحظة واحدة، في عمق قعر عينيه اللتين يتطاير منهما شرر التهكم شيءٌ ما خريفي، حزين، مرتبط، كما بدا، بحفيف الأوراق المتساقطة، وبوقع قطرات مطر تشرين الثاني في البستان العاري.... لكن هذا الإحساس بالخريف قد يكون من خيال فاسيلييف وحده، وربما لـهذا السبب عمل طويلاً وبانقطاعات كثيرة، بعد أن اختار شيغلوف كمادة صعبة لا تتقن التموضع من أجل البورتريه، ولـهذا السبب كان يصحح كثيراً ويعيد الرسم من غير أن يجد ما أراد أن يجده في طبيعته. "ـ لكن ماذا أريد أن أجد فيه؟ أن أحزر أية أفكار تراوده في ليالي الشيخوخة الطويلة؟.. من هو في الواقع؟!"... تابع شيغلوف حديثه في ذلك الوقت : "ـ بالمناسبة يا فلاديمير أليكسييفيتش، أسمح لنفسي بهذه الملحوظة. ارتاب الأشخاص الضخام وبحثوا فلم يحظوا على هذا النحو بسعادة كبيرة على هذه الأرض، ولذلك وهبوا أنفسهم باسم الحب لجنس البشر، الذين لم يتقبلوهم شاكرين فوراً، بل على العكس، سمم حشد الحساد الأعزاء وجيش الوسيطيين أولئك الذين لا يشبهونهم وسخروا منهم، لا بل أحرقوهم وركلوهم. هكذا تحديداً، وعلى هذا النحو، هل يجرؤ إنسان على أن يشك في ما يثير الشك؟... هل يجرؤ؟ لا؟ كيف نكتب درفين أم دلفين؟ كيف تأمر "در" أم "دل"؟.... من المحق العباقرة أم الوسيطيون؟"... ارتفعت سبابة شيغلوف واثبة في الـهواء، ورسمت في أثناء طيرانها إشارات استفهام جامحة، وبرق الزر الذهبي الكبير على سوار كمه القاسي، واهتز على نحو معبر جناحا ربطة العنق ـ الفراشة تحت ذقنه المدببة الشاحبة كالمرآة. "ـ أين تكمن الحقيقة؟ أين؟ هل هي أحادية المعنى؟ أليس فيها جهة مباشرةٌ وجهة معاكسة؟... سيظهر الوضوح الكلاسيكي "نعم" أو "لا" حين نحدد بصلابة ما هي السعادة. م ـ م؟ ما هي؟ اثنان ضرب اثنين؟ نجمة رائعة ساقطة في سماء آب؟... أم مجموع متع الجسد؟ أم عالم كل يوم بما فيه من ماضٍ وحاضر؟... أم الولع، أو، كما يقال، الإلـهام مثل ما يحدث لك يا فلاديمير أليكسييفيتش؟ أم السعادة هي حلم العيش في جنة المنامات السعيدة؟ أو حب الإنسان؟ م ـ م؟ وهل من الإنسانية أن ينقذ الطبيب عند الولادة الوليد المشوه فيضع بذلك، ومدى الحياة، صليباً ثقيلاً على كاهل الأم؟ لكنْ ثمة مطلق وحيد ممكن: في مقدور الإنسان أن يكون سعيداً في طفولته فقط، حين يكون في حال من عدم الفساد الروحي. ويا لسرعة زوال هذه الفترة في حياتنا. كيف إذن تكون الكتابة الصحيحة: درفين أم دلفين؟ آ؟ هاها.... م ـ م؟.. لا سيما وأن الكلمات نفسها ماهي إلا ظلال الأفكار، والأدق لباسها القديم. أهي "در" أم "دل"؟ أم أنه دلفين على الرغم من كل شيء؟"... تكلم فاسيلييف ساعياً إلى التقاط الشيء الخاص المرح والثعباني في شفتي شيغلوف الحيتين والدقيقتين: "ـ ليس الولع والإلـهام في الفن مطلق السعادة أيضاً. لا يمكن للولع أن يكون سعيداً في السباق نحو الكمال، فلا حدود لعدم الرضى....". خفق شيغلوف على نحو تمثيلي بالريشة المنسابة في الـهواء، من غير أن يسمع حتى النهاية، وتكلم بخفة منزلقة: "ـ و ـ لا ـ شك. لاحظ المفارقة الجديدة والـهائلة. كلما حطم الناس قديمهم صارت أحاسيسهم أكثر بدائية، ياللأسف. صُرفت أوراق فاعلي الخير المالية ذات القيمة الضخمة بنحاسات المشاحنات المطبخية والدسائس الوظيفية. لاحظ أن العقل الواقعي والروح العملية يطوران على نحو متضخم النمو في الوقت الذي نُسي القلب من قبل الجميع. وماذا؟ ماذا؟ لا مكان للمشاعر الشكسبيرية في عصر البلاستيك. حب ما معيشي. الحقد ـ سوء تفاهم في السوق في أثناء الوقوف في الطابور لشراء بصل من طشقند. صاروا يعتبرون التواضع غباءً وهبلاً، والفظاظة الوقحة ـ قوة شخصية. تمحور الكون حول الذات تماماً وفداحة جذمورية من كلمة "جذمور". هذا هائل طبعاً. الصفعة للسافل، كما في أوقات الشرف الرجولي الطيبة ـ أوه، أي عمل جنوني لا معنى لـه، أية دونكيشوتية عتيقة، وحده الحسد الذي يكوي الروح بقسوة لا مثيل لـها يزهر في منبت البورجوازية الصغيرة الجديدة السحري. آ؟ م ـ م؟ يحسدون بحمية، كالمجانين، وبالأبعاد جميعها: على النقود وعلى التنورة المسايرة للموضة وعلى الشقة الجديدة والصحة، حتى على أصغر نجاح. آ؟ ها.... ونتيجة ذلك فإنهم يفرحون سراً، لكن بحماسة وتلذذ، لكل فشل يقع الآخرون به، للسقف الدالف لدى الجار، وللجنجل على العين، ولانعدام النقود وللمرض و ـ لا ترتجف ـ حتى لموت الناجح سابقاً: إنه هناك الآن، أما أنا فهنا. أو: حسن وعدل أنهم دفنوه في فوسترياكوفسك(1) وليس في نوفوديفتشيه(2). يحسدون بالجملة ـ البواب والممثل ونائب الوزير. ماذا؟ الوزير؟ أوه، سأصحح: هو ـ لا، ولا في أية حال من الأحوال، فهو، ولاشك، خال من أية مشاعر غير جميلة ومعيبة، وهكذا، فالحسد هو ملكة مومسات العالم المطلقة، حسناء شهوانية ومغوية. إليك أين تهدر خلايا الشغف العصبية: على عبادتها، هي المومس في فراش الآخرين المعطر بعطرهم. أمر ساحر ولطيف، أليس كذلك؟"... سألـه فاسيلييف كي يرتاح قليلاً من نَفَسه التدميري الكاوي، ومن تيار الجمل المشبعة بالسخرية و الملل، التي أتعبته من غير رحمة بلعبة فكر شيغلوف الساخر: "ـ وأنت؟ هل يحسدك أحدهم؟ من يحسدك؟"... "ـ أنا، فليرحمني القدر، أنا إنسان عصري تماماً. أنا الحاسد وـ بحمية". "ـ من؟"... "ـ كل رجل يسير في الشارع مع امرأة حسناء". "ـ كم عمرك يا إدوارد أركادييفيتش؟"... "ـ أشكرك على المجاملة. ستة عشر عاماً ونصف العام. بيد أن الوقت قد حان يا عزيزي فلاديمير أليكسييفيتش كي أغرب إلى التمرين. عموماً، في مقدور الممثلين أن يستغنوا على نحو رائع عن وجودي الإخراجي، فرؤيتهم إياي قد أضجرتهم ولاشك". "ـ سأستبقيك خمس دقائق أخرى....". "ـ تكمن مغالطتنا في أننا نزحف حول الحقيقة، مثل جراء عمياء بينما نظن أننا كلاب كبيرة ووقورة". قال فاسيلييف: "يبدو لي أنك تسخر من الحياة يا إدوارد أركادييفيتش. تصب السم عليها ضاحكاً. لكن لماذا أنت تحديداً؟... فالحياة برأيي لم تسئ إليك أبداً". ارتمى شيغلوف في الأريكة، وراح ينقر بأصابعه إيقاعاً عسكرياً على متكأ المرفق الخشبي: "ـ الجميع تقريباً مستاؤون على الأرض يا صديقي فلاديمير أليكسييفيتش الذهبي وفائق الموهبة. أنا كلب مسن طيب، وأعرف أن الحياة تتطلب أن توجه لـها الصفعات حباً، وإلا فإنها ستردها نحوك حاقدةً. أرى يا عزيزي أنك ضد مثل هذه الاستراتيجية الوقائية". قال فاسيلييف، وكان قد كف عن العمل بضع دقائق، وهو واقف عند المنصة، وعبس مسبلاً يده الممسكة بالريشة: "ـ هذا جنون. إننا نختنق في بحر الكلمات، في الكلام الحاد، في الضغينة تجاه الحياة ، وسوف نقتل. لمن هي موجهة أزهار بستانك البلاغي؟ للممثلين؟ لي؟ تخيل أنني لا أحب رائحة الكبريت المحروق، ولا أية أشياء شيطانية أخرى"... ضحك شيغلوف ببرود لبق: "ـ ليست موجهة لأحد. إنني أنثرها على الطريق وأستمتع بمتعة الآخرين". فكر فاسيلييف : " نعم، أنا متعب قليلاً. لكن لماذا يثير لدي قلقاً ما كما لو أن مصاباً قد حدث. "إننا نزحف حول الحقيقة مثل جراء عمياء (عمي). هل يذكر تشرين الأول من عام واحد وأربعين، وهل يذكر نفسه وتلك الأيام، ماشا وأنا وإيليا؟ كنا حينئذٍ جراء رائعة، غبية، يائسة، أما هو فكان شاباً...". (1) مقبرة عادية. (المعرب) (2) مقبرة المشاهير. (المعرب) |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |