|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع نعم، كان تشرين الأول من عام واحد وأربعين. في ذلك الوقت حين تحركت الدبابات الألمانية نحو ضواحي موسكو، وراحت تحطم وحل القرى المقيد بصقيع الصباح وتسطحه، هازة بقعقعة حديد جنازيرها وزئير محركاتها الأوراق الصدئة الأخيرة على أشجار البتولا المجاورة للطرق، والتي سلمت في بعض الأماكن من هبوب الرياح الليلية الحادة، المحملة ببرد ما قبل الشتاء والقادمة من الشمال عبر الغابات الخريفية، التي استمرت بالخروج عبرها من الحصار فلول أفواج الدفاع الأمامي، وفي الوقت الذي كانت التقاطعات على طريقي وارسو، وموجايسك تغص بأرتال الشاحنات الألمانية والمدرعات وقوافل مركبات الخيول، ويشغل القرى المشاةُ وخدمات المؤخرة المختلفة، الممتدة حتى الجبهة، والتي عرف أفرادها مسبقاً الأحياءَ والشوارعَ وأبنيةَ المقرات المقبلة في العاصمة الروسية، التي سادها في الليالي زئير قريب آت من الطبقات السماوية، حيث كانت تمر طائرات اليونكرس مصحوبة بدوي مغرغر، وفي ذلك الوقت حين احتلت كالوغا وجرت المعارك قرب سيربوخوف وموجايسك، و حدد الألمان بدقة، بعد معارك سمولينسسك العنيفة وإتمام حصار الجيوش الثلاثة على جبهة بريانسك، المدةَ اللازمة لاحتلال تولا ويومَ سقوط موسكوـ في ذلك الوقت نفسه وصل فلاديمير وإيليا بنجاح مع الآلاف غيرهم من تلاميذ المدارس والطلاب، الذين كانوا يحفرون خنادق مضادة للدبابات باتجاه موجايسك، وعزلتهم الدبابات الألمانية على حين غرة، إلى موسكو عبر الغابات بعد أن انضموا إلى مجموعة جنود، وراحا يخطوان عند الفجر جائعين ووسخين ومهتاجين على أرصفة زاموسكفوريتشيه العزيزة، قاطعين المدينة كلـها. أوقفهما الحراس مرتين في شارع غوركي، ثم أوقفوهما مرة ثالثة قرب دار "أودارنيك" للعرض، وتحققوا مرة أخرى من وثائقهما (لم يكن لديهما أية إثباتات شخصية أخرى غير بطاقتيهما الكومسموليتين)، راح الملازم ذو المكعبات الحمر الجديدة على شارة ياقته، بعد أن سلط عليهما الضوء من رأسيهما حتى أقدامهما بمصباح الجيب، يتفحص مرتاباً بطاقتيهما الكومسموليتين، ويسألـهما بصوت غليظ جاف من أين هما قادمان وإلى أين ولأي غرض. انفجر إيليا حينئذٍ وأشار من بين أسنانه إلى أن القبض على المخربين الألمان أفضل من طرح الأسئلة الغبية، فأعاد لـهما رئيس الحراس المندهش من هجومه وثيقتيهما وأصدر أمره: "ـ تابعا السير". لم ينر ضوء واحد في المدينة، وألقيت أكياس الرمل كمتاريس تحت نوافذ الطبقات الأولى. فاحت الشوارع المثقلة بالعتمة الباردة، والمخترقة بالرياح التشرينية، والتي تكاد لا تعرف، برائحة الندى والثلج غير البعيد، وراح الـهواء يصفر بشدة في كل مكان فوق الرؤوس بين الـهوائيات على الأسطح، التي سبحت وراءها في السماء السوداء، في الأعالي الجليدية، مثل ظلال حاجبة النجوم، أجسام مناطيد الوقاية الجوية الشبيهة بالأسماك. تميزت في طنين الأسلاك هذا، وصفير الليلة العاصفة، أصوات أخرى صادرة عن حركة مستعجلة ما على الطريق، شبيهة، وغير شبيهة، بحركة الجيوش العادية. لم تكفَّ الشاحنات الخالية من الجنود والمليئة بالصناديق والأكياس، وكذلك السيارات الخفيفة وعربات النقل الزراعية عن السير على مقربة والتجمع في كتلة سوداء في الساحات، التي ترددت منها أوامر المنظمين المكبوتة ونخير الخيول، وسباب السائقين و الحوذيين. ثم بدأت كتلة الرتل الكثيفة تتلاشى تدريجاً، وتستدير وتتطاول إلى شارع سادوفايا، وانطلقت من جديد سيارات "م ـ ك". القيادية، وهي تطلق النفير المقلق، مزرقة بسبب من أغطية المصابيح التمويهية، ومتخطية الخيول والعربات، التي راحت تقرقع بعجلاتها على الأسفلت وسكك الترام.. هنا تحديداً، وفي الشوارع المجاورة قبل الساحات برزت أضلاع القنافذ الحديدية، مبقية ممراً ضيقاً للحركة، وتدلت مائلة قضبان السكك السميكة المغروزة في الأرض، لقد حولت هذه التجهيزات المضادة للدبابات المدينة إلى مدينة حربية مشوهة إياها، وكان في هذا التغيير ثمة شيء ما جديد، مخيف، كما في رائحة الحريق، التي شعرا بها أول مرة هناك، قرب موجايسك، حين حمل الـهواء رماد الأشجار المحترقة. لكن هنا، في موسكو، لم يشاهدا رماد الحرائق المتجمر، بل كانت رائحة الرماد في طراوة الـهواء العبقة تهب على هيئة أمواج، وأحياناً، كان يبدو أن الناس يحرقون الأوراق في أعماق الأفنية في كل مكان. اقترح فلاديمير، بعد أن أوقفهما الحراس بضع مرات، أن لا يقفا أبداً في الطريق إلى زاتسيبا، وأن يدخلا مسرعين تحت أقواس البوابات وإلى مداخل الأبنية ما إن يلمحا أمامهما أناساً، فالمرء لا يميز من بعيد إن كانوا حراساً أم لا. غير أنهما لم يلتقيا في الأزقة المعروفة لـهما حول زاتسيبا ماراً واحداً، ولم يريا بصيص نور في النوافذ، ولم تعبر على الرصيف سيارة واحدة. كانت المداخل مغلقة كلـها، وأقفلت البوابات بالمزاليج، وراحت الريح تضج في أشجار الزيزفون في الأفنية، وتأرجحت ظلالـها المعتمة ونقرت على الأسيجة، وتدافعت أكوام الأوراق على الأسفلت مصحوبة بنقر صفيحي، ومرت عبر الأقدام بحفيف جاف، وتجمعت عند مداخل الأفنية أكواماً متحركة. هنا، في هذه الأزقة، فاحت رائحة أول صقيع تشريني، ورائحة الخمرة التي تفوح في الأقبية، فيما راحت تضيء نجمتان ضخمتان بنور أبيض وأحمر مضطرب بين الأشجار المتأرجحة في صحراء السماء غير المنظورة. حينئذٍ قال إيليا لا مبالياً: "ـ مارس وجوبيتير(1). أترى كيف يلمعان.آ؟"... رد فاسيلييف: "ـ أظن مارس إلـه الحرب. هل تذكر؟"... "ـ فليذهب إلى الشيطان. لِمَ يجب أن نذكر كل هراء من التاريخ ومن روما القديمة؟ من يحتاج إلى هذا؟ ربما هذا ليس مارس ولا جوبيتير". لكنهما كانا يذكران جيداً شارع لوجنيكوف، الذي بدا منذ وقت قريب مرحاً ومشمساً وأخضر، فلم يتمالكا نفسيهما عند الركن، وهرعا نحو مدخل فنائهما، وحين توقفا عند الباب الخشبي، وشاهدا من خللـه بناءهما ثنائي الطبقات، المحاط بأشجار الزيزفون، تعالى عند مرآب الإطفاء على الطرف الآخر من الشارع، حيث تقوم قمرة المناوب، نداء رهيب أبح:"ـ مَنْ هناك؟ قف... سأطلق النار". وفرقع مغلاق البندقية على نحو يوحي بالعداء..... رد فاسيلييف بجملة عسكرية سمعها عند الخنادق، وقد استولى عليه فرح جنوني لأنهما صارا في المنزل أخيراً: "ـ أصدقاء، أصدقاء إذا لم تكن تمزح"... قهقه إيليا: "ـ يا للسخرية. وهل تتقن الرماية؟ لم تصرخ كالبومة؟"... واندفعا عبر الباب مقهقهين ومتدافعين، لكن الظلام التام المرسوم بالصلبان الورقية على النوافذ سرعان ما حاصرهما في الفناء المليء بضجيج الزيزفون المنساب على الطريقة الخريفية، فصمتا وهما يتلمسان الطريق نحو المدخل، الذي حجب سطحه الأسود الفحمي نورَ النجمتين فوق الفناء. كان باب المدخل مغلقاً، ولم يفتح لـهما أحد حين رنا الجرس مرتين و ثلاثاً. لم يفتح لـهما أحد أيضاً، بعد أن قرعا الباب غير الثابت بعناد، وهزاه بإصرار عشر دقائق. لم يكن ثمة أحد في البناء كلـه على الأرجح، حينئذٍ قفز إيليا عن المدخل، وهو يطلق الشتائم، واقترب متلمساً طريقه من شجرة الزيزفون الملتصقة بجدار البناء، وتطاول على أغصانها العارية كما لو أنه يلعب على عارضة الجمباز، وبدأ يتسلق إلى الأعلى، كما فعل في طفولته أكثر من مرة نحو نوافذ غرفته في الطبقة الثانية. وقف فلاديمير في الأسفل، ورأى كيف وصل حتى الطبقة الثانية، وراح هناك، وهو معلق على الأغصان، يقرع الزجاج قرعاً شديداً وحازماً حتى أن الصدى راح يصطدم كالطلقات في عمق الفناء، ثم سمع صوته في الأعلى: "ـ ما ـ ما. ما بك؟! هل أصبتم بالصمم جميعاً؟". وهبط على جذع الشجرة إلى الأرض وهو يقول بمنتهى الأسى: "ـ ستفتح أمي حالاً. لا أفهم لماذا يختبئون كالفئران في جحورها؟"... فتحت رايسا ميخائيلوفنا الباب، وكانت مرتديةً ثوبها المنزلي على عجل، وصاحت صيحة ضعيفة: "ـ إيليوشا, إيليوشا....."ثم تراجعت خطوة وهي ممسكة على نحو محكم بمصباح الكاز أمام صدرها، وكسا وجهَهَا أسودَ الحاجبين، الذي لا زال جميلاً، تعبيرُ الفرح المعذب مكان تعبير الخوف: "ـ كم حسن أنكما الطارقان أيها الصبيان. كم حسن....". أما إيليا فقبل خد أمه متساهلاً، وأخذ منها المصباح وصعد السلم سريعاً، وهو يصيح: "ـ إلى اللقاء يا فولوديا. تعال صباح الغد". أوقفته رايسا ميخائيلوفنا بصوت مستعجل: "ـ انتظر يا فولوديا لحظة. انتظر من فضلك. انتظر. عليَّ أن أقول لك.... سافر أهلك إلى سفيردلوفسك. أجروا ترحيلاً هنا. رحّلوا الجميع مع الأطفال. بعضهم إلى الأورال وبعضهم الآخر إلى آسيا الوسطى. سافروا منذ شهر. مع المصنع. لديَّ رسالة ومذكرة لك، ومفتاح.... لكن في مقدورك مؤقتاً.... أن تقيم عندنا"... هتفت إيليا فرحاً: "ـ هذا أفضل. فلنذهب إلينا. سيكون هذا أمرح، وسنجد ما نلتهمه، أليس كذلك يا أماه؟"... رجاها فلاديمير : "ـ أعطني المفتاح. سأعرج على منزلنا أولاً....". أشعره بالاستياء الآن أن يسافر أبوه وأمه مع أخيه ذي الأربع سنوات منذ شهر إلى سفيردلوفسك، وأن يرحلوا مع المصنع (حيث كان يعمل أبوه مهندساً) من غير أن ينتظروه، والمفتاح الذي بدا وكأنه برهان على هدوئهم غير المبالي. فتح الباب بالمفتاح الذي أبقوه لـه، وراح يتحسس الزر الكهربائي في الغرفة الأولى، فاشتعل النور ضعيفاً، قليل التوهج. تدلى كذلك في الغرفة المجاورة الضوء الواهن البرتقالي للمصباح في نصف الظلمة المزدحمة، مظهراً على نحو باهت الأثاث المعروف لـه وأوراق تمويه النوافذ المعلقة، أما خزانة الكتب فعكست عن زجاجها قرب منضدة الكتابة لطخات ليلكية، وصرّت الأرض الخشبية، وفاحت رائحة مسحوق أمه، وقد امتزج مع هذه الرائحة العزيزة نسيم غير واضح من غبار بارد قليلاً، ثم صدر صوت قضم فئران في المنزل الفارغ ـ وشعر فلاديمير بالاضطراب. لم يتخيل هناك، قرب موجايسك، حين انضموا إلى مجموعة الجنود الحمر، وراحوا يجوبون الغابات معزولين عن موسكو، عودته إلى المنزل على هذا النحو، بل تصور المساء وساعة العشاء الحميمة، هاتين الغرفتين في سطوعهما الكهربائي الدافئ، والوجوه العزيزة التي تحبه وراء المائدة، وتصور نفسه وهو يروي عن القصف الأول والمنشورات الألمانية عن الحصار، التي رموها ليلاً... لكن أحداً لم ينتظره في البيت ـ ورائحة ثياب أمه الباقية في الخزانة، والتي بردها نسيم الإهمال القاتل، طعنته بتيار من البرداء. ألا يكون هذا كلـه بداية حياةً جديدة، منتظرة منذ زمن، يدفعه خطرها إلى مكان مجهول ما؟... حاول أن يقرأ الرسالة والمذكرة، فلم يعِ سطراً واحداً، وقرر من غير اهتمام أن يقرأهما صباحاً. دس الظرفين في جيبه، واغتسل بماء الصنبور الجليدي، ثم ذهب إلى آل رامزين عبر الممر من غير أن يُحكم إغلاق الباب. كانت غرفة آل رامزين الكبيرة منارة بمصباح الكاز الساطع على نحو خاص بزجاجه المنظف جيداً. وقف إيليا عند صوان الثياب ممشطاً شعره الرطب باستمتاع ومن غير استعجال، وشدت كنزته الرياضية، التي أحب ارتداءها في الأمسيات المدرسية، كتفيه بقوة، وكان في هذه الكنزة وفي شعره المبلل والبراق على نحو احتفالي، وفي نظرته الحارة، التي ألقاها على فلاديمير ثقة مرحة نابعة من إنسان قوي، راضٍ عن نفسه، وعن مصيره، ولديه، أخيراً، إمكانية التلذذ بالخيرات المنزلية بعد رحلته الطويلة عبر البلدان البعيدة. قال من غير أن يلتفت إلى رايسا ميخائيلوفنا، التي راحت تضع الطعام، وغمز فلاديمير في المرآة: "ـ عموماً، يا أماه، من حقنا أنا وفولودكا أن نسحق شيئاً ما. كان لديك في الخزانة بورتفين(2) تحسباً للظروف. لقد خرجنا، يا أماه، من الحصار بنجاح، وخلفنا وراءنا قصفين جويين عند المخاضة، ومرة وقعنا تحت نار مدفعية الـهاون ولم يحصل لنا شيء. وصلنا إلى المنزل وكل شيء كما ينبغي. اجلس يا فولوديا، سنقضي الآن على البطاطس وسنجترع البورتفين على شرف موت الأنذال الألمان". قالت رايسا ميخائيلوفنا: "ـ ياللفظاظة التي تتحدث بها يا إيليوشا. إنك تتفوه بكلمات ليست كلماتك. أمن العقل أنك تعلمت الشرب في الأعمال الدفاعية؟ كيف حدث ذلك؟"... ودعت فلاديمير إلى المائدة. أجاب إيليا: "ـ حسناً يا أماه. اضطررنا إلى أن نشرب غير الحليب والماء". وتناول بمهارة زجاجة البورتفين، التي وضعتها رايسا ميخائيلوفنا على المنضدة، ونظف سدادتها من الشمع وفتل بزال المفتاح فيها ونزعها بفرقعة رنانة: "ـ والآن".. "هيند هوه".. سنحتفل الآن كما ينبغي... هل ستشربين معنا يا أماه؟".... أوقف فلاديمير إيليا مصدوماً بحزمه المفرط، وبأنه بدأ يسمي رايسا ميخائيلوفنا "أماه"، وكان هذا غير مألوف للغاية: "ـ كف عن التحامق بالبورتفين"... أما رايسا مخائيلوفنا فراحت توزع على الصحون البطاطس طيبة الرائحة والمدخنة، وقطع السمك المسلوقة جيداً، وقطع الزبدة الصفراء، فأعادتهم رائحة الطعام المنزلي، ورائحة الشاي المنقوع الساخن، والمفارش النظيفة ـ روح المنزل الموسكوبي العزيزة إلى ما قبل أربعة أشهر، إلى زمن الدراسة قبل الحرب، ذلك الزمن الصيفي السعيد، الخالي من الـهموم. صار كل شيء مختلفاً، محروقاً بنار الحرب، لكن تيهانهما الأخير في غابات موجايسك، التي عصفت الريح بها، وهدرت المحركات على طريقها السريعة، وتردد الكلام الألماني، بدا لـهما الآن، هما المستثاران بعودتهما إلى موسكو، وبقدح البورتفين الحلو، قليل الخطر، ومغامرة حربية تدغدغ الأعصاب على نحو ممتع. في تلك اللحظات كان ثمة شيء واحد يقلق فلاديمير، وهو جلاء أسرته إلى سفيردلوفسك ـ وشعر برغبة في أن يقرأ على الفور رسالة أمه ومذكرتها، اللتين راحتا تحفان في جيبه. كف عن سماع قصة إيليا عن ليلة من ليالي آب المرحة، المليئة بالـهرج والمرح عند أعمال حفر الخنادق، حين راحوا، مسلحين بالمجارف، يبحثون في حقول الجودار حتى الفجر (لم يمسكوا أحداً ياللأسف) عن المظليين الألمان، وسحب بحذر الظرفين من جيبه، وقرأ أولاً المذكرة المكتوبة على ورقة دفتر بخط والدته السوي: "ابني الغالي فولوديا. سامحنا لأن الأمر حدث على هذا النحو ولم ننتظرك، ولأننا نرحل إلى سفيردلوفسك، إلى حيث يجلون مصنع أبيك، سنرحل مع آخر قطار. انتظرناك الوقت كلـه، ومن يوم إلى آخر، لأنهم قالوا لي ولأبيك في لجنة الحي الكومسمولية إن على جميع الفتيان من مدرستكم أن يعودوا بين لحظة وأخرى من الأعمال الدفاعية. ماطلنا طوال الوقت في السفر، لكنهم أمروا والدك بعد ذلك. عليك أن تفهمنا. قررنا السفر غداً. آمل يا بني وأؤمن بأن النجاح سيحالفك. سأبلغك بعنواننا الجديد حين نصل. أقبلك يا عزيزي فولوديا. أمك. 19/أيلول/1941". ثم أخفى المذكرة وقرأ الرسالة المرسلة في الطريق من كازان، وقد كتبت لـه أمه أنها تشعر بقلق شديد لأن عليه، هو فولوديا، أن يشتري بطاقة القطار حين يعود إلى المنزل من "الخنادق" فوراً، ويسافر في إثرهم إلى سفيردلوفسك حيث سيجد مصنعهم. أما النقود من أجل البطاقة والطريق والطعام فهي موجودة تحت بياضاته في خزانة الثياب. تابع إيليا في تلك الأثناء روايته وهو يطلي بنشاط الزبدة على قطعة بطاطس: "ـ .... إنني، يا أماه، آسف الآن لأننا لم نمسك بمخرب واحد. قالوا لنا: رمتهم طائرات اليونكرس بالمظلات ليلاً، وإنهم اختبأوا بين الجودار. هل تفهمين يا أماه؟ مكثوا في مكان غير بعيد، عند طرف القرية، التي كنا ننام في عنابرها. لم تكن لدينا بندقية واحدة، أو أي سلاح ما عدا أدوات الحفر. حسناً، أنهضونا، وأمرونا بأن نتسلح بالمجارف ونطوق الحقل ونمسك بالمخربين. تخيلي يا أماه أننا سرنا في هذا الجودار حتى الصباح ـ لم نجد أحداً ولم نجد شيئاً. الأرجح أنهم، الأوغاد، استطاعوا الفرار إلى الغابة، أما المظلات فدفنوها في مكان ما تحت الأرض. مؤسف أننا لم نصادف واحداً منهم... أليس كذلك يا فولوديا؟ حلمت بأن أمسك بواحد فقط....." قال فلاديمير: "ـ وأنا أيضاً". وراح يتذكر تلك الليلة من ليالي آب المليئة بالنجوم، التي بدأت تنار بنور ليلكي مع ساعة الفجر حول الجودار الرطب من الندى الغزير، والذي بلل الثياب، ويتذكر حفيف السيقان الزلقة والأصوات المنادية بحذر فيما ندر، ولـهب السماء الأحمر في الغرب، ووجه إيليا الشاحب، المصوب على نحو مثير، وقدّ خطا قربه حاملاً مجرفته المهيأة لخوض الصراع. نطقت رايسا ميخائيلوفنا بصوت مكبوت: "ـ كيف كنتم ستمسكون بهم؟... لديهم أسلحة، أما لديكم... هذا مستحيل. كم حسن أنكم لم تصادفوهم. كانوا سيقتلونكم....". غمز إيليا فلاديمير:"ـ هل سمعت؟ لا يا أماه. المجارف أسلحة أيضاً. ليس واضحاً من كان سيجندل الآخر". قالت رايسا ميخائيلوفنا بنبرة قلقة: "ـ عم تتحدث يا ايليوشا ـ ا؟... كلماتك تخيفني ببساطة. أيعقل أنك تظن الألمان مجانين إلى حد لا يمكن تصوره؟ هل سينتظرك مخرب عاقل ومدرب حتى تضربه بالمجرفة؟... يالكما من صبيين ساذجين...سريعي التصديق... ماذا سيحدث لكما؟"... "ـ لا شيء إطلاقاً. "ودعا إيليا بابتسامته فلاديمير كي يدهش مرة أخرى من قلة خبرة والدته الخالية من أية إساءة، ثم وزع البورتفين على الأقداح، وقال بسخرية لطيفة:"ـ فقط لا تعتبرينا يا أماه صبيين رضيعين، وإلا سيبدو الأمر، كما تعلمين، مضحكاً نوعاً ما، لن يمر من أية بوابة.... نخب صحتك يا أماه." وشرب وضحك ووضع في فمه، لا بالشوكة، بل بأصابعه حبة بطاطس كاملة، وبدأ يمضغها بشهية:"ـ وكيف الحال هنا في موسكو يقصفون؟ كان مسموعاً عندنا قرب موجايسك أحياناً كيف كانوا يزحفون إلى هنا، وكيف أنتم؟ يطلقون صفارات الإنذار فتهرعون إلى الملجأ؟ أمر مخيف يا أماه، آ؟"... ردت رايسا ميخائيلوفنا: "ـ لا أذهب إلى القبو يا إيليوشا، فلا معنى لـهذا. أما محطة الميترو فليست قريبة جداً، أشعر بالخوف حين تبدأ تقصف المدافع المضادة للطائرات، لكنني أسد أذني بالقطن، وكي أهدأ أبدأ أقرأ مجموعة أعداد مجلة "نيفا". يمضي الوقت هكذا سريعاً يا إيليوشا، ولا تلحظ تقريباً أنهم يحومون فوق حينا. إنهم، على الأرجح، يصوبون إلى محطة كهرباء موسكو ومجمع كراسنوخولسك. صيفاً، احترقت بالقنابل سوق زاتسيبا، ودمر تقريباً حي كامل قرب حمامات أوتشينيكوفسك....". قال إيليا على نحو لا يخلو من رقة فظة:"ـ كنتِ دائماً مقدامة يا أماه، ولـهذا أحبك. لم تكوني جبانة أبداً، ولا مهرب من المصير، هذا واضح أيضاً. هل تذكرين "الجبري" لدى ليرمونتوف؟... تذكرته أحياناً هناك، عند الخنادق، وحين وقعنا في الحصار. كل شيء، عموماً، سيكون كما ينبغي. كما هو مكتوب في السموات". نظر إلى أمه بتفوق مازح، أما هي فرفعت، من غير أن تلحظ مرحه، الحافظة الحرارية القماشية عن إبريق الشاي، وقربت الكؤوس وشرعت تصب الشاي، ثم سهمت ناظرة إلى فلاديمير بعينيها حاسرتي النظر اللتين جردتا وجهها الصارم، الذي كان في وقت ما جميلاً لكنه ذاوٍ الآن، من سلاحه. "ـ ما بك صامت يا فولوديا؟.. ماذا كتبت أمك؟"... "ـ ينتظرونني في سفيردلوفسك يا رايسا ميخائيلوفنا. لكنني لن أسافر أبداً. السفر إلى مكان ما في المؤخرة غباء. ماذا سنفعل هناك؟"... "ـ غباء؟"... "ـ يجب الذهاب إلى اللجنة العسكرية غداً ليرسلوني إلى الجبهة، وليس الـهرب إلى مكان ما في الأورال. هكذا قررت....". تلعثم، فكررت سؤالـه بصيحة غير عالية: "ـ قررت؟ هذا ما قررت؟ وأنت يا إيليا، هل قررت هذا؟ غداً؟"... أسقطت رايسا ميخائيلوفنا يديها، وأدارت تائهة نحو إيليا رأسها الصغير، الممشط على نحو يوحي بالشباب، وذا حزمة الشعر الثقيلة فوق القذال. أما هو فضغط على قدم فلاديمير بفظاظة تحت المنضدة محتسياً الشاي بسرور استعراضي، ففهم هذا الأخير فوراً خطأه المرتكب وهفوته غير المناسبة. أضاف مرتبكاً: "ـ هذا ما قررته أنا يا رايسا ميخائيلوفنا، وليس ايليوشكا. ليقرر هو بنفسه...". سألته رايسا ميخائيلوفنا بصوت منخفض:"ـ وماذا قررت؟"... أكمل إيليا شرب الشاي نافخاً، وقرع على نحو رنان الكأس بالصحن، وأجاب عن قناعة: "ـ لم أفكر بشيء بعد يا أماه. سيتضح الأمر، لنعش فنرى كما قال الحارس الليلي ثم استفاق نهاراً"... ووضع يديه وراء رأسه، وتمطى باسترخاء حلو، مبالغاً في إظهار شبعه وانشراح صدره، ورضاه، واستمتاعه الخالي من أية شوائب بالجو المنزلي، وبدا واضحاً أنه لم يكن يرغب في أن تعرف أمه كل شيء، فلم يفضح نفسه بشيء وهو يبتسم بعينيه الضيقتين السوداوين البراقتين. عاش إيليا وأمه معاً من غير أبيه، وكان ايليا قد أتاح لفلاديمير ذات مرة أن يرى صورة قديمة من صور أبيه في الألبوم، أفسدتها الصفرة في زواياها، وقد وقف فيها القائد الباسل في الجيش الأحمر، ذو العينين الفاتحتين مليئاً بشجاعة الشباب في سترته العسكرية المزينة بعقدة فاخرة، وحاملاً سيفه قرب ساتر حديدي. أوضح إيليا أن والده، عمل بعد الحرب الأهلية في الأركان العامة، ثم خدم في الشرق الأقصى، ومات عام ثمانية وثلاثين في مكان ما في الشمال في ورشة بناء ذات أهمية عسكرية ـ وقد جذب فمه بغضب متفوهاً بكلمة "مات". على هذا النحو أو ذاك، فقد كان ثمة سر عائلي واضح هنا، لأن فلاديمير رأى أحياناً كيف كان إيليا يعامل أمه بفظاظة ومن غير تكليف أمام الناس، لكنه وجده أحياناً غير نادرة مساءً قرب موقد الكاز وهو ينظف البطاطس قبل قدومها من المكتبة. وكان وجهه الأسمر يصفر ويلتهب حين يظهر في شقتهما مدير البناء اللجوج كوزين كي يذكر رايسا ميخائيلوفنا بوجوب دفع الكمبيالية في الوقت المحدد. لم يكن معروفاً لماذا كان مدير البناء يصعد بنفسه إلى الطبقة الثانية، إلى آل رامزين، حاملاً في حقيبته المنفوخة دائماً إخطاراً مسجلاً رهيباً بدفع أجرة الشقة، مؤكداً بتوقيع يده، لكن إيليا (كانا يدرسان في الصف التاسع)، التقى مرة كوزين اليقظ على السلم، واعترض طريقه عابساً وقرَّب من أنفه التفاحي المتين قبضته المدربة بالملاكمة جيداً، وحذره مكرهاً على نحو موح: "ـ إذا رأيتك تضايق أمي مرة أخرى فسأزين، من غير شهود، كشكك بكدمتين زرقاوين ـ ولن تعرف نفسك في المرآة". رد كوزين، المتسمر، فوراً وجهه الذي صار رطباً، وتدحرج على السلم كالمكيال، ورنا في الأسفل بعينين غاضبتين، لكنه كف عن زيارة آل رامزين منذ ذلك اليوم. كرر ايليا: "ـ لنعش فنرى". ودفع تحت المنضدة قدم فلاديمير، وسأل رايسا ميخائيلوفنا: "ـ هل بقي أحدهم في الفناء؟ أم فر الجميع في أثناء الجلاء؟ هل بوركا(3) أوكونيف هنا؟ هل تعلمين يا أماه؟ لقد مرض عند الخنادق. أصابه إسهال أو إمساك. أرسلوه منذ شهر إلى موسكو. تبين أن أمعاءه ضعيفة. نعم كان دائماً كالفطر". قالت رايسا ميخائيلوفنا عاتبة: "ـ كيف تتحدث عنه يا إيليوشا. بوريا صبي لطيف ومهذب. رحل آل أوكونيف إلى طشقند... سافرا في بداية تشرين الأول حين ازدادت الغارات الجوية، فهم منذ بداية تشرين الأول يطلقون كل يوم تقريباً صفارات الإنذار. وحده اليوم هادئ لحسن الحظ". "ـ لا تخيفينا يا أماه، فأنا وفولودكا نخاف من كيس فحم على الرغم من أننا شاهدنا القصف، وعرفنا شوتسي تاكي(4). "قهقه إيليا، وتناول الزجاجة عن المائدة وأدارها أمام ضوء مصباح الكاز كما لو أنه يمتع ناظريه بلون الزجاجة:"ـ وأين ماشا سيرغييفا؟ هي أيضاً في طشقند على الأرجح؟... أم أنها تتشمس في مكان ما في الأورال؟"... سأل هذا السؤال من غير اهتمام، وعلى نحو عابر، من غير أن يضفي عليه أهمية جدية، لكن فلاديمير شعر كيف صار وجهه يعاني الحر فوراً، لأن كل ما تعلق في المدرسة بماشا، وبتصرفاتها، التي صعقت الكثيرين، كان غالباً عصياً على الشرح وآسراً وغامضاً إلى درجة يصاب فيها بدوار رأس مؤلم لدى ذكر اسمها وحده، ولدى رؤية ظهرها المستقيم وشعرها المقصوص القصير. ردت رايسا ميخائيلوفنا : "ـ لا، إنها هنا. التقيت بها أمس. مرضت أمها ولم تسافر مع المسرح. بقيتا في موسكو". تثاءب إيليا على نحو ممطوط بكامل فمه حين قالت رايسا ميخائيلوفنا "لا، إنها هنا"، ونهض مصدراً ضجيجاً بإزاحته الكرسي، واقترب من الموقد الـهولندي المزين بالترابيع، وضغط يديه على بلاطة المدفأة بنحنحة متصنعة الإقدام. "ـ أماه. الدفء يكاد ينعدم لديك، هل يوجد حطب في العنبر؟ بم تتدفأين؟... ردت رايسا ميخائيلوفنا: "ـ بالنفايات الورقية المختلفة يا إيليوشا. هل تعلم؟ حدث أمر سخيف خيالي، على الطريقة الغوغولية ببساطة، سرق أحدهم حطب البتولا من عندنا، حتى آخر فلقة. ذهبت منذ أسبوع إلى العنبر كي أشعل المدفأة من أجل الليل، و.... ماذا؟ تخيل دهشتي وخيبة أملي. القفل سليم، ومتدل على الباب، أما الحطب فغير موجود. أمر مضحك ووحشي. لا أستطيع فهم ما حدث". نخر إيليا وجلس القرفصاء مقابل باب الموقد:" -ازدادت شدة البلاهة. من يحتاج إلى قنص الحطب أيضاً. لو أعرف". قال فلاديمير : "ـ لو تأخذين حطبنا يا رايسا ميخائيلوفنا، وينتهي الأمر". عارضت رايسا ميخائيلوفنا: "ـ العنبر فارغ يا فولوديا، لا حطبنا ولا حطبكم. إنها مهزلة ببساطة، لصوص غريبون ـ أبقوا الفأس فقط. انتظرا أيها الصبيان، سأشعل المدفأة الآن. لدي كومة من الصحف والمجلات القديمة....". فُرش نصف الغرفة بخزائن الكتب، التي اتسعت لمكتبة كاملة من الأدب العالمي، جمعتها رايسا ميخائيلوفنا بشغف سنين طويلة، منفقة في محلات بيع الكتب المستعملة قسماً كبيراً من مرتبها. كان إيليا يعطي الكتب بسخاء من هذه الخزائن ليقرأها الصف كلـه، والفناء كلـه، وكانت الكتب المقروءة تعاد من غير إبطاء على نحو يثير الاستغراب، لكن، على ما بدا، لسبب واحد فقط هو أن التعامل مع إيليا لم يكن خالياً من الخطورة. أحب فلاديمير غرفة آل رامزين هذه وطَرْقَ أبوابِ الخزائن الجافة فيها، والرائحة القابضة قليلاً للغبار الجاف والقديم على الموسوعات مما قبل الثورة والحروف النافرة الشبيهة بالحياكة على أقفية الكلاسيكيات الروسية والغربية وأجزاء الروايات الرثة عن الحرب الأهلية المقروءة حتى عتقت صفحاتها، وأغلفة مجلات المغامرات، التي تكشف زرقة الأماكن العالمية البعيدة الآسرة، والشواطئ اللازوردية في بلدان النعيم والـهواء العطر على الجزر المرجانية، والجو الاستوائي الخانق في الغابات المتوحشة، والضجيج الطازج وهدير الموجة الصباحية المائل إلى البرودة في البحر الزهري، والتلاع شديدة الانحدار، المتوهجة تحت الشمس كأذيال الطواويس تحت متون اليخوت المائلة على أحد جوانبها... وكان في ذلك كلـه وعد الرجولة وكمال الحياة والصداقة والحب الصادقين. "ـ سأشعل النار الآن أيها الصبيان. ستصير الغرفة دافئة. "أسرعت رايسا ميخائيلوفنا وأخرجت من أسفل الخزانة رزمة صحف مربوطة بخيط من القنب وحزمة مجلات سميكة، انزلقت فجاءة بين يديها وتساقطت على الأرض. قفز فلاديمير وشرع يساعد رايسا ميخائيلوفنا، فرفع مجلة بدت لناظريه معروفة لـه، وذات غلاف مدهش ـ "حول العالم"ـ وصورة معروفة: سرطان بحري ضخم على نحو لا يصدق، مد من ظلمة المحيط متعددة الطبقات ملقطه الـهائل مثل زردية، وراح يعض به الحبل الحديدي، الذي أنزلت به قمرة المسبار البحري الدائرية، العاجزة بشعاع مصباحها الكاشف عن اختراق لجة الطبقة المائية. كانت هذه صورة لرواية كونان دويل "هاوية ماراكوتوف". مع تتمتها المنشورة في المجلة التي قرآها منذ وقت قريب. قال فلاديمير راجياً:"ـ رايسا ميخائيلوفنا. لا لزوم لحرق....". قاطعه إيليا، وهو يدفع عبر باب المدفأة المفتوح أكوام الصحف المدعوكة: "ـ ما حاجتك إليها الآن؟ هاتيها، هاتي إلى هنا يا أماه أدب رياض الأطفال هذا". وتلقف من رايسا ميخائيلوفنا رزمة المجلات المنزلقة، ورماها على الأرض قرب الموقد الـهولندي، وأضاف باندفاع مرح: "-أقطع رأسي يا فولودينكا إن كنا سنقرأ، أنا وأنت، مرة أخرى هذه السخافة الطفولية الساذجة"... "ـ لماذا تتحدث بهذه الثقة يا إيليوشا؟"... "ـ أقول كلاماً معقولاً يا أماه. هاتي أعواد الثقاب". لعقت النار حافة الصحيفة المدعوكة في الموقد، وانتقلت إلى الأعلى نحو كومة الأوراق، ثم شبت على نحو أسطع وأوسع وشملتها بلـهب سريع، راح يصفر في الداخل، وبدأ إيليا على الفور يمزق المجلات من غير رحمة، ويدس في الموقد الصفحات المجعدة، محافظاً على النار وزائداً من شدتها، وحين راح يمزق أغلفة "مقتفي الأثر العالمي"، و"حول العالم"، الملطخة بالحبر، والتي قرأوها بحبور في المدرسة، وحين راحت عيناه تبتسمان بوقاحة عاكستين اللـهب، بدا في تصرفاته شعور ما بالرضى الثأري، كما لو أنه راح يحرق الجسور غير اللازمة الآن الواصلة بالماضي المدرسي، الذي ماعاد ممتعاً لـه. هل يعقل أن يكون قد ابتعد عنهما إلى أمد طويل، وربما إلى الأبد، الصباح المشمس الباكر والستائر المتأرجحة بسبب من الـهواء الخفيف، والمخترقة بالنور الكهرماني، ورنين المنبة على حافة المنضدة، حيث راحت تحف الصفحات برقة وتنقلب طوال الليل بسبب من هبوب نسيم أيار في النافذة المفتوحة؟... قال فلاديمير: "ـ أعطني يا رايسا ميخائيلوفنا مفتاح العنبر. سأعود حالاً". "ـ إلى أ ين؟"... رفع إيليا عينيه المضيقتين، وصفق باب الموقد الملتهب بالأوراق، حازراً نوايا فلاديمير: "آ، واضح. فلنذهب". ابيضت النثرات في العنبر على الأرض الترابية، وأنار عود الثقاب الجدران المقامة من ألواح خشبية، وفراعة الحطب الملقاة في الركن من غير فائدة، وراح إيليا يديرها ويفتلـها مثل الـهراوة، ثم رماها نحو العتبة مصدراً نقراً أصماً. "ـ أردت لو أعرف، ألم يسرقوا حطبنا بأمر من مدير البناء كوزين؟.. آ، يا فولودكا؟"... قال فلاديمير، وقد أمسك بالفراعة وخرج من العنبر:"ـ كوزين، طبعاً، نصاب، لكن ينبغي إشعال النار، ينبغي تدبير شيء ما". سادت ساعة ما قبل الفجر التشرينية في الفناء، وتثنت ذرا أشجار الزيزفون السوداء في أعماق السماء، وتأرجحت بين النجوم، وفاح المكان برائحة برد الثلج القريب (هكذا كانت تفوح ليلاً دائماً رائحة الخريف التام)، وغرق الفناء الذي نمت الأعشاب فيه كلـه، في ضجيج الأشجار الكثيف، وراح ينتفض مقفراً تماماً وقلقاً تحت هبات الريح التي حملت من بعيد، من جهة زاتسيبا، على هيئة أمواج هديراً وأصوات أبواق السيارات المتقطعة ـ وهب من عتمة الشوارع دخان ليس بدخان مواقد. قال إيليا وهو ينظر إلى السماء فوق الفناء:"ـ ثمة ما لا يسر يحدث في موسكو يا فولودكا. ليس مفهوماً. أيعقل أننا سنهرب؟ لكن ليس من موسكو ـ لا يمكن لـهذا أن يحدث. ماذا إذن، هل سنعرج على ما شا غداً؟ آ؟"... سأل إيليا سؤالـه هذا وراح، بعد أن بدأ يدخن جدياً قرب موجايسك، يلصق سيجارة من غبار التبغ الذي جمعه من جيوبه، وشرعت تتصاعد في الـهواء القارس رائحة الدخان المفروم الحامضة، والمرة قليلاً.. تمتم فلاديمير، كما لو أنه لم يسمعه، وقد راح يفسخ بالفراعة بقوة، فانتزع من سياج الحديقة اللوح المزقزق بمساميره: "ـ غداً في اللجنة العسكرية... غداً في اللجنة العسكرية... سنعرف كل شيء...". اقتلع اللوح واستقام ملتقطاً في هبات الـهواء الـهادرة، وفي صرير الأغصان، أصوات حركة مبتعدة في الشوارع الليلية، ثم شعر في عمق الفناء المغبش برطوبة الأرض والأسفلت الحادة وبالمرارة المتعفنة لأوراق الأشجار المتساقطة، وراح فجاءة يساوره وينمو فيه أول مرة خلل هذه الساعات في موسكو إحساس بالقلق الضاغط. لا، لم يعرف ماذا سيحدث لـهما غداً، ولم يعرف لماذا حدثه إيليا عن ماشا مرة أخرى، مع أنه كان في الربيع الماضي فقط يكاد لا يلحظها في المدرسة، قائلاً من غير مبالاة إن في مقدوره احتمال وردة الغرف هذه، وهذه الساحرة طويلة الساقين ذات الأنف المرفوع في أيام العطل فقط. أما هي فكانت ترد بأن تسخر منه بجراءة، معلنة أنها لم تر حيواناً أشد فظاظةً منه حتى في حديقة الحيوانات. لا، لم يكن ذلك حقداً... "ـ هل تريد المرور بماشا يا إيليا؟"... رفع رأسه، ورأى خلف كتف إيليا فوق أقصى ركن من حافة الطنف نجمتين ضخمتين، واحدة حمراء ملتهبة والأخرى بيضاء ثاقبة، مثل حدقتين كونيتين متوهجتين إلى أقصى حد، ناظرتين إلى الأرض من فضاءات العتمة غير المتناهية، وقد تذكرهما فيما بعد، بعد سنوات كثيرة، كنذير شؤم، لا سيما وأن النجمتين الناريتين المتجاورتين وتقاربهما يحمل، وفاقاً للتقويم القديم، الذي عرفه فيما بعد، معنيين: موت القيصر وانهيار الدولة العظمى. تكلم إيليا بنبرة وقحة، وبصق متعمداً ـ على الطريقة الفلاحية ـ على سيجارته وقذفها بنقرة من إصبعه بين شجيرات الحديقة: "ـ ولِمَ لا نمر؟ فلنمر. ماذا؟ هل تمانع؟ أظن أنك لم تكن حيادياً تجاهها نوعاً ما، آ؟"... أجاب فلاديمير باحتقار:"ـ هراء". حين عادا إلى الشقة محتضنين الحطب المقطَّع كان لـهب مصباح الكاز مخففاً بقصد التوفير، وجلست رايسا ميخائيلوفنا على كرسي منخفض دون مسند أمام باب الموقد المفتوح، وراحت ترمي في النار مهمومة كتل الصحف القديمة المدعوكة، وسارت على وجهها الحزين وعلى الجدران وأقفية الكتب في الخزائن الظلال الحمراء. قال إيليا بمرح: "ـ سنوقد الحطب الآن، وسيصير المكان كحمامات ساندوني، نكاية بمدير البناء ساق الملفوف. أليس صحيحاً يا فولودكا؟.. لم تألمنا عند الخنادق؟... آ؟... لـهذا وذاك". أسقط الحطب فوق الموقد الـهولندي مصدراً ضجيجاً، وجلس على الأرض مباشرةً وراح يرمي الحطب المشطور في المدفأة، وبدا واضحاً أنه كان مستعداً للسهر بإصرار، وقد تملكته الرغبة في العمل، لكن فلاديمير قال: "ـ شكراً يا رايسا ميخائيلوفنا. أنا ذاهب إلى منزلنا". أوقفته رايسا ميخائيلوفنا: "ـ ربما أفرش لك يا فولوديا على الأريكة، ابق اليوم. ستشعر بالوحدة والبرد وحدك في الغرفتين الفارغتين". قهقه إيليا: "ـ لقد نمنا يا أماه على الأرض واضعين قبضاتنا تحت رؤوسنا، فيما تتفوهين بأمور صغيرة... حسناً، إلى الغد يا فولديمار". عبس فلاديمير: لم يكن يحب أن يسميه إيليا على هذا النمط التوددي الكتبي، الذي يبرز فيه ما يشبه تعامل الكبار غير الجاد مع من هم أصغر سناً. نزت الكهرباء توهجاً ضعيفاً، مالئة الغرفتين بضباب مائل إلى الحمرة، برز منه الجانب الأخرق لمربع البوفيه القديم، وتلألأت في الركن بلاطة الموقد الـهولندي البارد، وظهرت على النوافذ مثل البقع ستائر التمويه الضوئي المسدلة في الغرفتين غير المدفأتين، واللتين تركتا باستعجال شديد من قبل أمه وأبيه. لكن فكرة الحرية والاستقلالية التامة في أشغال الغد، وفكرة أن الحظ حالفه ببساطة (لا، حسن أنه وحده تماماً في المنزل) هيجته على نحو مريح وهدأته. وجد في عتمة خزانة الثياب، التي فاحت منها رائحة النفتالين، معطفه الشتوي، فاستلقى على الأريكة وراح يضرب وسادتها تحت رأسه، ثم غطى نفسه بالمعطف حتى ذقنه ـ وزحف الصمت عبر الغرفتين وملأ البناء كلـه والفناء تحت النجوم والشوارع والأزقة و حارات زاموسكفوريتشيه المسدودة، ولم تعد مسموعة من جهة زاتسيبا أصوات أبواق السيارات الممزقة، وحده الزجاج كأن يهتز أحياناً بسبب من ارتجاج يكاد لا يلحظ في المدينة. فكر: "ماشا" ـ وأغمض عينيه منكمشاً على نفسه، كما لو أنه ملفوف بشبكة عنكبوت باردة، شاعراً بغموض الفرح والحب والخجل المضني، الذي يشعر به دائماً، حين يرى ماشا ولو من بعيد، ويرى خطوتها المرنة وتمايل معطفها الضيق ذي الطبقة القماشية على الكتفين، على شكل أمواج، والذي لم يرتد مثلـه أحد في المدرسة... (1) المريخ والمشتري (المعرب). (2) نوع من الخمر (المعرب). (3) بوركا وبوريا تصغيران لاسم بوريس (المعرب). (4) أي: مامعناه (بالأوكراينية) ـ (المعرب). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |