الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن

أيقظه هدير الشاحنات. نهض مرتجفاً برداً عن الأريكة في عتمة الغرفة الزمهريرية، ورأى شقوق نور الصباح على حواف ورقة التمويه، فرفعها إلى إطار النافذة مصدراً حفيفاً.‏

كان صباحاً تشرينياً رمادياً. استلقى أول ندى كالملح على الأوراق المبسوطة المتجلدة والملتصقة بقارعة الطريق، التي تحرك ببطء عبرها باتجاه شارع فالوفايا رتل من الشاحنات، وقد راح الدخان يتصاعد منها في الـهواء البارد، ترددت خلل زئير المحركات أصوات الناس المهتاجة. كانوا يسيرون قرب هياكل الشاحنات في حشد عشوائي مترام، وقد برزت بحدة معاطف الجوخ السميك والستر القصيرة القطنية الرخيصة وأغطية الرؤوس والأذنين الدافئة كما لو أن الشتاء حل دفعة واحدة ليلاً بصقيعه القارس. انحفرت وجوه الناس المهتاجة والمهمومة هذه، وهذا الصباح الرصاصي، الذي بيضه الندى، والزئير المتداخل وهدير الشاحنات والصيحات الفظة والحقائب والصرر في الحشد والسماء الغائمة المنخفضة فوق الأسطح في وعي فلاديمير الوسنان كشيء ينذر بالخطر، وفكر في أن أمراً ما جارفاً ومهدداً بدأ يحدث في الشوارع، وقدر لـه أن يراه حين خرجوا من الحصار قرب موجايسك. حينئذٍ هرع نحو صحن مكبر الصوت الصامت، الذي نسي تشغيلـه أمس، وأدخل الشوكة في المأخذ. تسللت ضربات الموسيقى العسكرية الرنانة وأصوات الفرقة النحاسية المليئة بالحيوية إلى الغرفة على نحو احتفالي كما كان يحدث منذ وقت قريب في صباحات الأول من أيار أو أعياد تشرين الثاني. لكن هيئة الحشد الراكض في الشارع وصوت الموسيقى الاحتفالية ولَّدا فيه إحساساً مفاجئاً بخطر مقترب لا يرد، حتى أن القشعريرة راحت تخزه بإبرها وتشد الجلد على وجنتيه. بدا لـه وكأنه رأى في الواقع الدبابات الألمانية الزاحفة في الشوارع الفارغة عند أطراف موسكو، وبسبب من هذه الرؤية المستحيلة ومن الانعكاس الباهت للسماء المتورمة على الأسطح الرطبة، ومن نغمات الموسيقى العسكرية خلف ظهره، والدبيب والصيحات تحت النافذة، تجمد برداً، وصار يرتدي ثيابه مستعجلاً، وهو يضغط على أسنانه، لكنه سمع هنا قرعاً على الباب وصوت إيليا من الممر:‏

"ـ فولديمار، نهوض. اخرج إلى الصف، خذ المجرفة. هيا إلى الفطور. صارت البطاطس المقلية على المائدة. سريعاً...".‏

أجاب فلاديمير غاضباً بعد أن فتح الباب:"ـ اخرس، ولتذهب أنت وفولديمارك المجنون إلى الشيطان. هل رأيت ما يحدث في الشارع؟".‏

رد إيليا بغير اهتمام، وهو واقف عند العتبة، مرتاحاً بعد أن نام جيداً، وممشطاً شعره بعد الاغتسال، ومرتدياً كنزة تزلج صوفية شدت بطريقة رياضية على صدره ذي العضلات البارزة: "ـ رأيت، رأيت. وماذا في الأمر؟ يجلون مصنع مصابيح الراديو. لنذهب، سنفطر، ثم إلى اللجنة العسكرية".‏

لفَّهما غاز العوادم في الشوارع ـ وقف رتل الشاحنات، التي كانت محركاتها تعمل من غير أن تتحرك، في صف طويل على شارع لوجنيكوفسك، وقد أعاقها انسداد ما غير مرئي في الأمام. أما الناس فراحوا يتجمعون معبرين عن انقباض متجهم، ويسيرون ويركضون باتجاه زاتسيبا. لم يحتمل إيليا وصاح اعتباطياً:‏

"ـ إلى أين أنتم؟"...‏

لكن أحداً لم يرد عليه.‏

تجمع الحشد في شارع بولشايا تاتارسكايا قرب بوابة المصنع المفتوحة على مصراعيها، وتكاثف و هدر ساداً الطريق والأرصفة، وهنا توجه فلاديمير مدفوعاً بنفاد صبره إلى رجل محدودب ومغطى بالتجاعيد، يرتدي معطفاً من الجوخ ويدخن بحمية تحت المصباح سيجارة لفها بنفسه بمزقة صحيفة.‏

"ـ ماذا؟ هل يجلون؟"...‏

رفع الرجل في المعطف الجوخي شاربيه الخفيفين: "ـ ألا ترى بمقلتيك؟ يركضون، صارت عيون الجميع كمصابيح السيارات. هل رأيت؟"...‏

"ـ إلى أين هم ذاهبون؟"...‏

"ـ كيف إلى أين؟ ما بك ـ هل أنت فانيا من بريسنا؟ ألا تعلم أن الألمان اخترقوا الجبهة ويندفعون إلى موسكو؟ والحكومة ـ هل سمعت أين هي؟ يقولون في كويبيشيف، نعم هناك... هل فهمت؟"...‏

تدخل إيليا في الحديث: "ـ إنها أقاويل لإثارة الذعر يا عم. من قال إن الحكومة في كويبيشيف؟ هل أفرطت في قراءة حكايات الأطفال التي يكتبها كورني تشوكوفسكي؟"...‏

بصق الرجل في معطف الجوخ، وتوتر وجهه المليء بالتجاعيد غاضباً:‏

"ـ أنت يا ابن الكلبة، أيها الجرو الخنوصي، تتجرأ وتعلمني؟ أروي لك الحكايات؟ أثير الشائعات؟ من أنت حتى تريد أن تعلم الشعب العامل؟ سأقتلع أذنيك أيها الرضيع عديم المخ".‏

"ـ إنك تشتم عبثاً أيها العم".‏

قال إيليا ذلك رابط الجأش، وعيناه المضيقتان تبتسمان بخطورة، ثم أمسك بسرعة البرق يد الرجل كثير التجاعيد، التي امتدت في سورة حنق لم تضبط إلى أذنه، وشد عليها بقوة جعلت هذا الأخير يتأوه كاشفاً عن أسنانه التي أفسدها التدخين، ثم أضاف بخيبة أمل: "ـ أما هذه فهي من عادات ما قبل الثورة تماماً. صارت قديمة منذ زمن. كانوا يقتلعون الآذان في القرن التاسع عشر، كما هو معروف، وفي أسر التجار فقط".‏

"ـ آه منك أيها الرضيع. ما بك تتزعرن؟ هل أنادي الحراس؟ الحراس؟...".‏

"ـ الوداع أيها العم، أتمنى لك الصحة. ناد الحراس"‏

ماكان ممكناً تفسير الحنق الجارف، الذي أصاب هذا الرجل ذا الشاربين الخفيفين، والذي كان، احتكاماً إلى عمره، في منزلة والديهما، ولم يكن واضحاً أيضاً لماذا حاول "اقتلاع أذنيه". بيد أنهما نسيا حالاً أمر هذا الاشتباك العارض، إذ جرفهما الحشد المندفع نحو مدخل المصنع، مضيقاً المكان حولـهما على نحو خانق، وضاغطاً إياهما من الجهات كافة مقابل البوابة المفتوحة، كما لو أن الناس كانوا ينتظرون أخباراً جديدةً. تعالى حولـهما ضجيج الأصوات، وراحت الوجوه تبحث بتعطش وعصبية وتتطاول إلى حيث وقف عند المدخل عمال يرتدون الستر القطنية وعلى أكمامهم أشرطة حمراء. أما خلف البوابة فبدا الفناء المقفر وأبنية الورشات الآجرية وسيارة "م.ك." خفيفة في المجال المعبد بين الأقسام، ومجموعة أناس حول رجل قصير سمين يرتدي معطفاً جلدياً. التفت هذا الرجل غاضباً على نحو ما، مطيحاً بطرفي معطفه الجلدي، ومشى مسرعاً نحو المدخل بصحبة مجموعة الناس، ثم توقف عند البوابة، ورفع قبضته، وصاح، وقد احمر وجهه القيادي الصارم والمستدير، بنبرة سلطوية صادرة عن رجل اعتاد إصدار الأوامر:‏

"ـ أيها الرفاق العمال." سرى في الحشد حالاً تموج الـهمس المتخامد: "ـ المدير، المدير...."، وتحرك الناس، وتقدموا راصين كتلتهم نحو البوابة، وباحثين بنظرهم، وقد ظهر الأمل لديهم، عن المعطف الجلدي وهذه القبضة الصغيرة التي طارت في الـهواء من أجل اللكم.‏

"ـ أيها الرفاق العمال. واضح لكم جميعاً أن قطعان الألمان الفاشيست قد اقتربت من أسوار العاصمة، والوضع فائق الجدية. القضية تدور حول حياة السلطة السوفييتية أو موتها، حول حياتنا وموتنا. العدو قرب موجايسك ومالوياروسلافيتش. لذلك أدعوكم إلى التزام الانضباط الحديدي، وإلى الحذر والنضال الحازم ضد مثيري الرعب والفارين والـهامسين، الذين يقوضون ثباتنا ويزرعون عدم الثقة والوهن في صفوفنا...".‏

قال إيليا مفكراً، وقد راح يشق طريقه في الحشد أمام البوابة: "ـ كان ينبغي، بالمناسبة، أن يساق ذاك الفرد ذو الشاربين من جلدة رقبته". كان واضحاً أنه آسف فعلاً على القضية غير المكتملة حتى النهاية: "ـ سحنة مثيرة للريبة جداً. ألم تلحظ أن واجهته واجهة جواسيس؟ كأن شاربيه مثبتان بلاصق. هل نعود ونتحقق؟".‏

"ـ كفاك سخافة...".‏

نهره فلاديمير غير منصت إليه، ومتابعاً من فوق أكتاف الناس المتجمهرين وظهورهم القبضة الصلبة، التي كانت تقسم الـهواء مع الكلمات المتقطعة:‏

"ـ.... علينا أن نشرع في تشكيل السرايا والكتائب الشيوعية والعمالية... آن أوان..... الاختبارات الصعبة لنا جميعاً....".‏

وصلتهما كلماته من بعيد ـ شقا طريقهما أخيراً خلل جمهرة الناس عند بوابة المصنع، وبقي الحشد وهديره وصوت أنفاسه خلفهما، وصار الشارع حتى التقاطع فارغاً على نحو غريب، وانتصبت أشجار الزيزفون سوداء في كل مكان، وبدت الأوراق الملتحمة بالجليد الزجاجي قاتمة على قارعة الطريق. لكن إقفار هذا الشارع وأبنيته الساكنة وأسيجته الخشبية المحيطة بالأفنية الزاموسكفوريتشية الـهادئة، وتوتر الحشد الذي انعكس عليهما جسدياً للتو ولدت لديهما معاً لسبب ما شعوراً بالتغيير المحسوم في حياتهما، فراحا يتبادلان النظر. دفع إيليا فلاديمير بمرفقه:‏

"ـ فهمت؟"..‏

"ـ فهمت"..‏

****‏

كان فناء اللجنة العسكرية مليئاً بالناس، علا الضجيج، واحتشد في كل مكان تحت أشجار الحور فتيان في ستر قطنية جديدة، ومعاطف خريفية يرتديها أهل المدن، وراحوا يدخنون في كل مكان ويتبادلون أطراف الحديث بأصوات غير عالية، منهم من جلس على درجات المدخل القديم والوسخ، ومنهم من راح يتمشى على الأسفلت بأقدام متجمدة في الأحذية الصيفية، ومنهم من راح يقرأ مقطباً أوامر قائد مدينة موسكو وتوصياته الملصقة على اللوحة قرب صحيفة "البرافدا"، حيث بدا واضحاً للعيان عنوان ضخم: "العدو يتابع الـهجوم". حضر تقريباً كل من كانوا في هذا الفناء بناء على بلاغات التعبئة التي استلموها، وراحوا ينتظرون جميعهم مناداتهم، كل بدوره، إلى الغرفة السادسة والعشرين في الطبقة الثانية إلى الرائد خميلنيتسكي، كما استفهم إيليا، وحين فهم اقترح خطة العمل لتجاوز "الازدحام الجنوني"، الذي لن ينتهي حتى المساء. كانت الخطة بسيطة وصحيحة ومليئة بالجراءة: الصعود إلى الطبقة الثانية، إلى الغرفة السادسة والعشرين، وإخبار الواقفين عند الباب أن المتطوعين يُسجَّلون من غير الوقوف في الطابور، فيعبران على هذا النحو إلى الغرفة السرية، إلى الرائد خميلنيتسكي.‏

نجحت الخطة الموضوعة بسهولة غير عادية، لكن حين دخلا، وأعلنا من غير تحضير أنهما يرغبان في تسجيلـهما كمتطوعين في الجيش، رفع ببطء الرائد الثقيل الأصلع، المستقر على نحو متين خلف المنضدة قرب الملازم الفتي ذي الأنف المدبب، عينيه الفارغتين بسبب من النعاس، ونظر كالأعمى فوق رأسيهما، أما الملازم الذي كان يفتش بأصابعه الأنثوية الماهرة في كومة المصنفات فكف عن عملـه الورقي وبيّن بفرح أسنانه النظيفة الضاحكة كما لو أنه يستقبل شركاء قديمين لـه.‏

قال بلـهجة صبيانية مدرسية: "ـ إليك أيها الرفيق الرائد. هل سمعت؟"...‏

رد الرائد متذمراً: "ـ واضح." وسأل إيليا من غير أن يبدل تعبير عينيه: "ـ كم؟"...‏

"ـ ماذا أيها الرفيق الرائد؟"...‏

"ـ أسألك كم سنة منذ المخاض؟ وأي شهر؟ إياكما والكذب. سأتحقق من الوثائق. أجب. بدقة واختصار ومن غير لف ودوران. واضح؟".‏

"ـ سبعة عشر. ولدت في العاشر من أيار".‏

تكلم الرائد باستحسان لا مبال، ونظر نعسا إلى جبهة فلاديمير:‏

"ـ واضح، لم تكذب. وأنت؟ أيضاً سبعة عشر؟ أم ستة عشر؟".‏

قال فلاديمير مستاءً: "ـ لا، سبعة عشر. ولدت في آب. لماذا فكرت أن عمري ستة عشر؟".‏

"ـ اذهبا إلى منزليكما أيها الشابان. والأفضل ارحلا أيها الصبيان عن موسكو. إلى أبعد مكان ممكن. هاكما نصيحتي".‏

جس الرائد الأصلع متعباً صدغه الأشيب المقصوص على نحو حثيث، وجهّم وجهه (كان رأسه يؤلمه على الأغلب)، أما الملازم مدبب الأنف، الذي كف عن عرض أسنانه الضاحكة باستحسان فقد حاول جاهداً أن يشرح خلسة من خلف ظهر الرائد شيئاً ما بإيماءات من رأسه الفتي المتورد، ورفع عينيه نحو السقف قبل اللحظة التي قطع الرائد فيها هذه الإشارات السرية.‏

"ـ لا تومئ بعينيك أيها الملازم غولكين، ولا تتنفس عند قذالي. ناد على التالين ذوي البلاغات".‏

أسرع فلاديمير مفعماً برفض حار لعدم مبالاة الرائد الأصلع، وقال: "ـ انتظر. كنا عند الخنادق قرب موجايسك أيها الرفيق الرائد، و....عدنا كي نذهب إلى الجيش. لا نريد الجلاء"....‏

غطى الرائد بكفه فمه، وراح يتثاءب مرتجفاً حتى برزت الدموع على أجفانه الحمر، ثم تمتم بزفير قصير: "ـ آها ـ ها أيها الصبيان، أيها الأخان الجنديان. يا للجنون المقدام في رأسيكما الفارغين. تغنيان الأغاني كلـها أيها العندليبان عديما الذيل. هل سمعتما بلاغ مكتب الإعلام السوفييتي اليوم؟ هل تعلمان أن الألمان قرب موسكو نفسها؟ هل تعيان أن الوضع على الجبهة الغربية قد ساء على نحو جدي؟ لماذا تتعبان رأسي؟ إلى أين سآخذكما قبل السن القانونية؟ قولا لي أيها الصبيان الزاموسكفوريتشيان. مسموح تسجيل المتطوعين من سن الثامنة عشرة وحتى الخمسين، أما أنتما فستبلغان الثامنة عشرة بعد عام كامل. عـ ـ ـام." مط كلامه، وعبر وجهه المدعوك النعس عن سأم لا حدود لـه: "ـ ألن يخرج تشابايف(1) من رؤوسكم؟ والزلاجات والسيوف وأمثالـها من الألعاب التافهة؟".‏

تدخل إيليا معتداً بنفسه: "ـ لا، أيها الرفيق الرائد.إننا نعرف هذا: لن تسير ضد الدبابة بالسروال الداخلي...".‏

لم يتمالك الملازم مدبب الأنف نفسه وأطلق ضحكة، لكنه أخرج منديلـه على الفور وتمخط بهيئة جدية وتكلم بصوت رنان:‏

"ـ لدينا أيها الرفيق الرائد طلب إلى مدرسة المدفعية. طبعاً، يقبولون هناك مَنْ في سن الثامنة عشرة، لكن....".‏

قاطعه الرائد منزعجاً: "ـ يالك من بوق وشفيع. نسر لا يعرف إلى أين يطير. أخاف أن تكون قد فكرت، أنت أيضاً، بالاندفاع إلى مكان أمرح ما. أنتما طفلان، طفلان، يصول الـهواء في علياتكما ويجول. أنتما أيها اللوحان سليمان كما تدل هيئتكما إلا أنكما تعيشان لحظتكما. حسناً، إن لم تعلمكما النصيحة والكلمة فستعلمكما الحياة، وليس دفعة واحدة بل ستنقر مؤخرتيكما كلـهما، حينئذٍ ستفهمان كم يكلف تنشق التبغ. إلى المدفعية إذن؟ قبل السن القانونية؟ عوضاً عن الجلاء؟" سأل الرائد بانزعاج وضجر، تكاثفت التجاعيد الثقيلة وتدلت كالأكياس تحت عينيه الناعستين، اللتين تفهمان كل شيء، وحين رأى الانشراح الفرح على وجهي فلاديمير وإيليا أمر مقطباً حاجبيه وبصوت مفخم جداً: "ـ سجل أيها الملازم غولكين عنوانيهما. سنستدعيهما بعد يومين إن ظل كل شيء في مكانه، وإن لم تغيرا رأيكما".‏

خرجا من مقر اللجنة العسكرية يعتريهما اهتياج فرح لأناس كان من الممكن أن لا يحالفهم الحظ، لكنه حالفهم كما لم يحالف أحداً من قبل، ولم تكن في هذه المحالفة مصادفة بل رحمة القدر وختام حياتهما السابقة وبداية حياة جديدة، جدية، مرحة، منتظرة....‏

هتف فلاديمير مضطرباً: "ـ لولا الملازم لضاع كل شيء. ماكان الرائد، قطعة الخبز اليابسة، ليرضى حتى بالتحدث إلينا. الجلاء وانتهى الأمر".‏

أيده إيليا وهو يشعل في الشارع سيجارة على نحو لا يخلو من الاستمتاع: "ـ نقار خشب ـ شاب لا بأس به. ضعيف احتكاماً إلى سحنته، عصيدة من السميد، ابن أمه، أما في الواقع ـ فيعي كل شيء كما ينبغي. اسمع يا فولديمار، ثمة اقتراح." تكلم من غير تكليف منشرح النفس وهو يتفحص برضى مبنى اللجنة العسكرية ذا الطبقتين، المتقشر، خلف أشجار الحور النفوذة في الفناء: "ـ ليس لدينا ما نفعلـه في المنزل، فلنجر نفسينا في موسكو، ولنلقِ نظرة علّ شيئاً ما يتضح، ولنأكل شيئاً ما في أحد محلات الخدمة السريعة".‏

"ـ أظن أنني قلت لك منذ زمن: فلتذهب إلى الشيطان أنت وفولديمارك. أين استنبطت هذا الفولديمار المجنون ومتى؟"...‏

"ـ كفاك ركلاً. أقولـها تحبباً يا فولودكا، تحبباً".‏

ملأت هذه الحركة المستمرة والمنتفخة بوضوح، والمتوحدة بأرتال الشاحنات والسيارات الخفيفة، زاتسيبا وشارع فالوفايا، وقد تدفقت وتدفقت من غير نهاية عبر شارع سادوفايا وساحة سيربوخوفسك باتجاه محطتي كورسك وكازان للقطارات. تيار العربات سداسي النسق بمحركاتها الـهادرة، والشاحنات المحملة بمعدات المصانع والأراشيف. الناس السائرون كالسلسلة في معاطفهم الرثة. رائحة برد الشمال، والرماد الذي فقد حرارته، والمتساقط كندف ضئيلة، كغبار فحمي، فوق ندى الصباح المتجلد على الحواف أسفل النوافذ. دروع الألواح الخشبية في واجهات المحلات المغلقة، و"القنافذ"، عند التقاطعات، والممرات المفتوحة في المتاريس المقامة من أكياس مليئة بالرمل. هيئات مثيرة للريبة لأشخاص يذهبون ويجيئون حاملين دلاءً و علباً من الكرتون في الأزقة قرب معمل الشوكولا، ومجموعات من رجال ثملين غير حليقين، يتدافعون غير بعيدين عن المسلخ، وصيحات رجال الشرطة المهددة في عمق الأفنية، وأصوات طلقات حادة ترددت بكامل قوتها بين الأسيجة كصدى في الـهواء التشريني. الحراس العسكريون المسلحون، والتأكد من الوثائق عند المنعطفات. الطوابير الصامتة والمضغوطة على الجدران قرب المطاعم، حيث راحوا يوزعون بالقسائم وجبات غداء زهيدة، تفوح منها رائحة المرغرين المحروق قليلاً. مرة أخرى حركة لا تنضب للسيارات الـهادرة عبر شارع ساودفايا. مداخل المؤسسات المقفرة المغلقة بإحكام. زئير أجوف وخوار الأبقار وسط ساحة كالوجسكايا، والتجمع العشوائي للحيوانات الجائعة، المطرودة من القرى التي شغلـها الألمان قرب موسكو، أو التي تتعرض للقصف المدفعي، وأصوات الرعاة الغاضبين، وفرقعة السياط قرب النوافذ وأقواس الأبنية، وقرقعة جرارات الكولخوزات على الأسفلت، وقد راحت تجر مقطورات فيها حصادات ومذارٍ خلف القطعان. الحريق المفاجئ غير المفهوم تماماً في حانوت الكاز على شارع ساموتيوك، ورنين السيارات الحمراء التي مرت مسرعة وصفيرها، وتلألؤ الخوذ الذهبية القلق، والحشد الخفيف على مبعدة عن الحريق والطوق المؤلف من مدنيين يتخللـهم رجال شرطة، والأحاديث الحذرة في الحشد عن المخربين وحملة القنابل المضيئة في المدينة ("أمس قبضوا على أحدهم في العلية، وكان معه مسدس ومطلق قنابل مضيئة"، "نظر المناوب في أثناء الغارة ليلاً ـ على السطح مقابل محطة توليد الطاقة الكهربائية ثمة مصباح جيب يبرق. هذا معناه أنه أعطى إشارات للطائرات ليدلـها إلى أين تقصف"، "سيبدأون الآن قصف الجسور، المخربون...."). طريق إينتوزياستوف السريعة، المليئة تماماً بالسيارات، والتي تحولت إلى مزيج من هدير وصراخ ووجوه وعيون مصابة باستعجال محموم، وأناس حائرين ومتجهين، مع أشيائهم التي جمعوها على عجل ليلاً، من موسكو إلى الطريق خارجها وإلى السكك الحديدية في الشرق ـ باتجاه الفولغا وكويبيشيف وغوركي وكازان، إلى حيث أجليت في ذلك اليوم ومن غير إبطاء بضعة مصانع ومؤسسات. الضواحي الغربية المقفرة، إلا من أرتال الكتائب العمالية على القارعة المرصوفة بالحجارة الملساء ووقع الخطوات المدوي، والأوامر العسكرية، وصوت أوراق الشجر الساقطة والمتجلدة، وقرع عجلات المدفعية الثقيل على حجارة الطريق، وأحياناً دوي الدحرجة المتواترة لعجلات عربات النقل المتتابعة. البيوت الخشبية الأخيرة والعنابر والحقل الخريفي المنحدر نحو الوادي الضيق والمغطى بالندى المثلج، حيث تلمع البلورات بين بقايا السنابل القاسية. عربات الـ"م.ك." المحدبة على الطريق السريعة إلى اليمين من الحقل، والسماء المنخفضة، المنتفخة على نحو غير مريح بالشتاء القارس والثلج في الغرب، الذي بدا وكأنه محدود بخط الغابات البعيدة الأسود، من حيث تقدم نحو موسكو ذلك الشيء المميت والمخيف والغريب، الذي لم يكن في مقدور أحد حتى أن يفكر به قبل أسبوع على أمل أن تبدأ فجاءة تفعل فعلـها قوة ما خاصة، قادرة على أن توقف الجبروت الألماني وتحطمه.‏

وكان ذلك اليوم الغائم كلـه، وكل ما شاهداه، لا نهائياً وموجزاً مثل الزمن بين اليأس والأمل. كان ذلك كلـه في موسكو المهتاجة، القريبة من الجبهة، والجديدة عليهما، والمستثارة بالخطر القريب جداً، وبتوقع الأحداث الرئيسية غير الواضحة حتى النهاية كما يحدث في التاريخ في لحظات انعطاف الكثير من المصائر أمام تهديد المجهول.‏

قال لـهما أحدهم إن محلات المواد الغذائية تعمل في حي أربات، فعبرا أزقة أربات مرتين بحثاً عن حانوت خبز أو بقالية مفتوحة. لكن الأقفال كانت معلقة على الأبواب في كل مكان، وسدت الواجهات بدروع خشبية، وفي أحد الأمكنة تكومت شظايا الزجاج المحطم على الرصيف تحت لافتة محل مجوهرات، وراح شيء ما في الفراغ المكفهر يشد من الشق، كما من غرفة مهجورة، ويغري ويدفع إلى إلقاء نظرة على البرد الحجري غير المأهول، حيث ارتكبت كما هو واضح جريمة الليلة الماضية. كانت أزقة أربات هادئة وميتة، وقد عصف الخريف فيها وساق مزق الصحف وأشلاء اللوحات الإعلانية قرب الأسيجة ودفعها على الأسفلت جامعاً إياها كقمامة ورقية حول المصابيح، وقرب الفيللات الجميلة القديمة المغلقة والمزينة بالأجساد المحدودبة ذات العضلات البارزة للأطالسة الذين يسندون الشرفات بأكتافهم من غير أن يتعبوا، تماماً كما كانوا يفعلون منذ مائة عام.... وهنا، خلف منعطف الزقاق في قبو يكاد لا يلحظ، ومن غير لافتة، وبعد أن فقدا الثقة في العثور على حانوت، اكتشفا من رائحة اللحم المشوي محل شواء مفتوح بأعجوبة، فهبطا فرحين إلى الصالة الخانقة والمليئة بالضجيج ودخان السجائر، والغاصة بالعسكريين والمدنيين. تعرَّقت النوافذ الصغيرة تحت السقف المعقود بسبب من الـهواء الفاسد، وتسرب النهار الرمادي التشريني إلى هناك بصعوبة، وشعت المصابيح على نحو ضبابي في دخان التبغ الخانق، واصطدمت الأصوات الثملة مجتمعة بجدران القبو الحجرية ـ وسبحت فوق ذلك كلـه رائحة الشواء ضاربةً الأنوف على نحو مدير للرأس، حتى أنهما بلعا لعابهما متخيلين مسبقاً كيف ستنغرز أسنانهما بشهية بقطعة اللحم الغضة.‏

وجدا بصعوبة مكاناً متطرفاً في الصالة قرب باب المطبخ، الذي هبت منه رائحة البصل، والذي ركض خارجاً عبره طوال الوقت نادلان غير فتيين، وجهاهما مهمومان ويرتديان مئزرين وسخين فوق سرواليهما القطنيين، ناشرين روائح زكية من الصحون الحديدية. أوقف إيليا النادل بإيماءة حازمة غير متكلفة في الممر وناداه وطلب سريعاً وجبتين مزدوجتين مع كأسين من النبيذ الأحمر (أياً كان، بورتفين أو مز)، ثم شرعا يدخنان جائعين بانتظار الشواء، ومتفحصين القبو والجيران خلف المناضد. أكمل شاب فتي متعرق كثيراً، أبيض الشعر، غطاه النمش مثل بيضة العقعق، فاتحاً على صدره الفروة الدافئة، التهام الصلصة في الصحن الحديدي باستمتاع غير خفي، فكان يبل قطعة الخبز الأسود ثم يغمض عينيه وهو يمصها بشفتيه الملوثتين بالسمن، مصدراً صوتاً رناناً. راح إلى جانبه يعمل آلياً بفكين كمجرفة البلدوزر رجل شبيه بحجر كبير، وكانت عيناه الكالحتان والمتورمتان مقيدتين على نحو لا يتزحزح إلى نقطة واحدة على المنضدة، وقد ضغط بمرفقه قبعته الفرائية الرثة على نحو متين.‏

قال إيليا مشيراً بحاجبيه إلى الشاب الأبرص: "-أعر انتباهك إلى هذا الصعلوك. هل ترى كيف يغرف؟ صوت مضغه أفضل على الأرجح من ألحانه الموسيقية. تعجبني طاقته المثيرة للحسد."‏

نظر الشاب الأبرص من الأسفل بعينين فاتحتين طفوليتين بعد أن سمع بحساسية كلمات إيليا، وصار يلعق بتلذذ حافة الصحن: "-وماذا؟ هل أعيقك؟ وماذا لو كنت جائعاً، وماذا لو كنت أرغب في أن آكل؟" ثم شرع يتكلم على نحو مشاكس، وقد راح يمص أصابعه الواحد تلو الآخر: "-لم آكل كما ينبغي منذ يومين. وأنا إنسان أيضاً. لا يمكنك أن تدس نفسك في أي مكان من غير قسائم، وأنا لست موسكوبياً، وليس لدي أي أقارب هنا."‏

سألـه فلاديمير مندهشاً من هذه الـ" و" المشاكسة:‏

"-ماذا؟ هل أنت من القادمين إلى موسكو؟"‏

"-أنا من كالوغا. اندفعت نحو العاصمة حين اقترب الألمان، وبقيت جدتي العجوز العتيقة وحدها، ولم تذهب معي. قالت "ليس لدي مكان أذهب إليه ما عدا الأرض الرطبة." أما أنا فأطلقت ساقي حين قصفت الدبابات الفاشية مركز المدينة. وفي الطريق أجلسني جندي أحمر مسن في شاحنته، ثم أكملت مشياً: مشيت وحدي ومشيت حتى موسكو نفسها. ومنذ أربعة أيام وأنا هنا..."‏

قال إيليا مستحسناً، ومد بتوددٍ متساهلٍ علبة سجائر "المدفع" الفاخرة المفتوحة، التي اشتراها اليوم بسعر غير سعرها من المارة قرب محطة المترو: "-عافاك. أنت تعرف جيداً الحرف "و". تفضل أيها المايسترو من كالوغا. هل تدخن؟"‏

امتنع الشاب مطيحاً شعره الفاتح على جبينه: "-لا، لا أمارس الغباء، ولا أنصحك."‏

هتف إيليا:"-يا اللـه. يا لك من أحمق ما دمت تقدم النصح."‏

استوفز الشاب على نحو مفاجئ، وراحت عيناه الواضحتان تغمزان وقد استعدتا للدفاع:‏

"-وأنت كذلك منذ الولادة. ما بك تشتم مثل تيس مسن؟ لا ألمسك، فلا تلمسني أيضاً."‏

استحسن إيليا مرة أخرى: "-عافاك. يبدو أنك تحسن الغضب. هل الجميع كذلك في كالوغا؟ أربعة أيام في موسكو ولا زال الأدب لديك ضعيفاً. تدس يدك حتى المرفق في فمك، وتمضغ بصوت موسيقي ببساطة. يا للروعة. كيف يسمونك؟"‏

نطق الشاب باستياء ومسح أصابعه الملعوقة بركبتيه تحت المنضدة: "-أنت الروعة. وإن كنت فانيا(2) فماذا إذن؟... لو نمت ليلتين على الرف في أحد مخازن البيع لديكم لعرفت على الفور ما هو موسيقي وما هو عقيقي. من يسمعك يظنك معلماً. تقضي الليل في محطة القطار تحت المقعد، فماذا يحدث- تهرب في الصباح: ينفذ البرد إلى العظام، ويتحققون من الوثائق من غير نهاية، ويطردونك إلى الشارع- وانتهى. وأية وثائق لدي ما دمت لاجئاً؟ ساقوني مرتين إلى الإدارة، أي أنني طلبت بنفسي أن يسوقوني- وإلى القائد- كي أشرح لـه: أرسلوني إلى الجيش. أريد الذهاب إلى هناك. وهم: أي جيش وعمرك ستة عشر عاماً. ينقصك عامان- وفجاءة يرسلونني إلى القطار المتجه للجلاء، إلى مكان ما في كازاخستان... حسناً، أطلقت ساقي. تظنون أنني في أمس الحاجة إلى الجلاء. ليس لدي أي أطفال بعد كما أظن، وجدتي بقيت في كالوغا. لا يوجد مكان تتحرك إليه. سرت أمس في موسكو، وكنت أرغب في أن آكل، وكان المزاج أسوأ من مزاج المحافظ، وفكرت: ماذا عليّ أن أفعل، وإلا ليس أمامي سوى الجلاء، ونظرت: العساكر ببنادقهم يغنون في الشارع: "أوكرايينيا الذهبية، روسيا البيضاء الغالية." وخطا المساعد ذو الشارب الكبير كالديك جانباً، أما وجهه نفسه فكان صارماً وساقاه في جزمة من جلد الكروم نحيلتان كعودي ثقاب. فكرت: لأنضم إليهم من الخلف. قد لا يلحظني أحد. كان بعضهم يرتدي ستراً قطنية في الصف. انضممت، وصرت أصدح بالأغنية مع الجميع، ووصلنا إلى الثكنة نفسها، وهناك في الفناء بدأوا يتحققون وينادون بالجداول. ثم حدق المساعد على عودي الثقاب باتجاهي، بعد ذلك تقدم نحوي وكان شارباه الطويلان كشاربي صرصور: "من أنت؟ من أين؟ لست منا؟ أرجو أن يترك الغرباء الصف" و-من عند الباب ارجع يا حباب. سرت وفكرت: هل سأقضي الليلة تحت المقعد في محطة القطار مرة أخرى؟ وهنا، قرب مسرحكم، أكبر الجميع(3) عبر فتيان الطريق مسرعين، ونادوني لسبب ما: "هيا بنا" اعتبروني واحداً منهم كما بدا. أما أنا فخلفهم. كانت الأبواب مفتوحة في مخزنكم المركزي، ولم تكن أية أقفال، ولم يكن فيه باعة أو أي أحد. تسلقنا، أنا والفتية، بهدوء إلى طبقة ما مليئة ببضائع من كل لون- أشياء كثيرة لا تحصى. قال أحدنا، واتضح أنه لاجئ من موجايسك، "لسنا لصوصاً، إننا ننام هنا. ابْسُطْ لفافة من الصوف أو المخمل، والتف بها وشغّل آلة النوم. ستشعر بالدفء في اللفافة "قضيت ليلتين هناك مثل ابن الملك، وأمس ساقونا من تلابيينا جميعاً.."‏

تكلم الرجل الشبيه بالحجر وذو الوجه الكبير بصوت أجش من غير أن يزيح الثقبين المكفهرتين- عينيه- عن نقطة وحيدة على المنضدة. أما فكاه فظلا يتحركان كالبلدوزر على نمط وحيد لا يتغير:‏

"-الوضع."‏

نظر الثلاثة باتجاهه، لكن هذا الأخير لم يعرهم أدنى اهتمام، ورمى في فمه آلياً قطعة خبز أسود، وقال وهو يمضغها بغباء وبالصوت الأبح نفسه:‏

"-الوضع..."‏

وافقه الشاب الأبرص متنهداً: "-هذا صحيح. وضعي أسوأ من وضع العجول، وما العمل؟"‏

قال إيليا ساخراً: "-اشتر مبولة أطفال ليلية، وماذا أيضاً؟ عليك أن تجلو مع روضة أطفال ما. إلى الجيش؟ لا، لن يأخذوك يا صديقي فانيا. ستضطر إلى أن تنتظر عامين. اجلس على المبولة عامين".‏

انتفض فانيا، وراح يغمز برمشيه الأبيضين مضطرباً: "-مرة أخرى؟ تشاكسني مرة أخرى؟ لماذا لا تحترمني على هذا النحو؟ لم ترق لك سحنتي؟"‏

"-كف عن الاستفزاز يا إيليا. لماذا؟"‏

قال فلاديمير ذلك مدافعاً لا إرادياً عن فانيا، لكنه مع كلمات هذا الأخير" لم ترق لك سحنتي "لم يكبت ضحكه، وكان لـهذا الضحك، الذي انتقلت عدواه لإيليا ومن بعده للشاب نفسه، وقع غريب على الرجل الشبيه بالحجر ذي النظرة الـهامدة.‏

أوقف أخيراً عمل فكيه القويين، ونظر مستفهماً حولـه، وتشوه وجهه الكبير ذو العروق الحمراء.‏

قال غاضباً: "-ما بكم تضحكون يا جياد؟ ما الذي يفرحكم هكذا؟ هل يُصَفِّر الـهواء في رؤوسكم؟ لو تفكرون بعقولكم." وقرع الرجل باصبعه الخشن المصفر من الدخان على جبينه: "-لو تفكرون ماذا سيحدث لكم إذا ما أخذ الألماني موسكو؟ لماذا تقهقهون من غير معنى حين ينبغي أن تبكوا؟ لو تفكرون بأمهاتكم..."‏

لا، لم يفكروا بأمهاتهم ولا بالوضع الحرج على الجبهة، ولا بالظروف متناهية الدقة في موسكو. لم يصدقوا أن الخطر عظيم ومميت، ولم يتصوروا أن الألمان قادرون على دخول المدينة وعلى أن يصيروا أصحاب هذه الشوارع التي يعرفونها كلـها منذ الطفولة، وأصحاب تقاطعات الترام وشارع سادوفايا والساحة الحمراء وأربات وشارع غوركي وحديقة نيسكوشني ساد وأزقة زاموسكفوريتشيه الشهيرة صيفاً بأشجار الزيزفون المزهرة وبأفنيتها الخلفية ذات النسائم الباردة والعنابر وأبراج الحمام... لم يكونوا غير قادرين على تصور كل هذا خاضعاً لقوة غريبة معادية وحسب بل كانوا يكادون، وهم لما يختبروا حتى النهاية خوف الموت ومحصنين بإيمانهم الذي لم يفقدوه بعد بشبابهم، لا يصبرون على الشك بالآخرين، محتقرين الضعف ونابذين إياه كتخاذل جبان.‏

سأل فلاديمير: "-أيعقل أنك تظن أن الألمان سيأخذون موسكو؟" وتبادل النظرات مع إيليا، الذي راح يدخن غير مستعجل، معبراً بتموضعه عن برودة أعصاب كسولة.‏

تكلم إيليا من غير أن يوجه حديثه إلى أحد:‏

"-ازداد عدد مثيري الذعر كثيراً، ولا يكفون عن التذمر. على الرغم من أمر قائد موسكو الجنرال سينيلوف- إعدام المتذمرين والـهامسين والمخربين رمياً بالرصاص فوراً."‏

"-هكذا إذن؟ تهزآن أيها الغران. أيها البطلان المغفلان؟"‏

نفث الرجل الشبيه بالحجر الـهواء من منخريه وقد احمر، وراح فكاه المغلقان الشبيهان بمجرفة البلدوزر يدحرجان تلال العظم الوجني القاسية- برز شيء ما مهدد وقاتم في هيئته الضخمة كلـها، فهتف فانيا الخائف بصوت غنائي متداركاً صداماً غير حكيم:‏

"-لماذا احمررت أيها العم الجيد كالسرطان المسلوق؟ لم يمسك أحد فاجلس ما داما لا يقولان إلا كلاماً. تشعر باهتمام- تحدث إلينا، وقل شيئاً ذكياً لنا، وسنستمع إلى رجل كبير مسن."‏

تأوه الرجل الشبيه بالحجر، وتحرك على الكرسي، ثم تكلم بصوت كصوت البوق وقد برّدت أعصابه مداخلة فانيا المحترمة:‏

"-آه منكم. عشب بستان أنتم. علماء مقدامون أنتم. لا مفر منكم. ما بكم- تركتم الحلمة للتو؟ رضّع؟ في موسكو تركض أقوام مختلفة قطعاناً مندفعةً نحو محطات القطار، أما أنتم فلا تفقهون؟ إليكم من يثيرون الذعر، إليكم من يجب رميه بالرصاص. أقاموا في شارع سادوفايا سدادة بستة صفوف من السيارات. كلـها منطلقة إلى غوركي وكويبيشيف."‏

دس إيليا مصطنعاً عدم الحماسة: "-الجلاء. ما العمل..."‏

"-يا لك من شيطان ذكي. ثمة من يفكر بالجلاء وثمة من يفكر بالمرق الدسم في هذه الضجة الكبيرة. ذهب محاسبنا مع عامل الصندوق إلى المصرف لجلب الرواتب، ولم ترهما سوى روح الكلاب. اختفى الاثنان بعِدْلٍ من النقود، إليك... المصنع من غير مواد لليوم الثاني، والراتب حجز جنازة لدى الرب الإلـه. علَّم المجانين الذكاء، أما محاسبنا سيميون بوريسوفيتش فأخاف أن يكون الآن في غوركي يشرب الشاي مع الفودكا على نفقة النقود الحكومية العمالية. لا شأن لـه إن أنتج المصنع قنابل مضادة للدروع أم لم ينتج. هاك ماذا يفعل جلاؤك. فهمت- لا تعرف رأسك من مداسك..."‏

صمت الرجل الشبيه بالحجر، ودحرج عينيه الداميتين نحو باب المطبخ، الذي فُتح مصدراً صريراً وظهر من وراء الستارة الملوثة بالدهون النادل المسن في مئزره الوسخ، مذعوراً، ومختنقاً بصراخه، وقد توترت عروق رقبته:‏

"-أيها المواطنون، غارة جوية. أيها المواطنون، غارة..."‏

سمعت أصوات في المكان: "-ماذا، ماذا؟ لماذا تصرخ على هذا النحو السخيف؟ هل أذاعوا بالراديو؟ أم تهيأ لك؟"‏

بدأت ضجة أصوات الناس تهدأ تدريجاً في القبو، التفتت الرؤوس نحو النادل المسن، ثم حدثت حركة سريعة عند باب الدخول، وانزلق بضعة أناس واحدهم تلو الآخر إلى الخارج، وتردد صوت وقع أقدام راكضة إلى الأعلى على الدرجات الحجرية، ولاحت على الرصيف قرب النوافذ، ثم قال أحدهم من وراء المنضدة المجاورة متوجساً:‏

"-يا للجنون. أين المفر من الموت؟"‏

"-اندفع الشباب نحو محطة مترو أرباتسكايا."‏

"-يا لكثرة ما صاروا يغيرون. عموماً، تحتاج طائرات اليونكرس إلى بضع دقائق طيران من موجايسك، وهم يقلعون من مطار موجايسك."‏

"-ليس المكان هنا أسوأ من المترو. انظر، السقف اسمنتي مسلح كما في الملجأ. لا بأس. سيحـ- حتمل."‏

"-أية واحدة؟ ذات الخمسة كيلوغرامات أم ذات الطن؟ متندر، ظهره في قوقعة."‏

"-ولم الـهرب، قل لي؟ في مقدورنا أن نجلس على نحو مؤدب معاً. لن يحدث ما هو أسوأ من الموت."‏

"-إه، ضقت ذرعاً من الجري في أوقات الإنذارات."‏

"-ماذا نفعل إذن؟ هل سنجلس؟"‏

صاحوا كالمتوحشين من خلف زاوية القبو على النادل، الذي راح يتلفت مشتتاً نحو المناضد بوجهه النحيل المغطى بالشعر القصير الخشن: "-ما بك تقف كالزجاجي؟ هيا، اجلب شواءك الشبيه بالنعل المشوي قبل أن يقصفونا. هاته ركضاً."‏

تراجع النادل نحو باب المطبخ وهو يمسح، لسبب ما، يديه الراقصتين بمئزره غير الجديد، فاشتبك بالستارة، وصار يتخلص منها بمرفقيه المترددين إلى الأمام وإلى الخلف، ثم اندفع نحو المطبخ ترافقه قهقهة عصبية مستفزة من وراء المناضد. قال إيليا متساهلاً:‏

"-أيها الأرنب الرمادي الجبان." وصرخ هنا في أثر النادل مغتاظاً: "-اسمع أيها الرفيق، إننا نموت جوعاً. إلى متى سننتظر؟"‏

زجره الرجل الشبيه بالحجر الكبير بشدة: "-لماذا أنت غاضب؟ وترفع صوتك وكأنك كبير؟ أهو الجبان؟ ألا يكون لديه أطفال أصغر من الصغار؟ الجميع أبطال حين ينمو على الخطم نصف شارب. يسهل إبراز الصدر حين لا يكون ثمة شيء خلف الظهر- لا زوجة ولا أطفال. صغار أنتم، صغار. لو تشمون ما معنى إطعام أسرة؟ البطولة في رؤوسكم؟ الحرب كاللعبة... هاك كيف تصنع الألعاب المضادة للدبابات ثلاث عشرة ساعة في اليوم." وعرض لإيليا كفه الأيمن المغطى بتلال المسامير الجلدية البنية، وأضاف: "-لو أهشم بهذه المطرقة رأس المحاسب. ماذا إذن أيها الأبطال، هل سنصنع المآثر هنا؟ أم إلى المترو كالعاقلين؟"‏

قال فلاديمير متغلباً على صمت إيليا: "-إننا نموت جوعاً."‏

أعلن فانيا الأبرص منهمكاً: "-وماذا؟ لقد أكلت، وكرشي يفرقع. صحبتكما لا تناسبني كثيراً. سأتدفأ في المترو على الأقل. أما في هذا القبو فيتخدر المرء برداً ولا يشعلون ناراً."‏

"-هيا أيها الغر."‏

انتزع الشبيه بالحجر قبعته الفرائية المدعوكة عن المنضدة، وحين تحرك نحو المخرج بدا غير طويل جداً، لكن منكبيه ورقبته كانت عريضة على نحو لا يصدق، وبدأت جزمته الرخيصة القديمة تصفق محتدمة غضباً على الأرض الإسمنتية قرب خطى مالك الحزين القصيرة لفانيا النحيل. صفق الباب وراءهما، ثم خطت الجزمة الرخيصة بصلابة قرب النوافذ ومن خلفها ساقان فتيتان نحيلتان. في تلك اللحظة (لم يتسن بعد لفلاديمير أن يزيح ناظريه عن النافذة) خرج النادل المسن بوحشية جامحة من وراء ستارة الباب المندفعة جانباً، ناشراً رائحة البصل المحروق واللحم المفرط في الشواء، ورمى صحنين حديديين على منضدتهما مصدراً رنيناً، ووضع كأسين من النبيذ الأحمر. ضحك إيليا مندهشاً، وهتف: "-أوه، فلنفترسها" ثم شم الـهواء بتلذذ مصوراً الغبطة التي حلت أخيراً، والتقط بالشوكة القصديرية ذات الأسنان المنفرجة قطعة لحم ملتصقة بالبصل، وغرز فيها أسنانه.‏

فكر فلاديمير: "غارة جوية إذن؟" وكان غاضباً من نفسه لأنه شعر، كما هو واضح، بالقلق أكثر من إيليا بسبب من الـهدوء البارد في الشارع، والضوضاء التي خفت شيئاً فشيئاً في القبو، لكنه مع ظهور الصحنين على المنضدة تناول (متخذاً هيئة الرائد المقدام) الكأس الباردة الزلقة، مع أن أية خمرة كانت مقززة لـه حينذاك، واجترع بشجاعة جرعة من السائل الأحمر، الذي كان مذاقه مذاق الحديد البارد الكريه، وقال: "- رائع." وشرع يلتهم الشواء الذي راحت قشرته المحترقة الفواحة تتكسر بين أسنانه.‏

في اللحظة التالية قفزت الكأسان على المنضدة راشّتين النبيذ، وبدأت الصحون تصطك: بدا وكأن طلقات المدافع المضادة للطائرات راحت تتردد بجنون، وترن، وتصفق على نحو مصم تحت النوافذ وعلى بعد مترين من الباب، وبدأت تقصف المدافع الرشاشة باستعجال وعلى نحو معدني متقطع. لكن شيئاً صدم الأرض حالاً وأرجحها بهدير مرعد مدمر، فخفت الضوء الكهربائي في القبو وانطفأ. انهمرت من السقف المتعرق قطرات ضخمة كزخ المطر، وارتطمت قطع الطينة بالمناضد، وقال أحدهم بصوت مخنوق: "- على الكريملين... سيرمون الآن مرة أخرى..." وتسمر الجميع. تأرجحت المصابيح المطفأة كالنواسات على الأسلاك فوق الرؤوس، أما الوجوه التي صارت كلسية فقد همدت مرفوعة إلى السقف من غير حراك. ثم بدأ بريق دهني كدر يكسو تلك الوجوه المنتظرة برعب انفلاق جسم السقف الإسمنتي، المخترق بجذع حديدي مميت لقنبلة ثقيلة ساقطة من السماء.‏

أحس فلاديمير بشد كريه في معدته، انتابه في أثناء القصف عند المخاضة قرب موجايسك، لكن هذا كان أيضاً فضولاً جشعاً تجاه نفسه وتجاه تعبير أعين الآخرين، وتجاه انتظار الموت في جمهرة القبو ("لا، لا، لن يحدث الآن شيء خطير، يجب أن لا يحدث.") نظر إلى إيليا، وقد أضناه النفور من هذه الرائحة الحامضة الفائحة من ثياب الناس المتزاحمين الوسخة، ومن العرق الدهني على وجوههم ومن رائحة رعب ما قبل الموت، وصاح به وهو يشعر بالمرح من حزمه:‏

"-لنذهب وننظر في الشارع."‏

أجابه إيليا بنظرة جاهزة مستعدة للتنفيذ وهو يخرج بالشوكة قطعة طينة من كأس النبيذ، ثم عد بسرعة النقود من فئة الثلاثة روبلات، وبحث بعينيه عن النادل المسن غير أنه لم يجده، فدس النقود تحت حافلة الصحن المصطك الذي لم يؤكل الشواء فيه حتى النهاية، ونهض وهو يتكلم بصوت يتصنع البهلوانية الـهزلية:‏

"-أيها المواطنون المحترمون. احتكاماً إلى نظرية الاحتمالات لن تقسط القنبلة هنا. أتموا التهام شوائكم بهدوء."‏

انطلقت في إثرهما من المناضد الأخيرة بضعة نداءات فزعة: "-هيه، إلى الوراء أيها الولدان." وحين فتحا باب القبو الثقيل وتخطيا العتبة اصطدما هنا على الفور، وقد أصابهما بالصمم دوي نيران المدافع المضادة للطائرات، وصوت إطلاق المدافع القريبة العجول، وقرع الرشاشات الثقيلة المخنوق، وأصوات الانفجارات الجوية المشدودة، برجل يرتدي معطفاً وعلى كمه شريط المناوب الأحمر، وكان يطل بنظره من تحت المظلة الحديدية رافعاً رأسه ومضيقاً عينيه كما لو أنه ينظر إلى نور مبهر.‏

صاح الرجل مكشراً عن أنيابه، ودفعهما نحو الباب: "-هيه... ممنوع. إلى أين؟ قفا هنا، ممنوع الذهاب إلى هناك، ممنوع. ألا تريان- يقصف المركز. تركوه يمر، السافل."‏

شاهدا من هنا، من تحت المظلة، جزءاً من الشارع وأشجار الحور العارية خلف الحاجز الحجري، وشاهدا فوق الأسطح جزء السماء المحفورة في كل مكان بثقوب في الغيوم سوداء وبيضاء كالثلج، وببريق كبريق النجوم متكرر، وبدا وكأن رذاذاً بارداً راح يتساقط في الأعالي مفجراً الأدخنة وراشاً نيراناً ممزقة، وكان كل ما أمكنت رؤيته في الأعلى من هنا مدروزاً في اتجاهات مختلفة بخطوط الرشاشات المضادة للطيران، التي تلاقت وتناثرت كمروحة يدوية، وتدافعت وتصالبت، وخطت نحو السماء متلمسة الـهدف غير المرئي في مكان ما وسط النجوم المتساقطة والمذنبات. ابتعدت الخطوط المنقطة اللامتناهية عن الأرض مندفعة، واخترقت طبقات الغيوم الأولى، ثم سبحت بعد ذلك في الأعالي السماوية بنيران ياقوتية بطيئة، حتى صار محالاً إبعاد الأنظار عن هذه المخاريط النارية المتحركة في الأقاصي، وعن هذه الزينة الضوئية الشريرة وغير الطبيعية فوق المدينة. ومن هناك شق بصعوبة طريقه صوت غريب مغرغر، ومخمد بفرقعة الألعاب النارية الجنونية ورنينها وهديرها، وحمل في السماء ثقلاً حديدياً كبيراً، متميزاً بوجوده الخطر وسط تهلل مطر النجوم المجنون والمصم هذا ووسط ومضات النور المنقط السابح وراء الحدود. وعلى الرغم من أن هالة ليلكية شاحبة انتشرت من اليسار بين الأسطح البعيدة، وعلى الرغم من أن السماء كانت تحترق هناك، وتورم كل شيء في الأسفل بشدة، وتلون بلون أحمر ريان، فإن فلاديمير لم يشعر بالرعب الذي يقتلع الروح كما لو أنه كان مؤمناً بخلوده وخلود الناس، وأحس كيف سحره على نحو غريب هذا الجمال الشرير، الذي تبدى كسريان فوضى ضوئية وكانحناءاتها ونبضاتها.‏

أثار الدهشة أيضاً أنه في وقت متأخر على الجبهة، وبعد أن خبر الخسائر والمصادفة والخوف الدبق، كان يقف أحياناً في هدوء الليل، حين يتفقد الحرس، ووجهه نحو الـهالة التي تملأ الأفق، وينظر إليها طويلاً كما ينظر إلى الغروب، وكان في تلك الـهالة سلام وغبش هادئ ورائحة الأكاسيا...‏

في موسكو لم يعرف فلاديمير حينئذ ولم يخطر في بالـه من أين أتى هذا السلطان غير المرئي عليه- من أعماق الغرائز من هاوية الدفاع البيولوجي الذي لا يسمح قبل الأوان بفهم إمكان حدوث الكارثة الشخصية وموت الذات في الكارثة وموت الآخر، لكن إحساساً بزخم نيران المضادات المرح والموحي بالنصر في الوقت نفسه ملأه، فقال مهتاجاً لإيليا:‏

"-يا للمنظر الجميل. يا للشيطان."‏

قال إيليا على نحو غير محدد، وهو ينظر إلى الأعلى نحو المظلة الحديدية، التي راحت الشظايا المنهمرة تقرعها وتنقرها وتحفها: "-آها، كرنفال خريفي في حديقة الثقافة والراحة. انظر وحسب أية أشياء جميلة تنهمر من السماء." وتناول من على الدرجة شظية طويلة لقذيفة مضادة للطيران، قطعة معدن رمادي محززة، سقطت هناك، من على المظلة المائلة: "-هل تعلم يا فولودكا؟ لو أصاب هذا الشيء الساقط من عل رأسك لجندلك بكل حماقة. إليك ماذا ينتج: ينتج أنك تأذيت بشظيتك."‏

مس فلاديمير الشظية التي لم تكن قد فقدت دفأها بعد، والتي كانت حوافها حادة وتخز الأصابع، وتفحصها باهتمام شخص وجد ذرة من جسم فضائي، وقال على نحو لا يخلو من الأسف:‏

"-قذائف كثيرة، لكن لماذا لا تسقط ولو واحدة؟"‏

"-لا يخطر ببالك أيها الشاب ذو الـهيئة المريحة ما معنى إسقاط اليونكرس..."‏

رمى المناوب عينيه إلى السماء من غير أن يكمل جملته، وكأنه يستمع بنظره مصلياً إلى الجنون الذي لا يهدأ فوق الرؤوس. أما هناك فقد سقطت عربة ترامواي من مكان ما من الدهاليز الجوية غير المرئية ومن متاهات الأعالي، واندفعت شاقولية نحو الأرض بأقصى سرعتها، وراحت تهبط وتهبط على سكة زاعقة زعيقاً جنونياً، ومخترقةً الـهواء بحدة ومصدرة زعيقاً وصريراً وصوت عويل جسم حديدي هائل، حتى ثقب الآذان ألم حار حاد من هذا الصوت الوحشي الذي غطى الأرض.‏

انقطعت السكة الشاقولية فوق الأسطح- اندفعت عربة الترامواي متشقلبة نحو الأرض من غير صرير عجلاتها على السكة. وصل الزعيق الحديدي حد الجنون، بعدئذ ارتطم ذلك الشيء الـهائل والثقيل بالأرض على نحو أصم، ورج بأرجحة محسوسة الأرض الإسمنتية تحت مظلة القبو، وهز هدير الإعصار خلف الأبنية الشارع كالزلزال. أعمى الانفجار الأبصار بإعصار ناري ورن الزجاج في الجوار وتحطم، ورفعت الريح في الجو أوراق الأشجار الصفيحية وكتل أوراق الإعلانات ومزق الصحف عن قارعة الطريق- فاح المكان بدفء حديدي جوفي كما لو أن الأرض انشقت حول أربات.‏

ورأى فلاديمير، الذي رماه ارتجاج الأرض الشديد نحو الدرجات، هولاً قاحلاً في نظرة المناوب المصعوقة، ورأى وجه إيليا الغاضب والشاحب والموجه نحو جدار البناء المجاور، الذي تصدع على نحو مائل وقطعه خط التشقق المنكسر كاشفاً خلف طينة الواجهة عن الجوف الأحمر للطوب، وقد راح الغبار ينهمر منه كالشلال.‏

قال إيليا بصوت عالٍ، ونظر إلى فلاديمير بعينين لا تضحكان: "-أصابه. لو سقطت هنا لما بقي منا سوى الغبار..."‏

"- لم تسقط هنا."‏

نطق فلاديمير هذه الكلمة عنوة، وفي نيته أن يرد على إيليا بنبرة غير قلقة، لكن، وفي لحظة، اختفى الاهتياج من المنظر المتشكل بنيران المضادات، التي لم تمنع الطائرة الألمانية من أن ترمي على مركز المدينة شيئاً ما هائلاً ومريعاً انتشر كالزلزال في الشوارع المجاورة كلـها.‏

قال إيليا، وشتم: "- هل سيسقطون هذا السافل أم لا؟ أين يصوب أولئك المساطيل؟"‏

أخبرهما المناوب هامساً، وقد راح ذقنه يقفز، ولم تكن نظرته تخفي تصلب الرعب فيها، أما الـهالة خلف الأسطح فاتسعت وكبرت، وراحت الغيوم المثقلة تغلي محمرة وقد أججتها من الأسفل نار حريق كبير:‏

"-رمى قذيفة تزن طناً. صوّب نحو الكريملين لكنها انحرفت يساراً.. أصاب بناءً سكنياً."‏

قال فلاديمير ناقماً: "- هل يعقل أن لا يسقطوه؟ ما هذا؟"‏

أما السماء فأرعدت كالسابق وبرقت بالشظايا على نحو رهيب، وراحت الخطوط تخترقها والطلقات تدرزها، وكانت ممزقة كلـها بالمعدن الـهادر، الذي بدا الخروج من خللـه مستحيلاً، لكن هدير القاذفة المغرغر، الذي يصعب إدراكه راح يبتعد متحرراً، وينسل بهدوء في هذا الكيس السماوي الحديدي المتوهج.‏

فيما بعد طارد فلاديمير زمناً طويلاً التصور الواضح لـهذا الكيس السماوي المليء من الأرض وحتى السمت بطوابير طلقات الرشاشات وشظايا القذائف التي ابتعدت في ازدحامها غرغرة الطائرة المنيعة.‏

... عند الغسق عرجا على ماشا سيرغييفنا.‏

كان واضحاً من غرفة الدخول أن الفوضى التامة سادت المنزل، وكأنهم راحوا يحضرون أنفسهم للسفر طوال النهار من غير أن يستطيعوا ذلك. ربما لـهذا السبب عدّ إيليا من الضروري أن يقول عند العتبة إنهما "اقتحما المكان من غير دعوة". بيد أن ماشا ضمت راحتيها أمام ذقنها ضاحكة، كما لو أنها تشكر اللـه على اللقاء المفرح غير المتوقع، وهتفت: "-كم أنا سعيدة بكما أيها الولدان. لا يمكنكما، ببساطة، أن تتصورا." ثم قبلت وجنتيهما، كلاً بدوره، بشفتيها اللتين فاحت منهما رائحة شيء ما حلو، وقادتهما إلى الغرفة غير المرتبة وهي تقول مسرورة:‏

"- اسمعوا، يا لحسن ما سارت عليه الأمور. تعرفا من فضلكما- هذا إيليا وفلاديمير، صديقاي، وأرجو أن تحباهما أيها الخال إدوارد وأنت يا فسيفولود. انظري يا ماما من جاءنا. لقد كانا عند الخنادق".‏

رد النقيب النحيل هازئاً، وكان متوسط السن مرتدياً قميصه العسكري من غير الحزام:‏

"- مسرور جداً، للغاية، على كافة الأصعدة. سعيد على نحو فائق، بكل المعاني." وأحنى من جديد رأسه ذا الشعر الممشط على صلعته، فوق الحقيبة المفتوحة على المنضدة، وانشغل بتعبئة الأشياء والحاجيات المنثورة في كل مكان في الغرفة. تكلم بإلحاح متابعاً على الأرجح الحديث المقطوع من غير أن يعير أي انتباه لإيليا وفلاديمير: "- عليك أن تفكري الآن يا تامارا، لأن الوقت غداً سيكون متأخراً. نعم، أن تفكري وتقرري يا غاليتي. أنت الآن في حال ما من التردد السرنمي(4)..."‏

استلقت أم ماشا، تامارا أركادييفنا الممثلة، على الأريكة متدثرة بمعطف من الفرو الأبيض فوق البطانية الصوفية، وراحت تقرأ مجلد كوبرين السميك مسندة ذقنها، ولافة عنقها بشال أورنبورغي موبر، كما لو أنها مريضة بالتهاب اللوزتين (كانت ثمة مساحيق وزجاجة عليها لصاقة صيدلانية على الخزانة الصغيرة قرب رأسها) وقد بهت وجهها الدقيق ذو العينين الشبيهتين بعيني حورية، واللتين كان فلاديمير يخاف النظر إليهما حين يلتقيها في الطريق، وأصابه الـهزال، وبدت الظلال الزرقاء، التي برزت تحت رمشيها البطيئين، قاتمة وموحية بالمرض. ابتسمت تارمارا أركادييفنا لـهما مرحبة، ونظرت مستفهمة إلى ماشا، ثم حل من جديد هم حزين على عينيها المصوبتين نحو الكتاب. جلس متقوساً هناك أيضاً عند طرف الأريكة فتى هزيل لا يعرفانه، وقد لفت النظر بركبتيه الحادتين واكتئاب جفنيه الغامزين، ففكر فلاديمير: "ومن هذه البثرة أيضاً- فسيفولود؟"‏

تابع النقيب النحيل، الذي سمته ماشا إدوارد أركادييفيتش حديثه، وهو يضع في الحقيبة على سبيل الاحتياط ألبسة داخلية وعلب قهوة وألواح شوكولا وكاكاو مع الحليب المكثف، وكانت هذه الأشياء قبل الحرب ثروة كاملة تلمع ببطاقاتها الآسرة: "- نعم، يا حلوتي الذهبية، يا شقيقتي الحسناء غير المنظورة، سيفوت الأوان بعد غد. أن أطير غداً صباحاً إلى يوغسلافيا فهذا ليس هرباً يا تاماروتشكا وليس جلاءً، بل توافق ظروف مفرح، وأنا سعيد لأنني سأصور نشاط الأنصار حتى اللحظة "ن". حتى اللحظة "ن"، هل تفهمين يا أختاه؟"‏

سألته تامارا أركادييفنا من غير أن تتحول عن الكتاب، وقد لازمت التجعيدة ما بين حاجبيها الأملسين: "- وما معنى اللحظة "ن"؟ هل تظن فعلاً؟..."‏

"- أظن يا ذهبيتي أن كل فرد الآن... في هذه الأيام يقرر مصيره... في الواقع- نحن أمام معضلة مأساوية ثنائية الوجه.."‏

قالت ماشا في هذه اللحظة:‏

"- لن نسمع الجدالات الشؤمية. منذ أمس والقيامة قائمة في المنزل وكأن الألمان دخلوا موسكو، أما أنا فلا أصدق، لا أصدق، لا أصدق. لا بل من المضحك سماع هذه المعضلات المأساوية ثنائية الوجه. الأفضل أن نقضي على شوكولا خالي. تحدثا، تحدثا من فضلكما. كيف أنتما؟"‏

تناولت عن المنضدة في أثناء سيرها لوح الشوكولا المفضوض والمغلف بالفضة الرقيقة الفاخرة، وقادتهما إلى منضدة الكتب قرب السرير المغطى بغطاء من المخمل- إلى الركن الخاص بها من هذه الغرفة الكبيرة ذات السقف المزركش، فأجلستهما على الأريكتين، وجلست هي على السرير قبالتهما، وصارت، وهي عابسة بمرح، تكسر لوح الشوكولا إلى أقسام متساوية مخشخشة بغلافه الفضي.‏

همست مشيرة بعينيها الرماديتين الضاحكتين إلى إدوارد أركادييفيتش، الذي راح يرص الأشياء في الحقيبة برشاقة: "- خالي صغير طيب. سيرسلونه مع البرنامج الإخباري إلى يوغسلافيا. المهم أنهم أعطوه تعييناً ملوكياً من النواشف. هاكما. امسكا وكلا حتى النهاية. ليكن في معلومكما- "البطاقة الذهبية". هل تذكران كيف استلقت هذه الألواح كمروحة يدوية خلابة في واجهة حانوت الحلويات على شارع سيربوخوف؟ أما الآن فطارت.. لا أثر لـها... حسناً، متى رجعتما؟ أمس؟ اليوم؟ متى؟ تكلما..."‏

أجاب إيليا: "- ليلاً. وكما ترين بصحة تامة، وقررنا أن نزورك."‏

"- أيها العزيزان، كم أنا سعيدة بالنظر إليكما. صار وجهاكما فظين نوعاً ما وبنيين مثل وجوه الجنود..."‏

صفرت، ودست في يد كل منهما قطعة من اللوح المكسور، فشعر فلاديمير برائحة الشوكولا الدافئة الممزوجة بالرائحة الحلوة المنبعثة من صدرية ماشا الفرائية حين انحنت نحوهما، ناشرة بابتسامتها نوراً مشاكساً تآمرياً، وتذكر أمسية كانونية من أمسيات ما قبل الحرب، والصقيع العاصف في الشارع، والمدفأة الـهولندية غير المشتعلة، وهدوء هذه الغرفة الشتوي، حيث استلقيا شاعرين بخدر مدير للرأس على السجادة وقد فاحت منها رائحة الغبار والعطور (كانت السجادة مفروشة في الغرفة الآن أيضاً)، ثم تذكر متسمراً الإحساس بشفتيها المرنتين الرقيقتين- فهزته إبر القشعريرة الخشنة من داخلـه. لم يستطع نسيان أي شيء من تلك الأمسية السعيدة، التي حدثت منذ عامين، أما هي، وكأنها لا تذكر شيئاً، فلم يكن في نظرتها وفي صوتها وفي ابتسامتها ولو طيف خفيف لذلك التقارب الطفولي العصي على الفهم بينهما، والذي لم تدعه من بعده ولو مرة واحدة إلى منزلـها.‏

قال فلاديمير: "- لا أحب الشوكولا." وكان يحاول التغلب على المقاومة التي لا سبب لـها لكل ما فعلته ماشا أو ما كان في مقدورها أن تفعلـه الآن، وقد فكر: لـهذا السبب كانت شفتاها حلوتين حين قبلت وجنتيهما، ثم أكمل حديثه بفظاظة متعمدة: "- لا أفهم كيف يمكن تناول هذه التفاهة المفرطة في الحلاوة."‏

قال إيليا بتفوق مازح: "- أما أنا فأحبها. هاتها إلى هنا." وانتزع مازحاً من فلاديمير حصته، ثم ضم القطعتين معاً وقضمهما بشهية وتلذذ جعلا ماشا تضحك، وتغطي أذنيها بيديها وهي تقول بصوتها الممطوط:‏

"- أوي. لا تحرج الحسناوات أيها الحوذي المسكين من الحانة البطرسبورغية من القرن التاسع عشر. كف عن التحامق (واتخذ إيليا على الفور هيئة حسناء متدللة، وصار يمضغ بحذر ضاماً شفتيه على نحو مقزز ونزوي) كف عن هذا، كف حالاً وإلا رغبت في البكاء لا في الضحك. (نظرت إلى إدوارد أركادييفيتش وأمها، وبرقت عيناها توسلاً) احكيا لي من فضلكما ماذا رأيتما هناك؟ هل شاهدتما ولو ألمانياً حياً واحداً؟ يقولون إنهم... لا، انتظر يا ايليوشا... أعطني المشط. هل لديك؟ كم نما شعراكما عند الخنادق. مثل سكان الأدغال. النظر إليكما مرعب. هات المشط حالاً."‏

بحث إيليا في جيوبه متهاوناً، ومنصاعاً للعبة الجديدة غير جاد طبعاً، ثم قدم المشط لـها بعد أن نفخ عليه بلباقة مبالغ فيها، واستمر في التعبير عن الطاعة، أما هي فقفزت عن السرير واقتربت منه حتى التصقت به وهو جالس على الأريكة، وبدأت تمشط ببطء شعره الأسود إلى الخلف. نظر إيليا الصاغر على نحو مصطنع والمبتسم من غير حراك إلى الزر الذهبي (أمام وجهه تماماً) على صدريتها، التي نشرت رائحة الفرو الجديد الزكية، وكان في حرية ماشا غير المعهودة هذه، وفي وقوفها وهي تمس تقريباً بركبتيها إيليا القادر على أن يقبل تحت صدريتها غير المزررة كنزتها، التي فاحت برائحتها، عذابٌ مسكرٌ ما وعيب مخادع كما في ذلك الحلم المفرح، الذي رآه فلاديمير مرة في أمسية كانونية قبل رأس السنة. لم يعرف إيليا، كما بدا، هذا الشعور، فكان يعبث بهدوء مع ماشا، من غير أن يبذل أية جهود، كما يفعل دائماً، ليستحوذ على رضاها- لم تعد تهمه منذ فترة "السو-سو، والكو-كو البريئة على مقعد حديقة المدرسة"- وكان مفهوماً أنه لم يستطع أن يعرف أمر تلك الأمسية الشتوية في هذه الغرفة الـهادئة، حين حاولت هي، ماشا، أن تجسد على نحو رائع دور امرأة طائشة من مخيلتها، أما هو، فلاديمير، المصعوق من الشعور بالرقة نحوها، والغارق في ضباب حار فقبّل برودة نهدها الصغير المخملية.‏

سمع صوت ماشا: "- هكذا أفضل على نحو ما. بدأت أعرفك الآن." ورأى كيف اتحد صفاء عينيها المشع لحظة واحدة مع السخرية المتهاونة في نظرة إيليا، ثم التفتت نحو فلاديمير ومست شعره باصبعها: "- وأنت؟ لماذا تنظر إليّ هكذا؟"‏

-أنا؟ لا أنظر. "وأزاح رأسه، ولكي يبرر حدة كلماته اللاإرادية قال غاضباً: "- لا أحب أن يمشط أحد شعري مثل قطة ما."‏

استلقى إيليا على الأريكة، وراح يتفحص الغرفة من غير حياء. كان يحسن التأقلم سريعاً، ويتمتع بمقدرة تثير الحسد على تخطي العوائق والمنغصات في أي ظرف:‏

"- إن كنت أشبه القطة فإن دقة ملاحظتك هائلة. ماشا، لقد تسكعنا منذ الصباح في موسكو، وعرجنا كي نتحقق إن كنت قد رحلت. الفناء خاوٍ كلـه. انسل الجميع إلى الجلاء. ألن تسافري؟"‏

جلست ماشا على السرير وهي تلف نفسها بالصدرية الواسعة عليها، وقالت: "- لا أعرف، لا أعرف شيئاً. إذا كنا سنسافر فمع أمي حين ستتعافى. لن نتحدث عن هذا. لا أريد، لا أريد. الأفضل أن تقولا لي أيها الولدان ما هذا الذي يحدث في ضواحي موسكو؟ أيعقل أن كل شيء مرعب هناك؟"‏

مررت ذقنها على فراء الصدرية بانتظار الجواب، وظن فلاديمير أن شفتيها تجمدتا برداً، وتخيل مرونتهما الكرزية الباردة، وشعر مع قشعريرة داخلية برنة صوتها، وقرْبِ وجهها وركبتيها المائلتين إلى السمنة الآن، والمشدودتين بالجوربين الصوفيين المتينين، وهب عليه نسيم الفرح النافذ، الذي يحبس الأنفاس كلما رآها، لكن كان لـهذا النسيم الشبيه بانتظار العيد وكذلك للإحساس بوقوع الكارثة سلطان كبير عليه، حتى أنهما بدلا فيه حالاً شيئاً ما، وجعلاه حاداً وفظاً على الرغم منه.‏

صار إيليا يروي نصف جاد عن حفر الخنادق قرب موجايسك، وكيف راحوا مرة ليلاً، وقد تسلحوا بالمجارف، يحاولون، من غير أن ينجحوا، التقاط المخربين الألمان، الذين رمتهم الطائرة في الحقل، وكيف أنهضوهم جميعاً قبل أسبوع بعد أن التفَّت حولـهم الدبابات من اليمين واليسار، وكيف خرجوا من الحصار نحو موسكو عبر الغابات مع بقايا فوج رماة مدحور..‏

تكلم إدوارد أركادييفيتش ممسداً جبينه المتعرق: "- يا أيها الـهراقلة، يا أيها الاسكندريون المقدونيون، يا أبطال هذا الزمان الـهائلين." ومال بحدة عن الحقيبة غير المرتبة نحو المنضدة، وملأ قدحاً بالكونياك، ودحرج متعذباً عينيه الجاحظتين نحو السقف، وشرب، وقال مرة أخرى: "- هراقلة هائلون." وشرع من جديد يمسد جبينه متألماً ويدحرج عينيه متعباً، ويسير في الغرفة من المنضدة نحو الأريكة حيث راحت تامارا أركادييفنا تقرأ مهمومة حزينة، وقد تدثرت بالبطانية والمعطف الفرائي، ثم تكلم فجاءة بلـهجة لاذعة متجهمة وهو يلثغ بعض الشيء متصنعاً: "- قصتك الـهائلة أيها الشاب تهز أعماق النفس. يا لفترة الطفولة والشباب البديعة. في الأمام طبعاً حياتان سعيدتان، أما الشباب والصحة فخالدان. الأصدقاء كلـهم جميلون ونبلاء وخالدون، أما الأعداء فمعوجو السيقان والخطم وعاجزون. كم رغبت وكم حلمت أن أعيش يوماً واحداً، ساعة واحدة، بضع دقائق في حال الطفولة العزيزة هذه والـهائلة تماماً. في جنة الكلمات الزرقاء واللازوردية هذه. يا للفترة السعيدة حين كل شيء في الدنيا- أيتها الراحات، أيتها الراحات، أين كنت- لدى الجدة(5). هل تسمعين يا تاماروتشكا(6) العزيزة؟ حقاً لا أريد الوجود في حال التفكير الناضج والمتعقل والعملي، بل أريد الطفولة. اغفر لي يا ربي أحلامي العبثية، يا أيتها الفترة العزيزة، سحر العيون(7). أظن أن بوشكين قالـها هكذا أيها الفتيان القرعان؟"‏

قال فلاديمير وقد احمر متكدراً: "- أنت مخطئ. لم يقلـها بوشكين هكذا." الفترة الخريفية سحر العيون"، و... أي "فتيان قرعان، نحن أيضاً؟"‏

تدخل إيليا لمساندة فلاديمير: "- لقد أبدعت خصوصاً فيما يتعلق بالأحلام الزرقاء اللازوردية، وفيما يتعلق بالراحات وبوشكين."‏

صاحت ماشا منزعجة: "- لماذا تستمع إلى حديثنا يا خالي؟ لا بل إنه أمر غريب، يا للخجل، ليس من عادتك أبداً، و... ببساطة، ببساطة لم تتصرف هكذا؟"‏

رفع إدوارد أركادييفيتش يديه نحو السقف المزركش وهو يهزهما كما لو أنه يستسلم للأسر من غير مقاومة:‏

"- سامحيني، سامحيني يا ابنة قيصر قوم القيرغيزكايساتسكيين، يا شبيهة الآلـهة. لقد سمعت حديثكم مصادفة. ليكن في معلومك أنني حمار هائل، فأذناي يا عزيزتي ليستا أميتين." واتجه بحيوية نحو المنضدة، وتناول زجاجة الكونياك، لكنه، وقبل أن يصب لنفسه، صوَّب عينيه الجاحظتين باتجاه إيليا وفلاديمير متريثاً تريثاً ساخراً: "- ألا ترغبان أيها الفتيان في أن نقرع أقداح الكونياك الأرمني غير الرديء أبداً؟ اعذراني، فرأسي يتحطم لليوم الثاني، والكونياك مفيد أحياناً. أتريدان؟ آ، لا، أفهم، الوقت مبكر، الوقت مبكر. سيئين الأوان، وستجربان كل شيء. ستجترعان مرارة المعرفة، والحزن العظيم، وستفكران في أثناء الأسى الكبير بوجودكما. أوه، يا للروعة، رائحة الشمس." أنّ، وراح يفرغ القدح بجرعات صغيرة متذوقة، ويقضم قطعة شوكولا باستمتاع، وقد ظل يسير طوال الوقت في الغرفة بقميصه العسكري من غير الحزام، ثم قال وهو يتحسس سريعاً بأصابعه المرنة كما لو أنه يتحقق إن كان ألم الرأس قد فارقه أخيراً: "- نعم، بالمناسبة، فيما يخص الماضي والحاضر. أين هو صباح ما قبل الحرب، الماضي، العزيز، الصافي؟ الماضي- مجاز. الحاضر- معتم، متجهم، مأساوي في عصيانه على الفهم. المستقبل خلف سبعة أبواب. أوه، يا للشيطان. الرأس ينفجر. لا البيراميدون ولا الكونياك يفيدان على الرغم من أنني كنت متماسكاً كرجال الإطفاء ولم أشرب أمس. لم أشرب. الأرجح أن الأمر عصبي تماماً، نسائي، فرويدي. لا أستطيع، لا أملك القوة كي أنسى يا تامارا حديثي الصباحي مع أحد أصدقائي. عرجت عليه في طريقي من الستوديو. تخيلي اللوحة: منذ وقت قريب كان أنيق الملبس وممتعاً ونظيفاً، أما الآن فغير حليق ووسخ وينتعل جزمة لبد طويلة، ويجلس في أريكة قرب المدفأة ويحرق أوراقاً وصوراً ما. أما العينان- فملتهبتان، مجنونتان، ويتمتم بكلمة واحدة فقط: "كذب، كذب..." سخافة هائلة، مشهد من دوستويفسكي. عفاريت. وأما ابنه الطالب في معهد الطيران، والأعرج منذ الصغر بعد شلل الأطفال، وهو ولد ذكي ووسيم، فقد راح يمزق الأوراق أيضاً قرب المدفأة الـهولندية، ولم تكن هيئة الاثنين، لو تدرين، مرعبة بل وحشية. سألته: "ماذا يا جينيتشكا(8)، هل سترحل إلى ألما آتا أم ستبقى يا عزيزي؟" أما هو فضحك ضحكاً جنونياً نوعاً ما، هستيرياً، لو تدرين، وقال: "ناوبت اليوم ليلاً بدوري، ورأيت جيداً، جيداً جداً كيف لغموا الجسر على نهر موسكو. وقفت الشاحنة عند البوابة، وكانت مليئة بصناديق المتفجرات. هذا معناه أنهم لغموا الجسور كلـها تماماً، وليست الجسور وحدها. إنهم يحرقون الأراشيف في لوبيانكا(9) وفي المركز. هذا معناه أننا خسرنا الحرب، وأن موسكو قد قضي عليها." وقال: "ما يخصني، فاعذرني، لأنني لا أصدق شيئاً إطلاقاً. محال توحيد القطيع البشري، كل يقتطع لنفسه قطعة. قميص المرء أقرب إلى جسده. رموا للفقراء شعاراً: "اضربوا الأغنياء، انزعوا الملكيات، خذوا ما لديهم." فأخذوا ونزعوا واقتسموا، فهل صارت الحال أفضل؟" ثم أعلن لي: "قررنا، أنا وابني، أن نبقى. لست حزبياً، أما ميشا(10) فكومسمولي، حسناً، لكل زمن أغنية. سيدفن ميشا بطاقته الكومسمولية وسيعمل بهدوء. "لو تدرين، راح ميشينكا الأعرج والكسيح يومئ برأسه موافقاً: "نعم، سأدفنها وسأعمل بهدوء. أنا معاق ولا أحد يحتاج إلي..." جنون هائل، كابوس من كوابيس قيام الساعة. لا أستطيع يا تامارا أن أقتلع هذا الحديث مع جينيا من رأسي، لست قادراً على أن أتخيل كيف حزم أمره. أمر يبعث على الجنون. مع أن..." مسد إدوارد أركادييفيتش صدغيه مشعثاً شعره الممشط من الجانبين على صلعته، وصمت، وراح ينظر بعينين جاحظتين رماديتين حزينتين إلى الفضاء فوق رأس شقيقته، التي تحولت عن الكتاب ونظرت إليه نظرة ضعيفة، راجية إياه أن لا يمس المحظورات وما لا يجب أن يسمعه الغرباء. أما إدوارد أركادييفيتش فتابع حديثه غارقاً في حال من العزلة المشتتة: "- مع أن الأوضاع على أعلى درجة من المأساوية." قال ذلك وأدار لـها ظهره: "- غير مفهوم. غير معقول. أمر لا يدركه العقل. أعلنوا في السادس عشر من تشرين الأول أن الألمان اخترقوا الجبهة، وبدأ الـهلع. الألمان قريبون- فكروا فقط. أخذوا كالوغا، إنهم في البيوت الريفية في ضواحي موسكو... الجنود الألمان يجلسون في قطارات الضواحي ويستبدلون أحذيتهم- صور هائلة. لكن هذا محال، محال. أما في موسكو فيجري ما يسمى آخر جلاء. إنهم يخرجون المصانع. الشعب يركض حاملاً الصرر نحو طريق غوركي السريعة. بدأ النهب، أعوذ باللـه، على الرغم من أن أوامر الجنرال سينيلوف معلقة عند كل ركن. يرمون بالرصاص في الأفنية مباشرة العملاء واللصوص، أما الألمان فيهجمون. في مقدورهم أن يكونوا في موسكو غداً، غداً. لا أحد يضمن شيئاً. غداً؟... أم بعد غد؟... كابوس هائل. ما الذي حصل؟ وكيف حصل؟ من يعطي جواباً؟ "صاح إدوارد أركادييفيتش بصوت محبط، ورفع يديه نحو السقف على نحو موح: "- كن مستعداً للعمل والدفاع. أبْعَدَ من الجميع، أعلى من الجميع، أسرع من الجميع. كم قيل من الكلمات الـهائلة، فماذا حصل؟ الألمان عند القناة، عند سد ايسترينسك. قرب خيمكي. هل تستطيعين أن تجيبي يا تامارا العزيزة؟ هل تستطيعين أن تشرحي- بأي شكل؟ أم في مقدوركم أيها الكومسموليون الفتيان أن تجيبوا بشيء ما؟ كيف؟ بأي شكل؟"‏

قالت تامارا أركادييفنا بصوت منخفض مزكوم، وهي تصحح مضطربة وضع الشال الأورينبورغي الموبر على عنقها: "- أظن أنك لست في حاجة إلى طرح المزيد من الأسئلة. لا تقحم الأولاد في هذا كرمى للـه، فهم ليسوا مذنبين."‏

ضم أصابعه الثلاثة وضغطها على جبينه، ثم أبعدها وفتحها في الـهواء: "- افهمي، افهمي. لا ينبغي عليك، ولا على ماشا، أن تبطآ. لا ينبغي البقاء هنا. هذا جنو-ون لا يمكن شرحه. التهاب اللوزتين ومصيرك- أليس مضحكاً؟ أرغمي نفسك يا أختاه العجيبة. أن تبقى امرأتان في الجوع والبرد والمجهول، ولو أسبوعاً من غير موارد جدية... وحدهما في بناء فارغ تقريباً- فهذا ليس مخاطرة وحسب، وإنما انتحار على أقل تقدير. تصوري ما هو أسوأ. لم تستطيعا الرحيل، وحلت الكارثة على موسكو. بأية موارد ستعيشان- ستبيعان الخواتم والأقراط وسقط المتاع والخرق؟ كم ستكفيكما؟ وبعد؟ ستعرضان نفسيكما على رصيف شارع أربات؟‏

سامحيني، سامحيني. إنني مهتاج طبعاً، لكن الجوهر يكمن، على هذا النحو أو ذاك، في شيء واحد. الإصابة الآن بالتهاب اللوزتين في موسكو ترف لا يمكن السماح به. يجب الرحيل إلى طشقند يا أختاه الذهبية. عليك اللحاق بالمسرح، أن تسافري غداً فوراً، غداً، السفر."‏

قالت ماشا بهدوء، وهي لا زالت تلف نفسها في صدريتها الفرائية، وكأنها تشعر ببرد شديد: "- لا أفهم يا خالي. تتحدث كما لو أن الفاشيين سيدخلون موسكو غداً... غداً. أيعقل أنك تفكر على هذا النحو؟ هل سيدخلون؟"‏

هتف إدوارد أركادييفيتش مندهشاً: "- ماشا، يا ابنة أختي العزيزة الغالية. لا يعرف هذا إلا الرب الإلـه. ولن يقول أحد أو يخبر مسبقاً، يا للأسف، حتى لو حاصرت الدبابات الألمانية موسكو وقطعت الطرق. لكن الدلائل كلـها تشير إلى أن الوضع فائق الجدية على نحو لم تعرفه ذاكرتنا بعد. نعم يا ماشينكا، يا مخلوقتي الفتية الساحرة. سنك يعني التفاؤل الذي لا يتزعزع، لكن أن يكون المرء متغافلاً في مثل هذه الأيام فهذه خفة عقل شبيهة بالموت... هل تفهمين يا ماشينكا ما معنى أن تظل امرأتان في مدينة قد تنشب فيها حرب شوارع. ستذهبان إلى المتاريس مثل جان دارك؟ الممثلة وابنتها- الجنديتان الشجاعتان..."‏

انبعثت من كلمات إدوارد أركادييفيتش وحيوية أصابعه، التي كان يمسح بها جبينه العالي تارة، وتارة يطقطقها بعصبية فترات طويلة ويداه خلف ظهره، ومن صوته، الذي بدا وكأنه يرش حولـه إبراً سامة، حدة الخطر الخانقة، واحتدم النفور منه في داخل فلاديمير كنار حارقة. استمع إيليا بانتباه شديد إلى إدوارد أركادييفيتش مضيقاً عينيه، ومن غير أن يدع كلمة تفوته، وكان فمه مضموماً بصبر وكأنهم يدعونه إلى عراك لا ينبغي قبولـه فوراً، غير أن فلاديمير لم يحتمل:‏

"- إنك تجبن ببساطة..."‏

(أوه، ما كان سيقول هذا بعد سنوات عديدة، لكن حينئذ، في فترة تشرين الأول من عام واحد وأربعين، كان الصفاء الصادق، وإيمان الشباب الساذج بعدالة عالم الإنسان ونقائه، هذا الإيمان الذي أشعل بعدئذ مواقد إحراق الذات أربعة أعوام.)‏

انحنى إدوارد أركادييفيتش وهو يبتسم ابتسامة ضعيفة، كاشفاً عن تسريحته البارعة على صلعته المبكرة، وتابع حديثه على نحو مسالم: "- أشكرك أيها الشاب، أشكرك. أنا جبان؟ ممتاز، رائع. في مثل سنك يا صديقي اعتبرت جميع من هم في سني الحالي بغالاً مسنة لا يفهمون في الحياة شيئاً. كانت هذه الكلمة على الموضة حينئذ. حسناً، أتعاطف معك تماماً وأشاركك استياءك النبيل مشاركة تامة." قام بانحناءة أخرى تجاه فلاديمير وهو يشع بالعرفان الساخر، بعدئذ وقف عند رأس تامارا أركادييفنا، وشرع يتحدث بلـهجة حماسية مقنعة: "- لكن مهما بدوت جباناً أمام البطلين الشابين فإنني ألح يا أختاه على رحيلك مع ماشا في قطار الصباح. أتوسل إليك أن تجهزي نفسك اليوم. آ، هاتي، هاتي من فضلك. سأنظر بنفسي. إنك تقيسين الحرارة بغير نهاية." انتزع باندفاع ميزان الحرارة منها، ونظر إليه مرتين غير واثق، ثم هزه وتكلم وهو يضم كتفيه محتاراً: "- يا عزيزتي، لا أعرف ماذا أفعل- سبع وثلاثون وتسعة. لكن عليك أن ترغمي نفسك، أن تتماسكي، أن تقسريها على اتخاذ القرار أخيراً. افهمي، لن يكون ممكناً تصحيح هذا..."‏

نهضت تامارا أركادييفنا على مرفقها، وانثنى حاجباها بحزن، وقالت وهي تتنهد شاكيةً: "- افهمني أنت أيضاً. إنني خائفة... أريد السفر لكنني لا أستطيع. أنهكتني الحرارة المرتفعة طوال الأسبوع. إنني خائرة القوى ببساطة، سأموت في الطريق في مكان ما. هل تريد أن يدفنوني في مقبرة قروية ما؟.. لا تكفيني القوة يا إدوارد..."‏

صاح إدوارد أركادييفيتش مفرجاً بين أصابعه المتحركة، وهازاً إياها: "- هائل. جميل... والأولاد؟ هذه قلة عقل، جنون. البقاء مع الأولاد على حافة الـهاوية... ماذا بشأن فسيفولود؟ ماذا بشأن ماشا؟ هل فكرت بمصيرهما؟"‏

ضغط فسيفولود، الحدث ذو الوجه الكئيب كثير البثور، الذي ظل الوقت كلـه صامتاً ومتقوساً عند قدمي تامارا أركادييفنا، واستمع الوقت كلـه بوجل إلى حديث إدواردأركادييفيتش المتواصل والمشبع بالقلق المالح، قبضتيه على خديه فجاءة، وبدأ يخور بصوت غليظ أصم فتي، ويرتجف متشنجاً، وينحني متأرجحاً إلى الأسفل نحو ركبتيه، كما لو أنهم يلوونه من الخلف من رقبته، ثم راح يكرر هامساً: "- كيف ستكون حالي؟ إلى أين سأذهب؟" ورأى فلاديمير هنا كيف تشوه وجه ماشا الشاحب بتصعيرة اشمئزاز، ورن صوتها باستياء:‏

"- كفى من فضلك يا فسيفولود. مظهرك مخجل وأنت تتحول إلى امرأة. وأنت يا خالي، كف عن تعذيبنا. لن نذهب إلى أي مكان ما لم تشفَ ماما، إلى أي مكان. لقد اختلقت شيئاً مخيفاً. سنظل حالياً هنا، وسيبقى فسيفولود معنا، والآن اصمت وإلا سأزعق ولن أدعك تتكلم. هكذا، هل تسمعني؟"‏

زعقت على نحو يائس ومؤثر، ثم ضحكت عنوة، وقفزت على عجل، وجلست على الأريكة قرب أمها، واحتضنتها من كتفيها مدافعة عنها ومهدئة إياها، وقبلت شعرها (أغمضت تامارا أركادييفنا عينيها ونشجت، واستدارت نحو الجدار)، وفكر فلاديمير أن وجوده مع إيليا هنا صار من غير معنى، وأنهما ضيفان قدما في وقت غير مناسب، ولكي يتخلص من إحراج الجدال الذي جرى أمامهما، ولكي لا يسمع مرة أخرى زعيق ماشا اليائس، الذي لا زال يطن في الآذان، قال لإيليا بغير تكليف مفرط:‏

"- تحية أم ماذا؟"‏

كانت هذه الجملة معروفة في المدرسة، وترمز إلى الوداع الاضطراري في الظروف الخاصة، فوقف إيليا بعد أن فهم، وقل بنبرة حاسمة:‏

"- قرأنا اليوم في أمر قائد مدينة موسكو: يرمى المخربون ومثيرو الذعر بالرصاص في أمكنتهم. ألست منهم؟"‏

أحرق بنظرته إدوارد أركادييفيتش، وضرب من غير اكتراث طرف المنضدة وهو متجه نحو الباب بحافة يده كما لو أنه يستعرض في الاستراحة في المدرسة حركة جيدو، فرنت زجاجات الكونياك التي أحاطت بها علب الكونسروة، ثم قال بتبجيل لتامارا أركادييفنا، وقد نظرت إليه مذهولة:‏

"- سامحينا، جئنا إلى ماشا ولم نعلم أن لديكم حديثاً أسروياً صاخباً."‏

سألته تامارا أركادييفنا هامسة: "- ماذا، ماذا؟ لماذا "صاخب"؟ لماذا "أسروي"؟ عم تتحدث يا إيليا؟ إنك تسلك سلوكاً غير مهذب وفظاً..."‏

تكلم إدوارد أركادييفيتش بخوف تهريجي، وصلّب بحمية بهلوانية، وراح يمثل لاهثاً الشروع في فقدان الوعي: "- آه، أي فارسين هائلين لديك يا ماشينكا. مثلـهما قادر على الضرب أيضاً. فلينجنا القدر من الالتقاء بهما في زقاق معتم. ارحلا كرمى للـه. اخرجا، ارحلا قبل أن... قبل أن أطلب الحراس أو الشرطة. اذهبا، اذهبا بعيداً أيها الشابان ولا تتدخلا في شؤون الآخرين. أتوسل إليكما..."‏

صرخت ماشا: "- كف من فضلك عن التهريج يا خالي." وزعقت من جديد على نحو مصم وخارق، حتى أن أمها ألقت رأسها على الوسادة وضغطت متألمة الشال الموبر على أذنيها. أما إدوارد أركادييفيتش فسقط في الأريكة وأدخل عينيه تحت جبينه طالباً الرحمة بيديه. ثم صاحت من غير أن يتضح إن كانت تبكي أم تضحك: "- هاك، هاك على ما فعلته بصديقيّ. لن أدعك تقول كلمة واحدة، ولا كلمة، ولا حرف."‏

أطلق إيليا ضحكة ساخرة، وأومأ لفلاديمير الصامت: "- لنرحل بعيداً، أحضروا العربة لنا أحضروها. لنرحل إلى حيث يوجد ركن للمهانين."(11)‏

خرجا إلى الشارع المسائي المليء بأوراق الأشجار المتجلدة الملتصقة بالأرصفة، وهناك أدركتهما ماشا وقد رمى الـهواء البارد شعرها، وأطاح بطرفي معطفها الطويل غير المزرر وألصقهما بساقيها. لا بل بدا لفلاديمير أيضاً أن البرد الذي هب بحدة قد ثنى أهدابها القاتمة الكثيفة وأجبرها على أن ترد رأسها إلى الوراء، وقد وقفت أمامهما، وراحت تمعن النظر في وجهيهما، جاهدة كي تبتسم وتتكلم بمرح، ثم صارت في رمشة عين ماشا السابقة التي تحبس الأنفاس من نظرة واحدة.‏

شرعت تتحدث بصوتها المرن مستعجلة: "- ما كان عليكما أن تعيرا خالي انتباهاً. إنه ليس على ما يرام طبعاً. فسيفولود ابنه بالتبني من زوجه الأولى، وهو يريد أن يرحل معنا. هل تفهمان؟"‏

أجاب إيليا: "- ليس ثمة ما يستحق الفهم. أظن أن خالك فائق الروعة ما هو إلا ثمرة من شجرة ناشري الذعر."‏

أكد فلاديمير: "- يا لـه من شخص، لا بل إنه كذاب من الطراز الأول أيضاً."‏

قالت ماشا ماطة الكلمات: "- أي أحمقين غبيين أنتما، ومع ذلك فإنني أحبكما، أنتما الاثنان أيها الأحمقان الجيدان الغريبان اللذان لا يفقهان شيئاً."‏

مسدت بلطف وجنة إيليا باصبعين من يدها اليسرى، ومست بيدها اليمنى ذقن فلاديمير ففاض عليهما الإشعاع اللطيف من عينيها الملتهبتين تحت أهدابها المثنية، وشعر فلاديمير وكأن الأرض تهتز من ملامسة أصابعها الدافئة ومن هذه الـهاوية المشعة في نظرتها غير المفهومة التي تعد بشيء ما مفرح وسري وخاطئ جعل البرداء تصيبه وجعل أسنانه تبرد. سألتهما:‏

"- ماذا ستفعلان في موسكو؟ هل ستبقيان؟ لم يدعونا نتكلم بسبب من ضوضائهم الجنونية هذه. أريد أن أعرف ماذا ستفعلان."‏

قال فلاديمير بصدق خالٍ من الحرج: "- نحن؟ إلى الجيش." ثم أخرج علبة سجائر "المدفع" وعرضها على إيليا وتابع قائلاً: "- كنا اليوم في اللجنة العسكرية."‏

أيده إيليا على نحو عابر وهو يتناول سيجارة بسرور ويشعل عود ثقاب ويقربه من فلاديمير ليشعل سيجارته أولاً: "- فولودكا لا يكذب. لقد حللنا هذه المسألة تقريباً."‏

استغربت ماشا: "- هل تدخنان أيها الصبيان؟ هل تعلمتما هناك عند الأعمال الدفاعية؟ يا لكما من غريبين. صرتما كبيرين حقاً... إلى الجيش. لقد حزرت أنكما ذاهبان إلى الجيش." كررت ذلك وعضت شفتها: "- آه، كم أريد أن أذهب إلى الجيش أيضاً. لكن لا بأس، لن أنجح. لا أستطيع أن أترك ماما."‏

قال إيليا مضيقاً عينيه من دخان السيجارة، وبدا وكأنه لا يفكر بأي شيء صعب: "- أنت جميلة جداً على الجيش يا ماشينكا. ستبدأ المبارزات بين الرجال. لذلك اجلسي مع أمك وانتظرينا، والأدق، انتظري فولودكا، فأنا لدي خمس شامات على كتفي الأيسر- هذا معناه أن مصيري مصير متجول يجوب الدنيا كما تنبأت لي إحدى الغجريات، وإذا قتلوني فلن تكون المصيبة كبيرة: سيبكون قليلاً ثم سيكفون. أليس صحيحاً؟"‏

(لماذا قال هذه الجملة القدرية حينذاك؟)‏

نظرت ماشا إلى إيليا مباشرة، وكأنها حزرت تماماً سبب إصراره على أن يكون غير جاد وسبب مزاحه الطائش حول أمور لا تجوز السخرية منها، لكنها قالت أيضاً بنبرة استخفاف وتغافل:‏

"- كم كل شيء مضحك على نحو غير معقول. خمس شامات على كتفك الأيسر؟ كم هذا شاعري، روايات ميريميه الإسبانية. أليست كارمن هي من تنبأت لك يا إيليا؟"‏

تنهد إيليا متصنعاً: "- أسوأ، مع أن الغجرية كانت جميلة جمالاً خيالياً، طول أهدابها متران وساقاها ساقا إلـهة."‏

خفق رمشا ماشا الكثيفان: "- أسوأ؟ أسوأ ممن؟ كيف نفهم "أسوأ"؟"‏

نقر إيليا السيجارة بأظفره متأسفاً، كما لو أنه يفكر بشيء يقولـه ليجرح شعور ماشا:‏

"- أسوأ بمعنى أن مثيلات كارمن ما عدن موجودات في الدنيا. اضمحل الجمال وعلينا أن نرسل أي مشاعر جياشة إلى المتحف منذ زمن طويل. صارت قديمة مثل الفأس الحجرية."‏

استقامت ماشا متوترة:‏

"- غباء، حتى أن هذا لا يثير الشفقة. عرفت دائماً أنك فظ مثل حجر. قبضتك وعضلاتك دليل كاف على ذلك. ما هذا المتحف الذي افتتح؟ أين؟"‏

غاص في الدخان، وراح يضحك مبيناً أسنانه السوية الممتازة: "- سيفتتح. متحف المشاعر الجياشة. إننا نعيش في قرن القوة الفظ. عموماً، إنني لا أمزح، لقد فكرت فعلاً في أنك قد تثيرين بلبلة في الجيش، فالحمقى المخبولون لا زالوا كثيرين، وكل منهم يظن نفسه الوسيم الذي لا يقاوم، و أنه مخلوق من أجل تفاهة مليئة بالمشاعر الجياشة."‏

هتفت ماشا وهي تضم كتفيها مندهشة: "- ها هو الغباء الذي يهز أعماق روحي. ألا.. ألا تغار عليّ؟"‏

قال إيليا: "- صحيح."‏

"- ومنذ متى؟"‏

"- لا يهم."‏

"- لماذا لا يهم؟ الأرض مليئة بالشائعات عن مغازلتك التي لم تخل من نجاح لمدربة الكرة الطائرة في المدرسة الرياضية. الحسناء الشقراء التي لا تقاوم. لا أذكر اسمها... أظن بولينا؟..."‏

أكمل إيليا تدخين السيجارة ورماها على شبكة المزراب، حيث تألقت باكفهرار قشرة الجليد وبرزت منها أوساخ الطريق المتجمدة التي لم يغسلـها المطر، ثم جذب ماشا من مرفقها وبدأ يتكلم كلام الكبار الخالي من الكلفة، والذي تصعب فيه معرفة إن كان جاداً أم يمزح:‏

"- أنت صغيرة جيدة. لا أعرف ماذا بشأن فولوديا، لكنك تعجبينني قليلاً. رمشاك أطول كثيراً من رمشي تلك الغجرية."‏

برقت عينا ماشا على وجه إيليا الثابت، ورفعت ياقتها شاعرة بالبرد، ودست يديها في جيبي المعطف: "- ما معنى هذا؟ مزاح لطيف؟ اعتراف بالحب على غرار دون جوان أم ماذا؟ لماذا تقول ذلك؟ آه، فهمت. استعراض العجرفة... ألم يختلط الأمر عليك بيني وبين بولينا، أو أية خاطئة أخرى مغرمة بك من المدرسة الرياضية؟"‏

قال إيليا باللـهجة مدعية الخبرة نفسها: "- لم يختلط الأمر، وليس ثمة أي استعراض. علينا أن نتوادع. هيا بنا نتبادل القبل..."‏

رمت ماشا رأسها إلى الخلف.‏

"- ماذا يعني أن نتبادل القبل؟"‏

"- يقبل الأطفال الصغار بعضهم جبين بعض. أما أنت فيجب أن تُقبل شفتاك طبعاً. هل أريك كيف؟"‏

"- هذا أمر مسل. جرب إن كنت ستنجح في ذلك."‏

وقفت دافعة رأسها إلى الخلف، ونظرت إليه من غير أن تخرج يديها من جيبيها، واضعة شفتيها المتسائلتين والمدورتين بابتسامتها عرضة لـهول قريب ما. أما هو فجذبها من مرفقها من غير أي حرج، وكأنه معتاد على التصرف هكذا كل يوم، وراح يضغط شفتيه ببطء على شفتيها المبتسمتين مقبلاً إياها قبلة جريئة طويلة حتى أنها صارت تنحني إلى الخلف قليلاً، وأخرجت يديها من جيبيها وأنشبتهما في صدره وراحت تدفعه حذرة، ثم حررت أخيراً فمها الخائف وهي تلـهث وغطته باصبعها، وتكلمت هامسة همساً غريباً:‏

"- لماذا تتصرف بفظاظة؟ إذا كنت تودعني فهل يعقل أنك تريد أن أتذكر فظاظتك؟ لا، أنت غوريللا ما، إنسان غاب..."‏

ضحك إيليا بلطف: "- حقاً؟ فظاظة؟ إنسان غاب؟ لديك شفتان لذيذتان وحسب. ممكن أيضاً؟.."‏

"- لا، لا لزوم." وتنحت مصفرة، واقتربت من فلاديمير باستعجال كاذب ومبالغ، فسقط على الفور في أعماق نظرتها الضبابية، وغرق متعذباً في حدقتيها: "- عليّ أن أودعك أنت أيضاً؟ حسناً، قبلني من فضلك..."‏

شد تشنج شائك على حنجرته، ولم يستطع أن يصدر صوتاً واحداً حين راح إيليا يتحدث إلى ماشا ويقبلـها من غير أن يخجل من حضوره وكأنه عد الأمر طبيعياً تماماً لكونهما صديقين، وكان رد إيليا على كلماتها عن الفظاظة بابتسامة لطيفة نابعة عن خبرةٍ رجولية، وفزعها من إلحاحه العابث واندفاعها لتوديع فلاديمير من أجل الخلاص، وكل شيء مكشوفاً وغير مفهوم حتى العجز، مع أن نظرتها فضحت كل شيء وكذلك ارتجاف أهدابها وعض شفتها الحائر- أدار رأسه جانباً كي لا يشاهد وجهها، وسار صامتاً في الشارع خوفاً من أن لا يتماسك ويكتشف ما يخجل منه. حجبت الدموع أنفاسه على نحو خانق، وكان يحتاج على الأرجح إلى التخلص منها ليرتاح، لكنه لم يحسن ذلك...‏

غطت الظلمة المبكرة الشارع، وفاحت فيه رائحة الندى المثلج المعدنية، ورائحة الرماد الورقي، الذي تدفق وتدفق في الـهواء، وانسابت الـهالة الحمراء الناجمة عن الحريق في المركز فوق الأسيجة مبرزة سواد شبكة الأغصان العارية.‏

(1) بطل من أبطال الجيش الأحمر في أثناء الثورة (المعرب).‏

(2) فانيا تصغير اسم ايفان (المعرب).‏

(3) المسرح الكبير أو مسرح البولشوي (المعرب).‏

(4) السرنمة هي مرض السير في أثناء النوم (المعرب).‏

(5) يردد مقطعاً من حكاية أطفال شعبية روسية (المعرب).‏

(6) تاماروتشكا هي تصغير اسم تامارا (المعرب).‏

(7) يردد مطلع قصيدة مشهورة لبوشكين (المعرب).‏

(8) جينيتشكا وجينيا تصغيران لاسم يفغيني (المعرب).‏

(9) المقصود مبنى مديرية الأمن والمخابرات.‏

(10) ميشا وميشينكا تصغيران لاسم ميخائيل (المعرب).‏

(11) يردد بيتاً من قصيدة ألكسندر سيرغييفيتش غريبوييدوف الـهزلية "مصيبة بسبب من العقل" (المعرب).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244