الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:53 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع

رن جرس الباب.‏

قال فاسيلييف مشتتاً: "- فلننه عمل اليوم." وضع لوح الألوان على المنضدة وفتح الباب (كان يقفل على نفسه في أثناء العمل). دخلت فيكتوريا المرسم قارعة الأرض بكعبي جزمتها، ومرتدية معطفاً منغوليا محشواً بفراء أبيض، فانتشرت على الفور رائحة هواء الشارع وطراوة الصقيع الصباحي. قبلت بشفتيها الباردتين وجنة أبيها غير الحليقة، ونظرت بعينيها الرماديتين القاتمتين، عيني ماريا، إلى شيغلوف المتموضع في الأريكة، وقالت:‏

"- مرحباً يا بابا، مرحباً أيها الخال."‏

نهض إدوارد أركادييفيتش فوراً برشاقة فائقة، معبراً عن الإعجاب والحب والوفاء الفروسي، وهرع نحو فيكتوريا بانبهار يفوق الحدود، وبمشية طائرة كراقص باليه، وسروالـه الأخضر الضيق، الذي لا يعيبه شيء، يبرق، ثم انبرى يقبل يديها متأثراً وهو يتكلم في أثناء ذلك بصوت مخرخر:‏

"- يا جميلتي، يا ذهبيتي، يا جوهرتي التي لا مثيل لـها، يا أذكى فتاة رائعة في العالم. ماذا، ماذا أفعل لك، هل أجد لك طائر النور أو فردة الحذاء الذهبي؟ هل أوقف الحصان السائر وأدخل الكوخ المحترق؟"‏

ضحكت فيكتوريا محررة يديها: "- كف أيها الخال، لو أطلب منك الآن مائتي روبل فإنك ستخرج محفظة نقودك وتتأوه وتقول: يا للأسف، محفظتي نظيفة كضميري. أليس صحيحاً؟ لكنني مع ذلك أحبك يا خالي على فوضويتك."‏

خرخر إدوارد أركادييفييتش صاغراً، وقام بإيماءة أسف حار: "- إنني يا مليكتي ودرتي وفرحتي مذنب دائماً، وعديم النقود دائماً، مثل الكلب. كنت سأستدين بنفسي، مسروراً، مبلغاً ما، لكن المكانة والسنين لا تسمح يا عزيزتي. حسناً." وصار يشعر بحيوية أكثر، فشرع يتأوه ويخور بحماسة حلوة، وأمسك معصم فيكتوريا الدقيق بكلتا يديه، وبدأ ينقره بلطف بأنفه مبيناً صلعته الشاحبة وشعره الممشط بمهارة وغندرة من الأذن حتى الأذن: " سأنطلق، سأختفي، سأطير لأنني سأتأخر على التدريب، حيث سيتم حديث ضخم جداً مع إحدى الممثلات، مشعوذة حقيقية، سامحني يا ربي. سن تلك العزيزة تقارب الستين، والشيخوخة لاحت من النافذة منذ زمن طويل، لكنها تطمح، ساق الملفوف القديمة، وتسعى، المِبْهَرةُ القديمة، طوال الوقت إلى لعب دور فتاة في العشرين. لن تعزفي، لن تعزفي على البالالايكا(1) إذا ما كانت في يدك مقلاة. أقبلك بحرارة يا فلاديمير ألكسييفيتش."‏

ارتدى باستعجال معطفه ذا الترابيع الكبيرة فاتحة اللون على الموضة، وشد القفازين الجلديين، وركض بعد أن أرسل قبلة هوائية عند العتبة، خارجاً من المرسم كمحام متأنق نشيط يترك المسرح: "- فلتزدهرا يا عزيزيَّ."‏

فُقد في المرسم بعد رحيلـه شيء ما وانطفأ، وكأن تيار هواء هب في الغرفة بمروره السريع، فصفق الباب ليحل الصمت من جديد، ولتعود حال الـهدوء المعتاد، أما لوحة البورتريه غير المنجزة فكانت غامضة، إذ برقت خلف العدستين العينان الجاحظتان، وتثنت قليلاً جداً، كالأفعى، حافة الفم المسن، الذي لا زال متيناً، والمستعد للجملة السامة أو الساخرة، مع شيء من حزن يكاد لا يلحظ ويبرز أحياناً وقتاً قصيراً حين يسهم في منتصف الحديث.‏

فكر فاسيلييف: "ومع ذلك، فلماذا أشفق عليه؟ يبدو لي أنه يهرب طوال الوقت من نفسه."‏

قالت فيكتوريا، وقد وقفت عند المنصة، ثم جلست من غير أن تخلع معطفها في مقعد القش المهزاز خلف فاسيلييف: "- أظن لا بأس."‏

سمع صرير المقعد وحفيف المعطف مفكوك الأزرار، ثم التفت متوقعاً مسبقاً حديثاً مفاجئاً مع ابنته، التي لا يراها عنده في المرسم كل يوم.‏

سألته فيكتوريا: "- ممكن يا بابا؟ لديك، كما أظن، "فيليب موريس"؟" وسحبت بأظافرها المصقولة القاتمة سيجارة من العلبة من غير أن تنتظر الإذن- هكذا تُخرج ماريا السجائر- أما هو فأحس فجاءة بانقباض حزين في صدره مع رؤيته نار القداحة بين أصابع ابنته الضعيفة والواهنة، ومع رؤيته دخان السيجارة الذي أطلقته شفتاها الفتيتان البريئتان، ولحظ عنقها الأبيض الشبيه بعنق طائر التم، والذي كشفته ياقة المعطف المدفوعة، فبدا أيضاً ضعيفاً لا يحميه شيء، ومعرضاً لخطر غير مرئي، وفكر أنه عاجز عن منع أي شيء عن ابنته، وأنها بدأت تدخن بعد مرضها ذاك، وبعد ذلك الشيء غير المنسي والغامض الذي حدث لـها منذ عامين خارج المدينة، والذي ما عادت تذكره لا هي ولا ماريا لاحقاً.‏

سألـها فاسيلييف، وقد اقترب منها مجانباً وقبّل شعرها الخفيف الفواح برائحة النظافة والدفء العزيز: "- إنك تريدين أن تقولي لي شيئاً ما على الأرجح؟ فأنت لا تأتين إلي كثيراً يا فيكا..."‏

قطبت حاجبيها مفكرة بشيء ما يخصها من غير أن ترفع عينيها.‏

ثم قالت بصرامة: "- أردت أن أحدثك عن هذا تحديداً يا بابا. لم نرك في المنزل منذ أربعة أيام. صرت تقضي الليالي في المرسم دائماً لسبب ما. لا أدري ماذا يجري بينك وبين ماما، غير أن كل شيء غريب. هي صامتة، لكنني أرى كيف تتعذب. هل تفهم يا بابا؟ لن تشكو لأحد وإن صارت حالـها سيئة جداً. لا، لا تظن من فضلك. " صححت حازمة: "- لا أريد معرفة أية أسرار، لكن ثمة أمر ما حدث لكما بعد إيطاليا. صرتما غريبي الأطوار، ولا أفهم يا بابا ما بكما. يسود المنزل هدوء الموت ببساطة. هل تعلم كيف كتبوا سابقاً الملحوظات في المسرحيات: الـهدوء في المنزل كهدوء ما قبل العاصفة. من أين العاصفة يا بابا؟"‏

نظر مستفسراً، أما هي فرمت تحت نظرته السيجارة في صحن السجائر مع تعبير عن الغضب، وكان انثناء عنقها الرقيق والشحوب المرضي على وجهها الدقيق، وعيناها الرماديتان الواسعتان على نحو غير طبيعي في ظل أهدابها الكثيفة القاتم- وكل شيء، هشاً وعزيزاً وشبيهاً بماريا، ومكرَّراً على نحو مدهش فيها، في ابنته، مكرراً بحبه لماريا وبالسحر الغامض للشيفرة الوراثية، التي خضعت منذ عشرين عاماً خلت لـهما فقط، وسرى في روح فاسيلييف شعور بشيء من الشفقة وشيء من الرقة.‏

مسَّد بجهة يده المعاكسة غير الملطخة بالألوان وجنة ابنته، وقال:‏

"- لم أصر إنساناً آخر يا فيكا." ابتعد نحو المغسلة، وانبرى يغسل الريشات بماء مصوبن: "- لا بل أكثر من ذلك." قال هذا وهو ينظر إلى فيكتوريا بابتسامة مذنبة، ويفكر في الوقت نفسه بفجائية الشعور البسيط الذي يعيه الآن: "هل هذا الذي يجلس في المقعد الآن هو ابنتي، هل فيها جزء من ماريا وجزء مني، جوهرنا، أملنا الوحيد، استمرارنا في العالم؟ ماذا عليّ أن أفعل من أجلـها كي تفهم أنهما- ماريا وهي- أغلى من كل شيء، وأنني ما كنت قادراً على العيش لولاهما..": "- لا بل أكثر من ذلك يا فيكا. قولي لماما هكذا: إنه يحبنا أكثر من ذي قبل، لكن عليّ أن أبقى قليلاً هنا، في المرسم، لأعمل وأفكر فترتاحا مني قليلاً." ثم كرر: "- عليكما أن ترتاحا مني قليلاً. ينبغي ذلك."‏

"- قل يا بابا بصراحة: ألم يحدث شيء بينك وبين ماما مؤخراً؟"‏

فكر: "هل حدث شيء حقاً؟" وشعر بتساوي الحقيقة مع الكذب في حالـه هذه، إذ لم يحدث ما يخل بحياته السابقة، ومع ذلك فقد حصل شيء غير مريح لكليهما، تشكل منذ بعض الوقت على نحو غير ملحوظ، حتى صار صعباً عليهما تخطيه حين يبقيان وحدهما، وكان، حين يرحل عن المنزل ويغلق على نفسه في المرسم، يقنع نفسه بأن عليه أن يجتاز هذا الأمر أيضاً بالعمل والوحدة.‏

قال فاسيلييف مازحاً تقريباً: "- كل شيء على ما يرام يا ابنتي. لم تحدث بيني وبين ماما أية أحداث مخيفة. ربما نحن متعبان قليلاً."‏

"- صارت ماما تدخن بكثرة مرعبة، حتى أنها هزلت."‏

"- وأنت أيضاً تدخنين. هل ثمة لزوم لـهذا؟"‏

لم تجب.‏

وضع الريشات على المنضدة الملطخة بالألوان، ولحظ هنا نظرتها المصوبة مجانبةً إياه نحو بريق الشمس في النافذة الضخمة المغطاة بالجليد. جلست بمعطفها المفتوح متكئة بمرفقها ومسندة ذقنها بسبابتها، ونظرت عيناها المخترقتان ببياض لون الصقيع إلى مكان ما في صباح شهر شباط، وكانتا مهمومتين وبعيدتين وحزينتين- وراح تشنج الشفقة المعروف لفاسيلييف يشد على حنجرته على نحو خانق، كما لو أنه المذنب في مرضها الذي أصابها منذ عامين، وفي شحوبها، وفي هذا الشرود الذي أخافه. سألـها بنصف صوته:‏

"- هل أنت معافاة يا عزيزتي؟"‏

ضمت كتفها: "- لست في المنزل يا بابا."‏

"- ألا تريدين أن تجيبي؟"‏

أغمضت عينيها وأرجعت قذالـها نحو مسند المقعد، وهمست همساً مرحاً غير طبيعي: "- معافاة مثل فيلة. غير أن الروح مريضة بعض الشيء يا بابا. تتذمر بصوت منخفض، ولا تكف. لكن هذا أمر تافه سيزول. هل تفهم يا بابا؟"‏

"- ما معنى "تتذمر بصوت منخفض" يا فيكا؟"‏

"- لا أعرف ماذا سيحدث لي. هذا كل شيء."‏

قال فاسيلييف قلقاً: "- والمعنى؟ لم أفهم يا ابنتي." لكنه سرعان ما تدارك نفسه، وشرع يتكلم على نحو سوي مهدئ: "- ربما، واضح تماماً ما قد يحدث لك خلل هذه الخطة الخمسية. ستنهين معهدك التمثيلي، ثم تبدأين التصوير وتتزوجين..."‏

تكلمت فيكتوريا باشمئزاز، وثنت حاجبيها: "- دعك من هذا يا بابا. بمن سأتزوج؟ ولم؟ أمر يثير قهقهة وحشية. بأولئك الرضع طويلي الشعر أم بالصبيان المنزليين ذوي الثياب المكوية جيداً وربطات العنق الأجنبية، الذين يحلمون بالمكانة المرموقة؟ يدرس أغلبهم، لسبب ما، في المعهد الديبلوماسي. أمر مضحك. فراغ يا بابا، المكان حولنا مقفر، فطور فقط، مناكب ضيقة وسيقان دقيقة وعيون حلوة.... خيالة معاصرون، فرسان حماية، خاطبون موسورون. أوه، يا للقرف. بالمناسبة، لو تدري يا بابا. قدم لي سفيتوزاروف الطائش ما يشبه عرض الزواج أمس، وبجدية متناهية. إنه، طبعاً، ثرثار ومغفل والـهواء يصفر في رأسه. أظن أنه متزوج مرتين أو أربع مرات، وقد أثمرت زيجاته عن أكثر من عشرة أطفال... حتى أنه لا يذكر أسماءهم." قهقهت فيكتوريا فجاءة، وراحت تتأرجح في المقعد الـهزاز وتنظر تائهة إلى السقف: "- يا لـه من طائش، طائش. لكن التعامل معه سهل ولا يتطلب التفكير، فهو يكذب ويقول إنه يكذب. إنه بالون منفوخ في يوم عيد. والأصح- مغامر خفيف العقل قرب التنانير النسائية. خليط السو-سو المتزلفة والثرثار العاطفي في الثلل."‏

سألـها فاسيلييف: "- وبماذا أجبته؟"‏

"- بماذا أجبته؟ سألته ألا يرغب في العيش الرغيد على حساب نقود أبي، الفنان المشهور فاسيلييف، وتخيل- لم يشعر بالاستياء: "ماذا في الأمر؟ لِم لا؟" قلت لـه إنني سأفكر بجدية، وسأزن الحسنات كلـها والسيئات كلـها، وسأحصي بدقة متناهية عدد زوجاته السابقات وأولاده كي أعرف بمن أستبدل حريتي الثمينة..."‏

قالت هذا بحيوية أول الأمر، وتأرجحت برتابة في المقعد متسلية بحديثها نفسه، ثم اختفت الحيوية عن وجهها المهموم، واستبدلت بتصعيرة الاحتقار الساخر، ثم صمتت متأرجحة أبطأ فأبطأ.‏

قالت بصوت ملؤه النفور العميق: "- كم هذا تافه وكريه يا بابا، وكم كل شيء رذيل وغير ممتع في هذا الحب الأحمق. تصور: تتزوج الفتيات الغبيات الآن من أجل الوجاهة. نجني يا إلـهي من الخاطبين الحمقى، الذين لا أطيقهم."‏

عرف أنه لا يستطيع أن يساعد ابنته ذات العشرين ربيعاً بأية كلمات على أن تخفف من ضراوتها اللامبالية والباردة. لقد نفذت برودتها إلى روحه وصار حبه لـها يشتد كلما شعر باغترابها عن من هم في مثل سنها، والذين، وكم كان ذلك غريباً، يحومون حولـها دائماً.‏

تكلم فاسيلييف بنبرة ليست جدية جداً، مع أنه كان يعي عدم وجود أي دافع للمزاح: "- ألا تبالغين في الحماسة- النسناسة؟ ربما لا يستحق الأمر تعقيد أي شيء؟ الحياة هي الحياة، وهي رائعة في مثل سنك خصوصاً..."‏

ظلت فيكتوريا تنظر إلى السقف وهي تصر بالمقعد بانتظام، أما عيناها الرماديتان القاتمتان، المخترقتان بالشمس، فكانتا بعيدتين في فضاء خارج الحدود، وقد انثنى عنقها الضعيف الدقيق إلى الخلف قليلاً- تموضع اللامبالاة والتعب والتنائي الغامض- كان كل شيء فيها معروفاً، قريباً لـه، مأخوذاً من ماريا، من فترة شبابها قبل الحرب، وفي الوقت نفسه كان هشاً ومثيراً للرثاء وضعيفاً أمام العالم كلـه.‏

كررت فيكتوريا، وحبست أنفاسها كما لو أنها تصلي في الواقع بحماسة شديدة: "- نجني يا إلـهي." ثم سألته من غير أن تدير رأسها نحوه: "- ألا يحدث أن تخرج عن طورك بسبب من الناس يا بابا؟ مفهوم، تنقذك مهنتك، عليك أن تحب الجميع، أما أنا فلا أستطيع، وكم تصير الأمور صعبة يا بابا، وكم يصير الاستيقاظ صباحاً أمراً لا يطاق أحياناً."‏

سرت على وجهها ظلال مبهمة، فصمت عارفاً بما تفكر، ثم تكلم بخفة خرقاء:‏

"- ثمة في سنك وسيلة رائعة واحدة يا ابنتي، أن تعيشي كما يملي عليك القانون الحيوي.."‏

نظرت إليه مستفسرة: "- لم أفهم يا بابا. ما معنى القانون الحيوي؟"‏

"- النظرية جافة يا صديقي في كل مكان، أما شجرة الحياة فتخضر بكثافة."‏

حركت فيكتوريا كتفها باحتقار: "- هل هو حبيبك غوته أم ماذا؟ "ثم قالت بحزم: "- شجرة؟ تخضر بكثافة؟ يكذب شاعرك العظيم، وإذا لم يكذب كثيراً فإن الشجرة الكثيفة ازدهرت في وقت ما من القرن التاسع عشر، أما الآن فقطعوها في مناطق التحطيب من أجل تنفيذ الخطة. " كفت عن التأرجح في المقعد الـهزاز، وارتجف حاجباها وكأنها تضحك: "- ألم تلحظ كيف يحاول الناس أن يتكلموا على نحو جميل؟ ألم تعر انتباهك؟ أما أنا فأعرف لماذا. كي يتقنعوا كما ينبغي، وها أنت أيضاً، المسمى فناناً تقدمياً، تهديني لأتسلى لعبة من الألعاب التي تعلق على شجرة رأس السنة: "أما شجرة الحياة فتخضر بكثافة". لماذا يا بابا الطيب، ما المغزى؟"‏

قال فاسيلييف: "- مهما قلنا، أنا وأنت، يا فيكا فإن حياتنا كلـها مزحة تثير الفضول، والشباب هدية رائعة سرعان ما ينتزعها الزمان منا يا للأسف. لا زالت هذه الـهدية لديك، وليذهب بعيداً أي قتل للذات. هكذا تحديداً يا فيكا، هنا تحديداً مغزى القانون الحيوي."‏

قالت فيكتوريا وتنشقت بأنفها معبرة عن دهشة الرضا الخطابي الغبي: "- يعيش القانون الحيوي في ظروف النهوض العملي والفكري الذي يجسد في الحياة ما خطط مسبقاً. عاصفة من التصفيق والـهتاف- وبعد. أيتها الإوزات، أيتها الإوزات، غا، غا، غا... ألا تريدين أن تأكلي؟ نعم، نعم، نعم، حسناً، طيري. لا نستطيع، فالذئب قرب الجبل...(2) حماقة. لا يخيفنا الذئب الأِشهب." هتفت فيكتوريا بابتهاج يحاكي بسخرية ابتهاج النصر، ونهضت بخفة موقفة المقعد الـهزاز، ولفت نفسها بالمعطف كما لو أن كل شيء انتهى بفرح ونجاح: "- سنتقبل الحياة ضاحكين."‏

اقتربت ضاحكة من المرآة القديمة المصفرة، التي انبثق منها اللون الثلجي ليوم مشمس من أيام شباط، وصارت تتفحص وجهها مجعدة قصبة أنفها على نحو نزوي، ثم مسدت بخنصرها حاجبيها، وسألت بمرح:‏

"- هل تنتظر ضيوفاً يا بابا؟"‏

"- لا."‏

"- ألن يأتي إليك أحد؟"‏

"- لا، لماذا تسألين؟"‏

مست شحمتي أذنيها، حيث راح قرطان يلمعان بلونهما الفضي:‏

"- هل يمكنني أن أنهبك يا بابا؟ إنك تدرك عم أتحدث، وإذا لم يكن لديك فإنني سأتفهم: لا، لن أستاء. سأعيش حتى المنحة... مع أن ما رأيته يساوي خمس منح كمنحتي. تدليل، إفساد، أمر غير تربوي، تضليل الجيل الشاب. آ... ممكن؟"‏

سألـها فاسيلييف، ومسح يديه بالخرقة، وفتح باب الخزانة الصغيرة، وسحب الدرج حيث وضعت النقود: "- وما سبب النهب؟ أليس سراً يا فيكا؟"‏

"- أقراط ذات زمردات رائعة على القسم المتدلي. عموماً، لا، لا لزوم لـها. إنها ليست جيدة، حتى أنها خالية من الذوق ومظهرها غبي على نحو لا يوصف. لن تكف النساء الشبيهات بالخزائن والحبّارات البرجوازيات الصغيرات عن إيقافي في الطريق وسؤالي من أين اشتريتها. أوه، أي قبح.."‏

استدارت عن المرآة بمقاومة مشمئزة، لكنها ابتسمت من جديد حين التقت بالنظرة المهمومة لفاسيلييف، الذي لم يدفع حتى النهاية الدرج إلى داخل الخزانة، واقتربت منه بسرعة، فلم تقبلـه، بل مست وجنته بحافة أنفها قائلة:‏

"- تذكرنا قليلاً يا بابا. لسنا سيئتين إلى هذا الحد، ولسنا جيدتين، لكننا امرأتان مع ذلك، وأنت الوحيد لدينا، إلى اللقاء."‏

رن الـهاتف في تلك اللحظة، حين اتجهت فيكتوريا إلى الباب، فالتفتت نحو أبيها، وسألته بحزم مشاكس بحاجبيها المرفوعين: "هل تحتاج إلى مساعدة، آ؟" ثم رفعت السماعة ونطقت على نحو ممطوط ومتأنق: "نعـ ـم." وبعد فاصل استمر دقيقة تكلمت بنبرة تعال وعجرفة، مستمتعة بدور ما تلعبه:‏

"- أنت مخطئ. فيكا ليست في المنزل. توجد فيكتوريا- بالأحرى فيكتوريا فلاديميروفنا. تفضل، أقبل اعتذارك، وأرجو أن لا تسميني هكذا في المرة القادمة: على حد علمي فإن فيكا هي عشبة ما مثل البرسيم أو نوع من الحمص. هل تعلم ذلك؟ قلت إنني أقبل اعتذارك الفروسي. لا، ليس في المرسم، خرج. لا أعرف متى سيعود، ماذا أنقل لـه؟ من اتصل؟ آه، ستتصل مرة أخرى؟ أتمنى التوفيق."‏

وضعت السماعة وقالت على نحو عابر:‏

"- لم يسم نفسه. أظنه كوليتسين. صوته السمين الشبيه بصوت مغن ناجح من المسرح الغنائي. لا شك أنه يحتاج إليك. " ابتسمت ولوحت بأصابعها مودعة: "- لا تنسنا يا بابا. أنا ذاهبة."‏

"لا أريد أن أرى أحداً في هذا العالم الكريه." تذكر صرخة ابنته المنتحبة في أثناء مرضها قبل عامين، لكنه تذكرها من غير حدتها السابقة، وبألم متثلم، حين صمت قرع جزمة فيكتوريا في الممر وفكر أنها بخفتها المتكلفة الجسورة تبعد عن نفسها ذلك الشيء الذي لم يلتئم تماماً وتخمده فيها، وأنه، هو نفسه، لم ينس أيضاً يأس ابنته المريضة الذي هزه حينئذ، ابنته، التي بدا أنه لم يعرفها قبل ذلك المرض معتبراً إياها طفلة عزيزة، غالباً ما تُظهِر كبر السن.‏

سار فاسيلييف بعد ذلك في المرسم، وراح ينظر من الجانب إلى بورتريه شيغلوف غير المنجز وغير الدقيق في انتقالاته العصبية جداً والقاسية والمستعجلة، ثم عاد بأفكاره من جديد إلى ماريا وفيكتوريا غير راض وغير مسرور إطلاقاً من صباح هذا اليوم. لم يفارقه ضعف روحي، أقلقه بهدوء، كأنه ذنب قديم لا يمكن التخلص منه، وقد صار يتكرر شعوره به في الأعوام الأخيرة من وقت إلى آخر، حين يتعب من العمل ويكون وحيداً.‏

حطم رنين الـهاتف صمت المرسم مرة ثانية، وصرخ فيه على نحو لا يرحم. رفع فاسيلييف السماعة متردداً وشاعراً برجفة تعب داخلية، ومتوقعاً وخائفاً لسبب ما من أن يسمع صوت ماريا (كان هذا رنينها)، وقال على نحو غير واضح: "- أنت يا ماشا؟" لكن صوتاً جهورياً غضاً ذا ذبذبة ممتعة تردد في السماعة مدحرجاً كلمات متدثرة بملابس مريحة:‏

"- فلاديمير ألكسييفيتش، عزيزي فولوديا. أطلب منك المغفرة لأنني أقتحم خلوتك منذ الصباح وفي ساعات العمل. أوليغ كوليتسين يتكلم ("حزرت فيكا- إنه هو، وهو قد اتصل بضع مرات، ماذا يريد؟") فلاديمير، يا عزيزي، لقد أقلقتك حينئذ ليلاً. كنت متعباً جداً كالكلب، ومهتاجاً ومتوتراً حتى الجنون، لذلك لا تذكرني بسوء، وسامحني بطيب خاطر، أما إن كنت قد تساخفت وفهت بما يسيء فإنني، إن شئت، قد أركع وأطلب المغفرة أمام عموم الشعب؟ "ضحك ضحكاً رناناً نابعاً عن إنسان غير حقود ورحب الصدر، وينوي معاقبة نفسه، وفكر فاسيلييف أنه لا يريد حقاً أن يذكر أي شيء عن مجيء كوليتسين إليه ليلاً وعن الحديث الذي دار بينهما: "- عليك في مرة أخرى يا فلاديمير أن تطرد زوارك المملين من تلابيبهم ببساطة حين تريد أن تنام، لا أن تعمل بلسانك. إن اتصالي بك هذا من أجل العمل، وبناء على طلب ملح من لجنتنا الأجنبية... ألا تستطيع أن تستقبل أجنبياً مندفعاً إليك بحماسة؟ والأصح هو سائح واحد، إيطالي، والأدق- مهاجر من روسيا، روسي الجنسية. لا تخف، لا تخف... سبب الزيارة: شاهد معرضك في روما وفينيسيا، ويريد أن يزور مرسمك إذا منحته الموافقة طبعاً. كرمى لجميع القديسين، جد وقتاً لـه يا فولوديا، فأنا لا أرجو..."‏

لم يسمع فاسيلييف بعد ذلك كلمة واحدة. فَقَدَ صوت كوليتسين الجهوري صبغته اللونية متعددة الطبقات وتشبعه بالعصائر الصوتية فوراً، وانساب في شريط رمادي متموج، وبرز من خلل التأرجح المتزعزع لصوته، الذي فقد شكلـه ومعناه، إدراك غير دقيق جداً بَعْدُ وغير محدد تماماً بأن إيليا رامزين، الذي قدم إلى موسكو، يبحث كما هو واضح عن لقاء معه، ولم يعد فاسيلييف يرغب في الشك بهذا الإدراك. مع أنه بدا من المستحيل ببساطة أن يتصور المرء أن إنساناً روسياً، لم يعد عام خمسة وأربعين من الأسر إلى وطنه، يتمكن فعلاً من القدوم كسائح، ويحصل على تأشيرة، وأخيراً، على إذن من وزارة الخارجية بالدخول إلى البلاد... بعد لقائه مع إيليا العام الفائت في فينيسيا، وخلل زيارته السفير السوفييتي في روما، نقل فاسيلييف على الرغم من كل شيء، في أثناء حديثه عن انطباعات الرحلة، وعلى نحو غير صلب وبإلحاح غير شديد طلب تأشيرة الدخول من قبل صديق طفولته السابق، الذي اكتشف على نحو غير منتظر بين الأحياء وعلى الأرض الأجنبية في إيطاليا الخريفية الضبابية، الأمر الذي بدا شبيهاً حينئذ والآن بحلم، وبأوهام خيال ملتهب، فسأل فاسيلييف بصوت أبح وهو يسمع في السماعة على نحو غير واضح صوت كوليتسين الجهوري السابح مبتعداً:‏

"- من هو- قلت إيطالي؟ من أصل روسي" هل لقبه رامزين؟"‏

اكتسب صوت كوليتسين غير المرئي في السماعة إشباع ألوانه التام فرحاً بهذا السؤال:‏

"- نعم، نعم، نعم. السينيور رامزين. اسمه واسم أبيه إيليا بيتروفيتش. ماذا، هل تعرفه؟"‏

أجابه فاسيلييف: "- ما أهمية ذلك؟"‏

بللـه عرق الاضطراب، وشعر برغبة في الجلوس والارتماء خائر القوى في الأريكة مغمض العينين، وفي تذكر الحديث الذي جرى العام الماضي في أثناء الإفطار في الفندق الفينيسياني ذلك الصباح التشريني المشمس، الذي اتصل عبر عود خشبي دقيق ومتقلقل ومتقوس فوق الـهاوية مع صباح آخر، صباح أوكراييني صيفي حار من صباحات عام ثلاثة وأربعين، حين بدأ كل ما لم يحسب، لا إيليا ولا هو، حسابه.‏

(1) آلة موسيقية وترية روسية (المعرب).‏

(2) تردد لعبة يلعبها الأطفال، تتمثل في أن يلعب أحدهم دور ذئب والآخرون دور إوزات (المعرب).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244