|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العاشر جلسوا على الجذور الدافئة عند طرف تلة الصنوبر، وفكوا أزرار ياقات قمصانهم العسكرية، وراحوا يتنشقون باستمتاع نفحة البرودة المنعشة الآتية من الأسفل، من الجدول، الذي كان مرئياً في الأمام على امتداد ردمية السكة الحديدية. ابيضّت الطريق الترابية المقفرة من اليمين صاعدة من المنخفض نحو الجسر الخشبي نصف المهدم، وانقطعت على تلك الضفة حيث برز عند المعبر حاجز طريق مخطط. أما إلى اليسار تحت الردمية فبدت قمة سطح محماة بحر القيظ، واخضر بكثافة بستان ممتد حتى المياه، وقد تبرقش بالظلال الشبكية على عشبه. قال الرقيب شابكين بحيوية، وقد استند إلى صنوبرة وراح يليح بقبعته القماشية كالمروحة أمام وجهه المتصبب عرقاً: "- بعد هذا يبدأ الخط الحيادي على ما يبدو. أمس كانت في هذه المنطقة فصيلتا مشاة. قبعوا هنا مع رشاش "مكسيم"، ولم يكن غيرهم عند السكة الحديدية، لا جماعتنا ولا جماعتكم، وها هي هناك مدفعيتنا الحبيبة. " قال هذا وقذف رأسه مبتهجاً إلى اليمين، حيث برزت كالتلال أكوام التراب الطازج: "- أما المشاة فابتلعتهم العفاريت. أمر مضحك، المدفعية تقف عوضاً عن المشاة..." فكر فاسيلييف وقد حرف نظره نحو إيليا: "ما به شابكين مبتهج هكذا؟ ما المضحك في اختفاء المشاة؟" جلس إيليا على الجذور مزيحاً إلى الخلف قبعته القماشية عن شعره القطراني الملتصق بجبينه، وراح ينظر إلى ردمية السكة الحديدية وإلى الطريق الترابية قرب الجسر، مضيقاً عينيه مع تعبير عن الاهتمام بمخاطرة متوقعة يمكن انتظار حدوثها هنا. قال إيليا: "- إذا كان الألمان عند الردمية فإن قناصيهم يقبعون في مكان ما، وهذا معناه أن الجدول والبستان والسكة الحديدية- والخط الحيادي كلـه على مرمى منهم. هل ما أقولـه صحيح يا فولودكا؟ في هذه الحال لن تفسر الخريطة شيئاً. فلنذهب إلى المدفع ونتحقق، ولننظر إلى الأمور من هناك؟" وقف سريعاً، ونهض في إثره بعنفوان شابكين، بجزمته الألمانية وسروال الخيالة الألماني المتأنق ذي الحاشية النافرة الذي يرتديه، وكان حاذقاً ومتيناً كالفطر بعينيه السماويتين ومشيته المقدامة التي تولد انطباعات عن لعبة لا تعرف الخسارة، وليس فيها موت أو خوف، بل أمر وحيد: ازدراء جسور وصارم للحياة. كانت هذه اللعبة تثير اهتياج فلاديمير على مرأى من الجميع، ربما لاندفاع شابكين الاستعراضي، غير أنه كان معجباً بحيويته وطبعه الخفيف وزهوه الصبياني غير المتكلف. لقد نال الأوسمة بجدارة بعد كل معركة، وكان يبرز بحدة صدره، الذي يرن ويتألق ويلمع كالذهب، ويقول ضاحكاً إنه حين سيعود إلى أوستاشكوف من الحرب سيعلق "ميدالياته العسكرية" وسيتخطرفي الشارع، فتتساقط الفتيات فاغرات الأفواه من النوافذ إلى قارعة الطريق. لم يُخفِ أيضاً أنه (إذا حالفه الحظ طبعاً) سيحصل على نجمة(1) في الفرصة المناسبة، وسأل مرة إيليا بحضور فلاديمير إن كان يحق لأحد الضباط أن يزكيه لنيل لقب بطل على أعمالـه المستحقة بالدم. ومع ذلك لم يحبه فلاديمير حتى النهاية بسبب من ضجيجه وصوته العالي والـهرمونيكا الألمانية المزينة بالفضة، التي لم يحسن الرقيب شابكين العزف عليها (كان يصفر ويطنطن بها)، لكنه حملـها طوال الوقت في جيب صدره عارضاً إياها، ومصوراً بهيئته ومشيته الشاب الذي يصلح لكل شيء. ها هو فلاديمير يفكر الآن أيضاً، حين نهض شابكين باندفاع خلف إيليا ورنت أوسمته بالذهب العائد إلى الحياة، أن هذا الرقيب يمثل أمام الضباط، هنا على خط الحياد، الشجاعة التامة، فقال غير راض: "- سيصيب قناص من الردمية حائط أيقوناتك، حينئذ ستعرف. لا أفهم، لماذا لم تنزع أوسمتك؟ أظن أن الفتيات لا ينظرن من النوافذ." رد شابكين بعدم ترو، كما لو أنه يدعو إلى تسلية أخرى: "- لن يحدث لي أي شيء. لا، لا يطلق النار هنا الألمان الأحياء. لقد شممت شيئاً ما هنا مساء أمس. من أين تظن أنني حصلت على البندورة؟ من السوق؟ لا، من تلك الجنائن. هل ترى على تلك الضفة حيث ينتهي البستان؟ لقد زحفت إلى هناك- خضت في الجدول ووصلت إلى هناك. أما المشاة... فعددهم هناك صفر وصفر بالعشرة، وثمة رشاشان يدويان تحسباً للظروف..." قال إيليا باستحسان جاف قليلاً: "- عافاك يا شابكين. ما بك توقفت يا فاسيلييف، قدنا إلى مدفعك." كان منتصف النهار، وكان الجو قائظاً. وهبّ على وجوههم هواء حار مشبع برائحة الـهشيم الذاوي والقطران الساخن، ورائحة التراب النهرية، وبدا غريباً أن لا تكف الجداجد على ذلك الجانب عن الصرير على العشب، فكان البستان المغمور بالشمس الأوكرايينية والمصاب بكسل الظهيرة، والذي أعمت الأبصار فيه الأوراق المغبرة على أشجار الحور عند السياج المجدول بالأغصان، مليئاً كلـه أيضاً برنينها الحاد. نادوهم بصوت منخفض من الخندق على التلة قرب بداية الغابة، وبرز رأس مكرهاً من خلف المتراس ثم اختفى: "- من الذي دفعه الشيطان إلى هنا أيضاً؟ إن كنت صديقاً فاعبر جانباً، لا عمل لك لدينا، وإن كنت غريباً فسأطلق النار على مسعطك وستبقى من غير وثائق، واضح أم لا؟" صاح شابكين مشاكساً، وهو يقفز إلى الأمام ويتحدث مقهقهاً: "- أنت يا لازاريف؟ هذا أنا، صديق، قادم مع ضابطين. ما بك، هل تريد أن تصب النار على أصدقائك؟ هل أتخمتم من شرب الشنابس(2)؟" "- كف عن الثرثرة يا قفا القنفذ. اقفز إلى خندق الاتصال ما دمت تقود الضباط إلى هنا." حفر هنا على التلة منذ وقت قريب خندق اتصال قليل العمق، يبدأ عند الغابة، فدخلوا عبره إلى خندق المدفع الترابي البارد، حيث استلقى رجلا مدفعية على بطنيهما بين الركيزتين قرب قدر مليئة عن آخرها بأقراص العسل الطازج، وبدا أنهم فطروا متأخرين هنا أو تغدوا باكراً. كانت على المشمع المفروش كومة كبيرة من ثمار البندورة الحمراء اللامعة تحت الشمس والخيار الفتي ذي القشرة الحبيبية ورؤوس الخشخاش الليلكية، وقد وضعت جانباً قِدر مستوية فيها ماء. سأل فلاديمير مندهشاً من اختفاء الناس في الساحة قرب المدفع: "- أين البقية؟" رمى قائد جماعة الاستطلاع، المساعد لازاريف، الضخم وكبير الوجنتين، وذو الشعر المجعد الطويل فاتح اللون، وفتحتي المنخرين الشريرين المائلتين، القادمين بنظرة من تحت كتفه، غير أنه لم يفكر في أن يقف (كما يقضي النظام عند تحية الضباط) وتكلم مستلقياً بصوت غليظ أجوف كصوت الدب: "- نائمون بعد صخب الأمس، يثوبون إلى رشدهم. أكل الروسي والألماني والبولندي سلة يوسف أفندي. اعبرا إلى هنا أيها الضابطان، وكلا معنا." سأل الملقم كالينكين محابياً، وكان ضيق العظام كثير العروق، طويل الشعر أيضاً، وذا عنق نحيل عار ممدود دائماً إلى الخارج من ياقة القميص العسكري المشبعة بالعرق: "- أخاف أن أياً منكما لم يذق بلسانه العسل في الأقراص؟ تناولا الأقراص وأتبعاها بالخيار. تفضل أيها الرفيق الملازم ما دمنا أغنياء، وإلا فلن تبقى سوى الذكريات." وأخرج من القدر رقاقة صفراء ذهبية تقطر عسلاً، فقضم نصفها، وشرع يمضغها ويمصها متمطقاً. راحت القطرات الكهرمانية تنفصل عن القرص وتنزلق على ظهر كفه المشعر والوسخ نحو كمه الملوث بالدهون، أما هو فلم يشعر لسبب ما بهذا الدبق القابض وبهذه الدغدغة اللزجة على معصمه. اهتم إيليا للأمر، وانتقى مع شابكين من غير استحياء قطعة كبيرة من القدر، وشرع يمص منحنياً، كي لا يلوث قميصه، رقاقة العسل بشهية وهو ينظر إلى لازاريف، ثم سألـه ساخراً: "- من أين مخزون الأغذية؟ هل خربتم منحلة، أم رماها الألمان بالمظلات؟ أم أن مطبخنا العزيز يزود بالعسل؟" قال المساعد لازاريف متكاسلاً: "- انظر ايها الملازم. نحن فتيان قنافذ لنا في كل سد منافذ. انظر هناك، في تلك الجهة أيها الملازم. هل ترى السطح تحت الحديد؟ وهل ترى البستان؟" "- فلنفترض، وماذا بعد؟" رد لازاريف على نحو لاذع وبصوت غليظ وخشن قليلاً: "- أما بعد فلا تسمح الكتفان أيها الملازم. دسست رأسي، لكن الكتفين، ولا بأية حال. قاعدتنا الغذائية هناك، عند الخط الحيادي. هل فهمت؟" تدخل فلاديمير: "- لم تدر المعركة في تلك الجهة من الجدول، ولم نصوب نيراننا إلى هناك." صار الآن فقط مرئياً خلف سياج أشجار الحور وسط خضرة البستان حدور السطح الحديدي، اللامع تحت الشمس، وجدار المنزل المبيَّض والمبقع بظلال أشجار التفاح، والذي نمت عليه شجرة لبلاب حول طنف المدخل- وراح ذلك المكان يجذب مغرياً بدفء غريب مجهول كالـهواء الساخن. سأل إيليا ممسكاً قرص العسل بيد ممدودة: "- من في المنزل؟ أفترض أن الألمان غير موجودين ما دمتم تزحفون وراء الغنائم إلى هناك؟ إذن أين الألمان؟ وراء الردمية؟" دوّر لازاريف منخريه بغضب فجاءة، والتفت نحو شابكين، الذي غرز أسنانه بحبور في لب ثمرة بندورة مفرطة في النضج: "- عليك أن تعرف ذلك من جندي الاتصال. كان يكسب رزقه بنفسه عند الخط الحيادي. سيحدثك بكل شيء كما يقضي النظام." قال إيليا ببرود: "- النظام يقضي بأن يعرف هذا قائد جماعة الاستطلاع، لذلك سألت هذا السؤال." تكلم لازاريف، وهز منخريه المائلين: "- لست مجبراً على الإجابة عن أسئلة أحد. من كنت أجيبهم ليسوا هنا. دفناهم أول أمس." ابتسم شابكين مهادناً، وأمسك ثمرة بندورة أخرى: "- ما بك تكشر أيها المساعد؟ يسألونك كرجل أيها الأخرق في عيد رأس السنة." غرز فمه بشهوانية في ثمرة البندورة فرشّ عصيرها صدره، ثم شرع يتكلم وهو يمضغ ويمسح بكمه أوسمته الرنانة: "- الألمان غير موجودين هناك. لا يوجد حي واحد في المنزل أيها الرفيق الملازم. حين زحفت إلى هناك أول ما فعلت هو أنني ألقيت نظرة على المنزل- كل شيء نظيف، وعلى أحسن وجه. الأثاث في مكانه والمناشف معلقة، ولا توجد روح حية. يبدو أنهم هربوا إلى مكان ما حين بدأ إطلاق النار من حولـهم. هذا ما أفترضه." لم يوافق لازاريف: "- ليس الأمر كذلك. في المنزل امرأة." هتف شابكين وهو يتلاعب بعينيه السماويتين ملمحاً: "- انظروا إليه. لم ألحظ ذلك. وهل هي فتية؟" برّد لازاريف من حميته: "- وما شأنك؟ ما بك فرحت مثل العجل؟ أرى أنك لم تجمع سدى عِدْلاً من الأوسمة والحدائد. أنت بطل على النساء أيها الرقيب، بطل..." أنذره شابكين، وقد دفع وجهه إلى الأمام دفعة واحدة، وضم أذنيه مثل وحش مفترس يستعد للانقضاض: "- لا تمس أوسمتي بسوء أيها السجين كبير المنخرين. هل جننت أم ماذا؟ لا تمسنا، نحن جنود الاتصال أيها المستطلع، فسرية التأديب لا تخيفني... هل فهمت؟" "- فهمت كل شيء منذ زمن. حين رحت تزحف بسرتك العارية على نثرات الخشب." نهر فلاديمير المساعد بصوت جاف: "- ألست ثملاً قليلاً يا لازاريف؟" ثم قال لإيليا عابساً: "- جلبوا من المطبخ ليلة أمس جالوناً من الفودكا للفصيلة كلـها، لكنك تعرف كم كانت الخسائر..." غمس لازاريف خيارة بالعسل السائل من الأقراص في القدر، وقضم نصفها، وراح يحرك فكيه بكسل ورباطة جأش رجل واثق من نفسه، وهو يغمز إيليا: "- هكذا، جلبوا الفودكا للفصيلة فحصل عليها طاقم مدفع وحده. عيشنا رغيد كما في الجنة. نهجم منذ شهرين، ونغتسل بالدم، نصيح "أورا"، "أورا"، ثم نشرب الفودكا على روح الموتى" صاح بصوت جهوري: "- ألا تسمع يا كالينكين ما أقول. رش من الجالون للضابطين فأعصابهما متوترة جداً. إنهما قلقان جداً بشأن الألمان، يسألان أين هم. يشعران بالملل من غيرهم." قال إيليا متفحصاً البستان على الضفة الأخرى: "- لا معنى للرش. لن أشرب، آه، ها هم الفتيان القنافذ." ثم سألـه من غير اهتمام: "- نعم صحيح، أين هم؟" "- ستراهم الآن أيها الملازم. انظر إلى طرف البستان الأيسر." "- كيف أفهم هذا أيها المساعد؟" "- انظر، قلت لك انظر." قال إيليا، الذي مسته نبرة قائد جماعة الاستطلاع المليئة بالثقة الفظة بالنفس: "- هل ستستمر هذه الثرثرة طويلاً يا لازاريف؟" ثم كرر بجفاف: "- أسألك هل ستستمر طويلاً؟" أجاب لازاريف بخشونة وبصوت ميت، لكنه نظر في الحال إلى ساعته اليدوية المغتنمة، ورمى ما بقي من الخيارة بين قدميه من غير أن يكمل مضغها: "- لست أنا من يثرثر، بل الأحمق. قلت لدينا هدنة مع الألمان. قلت لك انظر، سيخرج الألمان زاحفين الآن. هذا وقتهم." أنهض بصعوبة جسمه القوي الثقيل، ووقف ملاصقاً إيليا تماماً، أخرق، تفوح منه رائحة البارود والعرق الشديد، وقذف اصبعه باتجاه طرف البستان الأيسر: "- ها هناك، خلف شجيرات توت العليق توجد بندورة وخيار وحقل جبَس صغير. مرعانا هناك. نحن قبل الغداء والألمان بعده. هاك، هاك أحدهم يزحف من الردمية... انظر إليه أيها الملازم." ساد الـهدوء الصيفي هنا، ولم يخل به أحد- لم تطلق القنابل المضيئة ليلاً والطلقات الدورية نهاراً- منذ مساء أمس الأول، بعد أن انسحب الألمان أخيراً عند الغسق، وانتهت المعركة ودفنوا القتلى. أما الآن فبدا وكأن رغد حرارة تموز وصرير الجداجد ورائحة العشب الدافئ وبرودة التراب، وخضرة بستان التفاح قد دفعت الحرب والألمان والمعركة ونتن التولين ودمار المدفع الثاني إلى سابع أرض- وحين رأى فلاديمير حركة غير واضحة وسط الظلال الكثيفة بين شجيرات توت العليق عند طرف البستان الأيسر، حيث دس اصبعه لازاريف، لم يعر أهمية جدية لكلمات هذا الأخير، وظن أنهم يسخرون بعدائية منه، هو قائد الفصيلة، ومن إيليا، الذي عين اليوم في مركز قائد البطارية، فسأل لازاريف بصرامة: "- ما هذه الـهدنة؟ ما هذا الـهراء؟" قال إيليا: "- نعم، اجتمع لديك شبان مرحون يا فاسيلييف... يستطيع المرء أن يضحك حتى الموت. إذن أقمتم هدنة؟ هل هم هكذا عندك دائماً؟ هل دعوت قائد جماعة الاستطلاع إلى فصيلتك من أجل الضحك خصيصاً؟ لماذا يطيل المساعد المكوث عند مدفعك؟" صمت فلاديمير، وقد صدمه على حين غرة ألم ارتفع إلى عينيه مثل ضباب قاتم، وشعر بشد الغثيان وبدوار وضجيج في أذنيه، وسبح كل شيء متماوجاً أمامه. تهالك إلى الخلف على صندوق القذائف، والتصق ظهره وقذالـه بالجدار الترابي لخندق المدفع أملاً في أن تبرده ملامسة التراب وتذيب الألم المثير للغثيان، الذي راح يعذبه بعد الارتجاج الذي أصابه أول أمس. كانت نوبات دوار الرأس هذه تهزه كالملاريا، فتصطك أسنانه ولا يعرف كيف يدفئ أصابعه الباردة ذات الأظافر المزرقة كأظافر الموتى. فكر فلاديمير: "لا، لا، هذا ليس ارتجاجاً. تسممت بالبندورة ببساطة." وجعد جبينه حين راح يتذكر كيف أتخم أفراد الطاقم كلـهم حتى القرف نهار أمس في الـهدوء السائد بالبندورة التي جلبها لازاريف في أكياس الأمتعة من وراء الجدول، وكيف بدأ فيما بعد يقطع بحربة ألمانية على صندوق القذائف جبستين صغيرتين، طريتين بسبب من الشمس، وملوثتين بالتراب، فرش جزمته ومشمع التاربولين المفروش بالبزور والنتف الزلقة الحمراء اللينة. بدا جوف الجبستين المفتوح دبقاً على نحو منفر، ومالحاً كالدم، أما الحربة الألمانية المثلمة والوسخة، فاسودت أيضاً بدم قديم متخثر كالصدأ في أخدودها، وهنا تقيأ فلاديمير بتشنج شديد أول مرة بعد الارتجاج، وصار الألم يصدع رأسه بنوبات كانت قد أجبرته اليوم فجراً على أن يتجه إلى المؤخرة القريبة بحثاً عن السرية الصحية فلم يجدها. لكنه عاد إلى المقدمة مع إيليا، الذي عين في منصب قائد البطارية المستشهد في معركة أول أمس. تكلم إيليا هازئاً، وراح، من غير أن يلحظ شفرة الألم المستعصي الضيقة في حدقتي فلاديمير، يتابع باهتمام غير واثق اهتزاز شجيرات توت العليق عند طرف البستان قرب المنحدر نحو الجدول، حيث تكورت خلف أشجار التفاح أجسام الجبس المخططة وسط أوراقها: "- ها، يا فاسيلييف؟ ماذا تقول؟ راح الفتيان يكشفون عن مؤهلاتهم فيما كنت تتمشى في المؤخرة. حسناً، من أقر الـهدنة؟ الرب الإلـه، قائد الجبهة، أم أنها فصيلتك على الرغم من كل شيء؟" أكره فلاديمير نفسه على النظر إلى هناك، وهو يشعر بألم حاد فوق حاجبيه وبطنين في أذنيه بسبب من الشمس اللافحة، وبدت لـه بوضوح مفاجئ ثمار الجبس في المزرعة حمير وحش صغيرة، أضناها القيظ، فاستلقت متعبة تحت الأشجار التي ظللت المكان مثل شجرات نخيل واطئة تحمل ثماراً حمراء. "لا، لست على ما يرام." شعر كيف حمي رأسه من الشمس، واحترق عبر القميص بحدة ظهره الذي لم تبرده الأرض، وكيف ضربته برداء لا تقاوم متحدة مع الحرارة الشائكة، ولم تكفه الإرادة كي يتغلب على ارتجاف أسنانه. فكر فاسيلييف: "ما الذي يحدث لي؟ سأقع الآن؟" ونهض شاعراً بتمايل خدر، وخطا نحو ساتر الخندق وسقط بمرفقيه على الحافة محاولاً أن يراقب إلى جوار إيليا. لكن وميض الأوراق المغمورة بالشمس، الشبيه بوميض المرايا، وحركة البقع الشمسية على العشب تحت أشجار التفاح بهرته بسطوعها الحارق. لم ير بوضوح جيد ما هيّج انتباه إيليا، وبعد أن دلك عينيه المتألمتين حرر أخيراً المنظار من بيته. اقتربت في الحال على نحو أشبه بالوهم شجيرات توت العليق ووجه فتي، صبياني تماماً، برز شاربه كالخط، وقد ارتفع نحو تلك الشجيرات ماطاً على نحو ساذج ومضحك شفتيه الملطختين بالعصير، وراح يلتقط بهما برقة الثمار الكبيرة والريانة والناضجة والممتلئة بالرطوبة الحلوة العطرة حتى صارت مرنة، وكانت عينا هذا الصبي الألماني المضيقتين قليلاً في تيار أشعة الشمس فرحتين على نحو غريب، وكذلك بدت خصلة الشعر الملتصق بجبينه المتعرق. استلقى بإعياء هانئ على الأرض تحت الشجيرات في ذلك الجو الخانق الراكد، وكانت سترته العسكرية الخضراء مفكوكة الأزرار حتى الحزام، ووضعت قبعته القماشية المليئة عن آخرها بثمار التوت على العشب مثل قارب، وراح يتلذذ، مستمتعاً بالـهدوء والنهار الذهبي والأمان، بتناول الثمار المتدلية فوق وجه ، وبدا وكأنه يلاعبها بمط شفتيه الضاحكتين اللطيف نحوها. برزت في وعي فلاديمير وهلة ألمانيا الفائحة برائحة الخزام، ومنزل نظيف مدبب الذروة في بستان مقصوص العشب، ورمل أصفر على طرق سوية، والصبي الألماني هناك بجوربين أبيضين وقبعة بنامية بيضاء... أين رأى هذا؟ هل في الصور التي وجدها في وثائق القتلى؟ بان كل شيء في المنظار بأدق التفاصيل، وكان وجه الألماني قريباً، وكذلك قطرات العرق على جبينه وعنقه غير الملوح بالشمس والمكشوف بسترته العسكرية مفتوحة الياقة، حتى تهيأ لـه أن جزءاً من حياة أخرى وسهو إنسان آخر مكشوفان لـه مصادفة. لكن تمثل في الوقت نفسه في تسليته غير المؤذية ورضاه الصبياني والتقاطه الفرح للثمار الناضجة بفمه المبتسم شيءٌ ما محرم وممنوع، لم يكن يرغب في أن يراه الآن. قال إيليا بقسوة بعد أن أمعن، على الأرجح، النظر جيداً إلى الألماني تحت شجيرات توت العليق: "- يرعى مثل عجل. آه منك أيها النذل اللطيف." ثم أمر بصوت غير عال طاعناً ظهر لازاريف الثابت بسواد عينيه الخطر: "- أعطني قربينتك يا شابكين. هل هي محشوة بالمتفجرات؟" رد شابكين بشجاعة فائقة: "- بالمتفجرات دوماً. رؤوس الرصاصات مطلية بالأحمر." وقفز هازاً كتفيه المدورين نحو إيليا، ورمى في يده قربينة ألمانية جديدة ما كان يفارقها أبداً، ويحملـها عادة في حزامه وفوهتها نحو الأسفل. كرر إيليا: "- تزحف هناك وترعى؟ آه منك أيها النذل اللطيف." ثم التقط القربينة الجاهزة وكأن وجهه الأسمر قد تجمد، وأسند مرفقيه المتباعدين على حافة الساتر المغطاة بتراب ممزوج بالعشب والجذور، وصوب ضاغطاً وجنته الحليقة على الأخمص المصقول. لم يتسن لأحد أن يقول لـه شيئاً، ولم يتسن لأحد أن يوقفه- تدحرجت الطلقة، واقتحمت الصمت هادرة، وأفلتت في الغابات المجاورة مصحوبة بالصدى، وانتفض الألماني في الوقت نفسه خائفاً ومتلفتاً غير فاهم، وراح يزرر سترته على عجل. التقط بعد ذلك قبعته القماشية المليئة بتوت العليق عن الأرض والقدر المسطح المليء بالبندورة، الذي ظهر بجانبه، وصار يزحف إلى الخلف على ركبتيه حذراً، ثم اختفى بضع ثوان خلف شجيرات توت العليق وركض مباشرة على حين غرة من تحت أشجار الحور المتطرفة في البستان، واندفع إلى الأعلى على الردمية المشمسة شديدة الانحدار مجدفاً ومنزلقاً بجزمته على التراب، وحاملاً قبعته المليئة بتوت العليق بيد وقدر الألمنيوم المليئة بالبندورة باليد الأخرى. فرقعت الطلقة الثانية فوق الأذن في الحال، وضربت الأنف رائحة البارود، وقفز الألماني على الردمية قفزة غريبة، وترنح إلى الخلف ورفع يديه كما لو أنه يريد أن يمسك خائفاً برأسه وشعره الفاتح المشعث. تدحرجت القدر المنفلتة على الردمية نحو الأسفل ناثرة حبات البندورة، وهوت القبعة مع توت العليق على الرمل. ركض متعثراً في كل خطوة يخطوها، عائداً إلى البستان بعد أن استدار لسبب ما بوجهه المتشوه من الدهشة الذليلة نحو جهة الإطلاق، وهناك، تحت أشجار الحور المتطرفة، سقط، ودفن وجهه في العشب، وراح كتفاه يهتزان كأنه ينتحب، وكان مخيفاً النظر إلى شعره الأشقر، الذي راح يلمع مع العشب من حولـه ببقع حمراء سميكة تحت الشمس الحارقة. "- جاهز، الفرخ الألماني." رمى إيليا القربينة على الساتر، ورمق حانقاً شابكين، الذي قال هذه الجملة، ثم اصطدم بنظرة فلاديمير المشتتة، وبعيني لازاريف الثاقبتين كمثقبين فولاذيين، وجلس مبدياً رباطة جأش على صندوق القذائف وسط صمت عام، وقد فاضت وجنته بسمرة دقيقة. قال إيليا بصوت مشدود: "- أبسبب من البندورة القذرة أقمتم مع الألمان هدنة؟ هل نسيتم كيف دفنا نصف فصيلتكم أول أمس؟ هل نسيتم مقبرة إخواننا وراء هذه الغابة؟ يا للقنافذ الجيدة لديك يا فاسيلييف. يبيعون أمهاتهم من أجل الطعام. ألم تشاهدوا مثل هذه القذارة؟.." شتم، والتقط من القدر حبة بندورة ذات قشرة مرنة لامعة، وقذفها بكل قوته نحو جدار فجوة القذائف الترابي. سال عصير البندورة الأحمر على الجدار، وتقاطر لبها على غطاء الصندوق الخشبي، فاندفع الشعور بالغثيان نحو حنجرة فلاديمير مرة أخرى. تسنى لـه أن يركض خارجاً من فسحة المدفع. ثم أجبره الإقياء والسعال عند طرف الغابة على أن يتمسك بجذع صنوبرة. تعذب طويلاً وهو يكاد يبكي عجزاً، وخنقه النفور من شيء كثيف ما، أحمر، يلمع فاقعاً هناك في البستان تحت أشجار الحور، وهنا على جدار الفجوة وألواح صندوق القذائف. مرت في تلك اللحظة زوبعة مدوية فوق رأسه، ولمع البرق، الذي أفقدته الشمس لونه، عند المدفع، وفرقعت الرصاصات على مقربة بصوت رنان غض، وتناثرت أوراق الصنوبر المقتلعة على قبعة فلاديمير. اندفع عائداً نحو الموقع الناري وهو يمسح شفتيه والدموع في عينيه، من غير أن يعي بعد من أين أطلق الرشاش الألماني الثقيل رشقته نحو المدفع. نظروا في الموقع الناري جميعهم باتجاه واحد، إلى حيث ترامت الغابة إلى اليسار وراء ردمية السكة الحديدية، وإلى حيث تلألأت من بعيد جذوع أشجار الصنوبر البنية وازرقت السماء بين الأغصان والأوراق على نحو يعمي الأبصار. لكن الـهدوء الصادح بصرير الجداجد ساد في كل مكان، ولم يكن مفهوماً من أين أطلق الرشاش نيرانه- لم يستطع فلاديمير أن يتبين الخطوط البرتقالية والـهدير المدوي لرشقات الطلقات رداً على طلقتي القربينة. "عليّ أن أنام جيداً اختلط كل شيء في رأسي. أي هذيان هذا..." نطق إيليا بنبرة لا تقبل النقاش: "- صار واضحاً الآن أين تخندق الألمان، لكن ليس واضحاً لي لماذا عقدتم أواصر الأخوة معهم. مشاتنا غير موجودين في الأمام، أما أنتم فأرى أنكم تعيشون حياة جيدة أيها الفتيان." سألـه لازاريف بملل، وقد تحجر وجهه ضخم الوجنتين مهدداً: "- لِم أطلقت أيها الملازم؟" وضع إيليا غير مستعجل قدمه المنتعلة جزمة التاربولين على صندوق القذائف، وراح يتفحص ببطء ردمية السكة الحديدية: "- وبعد، أيها المساعد. تابع، إنني أسمعك أيها المساعد." كرر لازاريف نافخاً منخريه: "- لِم عكرت صفونا من غير سابق إنذار. لديك فصيلتك فلتتأمر هناك. ألا تشعر؟ لم ينادك أحد إلى هنا أيها الملازم." لم يرفع صوته، لكن نظرته صارت ثقيلة، وتوقفت عند الجزمة المصنوعة من جلد التاربولين، التي انتعلـها إيليا الجالس على ساقه بسلام (قايض بهذه الجزمة في مؤخرة فوج الرماة مسدس بارابيللو مغتنم)، ورأى فلاديمير أيضاً الجزمة الضيقة ذات المظهر الأنيق، الموضوعة على صندوق الذخيرة، وقد لطخها التراب وأوراق الأشجار من الجانب. سعى إيليا على نحو حثيث وخاص منذ مدرسة المدفعية، وكذلك الآن في الوفج، إلى أن يرتدي زياً جديداً وكتافيات ميدانية، ويبطن ياقة قميصه بحشية سيليلويدية لم يعرف أحد من أين حصل عليها (حلم الضباط الشبان كلـهم)، وكان هذا الزي لائقاً عليه وملتصقاً على نحو أملس ومن غير طيات بكتفيه وصدره القوي المشدود بالحمالة الممررة تحت الكتافية المغسولة جيداً أو الملوثة كلـها بالتراب. أما فردة الجزمة الموضوعة بثقة على صندوق القذائف فبدت وكأنها تؤكد قوته المستقلة الخفيفة، التي استفزت على الأرجح لازاريف، الغاضب غضباً شديداً بسبب من طلقتي إيليا غير المتوقعتين، اللتين أخلتا دفعة واحدة بالـهدواء والطمأنينة قرب المدفع. أنذره لازاريف، وقد انتفخت بشدة عروقه على عنقه العريض والسمين: "- ألبست ساقيك جزمة وتظن أيها الملازم أن الجميع في البطارية سيسيرون أمامك على قوائمهم الخلفية؟ تريد أن تدوسنا بالنظام ايها الملازم؟ تريد أن تسحب أمعاءنا من أنوفنا كي نخافك من بعيد؟" تكلم لازاريف وهو يقهقه قهقهة مخنوقة: "- إنك لا تعرفني جيداً. كنا في فصائل مختلفة، ومع أنك ضابط فإنني قادر على الإساءة بشدة على نحو غير متوقع إذا ما حاول أحدهم أن يضغطني بظفره نحو الأرض، هل فهمت؟" قال إيليا غير متفهم بعض الشيء: "- الإساءة؟ بشدة؟ إليّ؟ على ماذا؟ يا لك من أحمق يا لازاريف. حسناً، مرحباً ما دمت عصبياً هكذا. هات يدك، ما بك تنظر؟" ومد للمساعد يده كاشفاً عن أسنانه السوية بابتسامة باردة من غير أن يرفع فردة جزمته عن صندوق القذائف: "- مرحباً، أيها المحترم، مرحباً..." "- ماذا؟" "- أقول مرحباً." نظر لازاريف حانقاً إلى اليد الممدودة لـه، وبدا واضحاً أنه لم يفهم هذه الإيماءة، لكنه، بعد أن قرر، كما بدا، في لحظة واحدة أن يلقن الملازم الغريب مرة وإلى الأبد درساً لا ينساه، ضرب في الحال بقوة راحته الـهائلة الوعرة براحة إيليا، فصدر صوت لسع شديد، وأمسك بها كما بالكماشة، وراح يضغط على أصابعه. توعد لازاريف مقهقهاً بصوته الأبح نفسه، ودعا الجميع إلى اللعبة المقترحة، غامزاً بجفنيه المتدليين على شكل طيات كالينكين وشابكين، الذي جلس على ركيزة المدفع منتظراً بدهشة، ودافعاً قبعته القماشية نحو قذالـه: "- إذن انظر أيها الملازم. سأحطم أصابعك مثل فتاة." نظر إيليا بهدوء خطرٍ قاسٍ إلى عيني لازاريف السئمتين عمداً، وسمح لـه قائلاً: "- حطم يا لازاريف، لا ترحم." وقفا قرابة الدقيقتين متقابلين ومتحدين في نزال مناف للطبيعة، وأحدهما يشد على كف الآخر ويفتلـه مصافحاً، وقد راح المساعد لازاريف يلوي أقوى فأقوى ومن غير رحمة أصابع الملازم، محاولاً أن يضفي على وجهه ضخم الوجنتين تعبيراً نعساً وسئماً، وهو ينظر ببلادة إلى جبين إيليا الشاحب والمغسول بقطرات العرق. قال إيليا فجاءة: "- تعال، تعال إلى هنا يا ميكولا سيليانينوفيتش." وجذب لازاريف نحو الفجوة حيث كان المكان أرحب، ووقفا متقابلين مرة أخرى ومتشابكين بمصافحة عدائية. بعد ذلك، وبعد أن باعد لازاريف بين ساقيه الشبيهين بجذعي شجرة في جزمة رخيصة، نطح كتف إيليا برأسه على نحو لا يخلو من ثقة متكاسلة، مقترحاً عليه بدأ المصارعة، لكن هذا الأخيرة التفت نصف التفاتة بمرونة وعصبية، وتأرجح نحو الأمام، ورمى بسرعة البرق ذراع لازاريف من خلل كتفه وشده بحدة حتى فرقع المفصل، ثم دفع حالاً الجسم الثقيل من الجانب بطريقة ما نحو ساتر فسحة المدفع، مقطباً بسبب من صرخة انطلقت من حنجرة المساعد عبر أسنانه المكشرة. قام بخطوة نحو لازاريف المطروح أرضاً، واستقام فوقه وهو يتنفس بعمق، ويصحح على صدره الحمالة التي سقطت في أثناء العراك. أما لازاريف المبلل بالعرق كلـه فراح يتنشق الـهواء بنشقات شرهة، وانتفخ عنقه العريض، ثم شرع ينهض بصعوبة، مستنداً على مرفقه، وكرر لاهثاً: "- معنى ذلك أنك أردت أن تحطم عنقي؟ أليس كذلك؟ معنى ذلك أنك أردت أن تحطم عنقي بحركة ممنوعة." "- صحيح، أردت. لكنني لم أحطمه. في المرة القادمة سأفعل، وسأرسلك إلى المشفى أيها الشيطان الأحمق." تكلم إيليا بنصف صوته جاذباً قميصه العسكري وكأن انعدام الرغبة المنفر في شرح أي شيء كان يكبحه، أما عيناه المضيقتان فكانتا ملتهبتين بنار لا ترحم فيها تفوق مقنع. تابع إيليا كلامه بمهابة لا تقبل المماحكة: "- إذا كان في رأسك ولو تلفيفان فاسمع يا لازاريف وتذكر. أولاً- لقد قابلت أمثالك منذ أيام المدرسة ومدرسة المدفعية، وأؤكد لك أنني كدستهم على المجرفة. ثانياً- ستنصاع لأوامري صاغراً. واضح؟ أنا- قائد الفصيلة الأولى، وقد عينوني لأقوم مقام قائد البطارية، واضح أيضاً؟ هل فهمت كل شيء أيها المساعد؟ أم ليس تماماً؟" وقف لازاريف قبالة إيليا لاهثاً، وقد برز شعره المجعد على نحو مدهش على وجهه الغاضب المتجهم، بيد أنه وجد في نفسه القوة كي ينطق بنبرة الحقد اللطيف. "- ربما تعلمني هذه الحركة الماهرة أيها الملازم؟" "- لن أعلمك." "- رويدك، لا ترتكب الـهفوات. سيأتي يوم تطلب فيه صداقتي، فأنا فتى قنفذ لي في كل سد منفذ. اليوم أنت الرابح، أما غداً فأنا." قال إيليا مجيباً بمجاملة متكلفة، وربت براحته متصنعاً الرقة على منكب لازاريف الضخم، الذي وقف ضاغطاً فكيه وحسب: "- سي- لا- في(3) كما يقول الفرنسيون... اتفقنا؟ أم يحتاج الأمر إلى دلائل أخرى؟" **** لم يُخفِ إيليا في اشتباكه المفاجئ هذا مع المساعد تفوقه الساخر على قائد جماعة الاستطلاع الأكبر منه سناً بما يقارب العشرة أعوام، والمغتر بقوته، والمجبر مع ذلك على الانصياع لـه، هو الضابط- الصبي، القادم إلى هنا، إلى الموقع الناري بصفته الجديدة كقائد البطارية، والذي أخل في رمشة عين بالنظام السائد هنا. عرف فلاديمير من المدرسة ومن مدرسة المدفعية قلة صبر إيليا تجاه أية قوة جسدية لأي كان، وعرف أنه مارس بولع منذ الصف السابع الجمباز تارة وتارة في قسم الملاكمة، ممرناً عضلاته بالتمارين المستمرة والتمارين على العارضة وبالضغط الدائم في قبضته على الكرة المطاطية- وفي الصف التاسع صار مشهوراً بأنه الأقوى في "البناء الرابع"، ولم يحاول أي من المنافسين في أزقة زاموسكفوريتشيه أن يدعوه بصلف إلى "الصدام" وجهاً لوجه. حين أصابه الـهزال في مدرسة المدفعية بسبب من التعيينات المتواضعة، وخيل أنه نسي هواياته السابقة، صار يدلك نفسه من جديد بالثلج في الرياضة الصباحية، ويداوم مساء على تمارين السامبو، وقد بدا هذا الأمر غير ضروري ومضحكاً مثل التلاعب المغرور بمهارة الجسد المدرب جيداً أمام أعين الفتيات في الصالة الرياضية قبل الحرب، ومرة حدثه فلاديمير بذلك، لكن إيليا تقبل ملحوظته بطيب نفس تقريباً، وأجاب أن تنمية العضلات ضرورية للمرء ليس في فترة الطفولة وحسب بل في بعض الفترات في الحياة حتى لا يذل بقوة الآخرين. كان إذلال لازاريف واضحاً، وكادت الإرادة لا تكفيه كي يتعامل بذكاء مع سورة الغضب الجنوني العاجز، التي كانت ستذلـه أكثر في نظر الضابطين، غير أن عقلـه الخبير أوحى لـه باستعادة هيئة التوازن على الأقل وبتخفيف الـهزيمة، فصدح صوته الأجش بجنون معسول: "- ربما نحاول الاتفاق بالسكاكين أيضاً؟ على عادة الغجر. أرى أن خنجرك وطني، أما خنجري فمغتنم. الفرق كبير إذا ما تعاركنا حتى تسيل أول قطرات دم." وأخرج من الغمد خنجراً دقيقاً مع أخدود لتصريف الدم، وكأنه يخرجه من ضحية يحقد عليها، وبصق على ظفره ومس الشفرة الفولاذية، أما إيليا فخطا بمرونة نحوه وهو يفقد تمالك أعصابه، وقال ملتوياً غيظاً: "- كفى، فلتنه هذا السيرك الرخيص يا لازاريف وإلا سأكسر عنقك فعلاً. واضح؟" مسح لازاريف الخنجر بكمه على نحو لا يخلو من حذر طقوسي، وراح يهز بإيجاب وبحلاوة زائدة وجهه عريض الوجنتين. "- لقد عمل الخنجر عملـه. اختُبِر." كرر إيليا: "- أسألك- واضح؟ أم لا؟.." وكان في صوته من السلطة قدر ما يملك من الثقة في تصرفاته واستعداده للإقدام على أي شيء من أجل انتظامه النفسي ومن أجل انتظام شكل العلاقات المتبادلة، حتى أن لازاريف، كما بدا، قد وعى بذهن صاف في تلك اللحظة ما قد ينوي عليه قائد الفصيلة الأولى المعين في وظيفة قائد البطارية. رد لازاريف، وقد أدخل الخنجر في غمده: "- واضح. هذا ما سنكتب، واضح." نصحه إيليا بحدة: "- هكذا تماماً. أنصحك بأن تهتم بالأهداف من أجل البطارية، وأن تجهز نقطة المراقبة قبل أن يفوت الأوان، وليس عقد أواصر الأخوة." ثم قال لفلاديمير: "- علينا أن نتحدث يا فاسيلييف." سارا في الغابة على الطريق المغطاة بأوراق الصنوبر المتساقطة والمرقطة بالجزر الشمسية، وتدفق في كل مكان دفء القطران المداس، وطغت من خلف كتف الطريق رائحة توت العليق الساخن، فتذكر فلاديمير مرة أخرى كيف مط الصبي الألماني الأشقر شفتيه نحو الثمار الناضجة، وكيف أصابته الطلقة الثانية على الردمية المكشوفة، وكيف سقط ودفن وجهه في العشب موقعاً قبعته وما فيها من توت العليق، وصار شعره يتورم بالدم السميك. قال فلاديمير شاعراً بتوعك: "- لماذا؟ ما كان ثمة لزوم..." "- أنت حنون القلب يا فولودينكا كما أرى. أم أنك- وقعت ولازاريف هدنة مع الألمان؟ ويسمونه قائد جماعة الاستطلاع. انتقل إلى فصيلتك ويتظاهر بأنه في المقدمة. يلتهم الطعام ويتواجد فيها، أما أين طلائع الألمان فلا يعرف. مدفعك في موقع التسديد المباشر كما أفهم، فأين الألمان؟" "- كانوا على الردمية." "- أين- على الردمية؟ رد رشاش واحد على طلقتيّ من مكان ما من اليسار- واحد فقط. أين حد الألمان الأمامي أمامك؟ إلى أين ستطلق؟" فكر فلاديمير المهزوز بالبرداء والمكتسح، الذي لم يستفق بعد من معركة أول أمس، ولم ينس مدفعه المدمر وأفراد طاقمه المستشهدين في أثناء هجوم الدبابات المضاد على بعد كيلومترين تقريباً خلف غابة الصنوبر هذه: "إنه غاضب مني أيضاً." عارض فلاديمير، وقد أجبرت كلماته المدعوكة باصطكاك أسنانه إيليا على أن يلتفت إليه بسرعة: "- لا تقلق بـ ـ شـ ـ أني... من فضلك." "- اسمع. ربما عليك أن تذهب إلى المشفى بارتجاجك هذا؟ ما بك ترتجف؟" تمتم فلاديمير: "- لا، الأمر عادي. لا بأس، ارتجاج غير قوي، سيزول." فك إيليا ياقة قميصه، وتلكأ قرب شجيرات التوت البري النامية خلف حافة الطريق وقد فاحت رائحة أوراقها الحارة ورائحة جو الغابة الخانق القديم، فقطف بضع حبات ضخمة ورماها في فمه. "- قذارة... يا لـها من ساخنة كيف راح يلتهمها؟" بصق بقرف، وتسللت يده نحو علبة السجائر المعدنية الألمانية، التي رسم على غطائها رسم غوطي، وأخرج منها سيجارة. مر في عينيه ظل مكفهر لذكرى سيئة، فضغط شفتيه متسلطاً، كما كان يفعل دائماً حين لا يريد أن يشعر بأنه غير محق. تكلم إيليا، وهو يجلس على صنوبرة مقلوبة غير بعيدة عن الممر، وكان مرئياً من فوقها المدفع المموه بالمشمع والجنديان المستلقيان على العشب، وقد غطيا وجهيهما بقبعتيهما القماشيتين وأغفيا متدفئين تحت الشمس المحرقة: "- إليك التالي يا فولوديا. إليك أين يكمن غباء الوضع. مشاتنا غير موجودين أمامك، والألمان غير موجودين على الردمية. يشرف مدفعاي على هذه الطريق بعد المعركة، وكما ترى فالجنود يتشمسون. الأوامر أن نتوقف، ونحن متوقفون كالعميان. هل تظن أن الدبابات ستسير نحو هذه الغابة؟ لا يبدو الأمر كذلك. كان كل شيء واضحاً أول أمس. هجمنا نحو وولوا الأدبار هم. أين الألمان الآن- خلف الردمية أم ابتعدوا أكثر من ذلك- اللـه أعلم. على هذا النحو سنخرج مدفعيّ من هنا ونضعهما على بعد مائة متر من مدفعك عند طرف الغابة. سيكون هذا أجدى، فإذا هجمت الدبابات فإنها ستندفع عبر معبر السكة الحديدية ثم عبر الجسر..." أشعل السيجارة ومضغ طرفها، وبرزت خرزات العرق فوق حاجبيه المزاحين بسبب من الـهواء الخانق المشبع بالبخار، وفاحت هنا رائحة التوابل والتحلل الثقيلة، وأزت الذبابات الخضر الناعسة فوق الطريق، وبرقت كالنقاط تحت الشمس، وحطت على مواد معركة أول أمس المغروزة بالعجلات في التراب- أسطوانات مضادات الغاز الألمانية المضلعة، التي فلطحتها العجلات، والعبوات الحديدية التي تحفظ بها الألغام، وعلب السجائر المدعوكة ورقائق الكحول الاصطناعي البيضاء وسكرية اللون المتناثرة- مواد أجنبية غامضة أثارت فضول فلاديمير بالحياة المختلفة المسجونة بها، والتي تحمل رائحتها الخاصة ومعناها الخاص. قال فلاديمير شاعراً بنسمة جسد متحلل في الـهواء المشبع بالبخار، وكأن أزيز الذباب الأخضر هو الذي حملـها إلى هنا: "- ثمة قتلى على مقربة." جعد إيليا جبينه، وغرز بكعب جزمته مخزن بندقية آلية ألمانية فارغاً في التراب، ثم أكمل حديثه مهتاجاً: "- يكمن غباء الوضع في أننا، أنا وأنت، مرتبطان بلازاريف في أمور كثيرة، وأنا لا أطيق الإبهام." "- سيختار لازاريف نقطة مراقبة على الردمية ليلاً، وسيكون كل شيء على ما يرام." "- لا." "- ماذا "لا"؟" قال إيليا: "- لا، أولاً- الوقت طويل حتى الليل، وثانياً- لا أثق كثيراً بلازاريف. أظن أنني سأضطر إلى تمريغ خطمه بالتراب أكثر من مرة. أفكر في أن أعين شابكين قائداً لجماعة الاستطلاع، ولازاريف مكانه في الاتصال. هذا أضمن، أما هناك فسنرى." تسلم إيليا من غير تردد قيادة ثلاثة مدافع من مدافع الفوج، وتسعة عشر جندياً، الباقين بعد معركة أول أمس، التي استشهد فيها قائد البطارية الملازم أول دروبيشيف وقائد فصيلة التوجيه الملازم كوروتشكين مع طاقم المدفع الرابع كلـهم. لقد قتلوا جميعهم بإصابة مباشرة- حدد مدفعان سياران اتجاه الطلقات وتسللا عبر الجناح على نحو غير ملحوظ إلى مرتفعين مغطيين بالشجيرات، وضربا من على بعد مائتي متر المدفع المكشوف. تمركز المدفع الثالث عند تقاطع الطرق الميدانية، على بعد مائة وخمسين خطوة تقريباً إلى اليمين من المدفع الرابع، لذلك نقل المدفعان السياران نيرانهما نحوه من غير إبطاء، وحين ثاب فلاديمير، الذي أصمه الدوي الـهادر وغطاه التراب، إلى رشده مختنقاً بسعالـه فإنه رأى حافة كتف الطريق مدمرة كلـها، ومقطوعة بحفر القذائف المدخنة، وقد برزت حوافي الشظايا الحادة من التربة المحروقة، ولم يحفظ لـه حياته في تلك السنتيمترات القليلة من الفراغ، الذي سلم من القصف، سوى المصير السعيد والحظ وتساهل القدر. أصيب بالارتجاج، وراح صرير الجداجد المتحول إلى رنين خالص يملأ أذنيه من وقت إلى آخر كما لو أنه مستلق على سطح العنبر في ليلة صافية في القرية، وكان الصمم التام يحيط به أحياناً، ويشعر بألم وثمالة في رأسه فلا يعود يسمع صوته. أما ما بقي من أفراد المدفع الرابع، وما وجب جمعه فيما بعد أشلاء أشلاء ودفنه قرب المدفع المحطم في قبر محفور بسرعة، فكان مخيفاً وبشعاً إلى درجة استحال معها معرفة أي كان ولو من الثياب، أو تسمية أي كان باسمه، وكان مستحيلاً التفريق بين الملازم أول دروبيشيف والملازم كوروتشكين. ألغى الارتجاج، الذي حجب وعي فاسيلييف، الواقع، فاستولى عليه جنون مسعور، وراح يشتم غاضباً وهو يصدر الأوامر للمدفع الوحيد الباقي من فصيلته، ويبكي ويمرغ بقبضته الدموع على وجهه المخطط بخطوط من سخام البارود. انطلق المشاة إلى الـهجوم بضع مرات، وكانوا يستلقون ثم ينهضون من جديد مصحوبين بالصفير والصيحات والقنابل المضيئة، وسرعان ما اسود الميدان الممتد حتى خنادق الألمان بكثافة بجثث القتلى، وكان الـهجوم الأخير منهَكاً تماماً- انفصلت أجساد نادرة عن الأرض وتحركت في فوضى نيران الرشقات الخطاطة. انتهت المعركة في الظلمة، وصمت كل شيء. استولى المشاة، الذين فقدوا خلل النهار نصف التعزيزات التي أتتهم منذ وقت قريب، على خندق الألمان أخيراً، وامتدوا نحو الغابة، واحتلوا في وقت متأخر من المساء محطة القطار خلف الغابة. استلمت المدفعية أمراً بالانتقال، وبأن تشغل فصيلة رامزين الأولى الموقع في منطقة الممر قرب الطريق باتجاه تهدده الدبابات، أما فصيلة فاسيلييف الثانية (المدفع الوحيد المتبقي) فتقف على مرمى مباشر قبالة معبر السكة الحديدية. مع حلول منتصف الليل جهزوا الموقع الناري، وحفروا الخنادق الصغيرة بكامل شكلـها، وأمضوا اليوم التالي الراكد والقائظ كلـه في حال من النعاس، فلم يرغب أحد في الحركة وفي تناول الطعام والتحدث، وملأ الطنين رأس فلاديمير، الذي لم يخرج من خندقه، وراحت تسبح في ذاكرته مزق الثياب المدماة وأزرار الضباط المعدنية عليها، وحفر القذائف بين ركائز المدفع وشيء ما هلامي أحمر التصق على شكل خثرة مشعثة بدرع المدفع الجانح، وانتشرت في الميدان كلـه أجساد القتلى من التعزيز الأخير- معاطف جديدة ظهورها قاسية على نحو لا يعقل ولفائف سميكة على الأقدام لم تهترئ بعد... أيقظه صباحاً قائد المدفع الرقيب ديمين، ودعاه إلى الطاقم لتناول فطور ملكي- عسل وخيار وبندورة وجبس- لكن فلاديمير رفض رفضاً قاطعاً: برزت أمام عينيه طوال الوقت تلك الخثرة السميكة الـهلامية على درع المدفع المدمر، وبدأ يشعر بالغثيان دفعة واحدة وبتقلب معدته الفارغة، وأصابه سعال تشنجي ونفرت من عينيه دموعه الغزيرة المهينة، التي كان يخجل من ذرفها أمام الجنود. لم يرغب في أن يتذكر معركة أمس الأول، ولم يرغب في أن يعرف إيليا بالارتجاج الذي أصابه، شاعراً بالحسد من وجهه الأسمر الحليق على نحو متحذلق، ومن قوته التي لا تعرف التردد حين راح يؤكد جدارته في مركزه الجديد كقائد للبطارية، وكان صوته الآمر، الذي أعلن به الآن عن عدم ثقته بقائد جماعة الاستطلاع، مليئاً بالحزم والإصرار. قال إيليا: "- أظن أن الملازم كوروتشكين، ليكن مثواه الجنة، قد أفرط في تدليل لازاريف حتى صار لا يطاق. كان يقوم بكل شيء عنه، أما هو فيذر الرماد في الأعين، واسؤال ما حاجتي إلى استطلاع كهذا من أجل المدفعية؟ لا يعرف بدقة أين طلائع الألمان، ويسير في البطارية مثل ديك رومي." "- تعرف أن لازاريف كان في السجن قبل الجبهة، وهو، عموماً، شخص مشكوك فيه ولا أحد يريد التعامل معه." "- أعرف، ولا أريد هذه المعرفة. لا يهمني من كان. ما يهمني من هو الآن. يجب طرد لازاريف من الاستطلاع. يجب طرده حالاً من تلابيبه. يدهشني، طبعاً، أن هذا المساعد الظريف يعتبر نفسه محور البطارية. لا يريد الانصياع كما ترى. غبي، سأجبره على تنفيذ مهامه مثل جندي أنموذجي أو سأحطم عموده الفقري، الأحمق." "- أظن أنك فعلت ما فيه الكفاية." "- هذا ما كان يحتاج إليه. عموماً، فأنا لا أنوي أن أغفر لـه شيئاً." "- أنت أدرى يا ايليا. الاستطلاع والاتصال تحت إمرتك." "- هكذا تحديداً، تحت إمرتي." **** "هل يمكن الموافقة على أن قرار إيليا في ذلك اليوم من شهر تموز عام 1943 قد لعب دوره في تحديد مصيره، وغيّر مجرى حياته كلـها؟ وأنني لم أستطع أن أفعل شيئاً أو أتنبأ بشيء؟ لكن هل كان في الإمكان إيقافه؟" **** رجعا إلى المدفع، وأعلن إيليا عن تبديل قائدي جماعتي فصيلة التوجيه. بعد أن سمع لازاريف الأمر شمل بنظرة من عينيه المصوبتين والمتلألئتين قامة شابكين المتينة من رأسه إلى قدميه، ثم بصق من فوق الساتر بغيظ كسول، وجلس قرب قدر أقراص العسل وهو مقتنع ظاهرياً قناعة راسخة بوقوف الحق إلى جانبه. لم يبدل هذا التغيير في الجوهر أي شيء في حياة لازاريف (الاستطلاع واتصال البطارية وجهان لعملة واحدة) لكن، احتكاماً إلى جلوسه على ركيزة المدفع وقد وسع منخريه، وراح يمضغ الأقراص وينظر باهتمام مصطنع إلى الدبابير الحائمة حول القدر، واحتكاماً إلى صمته العنيد، كان واضحاً كم كلفه من جهد الانصياع التام لإرادة قائد البطارية الجديد الصارمة، الذي حطم وضعه المتين المستقل عن قادة الفصائل النارية. انهمك كالينكين بتقطيع الجبس على مشمع التاربولين ماداً عنقه العاري، فيما استلقى الباقون في ظل الساتر، وهم يقضمون الخيار بصوت غير عالٍ، من غير أن يحزم أحدهم أمره وينظر إلى وجه لازاريف، الذي كف تدريجاً عن المضغ وتصلب عظما وجنتيه. تكلم إيليا بصوت رجل آمرٍ لا يشك في شيء: "- ... إليكم ماذا سنفعل. سنحرك المدفعين من الغابة نحو بدايتها، باتجاه مدفع فصيلة فاسيلييف. انتهت الـهدنة مع الألمان. جدير بك أن تعي ذلك يا لازاريف. انتهى التقاعس أيضأ. على شابكين أن يشغل نقطة المراقبة على ردمية السكة الحديدية وأن يجهزها فوراً. في منطقة البستان والمنزل. أمنحك ساعتين للتجهيز. أمنح لازاريف الوقت نفسه ليتصل بالمشاة." **** أبلغوه بعد ساعتين تماماً أن نقطة المراقبة اختيرت على ردمية السكة الحديدية، وأنهم أقاموا الاتصال بين المدافع الثلاثة المتخندقة عند طرف الغابة، والاتصال مع كتيبة رماة الميمنة، التي تشغل محطة القطار ثم انتقل إيليا إلى الجهة الأخرى من الجدول، نحو الردمية كي يتمركز في نقطة مراقبة البطارية. وسال مجدداً السكون الصيفي لـهذا النهار المشمس قادماً من أدغال غابة الصنوبر، فلف المدافع بالحر والـهدوء وبأزيز الدبابير أحادي النغمة، وزحفت غشاوة النعاس اللزجة فالتصقت أجفان الجنود بعد الطعام. جلس الحارس كالينكين على ركيزة المدفع الأخير، وراح يتثاءب من وقت إلى آخر باسترخاء شهواني وعلى نحو ممطوط، مصفقاً كالنساء بيده الخشنة على فمه، أما الرقيب ديمين الوسيم ذو الصدر المتين والشعر الأصهب فاتخذ لنفسه مكاناً تحت الساتر، دافعاً قبعته على جبينه وضيق عينيه بسبب من الغيوم المتراكمة التي لمعت حوافها في زرقة السماء. تفرق الجنود الباقون هاربين من الشمس المحرقة، التي لفحت المكان المكشوف عند المدفع، فمنهم من زحف إلى الخنادق المحفورة الصغيرة ليقتربوا من برودة التراب، ومنهم من زحف إلى حفرة القذائف التي غطيت بمشمع التاربولين. استلقى فلاديمير على المشمع المفروش عند بداية الغابة قرب شجرة صنوبر ضخمة (سرت هنا من الأرض برودة تكاد لا تلحظ)، وشعر كيف راح ألم الرأس يفارقه، فبدا وكأنه يذوب كلـه في كسل ساعة الشبع المسالم، وفي برقشة بقع الضوء، وفي هناء هذا الصيف الخالي من أي صوت من أصوات الحرب، هذا الصيف الواعد وعداً ملحاً بالحياة الدائمة المليئة بالأيام الخضراء وغزيرة النور، والمشبعة بالحب والفرح كما كانت في وقت ما في فترات الغسق الريفية في مالاخوفكا المحجوبة بأدخنة السماورات الرمادية الزرقاء، وقد صدحت فيها أصوات الحاكيات من الأزقة التي نما الليلك فيها، وهدير قطارات الضواحي الكهربائية المتأخر خلف الغابة المنارة بنور القمر. أشد ما آلمه هو أن إيليا كان يستلم الرسائل من ماشا والمثلثات المطوية من أوراق الدفاتر المدرسية المسطرة، فيقرؤها رافعاً حاجبيه بسخرية، ويقول بشيء من الدهشة: "آ"- ثم يدسها في حقيبته الميدانية على نحو لا يخلو من قلة اهتمام، وكان فلاديمير يعجز في كل مرة عن مقاومة رغبته في السؤال عن ما كتبته ماشا من طشقند، فيضيف إيليا ساخراً كل مرة بعد أن ينقل تحياتها لـه: "- تخيل، لا زالوا يجلسون على المقاعد ويحلون المسائل في الـهندسة الفراغية، ذهول، حنان، زقزقة عصافير في البساتين. بم أجيبها؟" أما نحن، لو تدرين يا ماشا، فنقصف الدبابات"؟ الأفضل أن تجيبها أنت. هل تريد؟" كان في علاقته برسائلـها سأم متساهل لرجل ناضج تجاه كلمات طفولية، كتبتها تلميذة قابلـها على نحو عابر منذ سنوات كثيرة، وهو الآن لا يرغب كثيراً في أن يتعب نفسه بمراسلتها بانتظام. أما فلاديمير فكان يكتب لـها راغباً، والأدق كان يجيبها عنه وعن إيليا، لكن رسائلـها، كما من قبل، لم تأته هو، فكان يعاني من الشعور بالاستياء والظلم من وقت إلى آخر. كان عليه، كما هو واضح، أن لا يتذكرها كثيراً. آن الأوان كي يتعامل مع الماضي المدرسي الساذج كما يتعامل ايليا- بتساهل ودي صادر عن ضابط فهم في الحرب أكثر كثيراً مما فهمه هو- خلل تسعة أشهر من الدراسة في مدرسة المدفعية وخلل اثني عشر شهراً في الجبهة، حيث قادا، هما الاثنان، فصيلتين ناريتين، وقل ما افترقا وهما يدعمان الكتائب المختلفة بالنيران. كان إيليا، احتكاماً إلى طبيعته، مستعداً منذ زمن لقيادة البطارية. لم يحمل قائد البطارية السابق الملازم أول دروبيشيف، الرجل الذي لم يعد فتياً وضيق الأفق والأخرق، والذي دعي إلى الجيش من الاحتياط "خرقة مدينة"، على محمل الجد، بيد أنه نفذ أوامره بتلك الحماسة المصطنعة ذاتها التي ساعدته على أن يخفي نفوره الخاص. فكر فلاديمير، الذي خدره النعاس وهو مستلق على المشمع تحت أغصان شجرة الصنوبر: "سيجبر الجميع في البطارية الآن على الاستماع إليه. سيجبر الجميع على تنفيذ واجباتهم، ولن يصبر على أي تماد." تلاشت في الأعالي خلف الذروة الخضراء العريضة تكورات الغيوم المشبعة بالنور مثل دخان رقيق، وتهيأ لـه أنه استلقى بعد السباحة هكذا في قارب في يوم قائظ، مسبلاً المجدافين، منصتاً إلى صوت تلاطم الماء على الجانبين. فاحت طوال الوقت رائحة النهر الصيفي الرائعة ورائحة المنشفة المبللة، وانسابت جانباً ضفتا كليازما الريفيتان، وسبحت الغيوم المستديرة الساقطة في الماء على امتداد خمائل القصب النهري. وتذكر في غفوته نهاية الصيف في موسكو، حين بدأوا يتقاطرون إليها مع افتتاح المدرسة- أمسيات آب الطويلة في الفناء، التي راحت تُرجع دفء الاسفلت في أزقة زاموسكفوريتشيه، وتصاعد الغبار الزهري عند الغروب فوق ملعب الكرة الطائرة الغاص بالناس في حديقة المدرسة، وكيف كان يرى، حين يستقبل الكرة المرسلة من ماشا، كيف يتطاير شعرها المحروق، وتلمع عيناها المستمتعتان والضاحكتان لإحساسها بمرونة جسدها الطيع الفتي ولمعرفتها سلطانها على أولئك الذين نظروا باهتمام فائق إلى كتفيها الذهبيتين الملوحتين والشبيهتين بالشوكولا عند الغسق، بسبب من مياه البحر وشمس الجنوب... تحرك فلاديمير قليلاً، ثم جلس متهالكاً على جذع الصنوبرة. هبت عليه موجات من هواء قطراني، واستلقى كل ما حولـه في سبات نعس لدن فرضه صرير الجداجد. تناهى إلى مسمعه من المدفع ومن فجوة القذائف ومن تحت مشمع التاربولين شخير الجنود نافحاً إياه بشعور راسخ، منزلي، وكأن الطاقم الرابع لم يدفن كلـه أول أمس في مقبرة أخوية. تثاءب الحارس كالينكين طويلاً، وقد وضع وهو جالس على ركيزة المدفع وسناً القربينة على ركبتيه، وراح يدير عينيه الحمراوين، وردَّ بصيحة استياء حين أيقظته فجاءة دفعة من قدم ديمين: "-هل جننت أم ماذا؟" حينئذ رفع ديمين عن الأرض رأسه الجميل ذا الشعر الأصهب، ونادى على نحو لا يخلو من استعطاف هزلي: "- كالينكين." "- نعم." "- أنت كالغنم." شرع كالينكين يتكلم بصوت لائم هادئ، وانكمشت كالمذنبة شفته العلوية المقطوعة بشظية والشبيهة بشفة الأرنب: "- هل عدت إلى ألاعيبك مرة أخرى؟ ماذا فعلت لك؟ لماذا تسخر مني؟ أنت ابن مدينتي يا ديمين، كم عددنا نحن الفارونيجيين.. واحد، اثنان، وانتهى. لا تسئ إلي كرمى للـه.. لم يبق سوانا من المدينة نفسها. أول أمس سقط ماكاروف... من ماليخ دفوريكوف. أصابته شظية في صدره فخربته. أنا وأنت الأخيران." أما ديمين، الذي راح يتمطى على الأرض بجسده الشاب مستمتعاً بعدم القيام بأي عمل وباسترخاء الشبع، فناداه مجدداً متصنعاً الرزانة: "- كالينكين. هل تسمع يا كاليـ ـ ينكين؟ أم أنك أصبت بالصمم كالقطا؟" "- ماذا؟ نعم؟" "- أنت كالغنم. ذكي جداً. لذلك يغلبك الشخير في موقع الحراسة. رأسك ماكر، من أين لك هذا المكر؟" سألـه كالينكين شاكياً، وتجعدت شفته العلوية المشوهة بما يشبه الابتسامة: "- لأجل أي هدف تضايقني يا ديمين؟" تكلم ديمين ممتلئاً حبوراً مصطنعاً، وأطلق زفرة من صدره الواسع: "- راعي الحمام. ما إن تكف عن التفكير فأنت لا تفكر، وما إن تفكر فبماذا تفكر؟ الحظ حليف الصناديق من قريتكم دائماً. خصوصاً إذا كانت الآذان كراعي الحمام. " ظل ديمين يمط الكلام ساخراً، وهو يراقب فرحاً تغير الغيوم في السماء: "- أما ذوو تلك الآذان لديكم فتجدهم خلف كل سياج. نصف القرية كالينكينيون. يا للغرابة، أينما بصقت فإنك ستصيب كالينكيناً ما. كل البقرات دونكا وكل الكلاب شاريك، وغيرهم لا يوجد في العالم حمقى." تمتم كالينكين خجلاً: "- ما الذي لا يروق لك فينا؟ قريتنا صغيرة، خمسة عشر فناء فقط. الناس جيدون، محبون للعمل. عندكم في ميخائيلوفسك يتعارك الشبان دائماً، أما لدينا فالأفنية هادئة، يعزفون على الـهرمونيكا والفتيات يغنين. نحن- هادئون، ولدينا بساتين ومزارع كثيرة. إننا لا نسيء إلى أحد." قال ديمين وقد راح صدره يهتز ضاحكاً: "- لقد قلت لك- أنت قديس من قديسي القصر. سوف تعزف على الـهرمونيكا مائة عام بعد الحرب، وبعد ذلك سوف تصعد إلى السماء- ومباشرة إلى الجنة." ناداه بعد دقيقة بصوت سئم: "- كالينكين." "- ما بك؟" "- الفأر في ثيابك." "- هل عدت إلى ألاعيبك مرة أخرى؟ ماذا فعلت لك يا ديمين؟" "- أسألك بلغة روسية جدية يا كالينكين، على أي أساس يسمون الكلاب كلـها في كولخوزكم شاريك؟" كانت تلك الساعات من ذلك اليوم من أيام تموز فارغة وخالية من الـهموم، وقد انحفرت في ذاكرة فلاديمير مثل بريق شمس محرق قبل الظلمة الحالكة... (1) النجمة هي جائزة الحائزين على لقب بطل الاتحاد السوفييتي (المعرب). (2) مشروب روحي ألماني (المعرب). (3) هكذا هي الحياة (بالفرنسية). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |