الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الحادي عشر

حين بدأت الغيوم الرمادية الثابتة تغفو بعد مغيب الشمس في الماء المسائي الزهري القاتم، وحين انتشرت رطوبة العشب من المنخفض اتصل إيليا المرح من نقطة المراقبة، وقال: "- كفى نوماً. تعال واشرب الشاي مع الخشخاش في المنزل المعروف تحت الأشجار." تفقد فلاديمير الحراس عند المدافع، وعبر الجسر المقام من جذوع الأشجار إلى ضفة الجدول الأخرى، التي صارت مظلمة، وانحدر متحسساً طريقه على المنحدر الشديد نحو البستان. فاحت هنا الظلمة برائحة التفاح الناضج وبجفاف الأسيجة المجدولة من الأغصان، التي لم تبردها بعد برودة الطقس.‏

كان المنزل محجوباً بأشجار التفاح، وضرب لون سطحه تحت ضوء النجوم بين مجاهل أوراق الأشجار إلى الزرقة الصفيحية القاتمة، وسكنت على الجدار المبيّض آثار العنب البري الضعيفة الشبيهة بالبراثن، وتلألأ على نحو زئبقي على بعد ثلاث خطوات عن المدخل دلو قديم مصقول على ساعد "المكبس" المحاصر بظلمة البستان- كان كل شيء هادئاً ومريحاً على الطريقة القروية، وقد راحت ثمار التفاح المفرطة في النضج تسقط مصدرة نقراً أصم. صاح الحارس المتخدر في وحدته، بصوت مكبوت قرب المنزل: "- قف، من القادم؟" وخطا على الممر بين الأشجار وهو يقضم تفاحة بصوت عال، ثم شرع يتكلم وقد أفرحه الشعور بالنشاط، الذي بثه الحديث فيه:‏

"- أي هناء، ويا للغرابة... لا قنابل مضيئة ولا طلقات، وكأن الألمان غير موجودين إطلاقاً. الجداجد وحدها تطلق الرشقات. لبستها العفاريت."‏

تحدث بملء فيه، مبتلعاً لب التفاحة وهو ينشق بأنفه- كان في تلك الأصوات أيضاً شيء قديم ما، مهدئ، قادم من أعماق القرون- وتخطى فلاديمير عتبة المنزل شاعراً باضطراب مبهم.‏

فاحت عليه في النصف الأول رائحة بخار الماء المغلي في السماور، وأنار مصباح الكاز العالي على المنضدة الصحاف التي وضعت فيها قطع دهن الخنزير، وزجاجة خضراء مسدودة بخرقة، وعرمة من ثمار التفاح الضخمة وجبسة مقسومة إلى نصفين، وقد اسودت بالبذور، وعسل برتقالي في الصحون- ثروة كاملة، عبقة، وفيرة، ذكرته بعيد الأحياء الذي بدأ أول أمس ولم ينقطع، والذي دفع بعيداً ساعة القدر بغض النظر عن الناس.‏

جلس إيليا وراء المنضدة في الركن الأحمر بقميصه المفكوك وحشية ياقته السيليلويدية، تحت أيقونة مزينة بمنشفة مطرزة، وراح يبتسم بلطف ولباقة لصاحبة المنزل، المرأة في الثلاثين من عمرها تقريباً، التي ابتسمت في المقابل ابتسامة وديعة بشفتيها الكبيرتين الساطعتين رداً على نظرته المرحة، وقد تلألأت في ابتسامتها الرطبة هذه الطاعة المذنبة.‏

أخذ المساعد لازاريف يذهب ويجيء مع جندي الاتصال قرب جهاز الـهاتف، ويتصل ليجرب الخطوط الواصلة بين المدافع وينظر مستفسراً خلل كتفه إلى إيليا والمرأة، لكنه لم يشارك في الحديث ممتنعاً بحكمة عن التدخل في شؤون قائد البطارية الجديد.‏

تكلم إيليا بحيوية كعادته حين يكون في مزاج جيد، كأنه لم يمارس في حياته كلـها شيئاً سوى تحطيم قلوب النساء، وأحاط بعينيه السوداوين عنق المراة المستدير وصدرها الممتلئ: "- ها هو أخيراً الملازم فاسيلييف. تعرّف يا فولوديا بصاحبة المنزل المضياف الفاتنة. هل ترى أية حسناوات لا زلن في هذه الدنيا؟ كنت تقول إنهن قد انتهين منذ القرن التاسع عشر... هاك، كانوا سيقتلوننا من غير أن نشاهد هذا الأنموذج الرائع. حسناً، سنمضي الأمسية كلـها في تقبيل يديك يا نادينكا(1)."‏

لقد بالغ في ما يخص جمال المرأة الفتية الخارق، لكن بدا جلياً أن مزاجه كان ممتازاً إلى حد لم يعهده فلاديمير منذ زمن طويل، إذ راح يتحدث بنبرة مازحة ممتعة، ولم تكن نبرته هذه تسيء إلى أحد بل على العكس جذبت الجميع للاستماع إلى حديثه.‏

فكر فلاديمير، وهو يهز رأسه لصاحبة المنزل دلالة على قيام التعارف: "ومع ذلك، حسن أنني وإياه في بطارية واحدة."‏

بعد أن ردت المرأة على فلاديمير بهزة خجولة من رأسها قالت بصوت خفيض، وهي تنظر إلى الإبريق الذي ملأته بالماء المغلي كثيراً من السماور، فانتشرت مع البخار حرارة أوراق عنب الثعلب المفرومة: "-إنك تسخر مني يا إيليا بيتروفيتش." ثم دلت فلاديمير على المقعد تحت النوافذ المغطاة بطبقة من الصحف القديمة، وقد لفه صوتها برقة بموجة من لطف نافذ رخيم: "- اجلس من فضلك هناك. سترتاح في هذا المكان. تفضل وكل..."‏

تابع إيليا، وقد أمسك كفها الملوح الفظ قليلاً، ثم نهض بظرافة وقبلـه بجراءة: "- إنني أتكلم جاداً يا نادينكا، ليس ثمة مزاح هنا."‏

"- ماذا دهاك؟ ماذا دهاك؟... لا لزوم لـهذا..."‏

اعترضت واحمرت من خلل سمرتها، وقامت بمحاولة ضعيفة لتحرير كفها، لكن إيليا لم يتركه، بل ضغط بشدة أكبر على أصابعها، وقبلـه مرة ثانية مبتسماً، وناظراً مباشرة إلى عينيها العسليتين المتسمرتين. لم يخجل من مغازلته المكشوفة لـهذه المرأة، التي أعجبته كما بدا، وشعر فلاديمير بنوايا غير بسيطة في لعبته هذه.‏

سأل لازاريف باهتمام بريء من غير أن يلتفت عن الـهاتف: "- ألم يقبّل الألمان أيدي النساء حين كانوا عندكم؟ أم ماذا؟ الألمان معلمون كبار في ما يتعلق بالتيتي ميتي. ليس سدى أن يحملوا معهم أينما حلوا لوحات تشبه الإرشادات."‏

سألـه إيليا ببراءة أيضاً: "- لم أفهم. ماذا قصدت تحديداً يا لازاريف؟ هل أردت أن تقول إن الخرائط الطبوغرافية الألمانية لا تعجبك؟"‏

تكلم لازاريف على نحو معسول من غير أن يعير اهتماماً لجملة إيليا المخففة: "- أقول إنهم أفسدوا بضعاً من نسوتنا... وأصابوهن بالعدوى." ثم سالـها مرة أخرى وقد صب في نبرته المعسولة سماً محلى، لم يكن محضراً من أجلـها بل من أجل إيليا من غير شك: "- هل وقف الألمان عندك هكذا أيتها الحسناء؟ وقبلوا يدك؟ أم كيف؟"‏

أغلقت المرأة الصنبور، وغطت الإبريق بغطائه، وصارت تقرب الفناجين المغسولة جيداً، وذات الحواف المكسورة، من السماور، ثم أدارت وجهها بوجل نحو الظل، حيث علقت على الحائط بين النافذتين وفوق الخزانة الصغيرة المغطاة ببساط مزركش بالدانتيلا بضع صور قديمة، كانت من بينها في الوسط صورة لشاب ذي وجه صارم وكبير الفكين، يعتمر قبعة رجال السكك الحديدية، وعلى جيب سترته شارة من ما قبل الحرب. قالت المرأة بصوت مضطرب:‏

"- أقاموا في المحطة، أما عندي فلم... بيتي واقع جانباً، وهم لا يحبون البيوت المتطرفة. جاؤوا أربع مرات تقريباً على الدراجة النارية: "أعطنا أيتها الأم دجاجة وبيضاً ودهناً"، اغتسلوا عند البئر وهزوا أشجار التفاح، ثم أخذوا عسلاً ورحلوا."‏

انتفض منكبا لازاريف المائلان.‏

"-و- من غير أعمال وحشية؟ ألم يتحرشوا؟ ترالا-لا؟"‏

"- عذبوا المعلمة في المحطة وشنقوها... أتت إلينا عام واحد وأربعين. من كييف. كانت زرقاء العين حسناء.."‏

كان واضحاً أن لازاريف لم يستطع أن يغفر لنفسه ذلـه الذي مزق روحه، والذي اضطر إلى أن يراه اليوم، فراح يثأر من إيليا على نحو غير مباشر. أما هذا الأخير، الذي أدهش الجميع بابتسامته الطيبة، التي لم تفارقه فنظر إلى المرأة الشابة، وقد أحنت رأسها وراحت تحرك الفناجين بغباء ومن غير هدف، تحت صنبور السماور، من غير أن تحزم أمرها لسبب ما على أن تصب الشاي، فصار وجهها النشيط ذو العينين البنيتين معذباً في رمشة عين.‏

قال إيليا فجاءة على نحو سوي، وقد أكدت لـهجته كلامه الذي لا يقبل الجدل: "- أنت شاب قوي أيها المساعد. أعرف ذلك. لكن إن فهت يا لازاريف الآن بشيء ذكي مرة أخرى فسأرمي رأسك من النافذة كي لا أسمع نفساً من أنفاسك هنا. واضح؟" ثم تابع حديثه بهدوء ولطف جاف، وراح يقرع بانتظام المنضدة بإظفر سبابته: "- افهم أخيراً أيها الذكي. لم أمارس الملاكمة والسامبو عدة سنوات كي أدع أمثالك يجلسون علىكتفي. واضح أيضاً؟ حسن إن لم ألقن طبعك المثقف والمرهف اليوم العقل فسأفعل ذلك غداً في الوقت الذي يناسبنا."‏

انتفخ منخرا لازاريف الغاضبان وتكورا، وابيضت عيناه حتى أقفرتا، وقال بصوت أبح:‏

"- شُدَّ أيها الملازم واضغط، لكن انظر، فأنا أيضاً قادر على أن أقلب الدب، فأنا محب للصيد... وقد ردمتُ..."‏

مست يده الضخمة مصادفة، وعلى نحو ثقيل ومنزلق، غمد الخنجر وتركته حالاً، وكان النظر إلى الصحراء البيضاء في عينيه اللتين التهمهما الحقد يبث الرعب، غير أن إيليا وقف مكرهاً من غير أن يكمل سماع تهديده المبطن، وأمره بنصف صوته وهو ينفذ بنظرة فضولية إلى حدقتيه الملتهبتين:‏

"- سر إلى نقطة المراقبة أيها المساعد، وقلل من ظهورك على مرأى مني حتى تصير ذكياً."‏

كشر لازاريف: "- وماذا في الأمر؟ في مقدورنا. فوراً. إلى نقطة المراقبة، فلنذهب إلى نقطة المراقبة." ورفع عن المقعد البندقية الآلية منتصباً كما يقتضي النظام، واقترب من صاحبة المنزل المذعورة متمايلاً: "- شكراً لك أيتها الحسناء على الضيافة، سأذكر حتى اللحد الشاي والدهن والساموغون(2). شبعت حتى التخمة."‏

تكلمت صاحبة المنزل بحيرة، ناظرة إلى ظهر لازاريف الكبير وهو يخرج: "- لكنني... لكنك لم تأكل بعد، لكنك لم تشرب..."‏

قال إيليا من غير اهتمام، وأخرج الخرقة من عنق الزجاجة، وصب الساموغون في الفناجين: "- لا ضير في ذلك، فأمثالـه لا يموتون جوعاً يا نادينكا. حسناً، أظن أن في مقدورنا أن نشرب مائة غرام، آ؟ ماذا يا نادينكا، هل ستقرعين قدحك معنا؟ " ظل إيليا يتكلم بطيبة نفس، ثم وجه الحديث إلى صاحبة المنزل رافعاً فنجانه: "- هل تسمحين يا نادينكا أن نشرب نخبك... نخب صاحبة المنزل اللطيفة المضيافة. كيف يا فولوديا؟ هل تؤيد نخبي؟ نخب ناديا، ونخب الحظ الذي حالفنا بلقائنا هذه المرأة اللطيفة."‏

أراد أن يعجبها، وكان مستثاراً بهذا الغزل الجنوني، وبهذه الثرثرة الخفيفة التي لا تلُزم بشيء، وبهذه الراحة المدنية في هذا المنزل النظيف الذي لم تمسه الحرب والذي عاشت صاحبته فيه حياة وحدة غامضة، وهي ترد الآن على كلماته المرحة بابتسامة حائرة ومرتجفة على شفتيها الطويلتين. سألـها فلاديمير على نحو أخرق حين نظر إلى صورة الشاب الصارم في قبعة رجال السكك الحديدية فوق الخزانة الصغيرة:‏

"- هل زوجك في الجبهة؟"‏

أجابته بصوت رخيم واهن: "- رحل حين بدأت الحرب، ولا أثر لـه ولا خبر عنه. عشنا معاً سنة واحدة فقط. لقد قتل..."‏

××××‏

استيقظ لأن أحدهم هزه من كتفه وراح يهمس لـه: "- انهض يا فولودكا."‏

ارتمى على المقعد بعد أن استفاق من نومه، وسمع في جو البيت الخانق صوت الأنفاس المنتظم الصادر عن جندي الاتصال الغافي قرب الـهاتف في هدوء الليل العميق: أنار مصباح الكاز على المنضدة المكان بنور غير قوي وفاحت رائحة الزجاج المحروق والمسود.‏

"- انهض، هيا."‏

وقف إيليا قربه بقميصه المفكوك ومن غير الحمالة، وقد تعثر همسه ببحة لطيفة، وأضيء وجهه في هذه الظلمة الخفيفة بإرهاق الرضى الخفيف.‏

سألـه فلاديمير بسرعة: "- ماذا؟ ما بك؟"‏

قال إيليا، ودفعه من كتفه: "- اذهب، إنها تنتظرك."‏

لم يفهم فلاديمير: "- من التي تنتظر؟"‏

أجاب إيليا وجلس قربه على المقعد حاراً ومتعرقاً: "- ناديا. إنها عند مقلب القش في الفناء." ثم ضحك باقتضاب: "- يا لـها من امرأة." مس شفته وتكلم مضيقاً عينيه باهتياج: "- سيحالفني الحظ إن لم تبق غداً آثار أسنانها. ليست امرأة بل شيطانة. لكنها، لو تدري، تسمح بكل شيء، ولا تخاف إلا من هذا... اسمع، أي صدر فاخر لديها وأي فخذين... اذهب، قالت إنني لست أنا من يعجبها بل أنت. اذهب ما بك تنظر يا فولودكا؟ أقول لك إنها تنتظرك."‏

احتضنه إيليا من كتفيه ودفعه بتشجيع ودي:‏

"- اذهب."‏

"كان الآن عند مقلب القش مع تلك المرأة اللطيفة الشابة، وراح يقبل شفتيها الطويلتين هناك... وهو يريد الآن أن أذهب أنا؟ أن أذهب إلى ناديا بعده؟ أمن الممكن تقبيل امرأة بعد رجل آخر؟ لا، لن تكفيني الجراءة، لن أقدر..."‏

لكن هذه الناديا الغريبة أعجبته هو أيضاً، وحين جلست معهما وراحت تقدم لـهما الطعام وراء المائدة شعر أحياناً بالضيق والخوف المضني من قرب صدرها الممتلئ وفخذيها المتينين وجسدها الفتي الأنيق، وانحبست أنفاسه من قرب عينيها البنيتين الرقيقتين والصاغرتين أحياناً ما إن يتلاقى نظراهما وهو يتناول من يديها الأنثويتين الخدومتين فنجان منقوع عنب الثعلب.‏

"- ألم تستيقظ؟ ما بك جالس كجذمور الشجرة؟ اذهب، كفاك تفكيراً. مقلب القش في العنبر، ستراه حين تخرج. هل عليّ أن أرافقك أم ماذا؟"‏

"- كف عن التحامق يا إيليا. أعرف بنفسي ماذا علي أن أفعل."‏

دفعه فلاديمير بخفة، ونهض وخرج عبر المطبخ الصغير، المشبع برائحة الخبز، والمتلألئ بفضل النافذة الصغيرة فيه، إلى ظلمة البستان والـهواء الندي. كان كل شيء هادئاً ومنعشاً: حط برد الليل الأصم الرطب على العشب وعلى أوراق الأشجار، وراحت نجوم تموز تلعب وتتلون بألوانها المختلفة فوق الأغصان.‏

لم يكن الحارس موجوداً قرب المنزل، ولم يسمع وقع خطواته وحفيفها على العشب- كان على الأرجح واقفاً أو جالساً في مكان ما من البستان وينصت إلى صمت هذه الساعة من الليل.‏

ظهر العنبر مثل بقعة سوداء في آخر الفناء، وهناك كانت تنتظره على مقلب القش تلك المرأة الشابة، التي سماها إيليا من غير خجل ناديا ونادينكا، والتي احمرت وابتسمت لـهما بخفة بعينيها الخجولتين تارة والمتسعتين على وجهها الملوح تارة أخرى، مبقية ظهرها مستقيماً مع عنقها المستدير وخصل شعرها الدقيقة والفاتحة، وكأنها انتظرت وحيدة زمناً طويلاً كي تعجبهما هي أيضاً بقامتها الأنثوية المصونة، وبأناقتها التي لم تدمر بالعمل القروي في المنزل.‏

"- هذا- جبن. يا للسهولة التي غازلـها بها إيليا، وكم كل شيء صعب علي. لِم كل هذا؟ لا أريد... إنني أفكر بماشا، ولا أستطيع الذهاب إليها... لكن ماذا سيظن بي إيليا؟.."‏

كان العنبر مع مقلب القش على بعد عشرين خطوة عن المنزل، لكن كان عليه أن يمر بمحاذاة أشجار الحور قرب البئر وسط الفناء، ويقترب من الباب نصف المفتوح ويهتف هناك بصوت منخفض: "ناديا"، فلا يعود يشعر بالخجل هناك في الظلام الدامس، ويسقط معها، مع جسدها المتين، إلى مكان ما، إلى الخوف المميت للسديم الحلو، الذي جربه مرة قبل الحرب على نحو غير تام كما لو أنه كان يحلم.‏

ناداها محاولاً أن ينطق اسمها مازحاً كما نطقه إيليا، لكن التقليد كان مكرهاً ومغتصباً، فتابع هامساً في فتحة الباب التي أرهبته:‏

"- نادينكا... ناديا... ناديا، اسمعي..."‏

"- تعال إلى هنا أيها الشاب، تعال..."‏

صار يتحسس الجدار بيده مصغياً إلى قفزات قلبه المجنونة، ثم صر الباب متأرجحاً، وتهادى على مفاصلـه القديمة مدفوعاً نحو جدار العنبر، أما من الأمام، من الظلام الحالك، الفائح بالروائح القروية، فتناهى إليه خلل ضربات الدم في رأسه همس مبهم ورخيم وسريع في العبق العسلي المخدر للقش الجاف، واصطدم فجاءة باليدين الماهرتين الحارتين اللتين جذبتاه إليها، وبأنفاس الشفتين المفتوحتين الحارة، وأحس بقرب النهدين الممتلئين الباردين المؤلم، وملمس بطنها الحريري، ورائحة عنقها وكتفيها النظيفة الشبيهة برائحة الخيار الطازج. سقط وإياها معاً على البطانية المفروشة على القش، وشعر كيف تقدمت ركبتاها تحت ركبتيه، وأحس بالبرودة فجاءة بسبب من أسنانها الرطبة ومن حركة حضنها الملاطفة وغير الخجولة ومن همسها السابح المتموج، الذي لفه بدوائر برتقالية.‏

"- وا مصيبتاه أيها الشاب... ذلك الملازم... المقحام... قال إنني أعجبك، إذن قبلني أيها الشاب اللطيف..."‏

همس مرتجفاً من البرداء، وغير عارف لماذا لا يستطيع أن يسميها نادينكا كما استطاع ذلك بإتقان إيليا: "- ناديا." ثم كرر في ضباب خجلـه، الذي جعلـه يرتجف: "- ناديا، ناديا... أنت جميلة، أنت رائعة..."‏

سمع صوتها المكبوت والمتوسل: "- سامحني يا إلـهي. قتل زوجي منذ زمن، وأنا وحدي مثل سمانة. أنا الزوج وأنا ربة المنزل. يا إلـهي..." تكلمت مرة أخرى بصوت لا هو ضاحك ولا هو باك: "- أي شاب واضح ووسيم... اسمك فولوديا؟ يا إلـهي، وامصيبتاه. فولودينكا، أيها الشاب.."‏

صاحت شاكية من غير أن تنهض، وفي تلك اللحظة برز وجهها في الظلمة وأنير بضوء أخضر وظهرت عيناها الكبيرتان المفتوحتان والدموع فيهما- اندفع الضوء الغريب عبر باب العنبر المفتوح، وبرق في البستان ثم خمد كل شيء.‏

لم يفهم أول الأمر ما هذا الضوء الذي ارتفع خلف البستان مخترقاً العنبر وشقوقه، لم يفهم لأنه لم يسمع الطلقة. لكن صوت تحطم زجاجة وفحيح متصاعد تردد في مكان قريب جداً، وتفتت مذنب أحمر وأخضر في الأعلى على مساحة واسعة فوق ردمية السكة الحديدية، متناثراً على ذرا أشجار الحور كغبار آخذ في الانطفاء، وبرز من جديد وابيض وجه المرأة نصف العارية المرفوع، ذو العينين المتسعتين والدموع غير المذروفة. نهض فلاديمير على قدميه، بعد أن وعى من غير تركيز تقريباً لماذا هو هنا، ومتوجساً شيئاً ما مفاجئاً وحتمياً يجب أن يحدث الآن، وراح يشد حزامه في أثناء سيره، وركض خارجاً تحت المطر الناري المتساقط بفعل القنبلة المضيئة الثالثة، التي أنارت بسطوع لا يطاق الفناء كلـه والبئر ومكبسها والتفاحات الضخمة على الفروع المثقلة وردمية السكة الحديدية في الأعلى خلف أهرامات الحور.‏

تراءت لفلاديمير في هذا الفاصل القصير، الممتد بضع ثوان، بين النور والظلمة حركة أجسام على ردمية السكة الحديدية، وتناهت من هناك في الحال صرخة وحشية غير مفهومة، كما لو أنها صادرة عن حنجرة مقتلعة، ثم انطلقت في الأعلى رشقات البنادق الآلية مصحوبة بدوي حاد قاطعة تلك الصرخة ومخمدة إياها. اندفعت خطوط الطلقات مثل زينة ضوئية قرمزية فوق ذرا البستان، وانفجرت بين الأغصان بأنوار بنفسجية. سقطت قرب السياج تفاحتان ناضجتان، قطعتهما الطلقات، وتدحرجتا على الممر ثم اختفتا في العشب.‏

رأى فلاديمير التفاحتين بدقة غير عادية في الفوضى العاصفة التي أثارتها القنابل المضيئة المنطلقة في الأمام، وراحت الألعاب النارية تتأرجح وتتهدل خلف السكة الحديدية، وهناك أزت المحركات مدوية على نحو متقطع وهي تندفع نحو الغابة وتتوتر أكثر فأكثر بذبذبة حديدية. صعق فلاديمير: "من أين ظهرت الدبابات؟ كان المكان هادئاً خلل اليومين..."‏

كاد يصطدم قرب باب المنزل بإيليا. قفز هذا الأخير خارجاً إلى الفناء وقد ارتدى زيه كاملاً وشد الحمالة المتصالبة على صدره، وراح ينظر هو يركض إلى السماء الممتلئة بالقنابل المضيئة ويصيح لفلاديمير:‏

"- بدأوا؟ ليلاً؟ هذا ليس من عادة الألمان. تعال معي إلى نقطة المراقبة. هناك أوضح."‏

حين ركضا خارجين من البستان تحركت بسرعة تحت أشجار التفاح من جهة أشجار الحور المتطرفة النامية على امتداد كتف الطريق هيئة قاتمة مهتاجة، وهي تحف المشمع بالأغصان، وانطلقت صيحة مذعورة:‏

"- من هناك؟ سأطلق النار."‏

ناداه إيليا بصوت رنان: "- إلى الوراء أيها الحارس. أصدقاء. أسألك إلى أين اندفعت؟ اركض إليّ حالاً."‏

هرع الحارس إليه متعثراً بقدميه وتحشرج صوته على نحو متقطع:‏

"- ظننت أيها الرفيق قائد البطارية أن الألمان... ظننتكما ألماناً..."‏

"- هل جننت؟ أنى للألمان أن يظهروا في البستان؟"‏

"- خيل لي منذ بعض الوقت وكأن حصاة نقرت على الردمية."‏

"- متى "منذ بعض الوقت"؟"‏

"- منذ عشر دقائق بدأت تنقر..."‏

فكر فلاديمير: "- بدا لي أيضاً أن ثمة حركة ما على الردمية في أثناء القنبلة المضيئة الثانية. هل خيل لي أيضاً؟"‏

تكلم إيليا بغضب مشمئز: "- لماذا إذن لم تعلن الخطر من قبل أيها الحارس؟ كنت تحلم أيها الشيطان المجذوب؟" ودفع بيده اليسرى الجندي من صدره، فسقط هذا الأخير على قفاه وقد تعثرت جزمته بالعشب، وصاح بصوت ضيق:‏

"- لم أنم أيها الرفيق قائد البطارية، لم أنم."‏

شتم إيليا بنفور: "- هيا اغرب عن وجهي أيها القذر."‏

حين تسلقا منحدر الردمية نحو خندق الاتصال القصير، وحين شاهدا هنا في خندق نقطة المراقبة، ما أزال الشكوك كلـها بحدة لا تلين، بدا لـهما للوهلة الولى أن الألمان قد عزلوهم والتفوا من المؤخرة- طارت قنبلتان مضيئتان مرتفعتين فوق طرف الغابة على ضفة الجدول الأخرى، غير بعيدتين عن مواقع المدافع الثلاثة، وتلألأتا بغموض ثم انطفأتا في الماء المشتعل لحظة. كانت هاتان القنبلتان خلف نقطة المراقبةغير متوقعتين وخطرتين إلى حد خيل لفلاديمير معه أنه يسمع بوضوح صيحات أوامر ألمانية عند طرف الغابة حيث تمركزت المدافع، فقال وهو يكاد لا يلتقط أنفاسه:‏

"- كل شيء واضح يا إيليا. أظن أن الألمان التفوا حولنا. أنا ذاهب إلى البطارية."‏

أمره ايليا ناظراً سريعاً إلى الخلف، نحو طرف الغابة: "- على رسلك، سنتبين الأمر. لا تذعر..." واندفع يساراً نحو حافة الخندق: استلقى هناك الرقيب شابكين بصدره على الساتر وراح يطلق رشقات قصيرة من بندقيته على امتداد السكة الحديدية. صاح إيليا: "- هل يلتفون من اليسار؟ ماذا؟ الرماة؟ يحاصرون نقطة المراقبة. أين الراميين من المشاة؟"‏

التفت شابكين كاشفاً عن أسنانه الوردية بتكشيرة وحشية، لكنه لم يستطع أن يجيب بشيء واضح وراح يرمي برأسه وحسب في الفضاء المليء بخطوط الطلقات وهدير المحركات وأقواس القنابل المضيئة المحترقة وإطلاقات نيران المدفعية التي أضاءت الظلمة بسطوع.‏

رأى فلاديمير في فواصل تناوب النيران والظلام هذه الميدان الذي يبتدئ إلى يمين الغابة خلف ردمية السكة الحديدية والمغطى بأكداس القش الطويلة، وقد راحت الدبابات تسير بينها وتزحف خارجة من الغابة وتتحرك بزاوية متطاولة إلى اليمين في الحقل على امتداد الجبهة نحو محيط المحطة، اما في جوار أبنية المحطة المتطرفة خلف تلاع خنادق المشاة فراحت تصفق من غير صوت مدافعنا عيار 45مم، وترد باستعجال محموم، غير أن الدبابات سارت حصينة، وصارت تقترب شيئاً فشيئاً من محيط المحطة، وكانت ظلالـها في نور القنابل المضيئة ممطوطة على نحو مهول ومتكسرة، وقد راحت تقذف الطلقات من قرون استشعارها السميكة نحو الأبنية.‏

أمر إيليا فلاديمير: "- هيا إلى المدافع. مدافع الـ45 لا تستطيع أن تضرب سوى الذباب. أخرج المدافع إلى الرمي المباشر وضعها على الردمية. سيكون الرمي من هنا أفضل. هيا..."‏

"- أيها الملازم، قائد الكتيبة على الـهاتف. أيها الخامس، المشاة يطلبونك."‏

برز من تفرع الخندق شبح المساعد لازاريف الأخرق، وسمع فلاديمير وهو يركض خارجاً من خندق الاتصال كيف صاح إيليا "للخامس" في السماعة، وأوضح لـه أنه لا يسمح لأحد بأن يصرخ في وجهه كالمذبوح، وأنه يرى الدبابات وسيدعم الآن المشاة بنيران مباشرة، ثم تدحرج على حدور الردمية بعد أن سمع سبابه المخنوق الموجه للازاريف، واتجه إلى هاوية البستان المظلمة، التي راح ينيرها وميض القنابل المضيئة طوال الوقت.‏

اندفع نحو الجسر مباشرة من غير أن يميز الممرات، ورأى في الفناء مكبس البئر تحت الأشجار، والعنبر ببابه المفتوح، الذي تدفقت عبره على وجهه منذ قليل رائحة القش الفتي والحليب الطازج وحيث انطلق حينئذ من الظلمة همس المرأة الحار ويداها الجاذبتان وحركة جسدها الصريحة التي ألـهبته خجلاً- وخطر في بالـه هنا، في الحال، أن عليه أن يقول لـها من غير إبطاء ويحذرها من أن المعركة قد نشبت، وأن البقاء هنا خطر، فأطل بنظره وهو راكض على عتمة العنبر العسلية الخانقة، وصاح بصوت مخنوق: "ناديا، هل تسمعينني؟" لم يرد عليه أحد. استدار في اللحظة التالية نحو المنزل المعروف وفتح بابه بدفعة من كتفه، وصاح من جديد في هالة مصباح الكاز البرتقالية في ركن المطبخ الصغير: "ناديا، ارحلي من هنا، ارحلي حالاً." وبعد أن تأوه صوت شاك، وحجب شبح امرأة ضوء المصباح ارتد عن الباب وانطلق مباشرة إلى طرف البستان منزلقاً على العشب، واطئاً ثمار التفاح المتعفنة، وحين قفز فوق السياج المقلوب سابحاً في عرقه ووصل إلى الجسر لم يعد الـهواء يكفيه، وارتدت ضربات الدم مصحوبة بالألم في رأسه المصاب بالارتجاج، وراحت تتراقص ألعاب القنابل المضيئة على شكل قفزات من الخلف، من وراء الظهر، وتندفع فوق البستان نحو ذرا تلة الصنوبر، وتبهر العيون وهي تتناثر في الأمام، عند طرف الغابة، حيث بدت المدافع وكأنها تقفز خارجة من الظلمة إلى النور العاري، وأخذت هيئات أشخاص تنحني حولـها متحدبة كالتلال وتقفز وتجلس القرفصاء في رقصة غير مرئية.‏

اتجه نحو المدافع مباشرة على ساقيه المعوجتين، مترنحاً ومتخبطاً بجزمته في التراب اللزج وهو يصيح آمراً:‏

"- عربات الجر إلى البطارية."‏

خطر خاطر في رأسه المقيد بالألم النابض: "- لا أسمع شيئاً مرة أخرى." لكنه رأى على مقربة بقع الوجوه البنفسجية المتراقصة بجانب المدافع وعامت على نحو غير دقيق أصوات الجنود والأوامر المتكررة والقرع الحديدي للركائز المسحوبة وصوت المذخر كالينكين الغنائي المقطوع لسبب ما، والذي يخترق الآذان:‏

"- ماذا يحدث، ماذا يحدث..."‏

لم يثب الحوذيون، الذين أنهضهم الخطر الداهم، إلى رشدهم تماماً على الأرجح، إذ خرجت عربات الجر من مخابئها في الغابة وهي تتمايل يمنة ويسرة على التلة، ثم تدحرجت أخيراً نحو مواقع المدافع، وهناك صفوا العربات على نحو لا يدل على المهارة وهم يصيحون على الجياد ويتلفتون على السروج بغباء، ثم أرجعوها بخط منكسر إلى الخلف، وربطوا المدافع بالخطافات مقرقعين، حتى أن عرائش العربات ارتفعت شادة معها رؤوس الجياد. قفز فلاديمير على درجة عربة المدفع المتحركة أولاً وتسلق الرقيب ديمين الدرجة الأخرى في الوقت نفسه.‏

"- خببا، إلى الطريق. عبر الجسر. نحو المعبر."‏

زعق ديمين وهو ينحني إلى الأمام نحو الحوذيين: "- إلى المعبر ثكلتكم أمكم. بسرعة."‏

ساط الحوذيان الجياد، فاندفعت من أمكنتها، وصر التراب تحت العجلات العالقة خلف خط النار مباشرة، ثم راحت العربة تنقذف يمنة ويسرة بسبب من وعورة الطريق، وتمكن فلاديمير من الثبات بصعوبة بعد أن تشبث بحاجز العربة. بعدئذ راحت حوافر الخيول تقرع بقوة الطريق السوية ثم ضربت على نحو أصم الجسر المقام من جذوع الشجر فوق الجدول، وبدأت تقترب من الأمام مباشرة خطوط المعبر. اندفعت هناك، خلف ردمية السكة الحديدية، صاعدة كالشلالات أسراب القنابل المضيئة المخترقة بالطلقات الخطاطة المعترضة، أما من اليسار، في الأسفل، فظهر واختفى في قفزات الضوء بستان التفاح والمنزل وسط الأشجار، حيث كانت المرأة ذات اليدين عديمتي الحياء والصدر الممتلئ...‏

خطر لفلاديمير: "سنقطع المعبر الآن وننعطف يساراً نحو نقطة المراقبة.."‏

وأراد أن يصدر الأمر للحوذيين، لكن ذلك لم يتسن لـه ولم يفهم ما حدث في اللحظة التالية...‏

قفزت عربة جر المدفع نحو المعبر على الردمية وكأنها تحلق في السماء فوق الحرائق في البلدة قرب المحطة وفوق هياكل الدبابات الزاحفة في الأمام والممتدة من اليسار إلى اليمين، نحو المنازل المتطرفة- قفزت العربة نحو المعبر، وحينئذ ضربت الآذان قرقعة حديدية، وأعمى الأبصار لـهيب انفجار تحت حوافر الخيول. هوى الجوادان الأماميان المنطلقان بأقصى سرعة على قوائمهما الأمامية، وطار الجوادان الخلفيان فوقهما مطلقين شخيراً، فانقذفت العربة وانقلبت على جانبها، وفهم فلاديمير بغموض، مبتلعاً التولين الألماني والدخان المتصاعد ضفائر ضفائر، ومذهولاً، وقد ألقته على الأرض دفعة قوية مخيفة، أنهم أطلقوا النار على المدفع عن كثب، ومن مسافة قريبة على نحو لا يعقل، لذلك لم يسمع صوت الطلقة. أجهد نفسه محاولاً النهوض ليصيح للمدفع الثاني ويأمر طاقمه بالتوقف في الأسفل وعدم الخروج إلى المعبر وإلى هذا المكان المكشوف- وراى في تلك اللحظة على بعد ستين متراً تقريباً إلى اليمين، على ردمية السكة الحديدية مباشرة، جسم الدبابة الـهائل الثابت القاتم ذا السبطانة المرتجفة الطويلة المنكسة.‏

أصابت القذيفة الثانية منتصف العربة الثانية تماماً، فشب الجوادان الأماميان على قوائمهما الخلفية، مدفوعين بالنار المندلعة من الأسفل، وسقط الحوذيان عن السرجين، فيما سحب الجوادان الخلفيان العربة إلى مكان ما يساراً، جارين المدفع على حافة المنحدر، فانكفأ على إحدى عجلتيه وتحطم الخطاف مصدراً صريراً معدنياً، وانفصل عن العربة التي تدحرجت مع الجوادين الخلفيين إلى الـهاوية.‏

أطلقت الدبابة، التي صعدت إلى ردمية السكة الحديدية، النار عن قرب على المدافع التي لم تدخل المعركة بعد، وفاح عجز ما قبل الموت برائحة برد القبور، ورأى فلاديمير، وهو يوجه ويصيح ويصدر الأوامر، الجنود الزاحفين نحو المدفع من غير أن يرى أياً منهم بمفرده، وشعر بالكراهية نحو نفسه ونحوهم على زحفهم هذا الشبيه بزحف النمل امام الدبابة، التي قصفت من غير رحمة المدافع على الدرمية قبل أن تطلق طلقة واحدة.‏

برقت في رأسه: "لو نستطيع إطلاق قذيفة واحدة، لو نطلق على الدبابة طلقة واحدة." وراح يكرر أوامره للجنود وهو مستلق على المعبر من غير أن يسمع صوته، ويطلب منهم ويرجوهم أن يدخلوا المدفع في المعركة، ويلقموه جاثين، ثم شتم غاضباً، وشعر أنه يبكي ذارفاً دموع العجز.‏

سمع بعد ذلك طلقة الدبابة الثالثة. رمت الدبابة على المدفع الثالث، الذي انعطف بعد الطلقتين الأوليين عن ردمية السكة الحديدية إلى خارج الطريق. سارت عربة جر المدفع على المنحدر نحو المنخفض مباشرة، نحو سياج البستان، وانطلقت قذيفة الدبابة خلف الدرع من غير أن تمس لا المدفع ولا الطاقم الذي تشتت في المنخفض.‏

فكر: "لو نستطيع إطلاق طلقة واحدة، لو نستطيع..." وراح، وكأنه يهذي حاثاً الجنود، ويداه تصطدمان بالمناكب والظهور المتعرقة، يساعد في دفع حديد الركائز الثقيلة، فرحاً لأن الدبابة تركت المدفعين اللذين أوقفهما على المعبر خارج مرماها وراحت ترمي على المدفع الثالث، الذي خرج من تحت الانفجارات. أصابته ثواني التقاط النفس هذه، الممنوحة لـه مصادفة كمحاولة أخيرة للخلاص من هذا الحلم الغبي المميت، برجفة الجنون من فكرة وحيدة: "لو نستطيع إطلاق طلقة واحدة، ولو طلقة."‏

لم يعرف حينذاك أن أبدية كاملة ومئات المصادفات الممكنة وحياة البشرية كلـها ونظرة من أحدهم استغرقت ثانية واحدة في موجِّه التصويب قد حالت بينه وبين تلك الطلقة. لكنه حينئذ عرف بدقة تامة أن مدفعه بارز كالـهدف التدريبي على المعبر على بعد ستين متراً أمام الدبابة، ومتميز بتحدب درعه الواضح والأسود كالفحم- و("ساعدني يا إلـهي") بدا كل شيء مكشوفاً تماماً أمام برد الموت الحديدي. لم يكن مستعداً آنذاك للموت ولـهذا الظلم الـهائل، ورأى كدر الرعب واليأس الغبي وانتظار اللحظة الأخيرة في عيون الجنود ووجه الرقيب ديمين الـهامد بضراوة، وقد راح يزحف كالوحوش على أربع نحو الموجه، وفوهة خزنة المدفع المفتوحة والركائز المفرَّج بينها والمسندة كسكك المحاريث في مسامير السكة الحديدية المصقولة وذقن كالينكين المرتجفة، وقد انحنى متقوساً فوق صندوق القذائف المتداعي، الذي سقط عن القاعدة حين اصطدم الجوادان الخلفيان المصعوقان من الانفجار بالجوادين الأماميين المقتولين بالشظايا.‏

رغب فلاديمير في أن يفهم: "أين إيليا؟ عليه أن يرى من نقطة المراقبة ما حدث لنا عند المعبر." وكان يصدر في ذلك الوقت الأمر نفسه الذي يحمل لدى الجميع معنى الفناء العام، ثم التقط في سورة جنونه وفقدانه الذاكرة، متخطياً كالينكين، قذيفة وأدخلـها في الخزنة وهو يزحف على ركبتيه حول الركائز.‏

حين ضرب وجهه هواء البارود المحترق الحامضي لم يقدر، وقد أعماه برق الطلقة، على أن يحدد إصابة قذيفته، غير أن زوبعة نارية صفرت في الحال فوق رأسه وصفعت الحديد، وتأوه أحدهم قرب المدفع وصاح: "ماذا يحدث، ماذا يحدث، يضربون من الخلف." والتفت الرقيب ديمين عن الموجه بعينين مجنونتين. راحت الجياد تصعد بالمدفع الثالث خبباً إلى المعبر، وركض إيليا أمامها والبندقية الآلية معلقة برقبته، وأخذ يصيح بشيء ما للحوذيين المنحنيين على ظهري جواديهما خوفاً، أما من الخلف، من عند بداية تلة الصنوبر حيث كانت المدافع متمركزة قبل قليل، فراح يرميهم رشاش يدوي ألماني برشقات خطاطة. وفهم فلاديمير أن إيليا، بعد أن شاهد من نقطة المراقبة ما حدث عند المعبر، اندفع للقاء المدفع الثالث كي يخرجه إلى الموقع الناري ضد الدبابات الزاحفة نحو البلدة المجاورة للمحطة. لكن مشهد إيليا الراكض على الطريق بالبندقية وعربة جر المدفع ورشقات الرشاش الألماني القريبة من الخلف ومض لحظة فقط- واختفى كل شيء في قفزات اللـهب والصرير والدوي والعويل، وفي التولين الألماني الخانق. قذفت قوة الانفجارات الـهائلة المدفع على المعبر، وارتفع الدخان الممزق بأسنان النار فوق الدرع، وابتعد أفراد الطاقم زاحفين قرب الردمية وهم يسعلون ويكادون يختنقون، وصار ظهر الرقيب ديمين المحدودب يظهر ويختفي في هذا اللـهب المبهر، وميز فلاديمير، الصائح صياحاً مخنوقاً ("ديمين، ديمين")، والمدفوع عن المدفع بهبات الـهواء المتوهج بوحشية، التي سدت فمه وأنفه، ملامح رؤوس الجياد المرفوعة إلى السماء وهي تقفز جارة عربة المدفع الثالث نحو المعبر، وعيني الحوذي الأمامي الخائفتين والمنحرفتين نحو إيليا. أما إيليا فراح يشد بعناد الجوادين الأماميين المجفلين من عنانيهما وهو ينظر بغضب إلى أفراد الطاقم المنبطحين بسبب من الانفجارات "نهوضاً، نهوضاً، إلى المدفع." انطلق الصوت البشري ضعيفاً من فوضى الأصوات الزائرة والصارة- اقتلع الدوي العوارض حول المعبر، وهدم التراب إلى اليمين من المدفع وأمامه، وخيل لفلاديمير أن بضع دبابات قد خرجت من خلف الأكداس إلى الحقل عازلة البلدة المجاورة للمحطة وصعدت من المنخفض نحو ردمية السكة الحديدية، حيث راح الدخان يتصاعد بكثافة من الدبابة الأولى ("أصبتها، أصبتها...")، وانفجرت خطوط القذائف المتقاطعة كالإعصار من الجانبين عند المعبر. أراد أن يحدد بدقة من أين ضربت الدبابات، فرفع بصعوبة رأسه، الذي صار ثقيلاً جداً، ورائحة الحريق تكاد تخنقه.‏

لم تكن عربة جر المدفع الثالث موجودة ولا الحوذي الأمامي ذو الوجه المشوه من الخوف والملتفت نحو إيليا. ولم يكن أيضاً إيليا نفسه، الذي شد يائساً عنان الجوادين الأماميين- كل ما ظهر عند المعبر قبل دقيقة تدحرج على المنحدر مثل شلة خيطان سوداء متشابكة إلى هناك، نحو المنخفض من حيث أخرج إيليا العربة للتو عبر الطريق. جر المدفع، الذي لم يوقفه أفراد الطاقم ("أين هم؟ هل قتلوا جميعاً؟")، خلفه بفعل الثقالة الحديدية العربة بالعرض على الطريق والجياد الأربعة، التي راحت تصهل من غير الحوذيين صهيل الألم وتقف على قوائمها الخلفية وتسقط على ركبها وتكسر قوائمها. تدحرجت العربة المتشابكة والمرتعشة، التي ما عاد الحوذيان يسوقانها، على الردمية نحو الأسفل، أما عند بداية التلة، والآن من البستان، فراحت تدرز العتمة رشقات بنادق الألمان الملتفين من الخلف، منغرزة في هذه الشلة الـهائلة ومجهزة على الجياد الـهائجة من ضربات الدبابات.‏

"الموت؟... ههنا؟ الآن؟" دقت هذه الكلمات على صدغي فلاديمير المضغوط بالزعيق وتوهج الشظايا على العوارض، أما العوارض فكانت تنتفض تحته وتدفعه من صدره، ولم ينتظر، وهو المصاب بالارتجاج وبتشنجات الغثيان في معدته، ألم الجسد الممزق بالشظايا وهذا الشعور بمفارقة الجسد، بل انتظر ضربة تلسع الرأس، وسقوطاً فورياً في السواد... حاول، حاقداً على انزلاقه الكريه إلى لجة الخوف، الذي ضغطه على الأرض، أن يعي أن عليه النهوض إلى المدفع والاستمرار في إطلاق النار، وحاول أن يرفع رأسه. "إيليا، أين إيليا؟ أين إيليا؟ أين ديمين؟ أين كالينكين؟..."‏

"- فولودكا. أنت حي؟.."‏

سقط أحدهم على نحو ثقيل إلى جانبه، وهزه من كتفه بقوة غاضبة، ورأى قربه عيني إيليا الممتلئتين حنقاً، وفمه المعوج، وشعره الأسود الملتصق على نحو مائل بصدغه المتعرق. صاح غاضباً: "- لم أنت مستلق؟ هل سننفق؟.. ضابطان عند المدفع وننفق؟ ذخر، ذخر، ذخر يا فولودكا، ذخر..."‏

ونهض على ركبتيه، مرتدأ عن كتف فلاديمير، وتطاول نحو الموجه، لكن يده اليسرى زحفت نحو عجلة التوجيه بدفعات خرقاء، وكان كفه وكم قميصه ملطخين لسبب ما بالتراب حتى السواد، ولم يستطع أن يمسك بعجلة آلية الرفع إذ اصطدمت أصابعه الملطخة بالطين كلـها كالميتة بالحديد.‏

صاح فلاديمير وهو يرمي القذيفة في الخزنة جاثياً: "- ماذا؟ ماذا؟ ماذا يا إيليا؟"‏

همس إيليا بصوت مسعور أبح: "- ذخر. سننفق فيما بعد. فيما بعد..." وانحرف بهيكلـه كلـه مدوراً عجلة التوجيه بالتناوب، وضغط مستعجلاً جبينه على منظار الموجه وصرف بأسنانه وضغط زر الإطلاق.‏

دخلت الدبابات الأمامية البلدة، والتهمت الحرائق المنازل المتطرفة، وتدحرجت أعمدة الدخان الأحمر في الطرقات مع أرجوحة الشرار، وغمرت المنخفض، واقتربت من ردمية السكة الحديدية قرب بناء المحطة، حيث أخذت أشكال بشرية رمادية تذهب وتجيء في المزيج الناري، وتصادمت خطوط طلقات البنادق، وراح صهريج نفط في الطرقات خلف سطح مستودع البضائع يحترق مسوِّداً السماء بدخان كثيف، وهناك، قرب مستودع البضائع، صعدت الدبابات المنارة بالحرائق نحو السكة الحديدية، وعبرت الردمية، وخرجت إلى ضفة الجدول الأخرى مخترقة دفاعات مشاتنا.‏

... استطاعا إطلاق صندوقي قذائف على الدبابات. أصابهما الصمم من دوي الطلقات، ولم يسمع واحدهما أوامر الآخر، وراحا يخمنان غريزياً تقريباً دقة الإصابات ويسبان بأقذع كلمات الحقد مع اندلاع اللـهب القرمزي على دروع الدبابات، لكن هدوءاً لا يمكن تخيلـه قطع فجاءة دوي الطلقات. ضربت رشقات البنادق الآلية الآتية من الخلف واليمين جسم المدفع مصحوبة برنين متقطع. تنحى إيليا الجاثي على ركبتيه جانباً، ونظر بعينيه المضيقتين المبهورتين بخط الطلقة إلى الجهة التي انطلقت منها، وسقط في الحال ببطنه على الأرض بين الركائز مخرجاً مسدسه من قرابه، ووجهه غير معروف من الغضب الذي شوهه:‏

"- آ، الأنذال. التفوا من الخلف."‏

ثبت على الركيزة يده الممدودة، وأطلق بضع طلقات على التوالي باتجاه حركة الناس الجماعية فوق الجسر المقام من جذوع الأشجار، من حيث انطلقت الومضات النابضة، ولحظ فلاديمير في تلك اللحظة، في بريق الحرائق على الردمية، سلسلة من الألمان الذين تحركوا على امتداد السكة الحديدية نحو المعبر ناثرين حزم الرشقات، أما من الأسفل، من البستان، فصعدت على المنحدر ظلال راكضة، ودرزت نيران البنادق الطريق والجسر والردمية قرب المعبر وأحرقتها- تراقصت نيران الطلقات المنفجرة المتكاثفة، والمنهمرة بوحشية، بين عشب المنحدر وعبر السكة الحديدية ناشرة إعصاراً حاراً مميتاً- ولم يكن في الإمكان رفع الرأس.‏

"- لقد عزلونا يا إيليا. هل ترى؟"‏

تناهى إلى مسامع فلاديمير صوته الأبح المختنق: "- انتهى. حاصرونا، الأنذال. لننسحب. انتهى. عبر الجدول، عبر الجدول. نحو المحطة... اتبعوني..."‏

(1) نادينكا وناديا تصغيران لاسم ناديجدا (المعرب).‏

(2) الساموغون هو مشروب روحي منزلي الصنع (المعرب).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244